تصدرت مدينة جرمانا بريف دمشق الشرقي، والتي تشكل طائفة «المسلمين الموحدين (الدروز)» أحد مكوناتها السكانية الأساسية، الحدث السوري مجدداً، إثر انفجار العبوة الناسفة داخل حافلة نقل ركاب صغيرة (سرفيس) وسط المدينة القريبة من العاصمة السورية؛ ما أدى إلى إصابة 14 شخصاً بجروح بينهم 3 حالات حرجة.
التفجير جاء بعد بساعات قليلة من إصدار مشايخ وأهالي جرمانا، بياناً رسمياً أكدوا فيه مجموعة من «الثوابت الوطنية والاجتماعية»، وفي مقدمتها أن دمشق «هي القبلة الأساسية للمدينة وعمقها الغوطة الشرقية»، ورفضهم التام «أي محاولات لزرع الفتنة أو تشويه التنوع الاجتماعي والسلم الأهلي الذي تتميز به المدينة».

كما أكد البيان، «أن أبناء جرمانا ليسوا صندوق بريد لأي جهة كانت»، ورفضهم «أي شكل من أشكال التدخل في شؤونهم، مقابل عدم تدخلهم في شؤون الآخرين». وهو ما فسره نشطاء في المدينة لـ«الشرق الأوسط»، بأنه «رسالة سياسية برفض المشروع الانفصالي في محافظة السويداء جنوب سوريا والذي يسعى إليه رئيس طائفة المسلمين الموحدين الشيخ حكمت الهجري، بدعم من إسرائيل التي تعمل على تثبيت مزاعمها بـأن الدروز في سوريا في حالة خطر وتعمل على حمايتهم».
كما تزامن التفجير، مع زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى تركيا وسط تصاعد التوتر بين أنقرة وتل أبيب؛ وهو ما دل عليه تأكيد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في يونيو (حزيران) الماضي على أن أمن بلاده «لا يبدأ من ولاية هاتاي، بل من حلب ودمشق وبيروت».
وفي المقابل، صعّد مسؤولون إسرائيليون من لهجتهم تجاه تركيا، حيث لوّح في 29 يوليو (تموز) الماضي، وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين بإقامة قواعد عسكرية داخل الأراضي السورية، إذا مضت أنقرة في خططها لإنشاء قواعد عسكرية فيها.

يضاف إلى ذلك، أن التفجير أتى بعد تصريحات سورية أعلنت فيها أنها لا تمانع الحوار مع «حزب الله» في حال اقتضت مصالح سوريا ولبنان ذلك، والتي أعقبها إعلان أمين عام الحزب نعيم قاسم الانفتاح على الحوار مع دمشق.
ومع مواصلة السلطات السورية التحقيقات لكشف ملابسات التفجير، طرحت أسئلة عدّة عن الجهة التي تقف وراء التفجير؟ وما الهدف منه؟ ومَن المستفيدون منه؟ وهل هناك ربط بينه وبين بيان مشايخ وأهالي جرمانا؟ أو بينه وبين زيارة الشيباني إلى أنقرة؟
«الشرق الأوسط» تواصلت مع نشطاء في «المجتمع المدني» و«السلم الأهالي»، ومصادر حقوقية في المدينة تتابع بدقة تطورات الأحداث في جرمانا وفي سوريا بشكل عام.
وقال المحامي مكرم عبيد، وهو من سكان المدينة ومن الذين شاركوا في صياغة البيان الذي أصدره مشايخها وأهلها: «إن المسؤولين عن التفجير لا تهمهم وحدة سوريا ولا أمنها ولا استقرارها، ولا أن ترسي الدولة الوليدة قواعد العدالة في البلاد».
وأضاف: «هناك جهات عدة ليس لها مصلحة في حصول استقرار في سوريا على رأسها إسرائيل التي تقف وراء أي حركة تستهدف استقرار هذا الوطن».
وأوضح عبيد، أن «الخطاب الذي تضمنه بيان مشايخ وأهالي جرمان ليس جديداً؛ فمنذ سقوط النظام السابق، كانت رسالتنا للدولة ولكل المسؤولين الذين التقتهم الهيئة الروحية بحضورنا، أن الخطاب الأساس المرتكزة عليه جرمانا هو أن عمقها الغوطة واتجاهها دمشق».
وفي إشارة إلى تنظيم «منبر أنصار الرسول» الذي أعلن تبنّيه التفجير، وهو جماعة غير معروفة، أعلنت عن نفسها قبل نحو شهر، قال عبيد: «هناك جهات راديكالية تستهدف طائفة الموحدين وتضعهم على قائمة الذين يجب التخلص منهم».
ودعا عبيد، الدولة إلى «أن تأخذ دورها بشكل كامل بحيث تكشف الفاعل قبل القيام بفعله»، عادَّاً «أن الأمن لا يبدأ بعد التفجير وإنما قبل التفجير، وهذه مسؤولية الدولة».

ومن وجهة نظر ناشط في «المجتمع المدني» و«السلم الأهالي» في جرمانا، فضّل عدم ذكر اسمه، فإن «المستفيدين من التفجير كثر».
وقال لـ«الشرق الأوسط»: «التوقيت ليس بريئاً، والمنطق يقول إنه يجب أن يكون هناك رابط بين بيان مشايخ وأهالي المدينة وبين التفجير، ولا يمكن فصلهما عن بعضهما بعضاً».
ومن بين المستفيدين من التفجير، وفق الناشط، «إسرائيل التي لا تريد أن يكون هناك نموذج للعيش المشترك في سوريا مثل جرمانا، بل الاستمرار بمزاعمها القائمة، على أن دروز سوريا في خطر وتعمل على حمايتهم».
لكن الاحتمال الأكثر ترجيحاً، في رأيه، هو أن تكون «قوى راديكالية متطرفة» وراء التفجير؛ لأنه «كانت هناك خلال الفترات الماضية دعوات تحريض من قِبل البعض بعد المظاهرات التي شهدتها جرمانا الشهر الماضي في الذكرى السنوية لأحداث السويداء، كما أن ما تضمنه بيان مشايخ وأهالي المدينة من خطاب وطني جامع، لا يناسبها».

وعدّ الناشط، أن من يقف وراء التفجير «سواء كان من خارج الحدود أو تنظيمات راديكالية، هدفه واحد، وهو محاولة تقويض السلم الأهلي وزعزعة الاستقرار في المدينة وضرب النموذج الحي للعيش المشترك».
وأوضح، «أن إسرائيل هي المستفيد الأول من هذا التفجير؛ لأنها من خلاله تعزز مزاعمها بأن الأقليات السورية في خطر وستستثمر فيه سواء كانت وراءه أم لا»، داعياً السوريين إلى «إفشال سياستها وعدم الانجرار وراء الفتن».
