الجزائر تلاحق بارونين من شبكة «مافيا دي زاد» بتهم ثقيلة

استبعدت تسليمهما لباريس رغم أنهما مطلوبان للقضاء الفرنسي

وفدا وزارتي العدل الجزائرية والفرنسية بحثا بالجزائر تسليم أعضاء «مافيا دي زاد» في مايو الماضي (وزارة العدل الجزائرية)
وفدا وزارتي العدل الجزائرية والفرنسية بحثا بالجزائر تسليم أعضاء «مافيا دي زاد» في مايو الماضي (وزارة العدل الجزائرية)
TT

الجزائر تلاحق بارونين من شبكة «مافيا دي زاد» بتهم ثقيلة

وفدا وزارتي العدل الجزائرية والفرنسية بحثا بالجزائر تسليم أعضاء «مافيا دي زاد» في مايو الماضي (وزارة العدل الجزائرية)
وفدا وزارتي العدل الجزائرية والفرنسية بحثا بالجزائر تسليم أعضاء «مافيا دي زاد» في مايو الماضي (وزارة العدل الجزائرية)

وجَّه الادعاء الجزائري ثلاث تهم يشملها قانون العقوبات لعضوين قياديين من شبكة «مافيا دي زاد»، وأودعهما الحبس الاحتياطي في انتظار استكمال التحقيق بالتعاون مع جهاز الأمن الفرنسي. وتنشط هذه الشبكة في الجنوب الفرنسي أساساً، لكن معظم قادتها ينحدرون من الجزائر، التي كانت ملجأً لهم في السنوات الأخيرة للإفلات من الملاحقة الأمنية بفرنسا.

اسم عصابة «دي زاد» على جدار بالجنوب الفرنسي (أ.ف.ب)

أفاد وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، الاثنين، عبر حسابه بـ«إكس»، بأن السلطات الجزائرية أمرت بإيداع تاجري مخدرات يحملان الجنسيتين الفرنسية والجزائرية، هما جمال جهة ومهدي لعريبي، الحبس الاحتياطي؛ وذلك عقب توقيفهما خلال الأسابيع الأخيرة لصلتهما بالتنظيم الإجرامي «مافيا دي زاد»، الذي يسيطر على تجارة المخدرات في مدينة مرسيليا بجنوب فرنسا. وأكد دارمانان أن المطلوبين البارزين لدى القضاء الفرنسي أُودعا الحبس بطلب من نيابة الجزائر العاصمة، ليُنهى بذلك إجراء الرقابة القضائية البسيطة التي كانا يخضعان لها.

تفكيك ومحاكمة

أكدت مصادر قضائية جزائرية أن النيابة بـ«محكمة سيدي امحمد» في العاصمة، وجهت رسمياً جنايات «غسل أموال ذات عائدات إجرامية»، و«الانخراط في تنظيم إجرامي عابر للحدود»، و«المس بأمن واستقرار البلاد»، للعضوين البارزين في شبكة «مافيا دي زاد»، جمال جهة ومهدي لعريبي.

صورة متداولة لمهدي لعريبي في الإعلام الفرنسي

وأوضحت المصادر ذاتها أن المتهمين وُضعا تحت الإجراءات القضائية المباشرة؛ تمهيداً لمحاكمتهما أمام المحاكم الجزائرية، عبر الإنابة القضائية الفرنسية، مشيرة إلى أن جهة ولعريبي سيخضعان للمحاكمة وفقاً لأحكام قانون العقوبات والتشريعات الوطنية، المعمول بها في مجال محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة، مع استبعاد إجراءات تسليمهما، أو ترحيلهما إلى السلطات الفرنسية التي تطلبهما في قضايا إجرامية مماثلة.

