«الذكريات» تُعيد عفاف راضي إلى المنافسة في موسم الصيف

صُنّاع الأغنية قالوا لـ«الشرق الأوسط» إن العمل عليها استغرق عامين

عفاف راضي على ملصق الأغنية (يوتيوب)
عفاف راضي على ملصق الأغنية (يوتيوب)
TT

«الذكريات» تُعيد عفاف راضي إلى المنافسة في موسم الصيف

عفاف راضي على ملصق الأغنية (يوتيوب)
عفاف راضي على ملصق الأغنية (يوتيوب)

أعادت أغنية «الذكريات» المطربة الكبيرة عفاف راضي إلى ساحة الغناء مجدداً، بعد توقفها عن طرح أغنيات جديدة منذ سنوات طويلة، إذ اكتفت خلال الفترة الماضية بغناء أعمالها التي قدمتها مع عمالقة المؤلفين والملحنين على غرار عبد الرحيم منصور، وسيد حجاب، وبليغ حمدي، وكمال الطويل، وعمار الشريعي، حتى وجدت ضالتها في أغنية «الذكريات» التي طرحتها قبل أيام عبر «يوتيوب»، وراهنت عليها لتنافس بها في موسم الصيف المزدحم بالأغنيات الجديدة، وتتعاون فيها للمرة الأولى مع فريق عمل جديد يضم الشاعر محمد حارس، والملحن والموزع أيمن مصطفى، وتوزيع وتريات الدكتور إيهاب عبد السلام.

عبر صور من طفولتها وصباها ولقطات من حفلاتها وأفلامها تطل عفاف راضي في كليب أغنية «الذكريات» الذي أحدث ردود فعل قوية من جمهورها الذي أشاد بعودتها وبحسن اختيارها.

صورة لعفاف راضي في صغرها ضمن كليب الأغنية (يوتيوب)

يطل صوت عفاف راضي ناعماً، مثيراً للتأمل، متصالحاً مع الحياة، وهي تستقل قطار العمر وتستعيد صورها التي تحمل أجمل الذكريات، وتقول الأغنية في مطلعها «ويا الصور بنعيش حكايات، ساعات بفرحة وساعات آهات، واللي فات م العمر فات بنقول عليه ذكريات»، وفي مقطع آخر تتعجب كيف مضت السنوات «قطر الحياة مر وعدى وبين محطاته ما هدى، الغربة دي كانت عنوانا، ماعرفنا فين العمر عدى».

ويروي الشاعر المصري محمد حارس، المقيم بهولندا، عن كواليس تعاونه مع عفاف راضي، قائلاً إنه «كتب الأغنية أولاً، ثم قام الملحن أيمن مصطفى بتلحينها وتوزيعها موسيقياً»، ورأى حارس إرسال الأغنية وأغنيات أخرى للفنانة عفاف راضي عبر «واتساب»، متمنياً أن يحظى أحد أعماله بمصافحة صوتها.

ويضيف قائلاً، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إنه انتظر طويلاً حتى ردت وأبدت إعجابها بأغنية «الذكريات»، مؤكدة له أن فكرتها متميزة وأنها متحمسة لها، لتبدأ رحلتهما مع الأغنية التي استمرت عامين، حيث طلبت تعديلات في بعض الكلمات وفي الألحان لتناسب صوتها.

ويؤكد حارس: «أنا من عشاق صوت المطربة الكبيرة منذ زمن، وأحتفظ لها بشرائط كاسيت قديمة لأغنيات مثل (بتسأل يا حبيبي) للموسيقار عمار الشريعي، وكنا جميعاً سعداء حين قامت بتسجيل الأغنية الجديدة، فأن تغني عفاف راضي بكل تاريخها الفني عملاً لنا فهذا أمر يشرفنا، وأعتبر عملنا معها لحظة تاريخية في حياتنا»، مؤكداً أنها دقيقة للغاية في عملها.

مع سعيد صالح في فيلم «مولد يا دنيا» (يوتيوب)

وكتب محمد حارس قبل ذلك أغنيات لعدد كبير من المطربين، من بينهم مدحت صالح، وعلي الحجار، ومحمد الحلو، ونادية مصطفى.

