بعد زلزال ميشيغان... هل تكرر فرنشيسكا هونغ مفاجأة عبدول السيد في ويسكونسن؟

أموال الجمهوريين تدخل السباق... واختبار جديد لصعود اليسار داخل الولايات المتأرجحة

فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)
فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)
TT

بعد زلزال ميشيغان... هل تكرر فرنشيسكا هونغ مفاجأة عبدول السيد في ويسكونسن؟

فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)
فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)

بعد أيام قليلة من مفاجأة عبد الرحمن السيد (عبدول السيد) المؤسسةَ الديمقراطيةَ بفوزه بفارق ضئيل في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ بولاية ميشيغان، ينتقل اختبار صعود اليسار الأميركي إلى ولاية ويسكونسن، حيث تدخل فرنشيسكا هونغ، عضو مجلس الولاية والمنتمية إلى «منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا (DSA)»، الساعات الأخيرة قبل الانتخابات التمهيدية لمنصب الحاكم، التي ستُجرى مساء الثلاثاء، وهي تتصدر السباق الديمقراطي.

لكن معركة ويسكونسن تحمل مفارقة لافتة جعلتها معركة المال، فبينما بنت هونغ صعودها على التبرعات الصغيرة والتنظيم الميداني، فإن الجمهوريين دخلوا بملايين الدولارات، في خطوة يقول منافسوها إنها لا تستهدف هزيمتها، بل مساعدتها على انتزاع الترشيح بوصفها الخصم الذي يعتقدون أنه سيكون الأسهل أمام الجمهوري توم تيفاني في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

يستمع الحضور إلى فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)

هذا الاتجاه أعطى معانيَ جديدة للمعركة الانتخابية، فلم تعد انتخابات الثلاثاء مجرد مواجهة بين يسار ديمقراطي صاعد ومؤسسة حزبية قلقة، وإنما أصبحت اختباراً لما إذا كان النموذجُ الذي أوصل السيد إلى الفوز في ميشيغان قابلاً للتكرار في إحدى أشد الولايات الأميركية تنافساً.

الجمهوريون يمولون الهجوم

وأظهرت تقارير صحافية أن مجموعة مرتبطة بـ«رابطة الحكام الجمهوريين» قد أنفقت نحو 2.2 مليون دولار على إعلانات تصف هونغ بأنها ليبرالية أكثر مما تحتمل ويسكونسن، وتُبرز مواقفها التقدمية. لكن الإعلانات عُرضت بكثافة أمام ناخبين ديمقراطيين؛ مما أثار اتهامات بأن الهجوم صُمم بطريقة ترفع شهرتها وتساعدها داخل انتخابات تمهيدية يبحث ناخبوها تحديداً عن مرشح تقدمي.

وتزداد المفارقة لأن هونغ نفسها أنفقت القليل على الإعلام المدفوع، واعتمدت بصورة أكبر على الإعلانات الرقمية والمتطوعين والاتصال المباشر بالناخبين. وهكذا حصلت عملياً على دعاية تلفزيونية بملايين الدولارات دفعت ثمنها جماعة تريد هزيمتها في الانتخابات العامة، وهو نموذج معاكس جزئياً لما حدث مع عبدول السيد. ففي ميشيغان، واجه السيد عشرات ملايين الدولارات من الإنفاق الخارجي، بينها أموال من جماعات مؤيدة لإسرائيل، واستطاع تقديم نفسه بوصفه مرشحاً شعبياً يقاوم نفوذ كبار المانحين. وفي ويسكونسن، أصبح المال الخارجي أشد تعقيداً؛ الجمهوريون يهاجمون هونغ، لكن خصومها الديمقراطيين يقولون إنهم يريدونها أن تفوز.