تم توقيف جهة المولود سنة 1990 في الثالث من أغسطس (آب) الحالي بغرب الجزائر، حيث أقام لسنوات عدة، حسب الأمن الجزائري، وقد وصفه وزير العدل دارمانان بأنه «هدف ذو أولوية» بالنسبة إلى القضاء الفرنسي، وذلك في سياق التعاون القضائي المتزايد بين باريس والجزائر لمكافحة الجريمة المنظمة، وشبكات الاتجار بالمخدرات.

وتشير معطيات أمنية إلى أن عائلة جهة تتحدر من بجاية، عاصمة القبائل الصغرى (250 كلم شرق العاصمة)، والتي غادرها والداه مطلع ثمانينات القرن الماضي للإقامة في مرسيليا.

كما تفيد التحقيقات بأنه كان يتنقل بين مدن ومناطق عدة في الجزائر بشكل متخفٍ، قبل أن يتم رصده وتوقيفه. علماً أن شقيقه محمد جهة، الملقب في أوساط المخدرات بـ«ميمو»، سبق أن تردد على مسقط رأس العائلة، وهو حالياً محتجز في فرنسا.

وجاء توقيف جهة بعد أيام قليلة من شل نشاط «الحوت الكبير» ضمن الشبكة، مهدي لعريبي، المعروف في الأوساط الإجرامية بلقب «تيك»، وهو أحد القادة البارزين في «مافيا دي زاد»، ويتحدر من ولاية الشلف بالغرب الجزائري، وكانت عائلته هاجرت من إحدى بلدات الولاية منذ عقود، واستقرت في الأحياء الشمالية لمدينة مرسيليا، حيث توجد جالية جزائرية كبيرة.

وتفيد المعلومات التي يتضمنها الملف بأن مهدي لعريبي (26 سنة) استقر في الجزائر منذ 2023، حيث هرب فور اشتداد الخناق عليه في مرسيليا، إثر تصاعد حرب التصفية الجسدية بين شبكته «مافيا دي زاد» وشبكة «يودا» المنافسة. وصدرت بحق مهدي أحكام قضائية، ومذكرات توقيف دولية صادرة عن القضاء الفرنسي، بتهم تتعلق بالتصفيات الإجرامية، وتجارة المخدرات في الأحياء الشمالية لمرسيليا.

ملصق لوثائقي تلفزيوني فرنسي حول شبكة «مافيا دي زاد» بمرسيليا

تفاصيل توقيف «تيك»

اشتهر لعريبي بظهور سينمائي طفولي في فيلمي «الشياطين» (2002) و«خامسة» (2008)، الذي استوحى منه لقبه «تيك». وتحول بعدها إلى عالم الجريمة، وسُجن في فرنسا لتورطه في مقتل شخصين قبل الإفراج عنه عام 2021.

في بداية 2023 شارك لعريبي في تأسيس تنظيم «مافيا دي زاد» لإدارة شبكات المخدرات، وابتزاز رجال الأعمال بالأحياء الشمالية لمرسيليا، وبرز بوصفه أحد قادتها خلال معارك سيطرة قوية شهدها الجنوب الفرنسي بين شبكته وشبكة «يودا».

وأُوقف لعريبي بغرب الجزائر في 20 يوليو (تموز) الماضي؛ بناءً على مذكرة توقيف دولية فرنسية، وتقرر وضعه في الرقابة القضائية تفعيلاً للتعاون القضائي، قبل إيداعه الحبس على ذمة التحقيق.

وعقب توقيفه، أعرب مدعي عام الجمهورية بمرسيليا، نيكولا بيسون، عن رضاه الشديد عن العملية التي نفذتها السلطات الجزائرية بسرعة قياسية، وفق تعبيره، مشيراً إلى أنها تعكس مستوى عالياً من التعاون؛ كون أمر القبض صدر عن قضاة التحقيق بالقطب القضائي المتخصص في 6 يوليو الماضي، أي قبل أقل من 15 يوماً من التوقيف. وأضاف المدعي العام أن خيار التسليم يبدو غير مرجح لكون الاتفاقية المبرمة بين البلدين تمنع تسليم الرعايا الحاملين لجنسيتهما، غير أن التشريعات تتيح محاكمة تجار المخدرات داخل الجزائر في حال تقدمت فرنسا بطلب رسمي لذلك.