واعتبر الملحن أيمن مصطفى الذي يجمع بين الغناء والتلحين العمل مع عفاف راضي مثل «يوم عيد»، وقال إنها بعد موافقتها طلبت بعض التغييرات في الكلمات واللحن، لأنها أرادت أغنية تعبر عنها.

ويضيف، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الفنانة الكبيرة بادرت وأخبرته يوم تسجيل الأغنية بالاستوديو أن اللحن نال إعجابها، لأنه جمع بين الروح الشرقية والغربية»، موضحاً أنها «كونها مطربة أوبرالية بالأساس وغنت بنجاح أغنيات شرقية، فأرادت لحناً يعبر عنها»، مؤكداً أنها «أضافت للحن إضافات مهمة، وأن صوتها لا يزال كما هو بكل رقته ورومانسيته».

وكشف عن أن الفنانة عفاف راضي توافقت مع فكرة عرض صورها على الشاشة في مراحل مختلفة من حياتها وأعمالها، لأن الأغنية تتحدث عن الصور التي تحكي الذكريات، لافتاً إلى أنه بدأ اللحن بآلة «التشيلو» التي يرى أن لصوتها دفئاً، بما يلائم فكرة الذكريات، ثم أخذ الأغنية بتدرج معين، مستعيناً بكل الآلات الموسيقية في مقطع يمثّل ذروة الإحساس وهي تقول «قطر الحياة مر وعدى».

لقطة من حفل عفاف راضي في جدة عام 2023 (بنش مارك)

وعدّ الناقد الموسيقي أحمد السماحي عودة عفاف راضي بأغنية جديدة مفاجأة هذا الصيف، لا سيما أنها أغنية تتلاءم مع اللون العاطفي الرومانسي الذي اشتهرت به، وتشبه أجواء الأعمال الهادئة التي قدمتها من قبل، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «راضي أكدت حضورها القوي وقدرتها على تقديم المشاعر بطريقة قريبة من القلب، ولا تزال تؤكد أن العمر مجرد رقم، وليس له تأثير على الصوت والحضور».

وأشاد السماحي بتعامل الملحن والموزع أيمن مصطفى بشكل متميز مع المطربة الكبيرة، وجَعلها تُغني من طبقة مريحة جداً لصوتها، لذلك أبدعت راضي، مشيراً إلى أن الأغنية تتمتع بتوليفة موسيقية متوازنة تجمع بين الرقة والدفء مع اهتمام واضح بالتوزيع الذي يليق بطبيعة الغناء الرومانسي.

ولفت إلى أن «كلمات الشاعر محمد حارس المليئة بالحنين والعاطفة ساعدتها على الإبداع، وأن الأغنية لمستنا جميعاً، لأننا حين نفتح ألبوم الصور نستدعي الذكريات على الفور»، معتقداً أن «رهان عفاف راضي على هذه الأغنية كان في محله تماماً».

عفاف راضي تطرح أغنية جديدة بعد فترة من الغياب (بنش مارك)

وحصلت عفاف راضي على درجة الدكتوراه من أكاديمية الفنون المصرية، ويعود اكتشاف موهبتها الغنائية إلى الموسيقار الراحل بليغ حمدي الذي قدّم لها أعمالاً عديدة، على غرار «عَطاشى»، و«ردوا السلام»، و«وحدي قاعدة في البيت»، وكانت قد بررت غيابها في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط» قائلة إنها «غابت بسبب تغير الأجواء الفنية بعد رحيل الملحنين الكبار الذين عملت معهم».