توم تيفاني المرشح الجمهوري لمنصب الحاكم (على اليسار) يصافح برايان ستيل عضو مجلس النواب خلال فعالية انتخابية أقيمت يوم الأربعاء 29 يوليو 2026 في مدينة كينوشا بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ب)

المال لا يحسم السباق

ولا تعاني هونغ، رغم خطابها المناهض لنفوذ الشركات، من غياب التمويل. فقد جمعت نحو 709 آلاف دولار خلال النصف الأول من العام، وبنهاية يونيو (حزيران) الماضي حصلت على تمويل بنحو 411 ألف دولار، مستندة إلى قاعدة واسعة من المتبرعين الأفراد. لكن ديفيد كراولي، رئيس مقاطعة ميلووكي ومرشح الجناح الأكبر تقليدية في الحزب الديمقراطي، تمكن بعد عودته إلى السباق من تعبئة شبكة المانحين الديمقراطيين سريعاً، وجمع نحو 776 ألف دولار خلال شهر يوليو (تموز) الماضي، مقابل نحو 339 ألفاً لهونغ في الفترة نفسها.

ويقول المحللون المتابعون للسباق إن التفوق المالي لم يعالج المشكلة الأساسية للمؤسسة الديمقراطية المتمثلة في اضطراب مرشحيها، فقد انسحبت سارة رودريغيز، نائبة الحاكم، بعد مشكلات في حسابات حملتها وتمويلها، وانسحب مانديلا بارنز بعدما أظهرت الاستطلاعات تقدماً كبيراً لهونغ، بينما عاد كراولي إلى السباق بعدما كان قد علق حملته. ومنح ذلك هونغ ميزة يصعب شراؤها بالمال؛ هي صورة المرشحة التي حافظت على حملة مستقرة ورسالة واضحة بينما كان منافسوها يتبدلون في مواقفهم.

الاقتصاد أولاً

وتحاول هونغ إبقاء المعركة بعيدة عن تسمية «الاشتراكية» والتركيز على جيوب الناخبين. فهي ابنة مهاجرين وأم عزباء بدأت عملها في المطاعم وغسل الأطباق، قبل أن تصبح طاهيةً ومالكةَ مطعم، ثم عضواً في المجلس التشريعي.

وتطرح هونغ في برنامجها الانتخابي قضايا: توسيع الرعاية الصحية، والإجازة العائلية المدفوعة، وزيادة تمويل المدارس، ورعاية الأطفال، إلى جانب زيادة الضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة. وتراهن على أن الناخب قد يرفض وصف «الاشتراكي» لكنه يؤيد السياسات نفسها عندما تقدَّم بوصفها حلولاً لتكاليف الصحة والسكن والتعليم. ولذا يعتقد أنصارها أن درس ميشيغان قابل للتكرار.

وتواجه هونغ انتقادات بسبب تصريحات سابقة منها يحاول الجمهوريون استغلالها ضدها. فقد أعاد خصومها نشر تصريحات قديمة أيدت فيها خفضَ تمويل الشرطة، وأفكاراً مرتبطة بإلغاء السجون، وانتقدت عيد الشكر بوصفه رمزاً للاستعمار. وتراجعت هونغ عن بعض هذه المواقف أو أعادت تفسيرها، لكنها لم تتبرأ تماماً من خلفيتها الفكرية؛ مما يمنح الجمهوريين ذخيرة جاهزة إذا أصبحت هي المرشحة الديمقراطية.

النائبة إلهان عمر (على اليسار) والمؤثر والمعلق السياسي اليساري حسن بيكر مع فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 بمدينة ميلووكي في ولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)

واللافت أن بيرني ساندرز، الذي يُعدّ المرجعية السياسية الأبرز لليسار الأميركي، لم يمنح هونغ تأييده. وقال إنه لا يعرف تفاصيل السباق بما يكفي ولا يتوقع التدخل فيه، رغم معرفته السابقة بها وتقاطع برنامجها مع كثير من أفكاره. ولا يعني ذلك عزلة هونغ عن اليسار؛ فقد حظيت بتأييد شخصيات تقدمية، بينها إلهان عمر، فضلاً عن ناشطين ونقابيين. لكن تحفظ ساندرز يكشف عن أن السؤال لم يعد يتعلق بقدرة اليسار على الفوز داخل الحزب، بل بقدرته على الفوز بولاية متأرجحة.

