قالت المخرجة السويسرية-الكوسوفية، ديا جينوفتسي، إن السينما بالنسبة إليها مساحة يمكن من خلالها إعادة فتح الحوارات المؤجلة داخل العائلة، ومواجهة ذكريات ظلت لسنوات طويلة حبيسة الصمت، موضحة أن فيلمها «جمال الحمار» (The Beauty of the Donkey) جاء نتيجة رحلة طويلة مع والدها، لم يكن هدفها البحث عن الماضي فقط، وإنما محاولة فهمه، وإعادة اكتشاف ما أخفته الحرب والمنفى من قصص لم تكن معروفة حتى لأفراد الأسرة أنفسهم.
وأضافت ديا جينوفتسي -في حوار مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»- أن العمل يمثّل امتداداً لفيلم قصير سبق أن أنجزته قبل نحو تسع سنوات تناول رحلة والدها لاجئاً من كوسوفو إلى إيطاليا ثم سويسرا، مؤكدة أن ذلك الفيلم كان البداية الحقيقية لحوار إنساني بينهما حول سنوات المنفى وما تركته من آثار على العائلة.
ويتناول فيلم «جمال الحمار» (The Beauty of the Donkey) رحلة تعود فيها المخرجة مع والدها إلى قريته في كوسوفو بعد أكثر من خمسين عاماً من المنفى، في محاولة لإحياء الذكريات التي حملها معه طوال حياته عن طفولته وأسرته.
لكن العودة تكشف عن أن القرية التي عاشتها الذاكرة لم تعد موجودة؛ فالبيوت دمّرتها الحرب، والسكان تفرقوا أو رحلوا، في حين تتحول إعادة تمثيل الماضي بمشاركة أبناء القرية إلى رحلة لاكتشاف الخسارات التي تركتها الحرب، وفي مقدمتها اختفاء جدة المخرجة خلال حرب كوسوفو، في عمل يمزج بين الوثائقي والخيال لإعادة بناء الذاكرة أكثر من إعادة بناء التاريخ.
وشارك الفيلم في عدد كبير من المهرجانات الدولية، من بينها مهرجانا «زيوريخ» في سويسرا و«شيكاغو» بالولايات المتحدة. كما حصد مجموعة من الجوائز، أبرزها جائزة أفضل تصميم صوت بمهرجان «ييهلافا الدولي للأفلام الوثائقية» في التشيك.
وأشارت ديا جينوفتسي إلى أن «الحديث عن تلك التجربة لم يكن سهلاً في البداية، لكن السينما منحتني طريقة مختلفة لطرح الأسئلة، بعيداً عن المواجهة المباشرة؛ إذ تسمح البنية الفنية والإبداعية للفيلم بفتح مساحات يصعب الوصول إليها في الحياة اليومية»، وفق قولها.

وأوضحت أن أكثر ما ساعدها في هذا المشروع كان قرار إعادة بناء ذكريات طفولة والدها داخل القرية نفسها التي نشأ فيها، رغم أنها لم تعد تشبه المكان الذي عاش فيه، بعدما دمرت الحرب معظم معالمها وأُعيد بناؤها من جديد، مؤكدة أن إعادة تمثيل تلك الذكريات وسط المكان الحقيقي أطلقت لدى والدها ردود فعل عاطفية لم تكن تتوقعها، وفتحت أمامهما أبواباً للحديث عن ذكريات سعيدة في البداية، قبل أن تقودهما تدريجياً إلى استعادة أكثر اللحظات ألماً في تاريخ العائلة.
وأكدت ديا جينوفتسي أن تصوير الفيلم استغرق نحو عامَين ونصف العام، وهي فترة كانت ضرورية ليس فقط على المستوى الإنتاجي، وإنما أيضاً على المستوى الإنساني، لأن الوقت الطويل أتاح لها التفكير ملياً فيما تريد أن تقوله، وفي الأسئلة التي كانت تحاول البحث عن إجابات لها، كما منح والدها فرصة ليعيش التجربة بهدوء، ويبدأ هو الآخر طرح أسئلة جديدة حول تاريخ عائلته، لأن الفيلم كشف لهما عن تفاصيل لم يكونا يعرفانها عن الظروف التي أحاطت ببعض الخسارات التي تعرضت لها الأسرة.