وقدمت عفاف راضي حفلاً في الأوبرا المصرية قبل 3 سنوات في ذكرى رحيل بليغ حمدي. كما شاركت في موسم جدة بحفل أُقيم عام 2023 تحت عنوان «ليلة من الزمن الجميل» جمعها بكل من ميادة الحناوي ومحمد ثروت.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«أمّ شام» تعود إلى الديار

يوميات الشرق تحيي الفنانة السورية أصالة نصري حفلها الأول في دمشق بعد غياب 16 عاماً (صفحتها على فيسبوك)

«أمّ شام» تعود إلى الديار

أخذت الأيام والشهور والسنوات أصالة فعلاً. أبعدتها عن مسقط رأسِها وقلبها وصوتِها قسراً خلال الأعوام الـ16 الماضية. وعندما حان موعد الرجوع إلى دمشق،

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق مصطفى كامل في حفل بالساحل (صفحته على «فيسبوك»)

«الصحفيين» المصرية لفض الاشتباك بين طارق الشناوي ومصطفى كامل

أعلنت «نقابة الصحفيين» بمصر محاولتها «فض الاشتباك» وإنهاء السجال الدائر على وسائط «سوشيالية» و«إعلامية» منذ أيام بين الناقد الفني طارق الشناوي ونقيب الموسيقيين.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق تحيي الفنانة السورية أصالة نصري حفلها الأول في دمشق بعد غياب 16 عاماً (صفحتها على فيسبوك) p-circle 01:33

مفاتيح أبواب دمشق في يد أصالة... عودة «أمّ شام» إلى الديار

تستعد الفنانة أصالة لإحياء حفلها الأول في وطنها الأم سوريا بعد 16 سنة غياب. خرجت أصالة من دمشق ولم تَعُد بسبب معارضتها للنظام السابق، فهل تستقرّ الآن في الشام؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق المغنية الأميركية الراحلة دولي بارتون (رويترز)

مقترح أميركي لإطلاق اسم دولي بارتون على مطار ناشفيل

قد تتم إعادة تسمية مطار ناشفيل الدولي باسم أيقونة موسيقى الريف دولي بارتون، وذلك وفقاً لاقتراح أعلنه يوم الجمعة حاكم ولاية تينيسي الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق تامر عاشور في موسم جدة (بنش مارك)

تامر عاشور يشعل «عبادي الجوهر» في ليلة «كاملة العدد»

على مدى ساعتين ونصف الساعة استطاع عاشور أن يجتذب جمهوراً سعودياً من العائلات والشباب من الجنسين، الذين شاركوه الغناء في الحفل الذي أُقيم مساء الخميس.

انتصار دردير (القاهرة )

فك لغز الأصوات الجميلة للطيور

اعتبر تغريد طائر الشحرور الأكثر امتاعاً وأنه ذو تأثير مريح للغاية (أنسبيلاش)
اعتبر تغريد طائر الشحرور الأكثر امتاعاً وأنه ذو تأثير مريح للغاية (أنسبيلاش)
TT

فك لغز الأصوات الجميلة للطيور

اعتبر تغريد طائر الشحرور الأكثر امتاعاً وأنه ذو تأثير مريح للغاية (أنسبيلاش)
اعتبر تغريد طائر الشحرور الأكثر امتاعاً وأنه ذو تأثير مريح للغاية (أنسبيلاش)

أظهرت أبحاث جديدة أجراها فريق بحثي من جامعة توبنغن في ألمانيا، أن تغريد الطيور المتنوع، ذو النبرة العالية، ولكن غير المرتفع جداً، يُعتبر الأكثر إمتاعاً، مع حصول تغريد طائر الشحرور على الجائزة الأولى وفق المعايير المحددة لأجمل أصوات الطيور، في حين اعتُبِر تغريد البوم الأقل إمتاعاً.

ووفق الباحثين تساعد الإجابة على سؤال، أي أصوات الطيور أجمل؟ في فهم كيف تُضفي تلك الأصوات الجميلة على العالم الطبيعي أجواءً من الاسترخاء للإنسان، مما يفتح المجال لتحسين فرص الاستمتاع بالحدائق والمتنزهات، وتطوير تصميم الأماكن التي تُسبب التوتر كغرف الانتظار، وفي تعزيز جهود الحفاظ على البيئة.

ومن خلال مطالبة الناس بالاستماع إلى تغريد الطيور وتقييمه من حيث جاذبيته، ثم مقارنة ذلك بمعلومات حول الخصائص الصوتية لهذه التغريدات، حدد الباحثون جوانب رئيسية تجعل بعض تغريد الطيور يبدو أكثر جاذبية من غيرها.

