تحالف «صمود» السوداني: لم نتلقَّ اتصالاً للمشاركة في الحوار السياسي

أكد أن «لا حل عسكرياً للصراع في البلاد»

حمدوك رئيس تحالف «صمود» خلال أحد الاجتماعات في لندن (متداولة)
حمدوك رئيس تحالف «صمود» خلال أحد الاجتماعات في لندن (متداولة)
TT

تحالف «صمود» السوداني: لم نتلقَّ اتصالاً للمشاركة في الحوار السياسي

حمدوك رئيس تحالف «صمود» خلال أحد الاجتماعات في لندن (متداولة)
حمدوك رئيس تحالف «صمود» خلال أحد الاجتماعات في لندن (متداولة)

أكد التحالف المدني الديمقراطي السوداني «صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، أنه لم يتلقَّ أي اتصال رسمي أو غير رسمي بشأن ما يتداول عن مبادرة لترتيبات حوار سياسي داخل البلاد، بينما توالت ردود الفعل الناقدة والمؤيدة على تسربيات إعلامية بهذا الخصوص.

وكانت تقارير تحدثت عن أن رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، بصدد إجراء مشاورات مع تحالف «صمود»، بشأن الترتيب لحوار سوداني - سوداني. وأشارت إلى أن البرهان أكد خلال اجتماعات مشاركة كل القوى السياسية، عدا حزب «المؤتمر الوطني» الذي كان يتزعمه الرئيس السابق عمر البشير، وتحالف «تأسيس» الذي تتزعمه «قوات الدعم السريع».

وقال تحالف «صمود» في بيان، يوم الاثنين، نشر على صفحته الرسمية على موقع «فيسبوك» إن «تصاعد وتيرة الحديث عن الحل السياسي في هذه الأيام يؤكد صحة موقفه منذ اندلاع الحرب، بأنه لا حل عسكرياً للصراع في البلاد». وأكد أن «التحالف لن يكون طرفاً في أي حلول زائفة تعيد إنتاج الأزمة أو تمنح الحرب ونتائجها شرعية سياسية»، مجدداً الدعوة لإيجاد حلول فورية لوقف الحرب، وإنهاء معاناة السودانيين.

وذكر البيان، أنه لا معنى لمسار سياسي منفصل عن المسارين الأمني والإنساني، ولا مصداقية لحوار يجري تحت دوي المدافع، مشدداً على أن أي عملية سياسية يجب أن تكون مستقلة عن هيمنة أي من أطراف الحرب.

وقال تحالف «صمود»، إن الحديث عن حوار داخل مناطق سيطرة الجيش، يتجاهل حقائق الأمر الواقع، إذ تشهد البلاد انقساماً غير معلن، تتوزع فيه السيطرة على أراضيها بين قوى مسلحة كثيرة، مضيفاً أن هذا المنحى سيؤدي إلى تكريس تقسيم البلاد، «وهي جريمة لن نشارك في اقترافها أبداً».

أرشيفية لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يُحيّي مؤيديه في العاصمة الخرطوم (أ.ب)

وجدّد التحالف رفضه بشدة أن يكون حزب «المؤتمر الوطني» والحركة الإسلامية وواجهاتها جزءاً من أي حوار. وقال في البيان إن «الموقف من هذه الجماعة المصنفة إرهابية يجب أن يكون واضحاً لا لبس فيه»، مضيفاً: «لا مكان لهم في أي عملية سياسية، ولا يجب مكافأتهم على ما ارتكبوه في حق البلاد من إجرام».

وبشأن المبادرات التي تدعو إلى العفو عن قادة القوى المدنية، أوضح البيان أن «هذه الإجراءات سياسية في يد جهات لا مشروعية لها»، مشدداً على محاسبة من أشعلوا الحرب، وارتكبوا الجرائم في حق الأبرياء، فضلاً عن تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية. وأكد التحالف أنه لن يكون جزءاً من «أي ترتيبات شكلية تكرّس واقع الحرب أو تعيد إنتاج أسبابها».

وفي السياق نفسه، قال رئيس حزب «الأمة - الإصلاح والتجديد»، مبارك المهدي، إن تهيئة المناخ لأي حوار داخل البلاد، يجب أن يبدأ بقبول البرهان بالمصالحة الوطنية الشاملة، ووقف الحرب، وفقاً للمقترح الأميركي، والدخول في مفاوضات الترتيبات الأمنية من أجل الوصول إلى جيش مهني واحد يكون بعيداً عن السياسة.