وحول اختيارها المزج بين الفيلم الوثائقي والمشاهد المعاد تمثيلها، قالت إن «هذا القرار لم يكن نتيجة رغبة في التجريب، بل جاء بشكل طبيعي منذ المراحل الأولى للمشروع». وأكدت أنها كانت تعرف منذ البداية أن الاعتماد على «الوثائقي التقليدي» لن يكون كافياً، لأن تاريخ القرية لم يُحفظ داخل أرشيفات رسمية، ولم تكن هناك صور أو تسجيلات مصورة توثّق الحياة اليومية في خمسينات وستينات القرن الماضي.
وأضافت أنها فُوجئت في أثناء التصوير بأن الجانب الوثائقي أخذ مساحة أكبر مما كانت تتوقع في البداية، لأن رحلة البحث نفسها تحولت إلى تحقيق حقيقي، إذ كانت كل خطوة تكشف عن معلومات جديدة، وتفتح أبواباً لم تكن موجودة عند كتابة المشروع، وهو ما جعل الفيلم يتطور باستمرار حتى في أثناء التصوير، ويصبح أكثر ارتباطاً بالواقع مما كانت تتخيل في البداية.
وأكدت أن «الوصول إلى هذا التوازن لم يكن سهلاً، بل تحقق خلال مرحلة المونتاج، حيث جرى البحث بعناية عن الإيقاع المناسب بين لحظات الفرح والدفء العائلي، والمشاهد التي تكشف تدريجياً عن حجم الخسائر التي عاشتها الأسرة والقرية بأكملها»، لافتة إلى أن نجاح الفيلم يعتمد على جعل الجمهور يتعلق أولاً بالشخصيات وحياتها، قبل أن يواجه معها حجم الفقد.
وعن مشاركة سكان القرية في إعادة تمثيل الماضي، قالت إن «هذا القرار كان من أكثر الخيارات أهمية في الفيلم، لأنهم لم يكونوا ممثلين يؤدون أدواراً مكتوبة، بل كانوا أشخاصاً عاشوا تلك البيئة أو ورثوا تفاصيلها عن آبائهم وأجدادهم، ولذلك لم يكن عليهم أن يمثلوا، بل أن يستعيدوا جزءاً من حياتهم الحقيقية أمام الكاميرا».
وأضافت أن «أبناء القرية منحوا الفيلم شيئاً لا يمكن لأي ممثل محترف أن يقدمه، وهو الخبرة المعيشة، فالمشاهد التي أُعيد تنفيذها لم تكن مجرد لقطات درامية، وإنما امتداد لقصص عائلاتهم، ولهذا بدت طبيعية وصادقة».
وانتقلت المخرجة إلى الحديث عن قصة جدتها، ووصفتها بأنها كانت أكثر أجزاء الفيلم قسوة على المستوى الشخصي، لافتة إلى أن التصوير قادها إلى أماكن لم تكن تتخيل أنها ستزورها، من بينها مشرحة «بريشتينا» المركزية، حيث لا تزال توجد رفات لضحايا حرب كوسوفو لم يتم التعرف إلى هوياتهم بعد مرور أكثر من خمسة وعشرين عاماً على انتهاء الحرب.
وأضافت أنها خضعت مع أفراد عائلتها لفحوص الحمض النووي، كما التقت أطباء شرعيين ومسؤولين عن التحقيقات المتعلقة بالمقابر الجماعية، في محاولة لفهم الآليات التي لا تزال تُستخدم حتى اليوم للبحث عن المفقودين، مشيرة إلى أن هذه الرحلة لم تكن مجرد بحث عن شخص مفقود، بل كانت أيضاً رحلة لفهم طبيعة ما حدث قانونياً وإنسانيا.
وقالت إن هذه التجربة جعلتها تدرك للمرة الأولى أن اختفاء جدتها لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثة عائلية مؤلمة فقط، وإنما هو جزء من جريمة حرب ارتُكبت خلال النزاع، مؤكدة أنها لم تكن قد صاغت هذه الفكرة بهذا الوضوح في ذهنها قبل بدء العمل على الفيلم.