وقالت الدكتورة نادين كالب، الباحثة الرئيسية من جامعة توبنغن، ومؤلفة الدراسة المنشورة، الأربعاء، في مجلة «فرونتيرز إن بيرد ساينس»: «لا يشترط أن تكون من مُحبي الطيور لتجد أصواتها جميلة. إن القدرة على تمييز الطيور من خلال مظهرها أو تغريدها لم تؤثر في كيفية تقييم الناس للتغريدات. وهذا يُشير إلى أن الاستمتاع بتغريد الطيور مرتبط بشيء أكثر جوهرية من مجرد معرفة ما تستمع إليه».

وتُعتبر أصوات الطيور من أكثر جوانب قضاء الوقت في الطبيعة متعةً، وقد أظهرت الأبحاث السابقة أنها تُسهم في الراحة النفسية والرفاهية. مع ذلك، لا تُستقبل جميع أصوات الطيور بالقدر نفسه من الإيجابية.

استعان العلماء بـ 84 شخصاً وعرضوا عليهم مقاطع قصيرة من 123 أغنية لطيور برية شائعة في جميع أنحاء ألمانيا. طُلب من المشاركين بعد ذلك تقييم كل مقطع صوتي على مقياس من واحد إلى خمسة - كلما ارتفع التقييم، كان المقطع أكثر إمتاعاً.

وقام العلماء بتحليل المقاطع الصوتية، وقياس جوانب كل أغنية من حيث السعة، والتردد، والتعقيد - أي عدد وتنوع عناصر الأغنية - وعرض النطاق الترددي، الذي يحدد نطاق الترددات المستخدمة في الأغنية. بعد ذلك، تمت مقارنة هذه البيانات مع درجات إمتاع المشاركين للأغاني واهتمامهم المسبق بالطيور.

الشحرور الأكثر امتاعاً

حدد العلماء 21 نوعاً من الطيور ضمن عيناتهم، والتي سبق إدراجها في دراسة حول تصورات تغريد الطيور كعامل مُجدد للطاقة - أي مساعدة الناس على التعافي من الإرهاق الذهني أو التوتر. وقارنوا التقييمات التي حصلت عليها هذه الطيور في تلك الدراسة مع درجات إمتاعها.

واعتبر تغريد طائر الشحرور الأكثر امتاعاً، بينما اعتُبر تغريد البوم الأقل امتاعاً. ومن المثير للاهتمام أن تغريد طيور الشحرور اعتُبر أيضاً ذا تأثير مُريح للغاية. كما اعتُبرت الأصوات ذات النطاق الترددي الأضيق والتعقيد الأكبر أكثر امتاعاً، وكذلك تغريد الطيور ذات التردد العالي أو السعة المنخفضة نسبياً. وتجنبت التغريدات التي حازت على أعلى الدرجات نطاقاً ترددياً رئيسياً تكون فيه حاسة السمع البشرية حساسة للغاية.

تغريدات البوم تعد الأقل امتاعاً (جامعة جنوب كاليفورنيا)

وتقول كالب: «ربما نكون مُهيئين لتفضيل الأصوات الأكثر تنوعاً ذات السعات والترددات المعتدلة لأنها تُشير إلى بيئة آمنة وصحية ومريحة حيث يُمكننا الاسترخاء».

ويقول الدكتور كريستوف راندلر من جامعة توبنغن، المؤلف الرئيسي للدراسة: «غالباً ما تُعتبر أصوات الطيور من أكثر جوانب قضاء الوقت في الطبيعة متعةً، وقد أظهرت الأبحاث السابقة أنها تُسهم في تحسين الحالة النفسية والرفاهية».

واستكمالاً لهذا البحث، يرغب الباحثون في إجراء دراسات أوسع نطاقاً تشمل عينات أكبر تضمّ عدداً أكبر من الرجال، وثقافات مختلفة، ومراقبين أكثر خبرة للطيور.