وذكر في تغريدة على منصة «إكس»، يجب على قيادة الجيش تسليم الحكم للمدنيين وفق اتفاق شامل يصدر عن مؤتمر للحوار يضم كل أهل السودان، على أن يعقد الحوار بحياد تام في مقر دولي أو إقليمي خارج السودان، ويحضره وفد يمثل الجيش بصفة مراقب.

وأشار إلى أن حصر إجراءات تهيئة المناخ في إلغاء بلاغات ومذكرات قبض دولية على قادة سياسيين، بسبب موقفهم الرافض للحرب والمطالب بالسلام والتحول الديمقراطي، مع بقاء النظام الشمولي الذي أصدرها دون تغيير، لا يحقق المناخ الحقيقي المطلوب للحوار.

وأوضح المهدي أن البلاغات ومذكرات القبض، غير دستورية، وتتعارض مع الأعراف الدولية، ولم يكن لها أي تأثير على حركة ومواقف هؤلاء السياسيين.

وكان البرهان أكد في وقت سابق عدم ممانعته مشاركة القوى السياسية الموجودة خارج السودان في الحوار المرتقب، معلناً التزامه بعدم التدخل في مسار الحوار السياسي. كما تعهد باتخاذ جميع التدابير اللازمة لتوفير الحماية لكل من يرغب في الانخراط في العملية السياسية داخل البلاد، وضمان حرية التنقل وعدم اعتراض أي شخص يرغب في السفر إلى الخارج.


مقالات ذات صلة

الألماني زينباور مدرباً للهلال السوداني

رياضة عربية الألماني زينباور مدرباً للهلال السوداني (أ.ف.ب)

الألماني زينباور مدرباً للهلال السوداني

أعلن الهلال السوداني الأحد تعاقده مع المدرب الألماني جوزيف زينباور.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية) p-circle

البرهان: نخوض معركة بقاء من دون تدخل خارجي

قال قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرها إن قواته تخوض معركة بقاء «بشرف وعزة»، من دون تدخل من أي جهة خارجية

محمد أمين ياسين (نيروبي)
خاص السلطات السودانية تقوم بحملات متواصلة لضبط كميات كبيرة من الخدرات  (الجمارك السودانية)

خاص المخدرات تغزو الخرطوم والحرب تعمّق الأزمة وتهدد الشباب

اتسعت، وتتسع باطراد، تجارة المخدرات وتعاطيها في العاصمة السودانية الخرطوم بصورة لافتة، فيما نشطت دوائر رسمية ببث تحذيرات من تحولها إلى خطر يهدد مستقبل الشباب

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا وزير الطاقة والنفط السوداني، المعتصم إبراهيم (متداولة)

تعطل سد مروي يعيد أزمة الكهرباء إلى الواجهة في السودان

قال وزير الطاقة السوداني، المعتصم إبراهيم، إن السودان يترقب وصول قطع غيار من الخارج لإصلاح شبكة الكهرباء التابعة لسد مروي، التي خرجت بالكامل عن الخدمة

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش السوداني الفريق ياسر العطا مخاطباً قيادات عسكرية سودانية (سونا) p-circle 00:47

الفريق العطا: سنقضي على «الدعم السريع» والمرتزقة الأجانب بنهاية العام

أعلن رئيس أركان الجيش السوداني، الفريق ياسر العطا، أنَّ القوات المسلحة تعتزم تكثيف عملياتها العسكرية خلال المرحلة المقبلة، وإنهاء تمرد «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)

سجال الدبيبة وحفتر بشأن دور الجيش الليبي يلقي بظلاله على مبادرة بولس

الدبيبة خلال حفل تخريج دفعات جديدة في الكليات العسكرية في الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال حفل تخريج دفعات جديدة في الكليات العسكرية في الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (حكومة الوحدة)
TT

سجال الدبيبة وحفتر بشأن دور الجيش الليبي يلقي بظلاله على مبادرة بولس

الدبيبة خلال حفل تخريج دفعات جديدة في الكليات العسكرية في الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال حفل تخريج دفعات جديدة في الكليات العسكرية في الذكرى الـ86 لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (حكومة الوحدة)

كشف السجال العلني بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» عبد الحميد الدبيبة، والقائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر، بشأن حدود دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، جانباً من التباينات المحيطة بالترتيبات المرتقبة للمرحلة الانتقالية في ليبيا.