وزيرا العدل الجزائري والفرنسي بالجزائر في مايو الماضي (الوزارة الجزائرية)

وكان الطرفان الجزائري والفرنسي قد بحثا ملياً ملف تسليم عناصر «مافيا دي زاد» خلال الزيارة، التي أداها الوزير جيرالد دارمانان إلى الجزائر في مايو (أيار) الماضي. ورافق الوزير الفرنسي في المباحثات وفد رفيع ضم القائمين على الملف، وهما باسكال براش، المدعي العام الوطني المالي، وفانيسا بيري المدعية العامة المكلفة مكافحة الجريمة المنظمة.


مقالات ذات صلة

إصلاح التعليم يقسم الشارع السياسي بالجزائر

شمال افريقيا ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)

إصلاح التعليم يقسم الشارع السياسي بالجزائر

تصاعدت حدة الاستقطاب في الجزائر منذ الإعلان عن إصلاحات في قطاع التعليم بداية الشهر الحالي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا المواطن الألماني أولوماسكان سينان مع مدير الإعلام بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)

كواليس عملية استخباراتية جزائرية لتحرير ألماني احتُجز في النيجر

لا يزال الغموض يكتنف قضية «الرهينة الألماني» الذي تسلّمته الجزائر من النيجر بعدما خطفته «مجموعة إجرامية مسلحة» وطالبت بفدية، وفق تقارير صحافية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية المنتخب الجزائري للسيدات (منصة إكس)

الجزائر إلى مونديال السيدات للمرة الأولى بعد بلوغ نصف نهائي كأس أفريقيا

ضَمِن المنتخب الجزائري للسيدات تأهله إلى كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه، بعدما بلغ نصف نهائي كأس أمم أفريقيا لكرة القدم المقامة في المغرب.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
شمال افريقيا الدرك الجزائري خلال عملية أسفرت عن مصادرة كمية كبيرة من المخدرات (الدرك)

الجزائر تصعِّد حربها على تجار المخدرات

اعتمدت الجزائر خطوة جديدة في إطار خطتها لمحاربتها ظاهرة الاتجار بالمخدرات؛ بعد عام من اعتماد قانون جديد يتسم بصرامة عالية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية الجزائري إسماعيل بن ناصر يرحل عن فريق ميلان (رويترز)

الجزائري بن ناصر يودّع جماهير ميلان

أصبح رحيل الجزائري إسماعيل بن ناصر عن فريق ميلان الإيطالي مؤكداً، فبعد أكثر من 5 سنوات مع النادي، قام اللاعب بطي صفحة ميلان.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)

توحيد المؤسسات الليبية يتصدر محادثات الدبيبة وفيدان في طرابلس

الدبيبة ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مباحثات في العاصمة الليبية طرابلس اليوم الثلاثاء (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مباحثات في العاصمة الليبية طرابلس اليوم الثلاثاء (مكتب الدبيبة)
TT

توحيد المؤسسات الليبية يتصدر محادثات الدبيبة وفيدان في طرابلس

الدبيبة ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مباحثات في العاصمة الليبية طرابلس اليوم الثلاثاء (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مباحثات في العاصمة الليبية طرابلس اليوم الثلاثاء (مكتب الدبيبة)

تصدر ملف توحيد المؤسسات الليبية محادثات رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الثلاثاء، في العاصمة الليبية طرابلس، وذلك خلال زيارة للأخير تستمر يومين، وتشمل أيضاً بنغازي، في وقت تشهد فيه البلاد تحركات سياسية ودبلوماسية متسارعة لإنهاء حالة الانقسام السياسي والعسكري المستمرة منذ سنوات.