ويقول راندلر: «أودّ دراسة كيفية تأثير أصوات الطيور في الناس في بيئاتهم الطبيعية. كما أودّ دمج البيانات البيئية، والتحليلات الصوتية، والاستجابات النفسية لفهم كيف تُترجم التغيرات في التنوع البيولوجي - مثل فقدان الأنواع - إلى تغيرات في تجارب الإنسان مع الطبيعة».


خليل رباح يُعيد تركيب العالم بتجهيزاته التي حطَّت في بيروت

في أحد التجهيزات لُفّت قضبان الحواجز بقطع من الأقمشة البالية (غاليري صفير - زملر)
في أحد التجهيزات لُفّت قضبان الحواجز بقطع من الأقمشة البالية (غاليري صفير - زملر)
TT

خليل رباح يُعيد تركيب العالم بتجهيزاته التي حطَّت في بيروت

في أحد التجهيزات لُفّت قضبان الحواجز بقطع من الأقمشة البالية (غاليري صفير - زملر)
في أحد التجهيزات لُفّت قضبان الحواجز بقطع من الأقمشة البالية (غاليري صفير - زملر)

يعود الفنان التشكيلي خليل رباح إلى بيروت بعد غياب 8 سنوات، بمعرض من جزأين، في صالتَيْ «صفير - زملر» في الكرنتينا ووسط بيروت. المعرضان متكاملان من حيث الروح والنكهة، ومختلفان في الوسائل والأساليب. لكن هذا الفنان الفلسطيني الآتي من رام الله، الذي بقي طيلة مسيرته التشكيلية ملتزماً أوجاع شعبه، يزداد عمقاً وألماً وبحثاً هذه المرة، بعد مأساة غزة، محاولاً سبر أغوار جراح شعبه وتشتته، بعدما سالت شلالات الدماء. هكذا أصبحت اللوحة، كما التجهيز، في تحدٍّ خاسر سلفاً مع واقع يستحيل التعبير عنه بالسبل المتاحة.

تَغيُّر الوظائف في العمل الفني يُبدِّل المعنى (غاليري صفير - زملر)

في الكرنتينا، تجهيزات لملمها رباح، كعادته، من مخزونه الأرشيفي الكبير، الذي يجمعه من يوميات الناس وأدواتهم المعتادة.

عند المدخل، تستقبلك قدور الطبخ الكبيرة المصنوعة من الألمنيوم، موضوعة داخل قفص أسود، وعلى طرفيه إطارا سيارة أسودان. وإلى جانب هذا العمل، تجهيز آخر عبارة عن كاميرات فيديو اصطفت على طاولة لكيّ الملابس، وتدلّت شرائطها بعضها إلى جانب بعض كأنها أغصان شجر. وأُحيط التجهيز كله بإطار زجاجي شفاف.

لكن التجهيز اللافت في هذه المجموعة هو بيت الزرع البلاستيكي الواسع، الذي يُفترض أن يحمي النباتات من عصف الشتاء، لكنه يتحول هنا، بحجمه الكبير، مكاناً خرباً لا مجال فيه للخصب أو الثمر. فالبذور التي نُثرت في الأحواض لم تنبت، والنباتات الخضراء التي اشرأبت فعلاً تعاني الذبول، كأنها عُذِّبت وأُنهكت. وفي حوض آخر أكوام من الزجاج المهشم، وفي ثالثٍ ألعاب أطفال قديمة مكدسة، وفي رابعٍ ملاعق وأوانٍ مطبخية، وحوض به أدوات نجارة... وغيره فيه صوان. في كل مربع يُفترض أن يكون فيه موضع للأمل حلّت أكوام من بقايا قديمة. ولم يعد البيت البلاستيكي رمزاً للخضرة والحياة، بل مكاناً لدفن المخلفات المهملة التي قد تُنسى إلى الأبد.

وبذلك يبقى رباح، كما في معارضه السابقة، حريصاً على تطوير أسلوبه المفاهيمي ومشروعاته الفنية التي تنهل من الواقع الفجّ، بأبسط أشيائه وأوسعها تداولاً؛ فيخرجها من سياقاتها المعتادة ويمنحها بُعداً آخر. هذا ما فعله في تجهيزه الذي تتراكم فيه عشرات الكراسي الخشبية التقليدية المتقشفة، التي تُستخدم عادةً للجلوس على قارعة الطرقات.