ميشيغان وويسكونسن

المشكلة الكبرى التي تواجه هونغ في الانتخابات خلال نوفمبر المقبل هي توم تيفاني؛ المرشح الجمهوري المدعوم من الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الذي يدخل السباق بتفوق مالي هائل، بعدما جمع نحو 8.7 مليون دولار، أي أضعاف ما جمعه أي من أبرز منافسيه الديمقراطيين، ويستعد لربط هونغ بالجناح الأكبر يسارية بالحزب في قضايا الضرائب والجريمة والشرطة.

وتختلف ولاية ويسكونسن أيضاً عن ولاية ميشيغان، فقد استفاد عبدول السيد من تعبئة الناخبين العرب والمسلمين ومن الغضب بشأن غزة والإنفاق الضخم ضده. أما هونغ فتعتمد على الشباب والنقابات واليسار الحضري والتنظيم الشعبي، من دون كتلة ديموغرافية مماثلة؛ لذلك فقد تستطيع هونغ الثلاثاء تكرار النصف الأول من تجربة السيد. لكن المحك الحقيقي سيأتي في نوفمبر المقبل. فهل يستطيع نموذج التبرعات الصغيرة والحماس التقدمي هزيمة ماكينة جمهورية تملك: المال، وترمب، ورسالة جاهزة بشأن التطرف اليساري؟

إذا فازت هونغ، فلن يكون انتصارها مجرد مفاجأة أخرى بعد ميشيغان، بل سيصبح دليلاً على أن اليسار الأميركي بدأ ينتقل من التمرد داخل الحزب إلى القدرة على الحكم في الولايات المتأرجحة. أما إذا فازت الثلاثاء وخسرت في نوفمبر، فستجد المؤسسة الديمقراطية التقليدية في النتيجة حجتها الأقوى بأن الحماس يستطيع الفوز بالترشيح، لكنه لا يضمن الفوز بالسلطة.


مقالات ذات صلة

مايك روجرز يتحوّل «ترمبياً» للفوز على السيد اليساري في ميشيغان

الولايات المتحدة​ شارة انتخابية في ميشيغان (أ.ف.ب)

مايك روجرز يتحوّل «ترمبياً» للفوز على السيد اليساري في ميشيغان

انتقل مرشح الجمهوريين بالانتخابات النصفية للكونغرس، مايك روجرز، إلى مؤيد لخط الرئيس ترمب؛ سعياً للفوز ضد مرشح يساري ديمقراطي بمقعد ميشيغان بمجلس الشيوخ.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ عضوة مجلس النواب هالي ستيفنز التي خسرت الانتخابات التمهيدية بفارق ضئيل للغاية لا يتجاوز 15 ألف صوت فقط (أ.ف.ب)

عبد الرحمن السيد يهز المؤسسة «الديمقراطية» بأميركا

رغم أن الأنظار تتجه لانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل فإن كثيراً من المحللين يرون أن ما جرى بميشيغان يمثل بداية غير معلنة لمعركة الرئاسة

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ النائب ماكس ميلر الجمهوري عن ولاية أوهايو يصل إلى العاصمة الأميركية واشنطن في 13 نوفمبر 2022 (أ.ب)

اتهامات بالعنف المنزلي تربك الجمهوريين قبل الانتخابات النصفية في أميركا

واجه النائب الجمهوري ماكس ميلر، الاثنين، دعوات متزايدة للانسحاب من معركة إعادة انتخابه في وقت تهدد اتهامات بارتكاب عنف منزلي حملته.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ عبد الرحمن السيد المرشح التقدمي في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ميشيغان (أ.ب)

الديمقراطيون يخوضون كبرى معاركهم الانتخابية الثلاثاء في ميشيغان

تشهد الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي معركة كبرى بميشيغان لحسم مرشحه للانتخابات النصفية للكونغرس بمنافسة بين الدكتور عبد الرحمن السيد والنائبة هايلي ستيفنز

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون يدخل إلى مبنى الكابيتول يوم 20 يوليو (أ.ف.ب)

غالبية الأميركيين تتطلع لـ«تغيير جذري» في عضوية الكونغرس

تتطلع أكثرية الأميركيين لتغيير جذري بمجلسي النواب والشيوخ، آملين بتقدم الديمقراطيين خلال الانتخابات النصفية، فيما تؤيد أقلية انتخاب ديمقراطي اشتراكي للرئاسة.

علي بردى (واشنطن)