وأدرجت حكومة «الوحدة» الزيارة، في إطار «التشاور والتنسيق المستمر بين البلدين حول عدد من الملفات محلّ الاهتمام المشترك»، في وقت تأتي فيه المحادثات على وقع تحركات دولية وإقليمية متسارعة حول الأزمة الليبية، وفي مقدمتها المبادرة الأميركية المطروحة لتسوية الأزمة.

وانصبّت محادثات الدبيبة وفيدان على تطورات الأوضاع في المنطقة وانعكاساتها على الأمن والاستقرار الإقليميين، إلى جانب مستجدات المسار السياسي الليبي، وسبل دعم الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات الوطنية وتعزيز الاستقرار.

كما تناول اللقاء ملفات التعاون بين ليبيا وتركيا، وسبل تطويرها في عدد من المجالات، بما يخدم مصالح البلدين، وفق البيان الحكومي، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن طبيعة هذه الملفات أو نتائج المباحثات.

وتكتسب زيارة فيدان أهمية خاصة، لكونها تشمل طرابلس وبنغازي، بما يعكس اتساع نطاق الاتصالات التركية مع الأطراف الليبية، في وقت تتابع فيه أنقرة عن كثب المبادرات المطروحة لإعادة ترتيب المشهد السياسي والمؤسسي في البلاد.

من لقاء سابق جمع بين الدبيبة واردوغان في أنقرة (الرئاسة التركية)

ومن المقرر أن يجري وزير الخارجية التركي في بنغازي محادثات مع عدد من المسؤولين والقيادات العسكرية في شرق ليبيا، في إطار سعي تركيا لتعزيز التواصل مع مختلف مراكز القوة في البلاد.

ونقلت وكالة «الأناضول» التركية عن مصدر دبلوماسي تركي أن أجندة فيدان تتركز على تبادل وجهات النظر بشأن التطورات الراهنة في المسار السياسي الليبي، وأهمية الاستقرار في البلاد، إلى جانب متابعة المبادرات الأميركية ومسار الأمم المتحدة السياسي.

مسعد بولس (أ.ف.ب)

وتأتي التحركات التركية في توقيت حساس بالنسبة إلى المشهد الليبي، مع استمرار الاتصالات بشأن المبادرة الأميركية التي يقودها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، والتي تتضمن، وفق ما تم تسريبه عن ملامحها، إعادة ترتيب السلطة التنفيذية في البلاد، مع تولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الفريق أول صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، في حين يبقى الدبيبة رئيساً للحكومة.

وتبدي أنقرة منذ أعوام انفتاحاً متزايداً على بناء علاقات مع مختلف مراكز القوة في ليبيا، ولا سيما شرق البلاد، بعدما ارتبط دعمها خلال حرب طرابلس (2019 - 2020) بشكل وثيق بحكومة «الوفاق الوطني» السابقة في غرب ليبيا.

ويعكس انتقال الاتصالات التركية من طرابلس إلى بنغازي توجهاً نحو توسيع هامش الحركة في الملف الليبي، وعدم حصر العلاقات في طرف واحد، خصوصاً مع تعقد المشهد السياسي والعسكري وصعوبة التوصل إلى تسوية، من دون إشراك القوى الفاعلة في شرق البلاد وغربها.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وبحسب المصدر الدبلوماسي الذي نقلت عنه «الأناضول»، فإن أنقرة تسعى إلى تعزيز الحوار مع المسؤولين الليبيين «من دون التمييز بين غرب البلاد وشرقها وجنوبها»، مع التشديد على أهمية حماية الحقوق والمصالح المشتركة للبلدين في شرق المتوسط على أساس مبدأ «رابح - رابح».