تجهيز الكراسي الملونة لخليل رباح (غاليري صفير - زملر)

وكذلك الحال بالنسبة إلى سلّمين معدنيين ثُبِّتا على جدار، وتدلّت من أحد جانبيهما مَكَاوٍ للملابس، ومن الجانب الآخر مرشّات للاستحمام، في لعبة عبثية تشبه الطريقة التي يُعاد بها تركيب العالم بفوضوية.

أما التجهيز الأكبر في المعرض، فيحتل ثلث صالة العرض، ويتكوّن من حواجز معدنية ممتدة لُفّت قضبانها بأقمشة ملونة، وخلفها عربات مطارات مخصصة لحمل الحقائب، وقد استُخدمت هذه المرة لنقل الدراجات الهوائية التي تملأ المكان.

تبديل الوظائف وتغيير وجهة الاستخدام يمنحان الأشياء طعماً آخر. هذا ما تقوله تجهيزات خليل رباح في منطقة الكرنتينا، بينما يقدم المعرض الثاني نمطاً مختلفاً يصبّ في المجرى نفسه.

هنا يطالعك رداء نسائي من التراث الفلسطيني؛ شاهق بحجم الباب الذي تلج منه إلى الصالة. هذا الثوب المشغول بعناية هو رد حضاري من الفنان على سرقة أستراليا موزاييك من فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى، وجده جنود أستراليون خلال حفر أحد الخنادق في غزة، فحملوه معهم إلى بلادهم، ومن ثم عُرض في أحد متاحف أستراليا.

وخلال إجرائه أبحاثاً عن أستراليا تمهيداً للمشاركة في «بينالي سيدني»، عثر الفنان على هذه المعلومة المؤلمة، فقرر أن يذهب إليهم برداء من بلاده، حيك من بقايا أثواب قديمة وبالية جمعها من جدات فلسطينيات قرويات، ليذكّرهم بالموزاييك المسروق. إنه نوع من المقاومة الفنية في وجه مستعمر يباهي بالسرقة، ويرى أن ما سلبه حق مكتسب لا يخجل منه.

تجهيز السلالم والطاولات المقلوبة (غاليري صفير - زملر)

وبالقرب من الرداء التراثي الفلسطيني العملاق، تظهر إبرة خياطة تحت مجهر؛ سُلّطت عدسته على ثقبها الذي تدلّى منه خيط. هذا هو الخيط السحري الذي منه يُصنع إبداع التراث الفلسطيني، حيث تحاك الغرز؛ واحدة تلو الأخرى.

وفي لوحات اصطف بعضها إلى جانب بعض، نرى في كل منها قطعة قُطعت من جذع شجرة زيتون معمّرة. ومن يعرف متانة جذوع الزيتون، وكم هو موجع أن تُقطّع ويُعتدى عليها كأنما هذا قتل لعشرات السنين والذكريات، يفهم كيف رسمها رباح، وقد اتخذت أشكال قلوب وأعضاء بشرية نابضة. وفي لوحات أخرى أُنجزت بعد إبادة غزة، نرى الجذوع المقطعة وقد مُزِّقت بعد رسمها وأعيد لصقها بتقنية الكولاج، في لعبة تحطيم المحطَّم، بعد كل ما شهدته فلسطين من تمزقات.

استعارة الرموز وتوظيفها جزء من عمل خليل رباح، حيث تصبح شجرة الزيتون كائناً حياً، ويتعامل مع جذوعها وأغصانها وزيتها، كما يستعير خيوط التطريز للتعبير عن الهوية والانتماء. وفي إشارة إلى الأرض وغصة فقدانها، يلجأ إلى عناصر مثل التراب ونبتة العدس وحبة القمح.