لكن هذا السجال ألقى بظلال تساؤلات جديدة حول انعكاساته على مبادرة أميركية يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تستهدف توحيد السلطة التنفيذية في ليبيا، والدفع نحو الانتخابات.

وكان الاحتفال بالذكرى السادسة والثمانين لتأسيس الجيش الليبي، الأحد، مسرحاً لهذا السجال بين معسكري الانقسام في الشرق والغرب الليبي، بعدما أكد الدبيبة أن توحيد المؤسسة العسكرية «أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل»، لكنه شدد على أن يتم ذلك «دون تدخل العسكريين في السياسة أو صناعة الحكومات»، حفاظاً على إرادة الليبيين.

في المقابل، سارع حفتر إلى تأكيد أن الجيش الوطني «لن يسمح للسياسة بأن تعبث بمصير المواطن»، وأنه «لن يخلي موقعه من الساحة حتى تستقر الأمور»، في رسالة بدت أكثر وضوحاً بشأن الدور الذي يريده الجيش خلال المرحلة القادمة، بل ذهب حفتر إلى الحديث عن التمسك بموقع الجيش في «مركز دائرة صنع القرار»، حفاظاً على «مكتسبات القوات المسلحة».

وعلى وقع هذه التصريحات بدا لمراقبين أن التباين بين الرجلين يتجاوز الخلاف حول وظيفة المؤسسة العسكرية، بل قد يكشف عن منغصات تعترض مسار مبادرة بولس، ضمن صراع أوسع على قواعد تقاسم النفوذ وشكل الدولة المقبلة.

غير أن المحلل السياسي الليبي أيوب الأوجلي يدرج ما حدث بين السلطتين في شرق ليبيا وغربها ضمن «مناوشات تفاوضية لا تعكس الأفعال على الأرض»، متوقعاً أن تتضح ملامحها أكثر مع بدء وضع المبادرة الأميركية موضع التنفيذ.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الدبيبة يسعى من خلال تحركاته إلى «رفع سقف التفاوض والحصول على مميزات أكثر»، خصوصاً أن تفاصيل المبادرة لم تظهر بعد إلى العلن، لافتاً إلى أن رئيس حكومة الوحدة يتجنب الحديث عنها بشكل مباشر.

ويرى الأوجلي أن رسائل حفتر «دائماً ما تحمل مضامين ضمنية للداخل والخارج»، مفادها أن «الجيش الوطني» لن يقف مكتوف الأيدي أمام تصريحات الدبيبة وتحركاته، لكنه مستعد للحوار مع الأطراف التي ترى أن التوافق مصلحة وطنية.

وتستهدف مبادرة بولس، وفق ما يتداول في أوساط سياسية ليبية، توحيد السلطة التنفيذية تمهيداً لإجراء الانتخابات، بينما تشير التسريبات إلى مقترح يقضي بوجود الدبيبة على رأس حكومة موحدة، مقابل تولي صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الوطني، رئاسة المجلس الرئاسي.

ويكتسب الحديث عن موقع الجيش في هذه المبادرة أهمية إضافية في ضوء تصريحات بولس نهاية الشهر الماضي، عندما تحدث عن «مؤشرات مهمة» على طريق توحيد المؤسسة العسكرية، بعد زيارة وفد من الكونغرس إلى ليبيا، وما واكبها من إعلان ليبي عن إنشاء غرفة عمليات مشتركة في سرت، ومركز تدريب موحد للقوات الجوية في مصراتة.

كما سبق وتحدث بولس عن قيادة جوية مندمجة، وأشاد بالتعاون العسكري بين الشرق والغرب، معيداً التذكير بنجاح ليبيا في أبريل (نيسان) الماضي في استضافة أحد محاور تدريب «فلينتلوك 2026» الذي ضم قوات من شرق البلاد وغربها.