كما يتضمن الموقف التركي دعم جهود الأمم المتحدة، الرامية إلى إجراء انتخابات «نزيهة وموثوقة وشفافة» في ليبيا، مع التأكيد على التعاون مع مختلف الأطراف الليبية والمجتمع الدولي لدفع المسار السياسي إلى الأمام.

ويمثل الملف الاقتصادي جانباً رئيسياً من التحرك التركي، في ظل رغبة أنقرة في تطوير تعاونها القائم مع ليبيا في قطاع الطاقة على أساس المنفعة المتبادلة، وتنفيذ مشروعات جديدة، إلى جانب ضمان استمرار أنشطة الشركات التركية في ليبيا بصورة آمنة ومستدامة.

ويحظى قطاع المقاولات بصفة خاصة بحضور لافت للشركات التركية في ليبيا، فيما تسعى أنقرة إلى الحفاظ على مصالحها الاقتصادية وتوسيعها، بالتوازي مع تثبيت حضورها السياسي والأمني في بلد يحتل موقعاً استراتيجياً في منطقة شرق المتوسط.

وتسارعت خلال الأسابيع الأخيرة وتيرة الاتصالات التركية مع قيادات سياسية وأمنية وعسكرية ليبية من المعسكرين، في مشهد يعكس تحولاً لافتاً في مقاربة أنقرة للملف الليبي، ويثير تساؤلات بشأن حدود هذا الانفتاح وأهدافه في المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، أجرى وكيل وزارة الدفاع في حكومة «الوحدة» عبد السلام الزوبي، ومستشار الأمن القومي إبراهيم الدبيبة، محادثات مع الجانب التركي، ممثلاً في رئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم كالين، ووزير الخارجية هاكان فيدان.

وجاءت هذه الاتصالات بعد أقل من أسبوعين على زيارة صدام حفتر إلى تركيا، حيث التقى فيدان وبحث معه آخر التطورات في ليبيا والقضايا الإقليمية والدولية، مع التأكيد على أهمية استمرار التنسيق، بما يعزز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قد استقبل الدبيبة في 18 أبريل (نيسان) الماضي، على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي، في أحدث لقاء رفيع المستوى بين الجانبين.

وتحمل التحركات التركية المتزامنة بين طرابلس وبنغازي دلالات تتجاوز الاتصالات الثنائية، إذ تأتي في مرحلة تعيد فيها القوى الدولية والإقليمية حساباتها بشأن مستقبل الترتيبات السياسية والعسكرية في ليبيا، بينما تحاول أنقرة الحفاظ على نفوذها ومصالحها، وفتح قنوات اتصال مع مختلف الأطراف الفاعلة في أي تسوية مقبلة.


«جرائم مجهولة» وإجراءات ملتبسة تُعقّد أزمة «ملكية خطوط الجوال» في مصر

مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز على فيسبوك)
مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز على فيسبوك)
TT

«جرائم مجهولة» وإجراءات ملتبسة تُعقّد أزمة «ملكية خطوط الجوال» في مصر

مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز على فيسبوك)
مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (صفحة الجهاز على فيسبوك)

تابع الشاب المصري هاني جاد بقلق الأزمة التي تعرض لها الطالب الجامعي عمرو عمارة، بعد أن تلقى اتهامات «تتعلق بالاتجار بالمخدرات»، لمجرد ملكيته لرقم هاتف جوال لم يستخدمه واستغله آخرون؛ ما دفعه للاستعلام عن الأرقام المسجلة باسمه، فاكتشف وجود خطين، تبعها بعدد من الإجراءات التي لا يعلم ما إذا كانت كافية أم أنه يحتاج للمزيد، ولذلك بدأ يركز على توعية المحيطين به ودفعهم للاستعلام عن الأرقام الهاتفية، تجنباً لوقوعهم ضحايا لـ«جرائم مجهولة».