وهو فنان عاشق للأرشيف، يعود إلى مجموعاته التي رتّبها ونظّمها ليبني منها تجهيزاته، معيداً تعريف العناصر الأولى ومانحاً إياها وظائف أخرى، لا تحرمها معناها الأصلي، وإنما تضفي عليها بُعداً أعمق حين تلتصق بمواد جديدة.

البيت البلاستيكي... من رمز للثمر إلى مقبرة للمهملات (غاليري صفير - زملر)

قضى رباح 10 سنوات من عمره في أميركا، حيث درس الهندسة المعمارية، التي تتجلى بوضوح في بنيان تجهيزاته، وعمل هناك قبل أن يختار العودة إلى رام الله. عاش تجربة الاستعمار والغربة والفقد وتمزق الهوية وانشطار الانتماء، وعبّر عن كل هذا بأعمال تحكي فلسطين بأسلوبه الخاص، مستلهماً عناصر بيئته الخام، ومقدماً إياها في تركيبات سوريالية، مثل لفائف النايلون التي تكدست في معرضه البيروتي واخترقتها أسنان المناشير الحديدية الصدئة.

وقد وصفه أحد النقاد بأنه «يجرّ الأشجار إلى داخل صالات العرض، ويطحن الزيتون بالحجر، ويبتكر، بعبثية، متحفاً وشركة طيران وبينالياً»، عادّاً أن عمله يقف على الخط الفاصل بين الاستهلاك الفني والانخراط الجاد في قضايا الهوية والانتماء.


أوميد عبد اللهي: «يوم حلو» يهتم بالضحايا الصامتين خارج السجن

يقدم الفيلم الإيراني قضية إنسانية (الشركة المنتجة)
يقدم الفيلم الإيراني قضية إنسانية (الشركة المنتجة)
TT

أوميد عبد اللهي: «يوم حلو» يهتم بالضحايا الصامتين خارج السجن

يقدم الفيلم الإيراني قضية إنسانية (الشركة المنتجة)
يقدم الفيلم الإيراني قضية إنسانية (الشركة المنتجة)

قال المخرج الإيراني أوميد عبد اللهي إن أفكاره غالباً ما تبدأ من حياته وتجاربها، وعندما يبدأ من شيء يعرفه بصورة حميمة، يشعر بأنه يستطيع فهمه بعمق أكبر والعثور على طريقة أكثر صدقاً للتعبير عنه من خلال السينما، مؤكداً أن ذلك لا يمثل بالنسبة إليه سوى نقطة البداية، إذ تدخل في القصة مع تطورها عناصر أخرى، مثل خياله وتجارب أشخاص آخرين، وأحياناً أشياء يلاحظ حدوثها في المجتمع.

وأوضح في حوار مع «الشرق الأوسط» عبر البريد الإلكتروني بعد عرض فيلمه القصير «يوم حلو» ضمن فعاليات مهرجان «لوكارنو السينمائي» في نسخته الماضية أنه يحاول السماح لهذه المواد المختلفة بالتفاعل معاً وتشكيل القصة تدريجياً، لكونه لا يرى الحدود بين السيرة الذاتية والخيال باعتبارها خطاً ثابتاً، فالتجربة الشخصية تمنح العمل بدايته العاطفية، بينما يسمح الخيال له بتجاوز حياته الخاصة واكتشاف شيء أكبر مؤكداً أن هذه العملية تساعده على تحويل تجربة شخصية إلى قصة إنسانية يمكن أن تتواصل مع أشخاص تختلف حياتهم وتجاربهم كثيراً عن حياته.

المخرج الإيراني أوميد عبد اللهي (الشركة المنتجة)

وتدور قصة الفيلم القصير «يوم حلو» (A Sweet Day) حول شابة تحصل، بعد فترة طويلة، على فرصة للقاء زوجها المسجون في زيارة زوجية، فتقرر أن تعيش من جديد وقتاً رومانسياً معه داخل أجواء السجن القاسية.