خليفة حفتر في احتفالية الذكرى السادسة والثمانين لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (الجيش الوطني الليبي)

ومن المنظور العسكري، لم يستبعد مدير «المركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية» أشرف بوفرده أن يكون هذا التصعيد الكلامي في سياق «التسريبات المتداولة بشأن مبادرة بولس التي تتضمن مقترحاً لإعادة هيكلة القيادة العامة للجيش الوطني، وصولاً إلى حلها ضمن صيغة تقود إلى تشكيل مؤسسة عسكرية ليبية موحدة».

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الطرح يواجه، بحسب المتداول، رفضاً من خليفة حفتر، الذي يدعو العسكريين في المنطقة الغربية إلى الالتحاق بقواته، إلا أن بوفرده يعتقد أن هذا الموقف لن يؤثر في مسار المبادرة أو فرص استمرارها.

ومع هذا السجال بين معسكري الانقسام في ليبيا، فإن مبادرة بولس لا تزال مرشحة للتبلور خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وفق تقديرات الباحث في الشؤون الليبية جلال حرشاوي، الذي أشار إلى «ضرورة عدم أخذ تصريحات الدبيبة وحفتر على ظاهرها، وربطها فقط بالمواقف المعلنة أمام الليبيين».

ويذكّر حرشاوي بأن حفتر سبق أن قال خلال استقباله مشايخ وأعيان مدينة ترهونة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي إن «القيادة العامة للجيش ليست هي من يتخذ القرار الحاسم بشأن الأزمة السياسية، بل الشعب»، وهي لغة تكررت منذ عام 2014 وما قبله.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الدبيبة ينتهج بدوره السلوك نفسه، عبر الإعلان عن رفض الحكم العسكري والتشديد على أولوية السلطة المدنية، معتبراً أن الخطاب المعلن قد لا يعكس بالضرورة كامل ما يدور في الكواليس، أو طبيعة التفاوض الجاري بين الأطراف.

وفي هذا السياق، تبدو تصريحات الرجلين، من منظور مراقبين، أقرب إلى تثبيت مواقع تفاوضية منها إلى إعلان مواقف نهائية، خصوصاً أن شكل التسوية المرتقبة لم يحسم بعد، وأن تفاصيل المبادرة الأميركية لا تزال غير معلنة بصورة رسمية، فيما تستمر الاتصالات بشأنها بعيداً عن الأضواء.


كيف تتغير أوجه إنفاق الأسر المصرية مع ارتفاع التضخم؟

سيدة تتسوّق داخل أحد المراكز التجارية في مصر (الشرق الأوسط)
سيدة تتسوّق داخل أحد المراكز التجارية في مصر (الشرق الأوسط)
TT

كيف تتغير أوجه إنفاق الأسر المصرية مع ارتفاع التضخم؟

سيدة تتسوّق داخل أحد المراكز التجارية في مصر (الشرق الأوسط)
سيدة تتسوّق داخل أحد المراكز التجارية في مصر (الشرق الأوسط)

مع ما تشهده الأسواق المصرية من ضغوط اقتصادية متزايدة، جاءت بيانات التضخم التي أعلنها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الاثنين، لتؤكد تصاعد وتيرة هذه الضغوط.

فقد أعلن الجهاز المركزي ارتفاع معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن إلى 14.9 في المائة خلال يوليو (تموز)، مقابل 14.3 في المائة خلال يونيو (حزيران). وسجل المعدل على مستوى البلاد 13 في المائة مقارنة بشهر يوليو من العام الماضي 2025.

هذه الأرقام الرسمية لم تعد مجرد مؤشرات صماء، وإنما تحولت إلى واقع يومي يُعيد رسم الخريطة الاستهلاكية والمالية للأسر التي تجد نفسها مجبرة على التكيف مع تكلفة معيشية تتصاعد باستمرار.

ويقول سعيد، الذي يقطن في محافظة المنوفية بدلتا النيل، لـ«الشرق الأوسط»: «المطالب المنزلية لا تنتهي، فأوجه الإنفاق لا تقتصر على السلع الغذائية فقط، وإنما امتدت لتشمل خدمات النقل، والدروس الخصوصية، والدواء، وغيرها، مما جعلني وزوجتي دائماً في حساب مستمر للأولويات، وتقديم احتياج على آخر».