وكانت محكمة الجنايات المصرية قد قضت غيابياً على الطالب عمارة بالسجن المؤبد (25 عاماً) في قضية اتجار بالمخدرات، بعد سقوط عصابة تهريب للمواد المخدرة، كانت تستخدم خطا مسجلاً باسمه في عملياتها الإجرامية. وظهر الشاب منذ أيام، قبل تسليم نفسه لإعادة إجراءات المحاكمة، ليبين أنه قدم بطاقته لشقيقة صديقه التي تعمل في إحدى فروع الاتصالات، فسجلت خطاً باسمه لاستكمالها التارجت، لكنه لم يتسلمه أو يستخدمه، ولا يعلم كيف وصل لهذه العصابة.

وعكس عمارة الذي قدم بطاقته طوعاً، وشهد على لحظة خروج الخط، دون أن يتوقع ما قد يجلبه ذلك من مشكلات، شكا آلاف المصريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي من اكتشافهم وجود العديد من الخطوط المسجلة بأسمائهم دون أن يعلموا عنها شيئًا، وسط تساؤلات عن الإجراءات اللازمة، وقلقهم من احتمال تورطهم في «جرائم لم يرتكبوها».

وتوجه جاد، الذي يعمل في شركة المياه الحكومية بمحافظة الشرقية (دلتا النيل) قبل أيام إلى فرع شركة الاتصالات للاستعلام عن هذه الخطوط، ومعرفة كيف نُسبت له دون علمه، لكنه لم يخرج بإجابات واضحة، فطلب وقف هذه الخطوط، ووقَّع على استمارة معنونة بـ«عدم حيازة وإيقاف خط»، بينما يترقب حالياً ما سينتهي إليه تحقيق النيابة العامة مع شركات الاتصالات في مصر حول القضية، والتفكير فيما إذا كان سيتخذ إجراءات قانونية أخرى تحميه من التورط في أي قضية، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وكان «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر قد أحال، الاثنين، شركات الهواتف المحمولة الأربع إلى النيابة العامة، للتحقيق فيما ورد من شكاوى من مستخدمين، اكتشفوا تسجيل خطوط جوالة بأسمائهم دون حيازتهم لها، وذلك «في ضوء ما قام به الجهاز من إجراءات الفحص والتفتيش للشكاوى الواردة إليه خلال اليومين الماضيين، وما تلا ذلك من استكمال للأدلة والقرائن والمستندات المرتبطة بها».

وقال المحامي حسن شومان لـ«الشرق الأوسط» إن «قضية شرائح الجوال خطيرة، وقد توقع الشخص في قضايا كبيرة تتعلق بالأموال، مثل سرقات إلكترونية أو نصب، أو قضايا جنائية كالتحرش والمخدرات... وغيرها؛ لذا لا تجب استهانة الشخص الذي اكتشف وجود شريحة باسمه بذلك، واتباع الإجراءات».

ونصح شومان المواطنين في البداية بالتوجه إلى فروع الشركات التي أصدرت الخطوط باسمه، والاستعلام عن هذه الأرقام، وتوقيع استمارة إنكار ملكية للخط ووقفه، ثم التوجه إلى قسم الشرطة، وعمل محضر يثبت فيه عدم معرفته شيء عن هذه الأرقام، ويطالب شركة المحمول بتوضيح كيف خرجت باسمه، لافتاً إلى أن «الأمر قد ينطوي على قضايا تزوير».

وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام محلية أن 100 شخص ترددوا على 9 أقسام لتحرير محاضر ضد شركات المحمول بسبب شرائح الجوال.

مقر الشركة المصرية للاتصالات الرئيسي في ميدان الجيزة (الشرق الأوسط)

وكان «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» قد وجَّه في بيان، أخيراً، المتضررين بالتقدم بشكوى للجهاز. وطمأن المواطنين بأن «مجرد تسجيل خط هاتف محمول باسم شخص لا يرتب بذاته مسؤوليته عن الأفعال التي تتم باستخدامه، متى ثبت أن الخط لا يخصه، أو لم يكن في حيازته أو تحت سيطرته الفعلية».