وأوضح عبد اللهي أن كل مكان في الفيلم له هويته وشخصيته الخاصة، ويمكن لهذه الهوية أن تؤثر في الطريقة التي نحكي بها القصة وفي شكل الفيلم لرؤيته، وأن الأماكن لديها نوع من الحياة الخاصة بها، وينبغي الاستفادة من حضورها بدلاً من معاملتها ببساطة باعتبارها خلفيات للأحداث، لافتاً إلى أن خلق أجواء مقنعة كان دائماً جزءاً مهماً من صناعة الأفلام بالنسبة إليه.

وأكد أنه في فيلم «يوم حلو»، اعتمد أكثر من أي شيء آخر على الذكريات والصور التي حملها معه منذ طفولته، وحاول ترجمة تلك الصور من ذاكرته إلى واقع مادي بطريقة تبدو حقيقية على الشاشة، عادّاً أن هذا الأمر كان أحد أصعب أجزاء صناعة الفيلم، لأن السجن جاء من ذاكرة بصرية شخصية ومتجذرة بعمق، ولو بدا المكان مصطنعاً أو غير مقنع، لكان من الممكن أن يؤدي ذلك إلى كسر الصلة العاطفية بالقصة بأكملها.

ركز الفيلم على معاناة إنسانية غير متداولة (الشركة المنتجة)

وأشار المخرج إلى أن الاهتمام العام غالباً ما يتركز على السجين أو الضحية، لكنه كان مهتماً بالأشخاص الذين تُركوا خلفهم، من الزوجة والأطفال والعائلة، لأنهم يتأثرون أيضاً بصورة عميقة بما يحدث لأحبائهم، رغم أن معاناتهم غالباً ما تظل غير مرئية.

وأكد أن هذا الأمر يثير قلقه بشدة، لأننا نتحدث كثيراً عن السجناء باعتبارهم أرقاماً أو إحصاءات، بينما يوجد وراء كل سجين أشخاص في الخارج يحبونه وينتظرونه ويعيشون مع عواقب ما حدث له، ولذلك يمكن أن يصبحوا هم أنفسهم ضحايا صامتين، مشيراً إلى أنه أراد منح هؤلاء الأشخاص حضوراً في القصة والسماح للجمهور بتجربة الحدث من جانبهم.

وبيّن عبد اللهي أن السجن كان السياق الذي أراد من خلاله أن يحكي هذه القصة، لكن اهتمامه الأساسي كان دائماً بالعلاقات الإنسانية والعاطفية، لافتاً إلى أنه كان مهتماً بكيفية تأثير جدران السجن والقواعد التي يفرضها نظام ما على العلاقات التي تكون في الأصل بسيطة وإنسانية بعمق.

يبرز الفيلم القصير جانباً إنسانياً لم يتم التطرق إليه كثيراً وفق المخرج (الشركة المنتجة)

وأضاف أن العواقب العاطفية لهذه القيود كانت بالنسبة إليه أهم من مناقشة السياسة أو نظام العدالة بصورة مباشرة، لأنه أراد التركيز على ما يحدث للناس عندما يصبح شيء أساسي مثل الحب أو الانتظار أو مجرد الوجود معاً خاضعاً لقواعد وحواجز خارجة عن سيطرتهم، مشدداً على أن الفيلم ليس في الحقيقة عن نظام السجون نفسه، وإنما عن العلاقات الإنسانية الموجودة في ظله، وكيف تتغير هذه العلاقات بفعل ظروف لا يستطيع أصحابها التحكم فيها.

ويعد المخرج الإيراني السينما طريقة للنظر بصورة أكثر قرباً إلى الحياة، إذ تمنحه فرصة لإعادة خلق لحظات ومشاعر قد لا يلاحظها الناس دائماً في حياتهم اليومية موضحاً أن نظرة أو صمتاً أو إيماءة أو لحظة صغيرة جداً يمكن أن تكشف شيئاً لا تستطيع الكلمات التعبير عنه بصورة كاملة.

وأوضح أن الجمهور الدولي يمكن أن يرى «يوم حلو» بوصفه قصة إيرانية وقصة إنسانية عالمية في الوقت نفسه، لأن القصة تدور في إيران وتتأثر بظروفها الاجتماعية والثقافية الخاصة، لكنها في الوقت ذاته قصة عن العلاقات والمشاعر الإنسانية.