وعبَّر اختصاصي البصريات أحمد سعيد عن واقعه المعيشي بقوله: «لم يعد الأمر مجرد الاستغناء عن الكماليات، بل أصبح معركة يومية لتوفير الأساسيات؛ فما كنا نشتريه بالأمس ونراه متاحاً، بات اليوم يتطلّب إعادة حسابات دقيقة في ميزانية البيت».

تغيُّر السلوكيات الاستهلاكية

تشهد السلوكيات الاستهلاكية للمواطنين تحولات جذرية فرضها الأمر الواقع، حيث اضطرت الغالبية العظمى من الأسر إلى التخلي التدريجي عن النمط الاستهلاكي التقليدي، وتقليص الكماليات، وتأجيل خطط شراء سلع بعينها.

ولجأت ربات البيوت إلى البحث عن بدائل أرخص ثمناً للمنتجات الغذائية الأساسية، والاستغناء عن العلامات التجارية الكبرى لصالح السلع المحلية أو الأقل سعراً.

ويقول الخبير الاقتصادي، أشرف غراب، إن ارتفاع معدل التضخم وفق النسب الأخيرة يعكس استمرار الضغوط السعرية العالمية والمحلية على سلة قائمة السلع والخدمات الخاصة بالمستهلك. ويوضح أن هذه الزيادة تستدعي من الأسر المصرية إعادة تقييم أولويات الإنفاق الشهري، مع التركيز بشكل أكبر على السلع والخدمات الأساسية مثل الغذاء والصحة والتعليم والنقل، مقابل ترشيد الإنفاق على البنود غير الضرورية والكمالية إلى حين حدوث استقرار في مستويات الأسعار.

مصريون يشترون طعام الإفطار من أحد المطاعم في القاهرة (رويترز)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن ارتفاع التضخم يدفع الأسر إلى البحث عن بدائل أكثر كفاءةً واقتصاداً لتلبية احتياجاتها اليومية، ويتمثّل ذلك في التحول نحو المنتجات المحلية ذات القيمة مقابل السعر، والمقارنة بين العروض قبل الشراء، والاعتماد على الشراء بالجملة للسلع المعمرة، وتقليل الهدر الغذائي داخل المنازل، وزيادة الإقبال على الأسواق الشعبية والمنافذ الثابتة والمتغيرة التي تقدم أسعاراً تنافسية، إلى جانب الاستفادة من المبادرات التي تهدف إلى توفير السلع بأسعار مناسبة، وهو ما يُسهم في تخفيف أثر الارتفاع على الدخل المتاح للأسر.

كما يشير إلى وجود تحولات واضحة في سلوكيات المستهلكين، فهناك ميل متزايد نحو التخطيط المسبق للمشتريات وإعداد قوائم محددة بدلاً من الشراء العشوائي، وزيادة الوعي بأهمية الادخار الوقائي بوصفه وسيلة للتعامل مع تقلبات الأسعار.

إعادة ترتيب الأولويات

ولم تقتصر موجات التقشف وإعادة ترتيب الأولويات على سلة الغذاء والسلع الأساسية فحسب، وإنما امتدت لتلتهم طقوساً ترفيهية سنوية راسخة. فعلى سبيل المثال، يروي أحمد رأفت، وهو مُعلم وأب لثلاثة أطفال يعيش في محافظة الجيزة، كيف اضطر هذا العام إلى تغيير خططه الصيفية بالكامل متخلّياً عن عادة التوجه إلى الشواطئ كما كان يحدث كل صيف.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «زيادة تكاليف المصايف من إيجارات ومواصلات جعلتنا نلغي فكرة السفر تماماً هذا العام، فالمال الذي كنت أدخره لأسبوع المصيف بات مطلوباً لتغطية أعباء المعيشة الأساسية، وفواتير الخدمات المتصاعدة خاصة الكهرباء، لذا فالسفر أصبح مؤجلاً إلى أجل غير مسمى».

بينما يقول الخبير الاقتصادي، مصباح قطب، إن الواقع المعيشي في مصر يشهد تحولات قاسية في ظل موجات الغلاء المتعاقبة منذ عام 2022، التي أدت إلى تآكل حاد في القدرة الشرائية لجميع الشرائح، ولا سيما الطبقة المتوسطة والفقيرة.