وأضاف شومان موضحاً: «صحيح أن التحقيقات القانونية تستطيع إثبات ما كان الخط في حوزة صاحبه المُسجل باسمه أم لا وقت ارتكاب جريمة، لكن مجرد حدوثها دون إنكار سابق لهذا الخط قد يعرضه للتوقيف احتياطياً لانتهاء الإجراءات، أو القبض عليه لحين إعادة إجراءات المحاكمة لو صدر حكم غيابي ضده، لذا ننصح باستباق كل ذلك بالتقدم بمحضر ضد شركات المحمول».

وقضية عمارة التي ذاع صيتها أخيراً ليست الأولى من نوعها. ويقول المحامي محمود فراج لـ«الشرق الأوسط» إنه رفع قضية ضد رقم يبعث رسائل إزعاج وتحرش وتشهير بموكلة لديه، وبعد الحكم الصادر بخمس سنوات ضد صاحب الخط تنازلت موكلته عن القضية لتأكدها أن «الخط لم يكن في حيازة الشخص المُسجل باسمه، وأن شخصاً آخر استغله وارتكب جرائمه في حقها».

وشدد فراج على أهمية الوعي القانوني بما قد يحدث للشخص من مجرد وجود اسمه على خطوط لا يستخدمها، والتحرك بتقديم شكاوى في الجهات المختصة، ومحضر في قسم الشرطة.

وفوجئ الصحافي محمود العمري بوجود عدة شرائح اتصالات باسمه، ليس له صلة مباشرة بها ولم يستخرجها. وقرر تحرير محضر ضد الشركة، واتخاذ الإجراءات القانونية وصولاً لطلب تعويض، كما توجه إلى فرع للشركة للحصول على ما يثبت تسجيل هذه الشرائح باسمه، لكن الموظف رفض تسليمها إياه، متوقعاً في بوست عبر «فيسبوك» أن تكون الشركات قد أصدرت توجهات بذلك، لكنه أكد الاستمرار في الإجراءات.

ويشير المحامي محمد الصاوي إلى أن «الحصول على تعويض من شركات المحمول مرتبط بحدوث ضرر على الشخص، الذي صدر خط باسمه، لكن عدم وقوع ضرر لا يستوجب تعويضاً»، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بينما يقول حسن شومان إن موكلين كُثراً يأتون لمكتبه يسألون عن الإجراءات التي عليهم اتباعها، وعن إمكانية حصولهم على تعويض، في التباس واضح لدى المستخدمين.

وكان «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» قد أكد «العمل على تعزيز وسائل التحقق من هوية المستخدمين، ومن بينها منظومة التحقق البيومتري، بما يرفع مستوى دقة البيانات، ويعزز أمن وسلامة خدمات الاتصالات».


مصر: مصرع 18 شخصاً في حادث تصادم شاحنتي نقل

حادث تصادم سابق وقع في محافظة بورسعيد فبراير الماضي (محافظة بورسعيد)
حادث تصادم سابق وقع في محافظة بورسعيد فبراير الماضي (محافظة بورسعيد)
TT

مصر: مصرع 18 شخصاً في حادث تصادم شاحنتي نقل

حادث تصادم سابق وقع في محافظة بورسعيد فبراير الماضي (محافظة بورسعيد)
حادث تصادم سابق وقع في محافظة بورسعيد فبراير الماضي (محافظة بورسعيد)

أودى حادث تصادم شاحنتين صغيرتين كانتا تقلّان عمالاً زراعيين في محافظة الإسماعيلية، شمال مصر، بحياة ما لا يقل عن 18 شخصاً، وأدى إلى إصابة 30 آخرين، وفق بيانات أولية صادرة عن جهات حكومية مصرية.

