تواجه «الآلية الخماسية» المعنية بتسهيل العملية السياسية في السودان اختيارات صعبة، نتجت عن تعثر اجتماعاتها الأخيرة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، التي قاطعتها قوى رئيسية، قبل أن توجه لها اتهامات بتجاوز التفاهمات السابقة وتجاوز دورها المتفق عليه بوصفها «مُيسراً»، وسط أنباء عن زيارة محتملة للخرطوم الشهر المقبل قد تحدد تحركاتها المقبلة.
وتتكون «الآلية الخماسية» من الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، وهيئة «إيغاد»، وجامعة الدول العربية، وقد أوكلت لها «الآلية الرباعية»، التي تضم الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر، تسهيل العملية السياسية وفقاً لخريطة الطريق المعلنة في سبتمبر (أيلول) 2025، وتنص على دعم عملية سياسية شاملة يقودها المدنيون.
وأجرت الآلية في يونيو (حزيران) الماضي سلسلة مشاورات توافق المشاركون خلالها على تشكيل «لجنة تحضيرية»، تنظر في ست قضايا تتصل بتصميم العملية السياسية وأجندتها وأطرافها ومكان وزمان انعقادها والدور الإقليمي والدولي، على أساس أن تكون العملية سودانية - سودانية، لا يتدخل فيها الوسطاء.
لكن هذا التوافق تحول في الجولة الأخيرة نهاية يوليو (تموز) الماضي إلى «نقطة الخلاف الرئيسية» إثر اعتذار تحالف «صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك عن عدم المشاركة، وتحفظه على إجراءات الدعوة والإعداد، مع تأكيده دعم أي جهد لوقف الحرب وإطلاق عملية سياسية سودانية شاملة.
وقاطعت «قوى إعلان المبادئ»، وتضم «صمود»، و«حزب البعث العربي الاشتراكي»، و«حركة تحرير السودان» بقيادة عبد الواحد محمد نور، وآخرين، في بيانات رسمية، اجتماعات 31 يوليو (تموز).

وعللت تلك القوى مقاطعتها بأن الدعوات «لا تعكس التفاهمات السابقة»، وطالبت بتصحيح مسار العملية.
وقال عضو المكتب القيادي في تحالف «صمود» ورئيس «حزب التجمع الاتحادي»، بابكر فيصل، على صفحته على «فيسبوك» إن الخماسية «لم تعد مظلة محايدة لرعاية العملية السياسية»، واتهمها بالتنصل من التوافق السابق و«الانحراف عن مسارها»، بدعوة تحالفات وأشخاص وجماعات من دون معايير متفق عليها لاختيارهم.
وأوضح أن مبدأ ملكية السودانيين للعملية يعني أن تحديد المشاركين ليس من اختصاص الخماسية، معتبراً توسيع المشاركة بدعوة قوى وشخصيات يصفها بأنها محسوبة على الجيش يخل بمبدأ استقلال العملية عن طرفي الحرب.
واتفق مع هذا الرأي الأمين السياسي لـ«حزب المؤتمر السوداني»، شريف محمد عثمان، الذي ذكر في إفادات صحافية أن الخماسية «تجاوزت التفويض الممنوح لها»، محمِّلاً بصورة أكثر تحديداً من أطلق عليهم «موظفين داخل الآلية» المسؤولية عن تجاوز التفويض، واتهمهم بالعمل لمصلحة أحد طرفي الحرب.
وقال عثمان إن ملكية السودانيين للعملية تعني أن يختاروا ممثليهم ويحددوا القضايا والأجندة ومكان وزمان الحوار، وأشار إلى من أسماهم بـ«القوى الرئيسية»، الممثلة في تحالفات «صمود، والقوى الرافضة للحرب، والكتلة الديمقراطية، وتحالف تأسيس، وأحزاب وحركات أخرى»، يجب أن تتوافق أولاً على المشاركين وأوزانهم قبل الانتقال إلى الحوار.
ومقابل المقاطعين، كانت «الكتلة الديمقراطية» المكونة من الحركات المسلحة الدارفورية، وقوى وأحزاب سياسية حليفة للجيش قد مضت في المشاركة، وقالت في تصريحات إن الخلاف حول الترتيبات يجب ألا يوقف الحوار، وشددت على أن معالجة الأزمة تستلزم وجود القوى المختلفة داخل العملية السياسية.
ولم تنجح اجتماعات أديس أبابا في تجاوز تلك الخلافات، وهو ما أشار إليه رئيس الحراك الوطني، التجاني سيسي، الذي شارك في اجتماعات نهاية يوليو الماضي، بقوله: «الجولة فشلت في تحقيق أهدافها»، وإن المجتمعين عجزوا عن الاتفاق على تشكيل اللجنة التحضيرية ومعايير تكوينها.
وأقر سيسي بأن مقاطعة «صمود» أثرت على نجاح الاجتماعات الأخيرة للآلية، ما اضطرها لعقد مشاورات منفصلة مع الكتل والأحزاب للاستماع إلى رؤاها.
وفي ظل تعثر خطوات الآلية التي ينظر إليها باعتبارها مدخلاً لوقف الحرب، برز اتجاه لنقل جانب من تحركاتها إلى الداخل السوداني. ونقلت صحيفة «ديسمبر» عن مصادر أفريقية أن الآلية تنوي زيارة الخرطوم سبتمبر (أيلول) المقبل، لإجراء لقاءات بشأن الحوار السوداني - السوداني.
ولم تعلن الخماسية الزيارة رسمياً، لكن الخطوة التي نقلتها «التسريبات» أثارت المخاوف من اقتراب الآلية من السلطة في الخرطوم، والتأثير على حياد العملية.
وتتزامن التحركات مع مساع داخلية لتهيئة المناخ للحوار، تتضمن مطالبات بوقف الملاحقات القانونية ضد قيادات في «صمود»، وزيارة مرتقبة لمجلس السلم والأمن الأفريقي إلى الخرطوم.
وهكذا في ظل هذه التباينات وجدت الخماسية نفسها أمام خيارات صعبة، تتراوح بين المضي في مسارها رغم غياب قوى رئيسية، أو العودة إلى التفاهم حول اللجنة التحضيرية، أو استخدام جولة جديدة من المشاورات، بما فيها التحرك داخل السودان، لإعادة بناء الثقة.
وبينما يؤكد المقاطعون تمسكهم بالحل السياسي، فإنهم يتوقفون عند سؤال: «من يملك العملية السياسية، ومن يحدد المشاركين فيها؟»، وتحدد الإجابة قدرة الخماسية على العودة بصفتها مُيسراً مقبولاً، أو أن تصبح جزءاً من الخلاف الذي تم تكوينها من أجل معالجته.