ويضيف: «أفرزت هذه الأزمات الاقتصادية استراتيجيات بقاء يومية تعتمد على الاختصار والبدائل، حيث لجأت الأسر إلى تقليص الكميات المشتراة من السلع الأساسية، وتغيير الأنماط الاستهلاكية بالانتقال إلى منتجات أقل سعراً، وصولاً إلى إجراءات أكثر قسوة تشمل سحب النقود من المدخرات السابقة لتغطية النفقات الجارية».

ويشير إلى اضطرار بعض العائلات لاتخاذ قرارات بالغة الصعوبة، مثل إخراج الأبناء من التعليم لدمجهم في سوق العمل، أو التراجع عن تلقي الرعاية الصحية المنتظمة والاكتفاء بالبدائل المتاحة، بوصفها محاولة للحفاظ على استقرارها المالي في وجه التحديات والظروف المعيشية.


إصلاح التعليم يقسم الشارع السياسي بالجزائر

ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)
ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)
TT

إصلاح التعليم يقسم الشارع السياسي بالجزائر

ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)
ترقب تدخل الرئيس تبون لحسم الخلافات حول إصلاح التعليم بالجزائر (الرئاسة)

تصاعدت حدة الاستقطاب في الجزائر منذ الإعلان عن إصلاحات في قطاع التعليم بداية الشهر الحالي، خصوصاً بعد نشر «تسريبات» في الصحافة أوحت بأن الرئيس عبد المجيد تبون قد يتجه إلى سحبها بذريعة أن وزير التربية لم يعرضها على مجلس الوزراء.

وأعادت هذه القضية إلى الواجهة صراعاً قديماً بين أنصار التيار العروبي المحافظ، والتيار الفرنكفوني الذي يملك نفوذاً قوياً في أهم مؤسسات الدولة.

فبعد أن كشف وزير التربية الوطنية، محمد صغير سعداوي، عما يُسمى «تعديلات بيداغوجية» في اجتماع عقده مع مفتشي التعليم في الأسبوع الأول من أغسطس (آب) الحالي، يتصاعد الجدل يومياً متخذاً شكل كرة ثلج جرَت معها خصومات آيديولوجية قديمة تداخلت فيها اللغة والدين والثقافة والهوية وأثر الوجود الاستعماري الفرنسي (1830 - 1962) على هذه العناصر.

بين الدعم ومطالب الحوار

شمل الإصلاح إدراج اللغة الإنجليزية بدءاً من السنة الثالثة الابتدائية، وتأجيل تدريس اللغة الفرنسية إلى السنة الرابعة، إلى جانب إعادة تنظيم بعض المواد في مرحلة التعليم الثانوي، ولا سيما مادة الفلسفة لمترشحي البكالوريا في الشعب العلمية.

وزير التربية الجزائري محمد صغير سعداوي (الوزارة)

وبمجرد أن باتت هذه التغييرات رسمية حتى انطلقت سجالات وملاسنات على منصات الإعلام الاجتماعي والبرامج التلفزيونية.

وتفجر الجدل بشكل خاص عقب مقابلة أجراها أحمد تيسا، خبير مناهج التعليم والمستشار السابق لوزيرة التربية الوطنية نورية بن غبريت (2015 - 2019)، مع قناة تلفزيونية خاصة، تساءل فيها عن جدوى بعض خيارات الوزارة، وتحديداً ما يتعلق بمكانة الفلسفة والتربية الإسلامية واللغة الفرنسية.

ومنذ ذلك الحين، توالت ردود الفعل بوتيرة متسارعة حتى داخل الأوساط السياسية، وسط اتساع الفجوة بين أنصار الإصلاح، والدعاة إلى تنظيم مؤتمر وطني يسبق التنفيذ، والمتحفظين على بعض خيارات الوزارة.

وأبدت الأحزاب الإسلامية والمحافظة تأييداً واسعاً للتوجهات المعلنة من قبل الوزارة؛ حيث عبَّر الأمين العام لـ«حركة النهضة» محمد ذويبي في تصريحات للصحافة عن دعم «لا مشروط» لمسعى وزارة التربية، مُرحباً بالإصلاحات التي تهدف، حسبه، إلى «رفع العائق اللغوي» الذي يكبل الكفاءات الجزائرية ويعزز انفتاحها على البحث العلمي والتواصل الدولي، وهو ما يقصد به اللغة الفرنسية.