وقالت وسائل إعلام محلية إن الحادث وقع اليوم الثلاثاء، نتيجة اصطدام شاحنتين (ربع نقل) كانتا تقلان عمالاً، ما أدى لوقوع عدد من الضحايا والمصابين، بينهم أطفال.

وكانت وزارة الصحة المصرية قد أعلنت في وقت سابق سقوط 47 شخصاً بين قتيل وجريح، بينهم نحو 30 مصاباً، في الحادث الذي وقع في منطقة الدواويس بمحافظة الإسماعيلية.

وقالت فضائية «إكسترا نيوز» المصرية إن الرئيس عبد الفتاح السيسي يتابع تطورات الحادث، ووجه بسرعة الوقوف على أسبابه، وإنهاء الإجراءات القانونية بشكل دقيق وكامل في أقرب وقت، والإفادة بتطورات الواقعة بصفة مستمرة.

كما كلف السيسي، وزير الصحة والسكان، خالد عبد الغفار، بتوفير الرعاية الطبية المناسبة لحالات المصابين في حادث الإسماعيلية، مع قيام وزارة التضامن بصرف التعويضات بشكل فوري للمصابين وأهالي المتوفين، وفقاً للفضائية المصرية.

وكان العمال، ومعظمهم من قريتين في محافظة الشرقية في دلتا النيل، في طريقهم للعمل في مزرعة بالإسماعيلية، وفق ما أفاد مصدر أمني محلي لوكالة الصحافة الفرنسية.

وتُستخدم الشاحنات الصغيرة المكتظة بشكل واسع لنقل ملايين العمال في القطاع غير الرسمي في مصر، رغم المخاطر التي تنطوي عليها، بما في ذلك على الأطفال العاملين.

وأوضحت وزارتا التضامن الاجتماعي والعمل أنهما تتابعان تداعيات «حادث الإسماعيلية»، فيما جرى نقل المصابين إلى أحد المستشفيات لتلقي الرعاية الطبية اللازمة.

ووجهت وزيرة التضامن الاجتماعي، مايا مرسي، بسرعة اتخاذ الإجراءات لجمع المعلومات الكاملة وبحث صرف المساعدات اللازمة لأسر الضحايا، إلى جانب صرف الإعانات اللازمة للمصابين، وفقاً لحالة كل منهم، وما يحدده التقرير الطبي الخاص بالحادث، ووفقاً للوائح والنظم المعمول بها.

وقال وزير العمل حسن رداد إنه يتابع تطورات حادث الإسماعيلية وأوضاع المصابين بشكل مستمر، بالتنسيق مع الإدارة المركزية لشؤون العمالة غير المنتظمة بوزارة العمل، ومديرية العمل بالإسماعيلية.

ويمثل العمل غير الرسمي نحو 67 في المائة من إجمالي الوظائف في مصر، ويشمل تقريباً كامل القطاع الزراعي، وفق منظمة العمل الدولية.

وأعاد الحادث للأذهان حوادث مشابهة وقعت في غضون عام تقريباً، إذ لقي 18 عاملاً مصرعهم، وأُصيب آخرون جراء حادث تصادم مروّع في محافظة بورسعيد المصرية (شمال) في 19 فبراير (شباط) الماضي، أثناء ذهابهم إلى العمل في أول أيام شهر رمضان.

كما وقع في شهر يوليو (تموز) من العام الماضي حادث مشابه، نتيجة تصادم سيارة نقل ثقيل وحافلة صغيرة (ميكروباص) كانت تقل «فتيات عاملات باليومية» بالطريق الإقليمي في محافظة المنوفية (شمال مصر)، ما أسفر عن مصرع 19 شخصاً وإصابة 3 آخرين.

وتتكرر حوادث الطرق في مصر، دون أن تجد الحكومات سبلاً للحد منها، وبحسب البيانات الرسمية، فقد سجلت مصر أكثر من 33 ألف حالة وفاة و315 ألف إصابة بسبب حوادث الطرق بين عامي 2019 و2023.