الأمين العام لحركة النهضة محمد ذويبي (إعلام حزبي)

وأكد رئيس «جبهة الجزائر الجديدة» جمال بن عبد السلام في مؤتمر صحافي أمس الأحد، أن الإبقاء على اللغة الفرنسية في المناهج التعليمية «يخدم فرنسا بالدرجة الأولى، وأن هذه اللغة أضحت متجاوزة في مجالات العلوم والمعرفة والتكنولوجيا».

في المقابل، طالبت زعيمة «حزب العمال» المعارض، لويزة حنون، خلال اجتماع مع كوادر الحزب، بتأجيل مشروع الإصلاح و«فك الخناق عنه» بفتح نقاش وطني تحت إشراف رئيس الجمهورية.

وتعد حنون مادة الفلسفة محوراً أساسياً يرفض حزبها تقليص حجمه الزمني أو اختزاله في كيفية التوزيع بين الشعب.

أما بشأن اللغات، فتدعو إلى مقاربة تقوم على التكامل بين العربية والتنظيم اللغوي للأمازيغية والفرنسية والإنجليزية، مشددة على أن «الاستبدال المتسرع للغة بأخرى لا يمكن أن يتم دون توفير الشروط البيداغوجية اللازمة».

اجتماع لوزير التربية مع أطر الوزارة (الوزارة)

من جهته، حذر رئيس حزب «جيل جديد»، الأخضر أمقران، في مقال نشره موقع «كل شيء عن الجزائر»، من اختزال النقاش القائم حول قرارات وزارة التربية الوطنية، سواء ما يتعلق بمكانة اللغات الأجنبية كالفرنسية والإنجليزية أو مراجعة بعض المواد، في مجرد «جدل عابر على شبكات التواصل الاجتماعي».

تبادل رشقات سياسية

وتدخل القيادي الإسلامي المعروف الرئيس السابق لـ«حركة مجتمع السلم»، عبد الرزاق مقري، في الجدل عبر منشور بحسابه بالإعلام الاجتماعي، الاثنين، مهاجماً بحدة «التيار العلماني وخدّام فرنسا». وتساءل: «ما الذي حرّك هؤلاء فجأة هذه الأيام؟ هل وقع شيء على المستوى الرسمي حفّزهم؟ أم أن فرنسا وعدتهم بشيء ما؟»؛ في إشارة إلى رافضي تقليص دور اللغة الفرنسية في الطور التعليمي الابتدائي.

كما تساءل: «لماذا يكره هذا التيار اللغة العربية؟ ما الذي يحمله على الدفاع عن لغة أجنبية، أهلها يتركونها في مجالات العلم والازدهار والتطور، حدود انتشارها في العالم محدود وتتقهقر يوماً بعد يوم؟»، مضيفاً: «هذا التيار لا وجود شعبي له، فهو لم يستطع المنافسة في أي استحقاق انتخابي، ومع ذلك يؤثر في قرارات مهمة... لماذا؟!».

القيادي الإسلامي عبد الرزاق مقري (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وفتح المنشور نقاشاً بين مؤيد ومعارض.

وقال نسيم براهيمي، العضو في حزب «التجمع الوطني الديمقراطي» الداعم لسياسات الرئيس، مخاطباً القيادي الإسلامي: «بما أنك تتهم الذين يختلفون معك وترميهم بالخيانة والعمالة لدولة أخرى، لا ينبغي أن تلوم من يتهمك بالولاء لتركيا»؛ في إشارة إلى انتماء مقري لتيار الإخوان.

وفي حين يترقب المتخاصمون «تحكيم» الرئيس تبون لحسم القضية، نشرت صحيفتا «الخبر» و«لوسوار دالجيري»، الأحد، مقالين بمضمون واحد، يؤكدان على أن أي تعديل أو إصلاح هيكلي يمس أي قطاع في الدولة سواء التربية، أو الاقتصاد، أو غيرهما، لا يُصبح نافذاً أو معتمداً رسمياً إلا بعد مناقشته، وتمحيصه، وإقراره في اجتماع مجلس الوزراء الذي يترأسه رئيس الجمهورية شخصياً.

وفُهم من ذلك أن الإصلاح المثير للجدل لا يعدو عن كونه مبادرة من وزير التربية، لم تثبت من طرف السلطات العليا للبلاد.