نور غندور لـ«الشرق الأوسط»: لا أحبّذ التعاون مع «المؤثّرين» في الأعمال الدرامية

تطلُّ في كليب «تعالي هنا» لنادر الأتات

ترى أنّ الممثّل يمنح الكليب قيمة فنّية وتسويقية (نور غندور)
ترى أنّ الممثّل يمنح الكليب قيمة فنّية وتسويقية (نور غندور)
TT

نور غندور لـ«الشرق الأوسط»: لا أحبّذ التعاون مع «المؤثّرين» في الأعمال الدرامية

ترى أنّ الممثّل يمنح الكليب قيمة فنّية وتسويقية (نور غندور)
ترى أنّ الممثّل يمنح الكليب قيمة فنّية وتسويقية (نور غندور)

تطلّ الممثلة نور غندور في كليب «تعالي هنا» للفنان نادر الأتات، الذي يخوض من خلاله أولى تجاربه الغنائية باللهجة المصرية. ويأتي هذا التعاون ضمن موجة متنامية تشهدها الكليبات الغنائية، إذ بات المخرجون والمطربون يفضّلون الاستعانة بممثلين معروفين لتجسيد أدوار البطولة، بعدما كانت هذه المهمّة تُسند غالباً إلى عارضات الأزياء.

وتعلّق غندور على هذا التوجُّه: «الرؤية الإخراجية أصبحت مختلفة عما كانت عليه، فالممثل يضيف إلى العمل المصور قيمة احترافية، لأنه يعرف كيف يتعامل مع الكاميرا، وكيف يوظّف حضوره لخدمة القصة وإضفاء الصدقية على أحداثها. كما ينعكس هذا التحوّل إيجاباً على تسويق الكليب. فكما يتمتّع الفنان بقاعدة جماهيرية يحظى الممثّل أيضاً بمحبة الجمهور، ما يجعل حضورهما معاً معادلة متكاملة ترتقي بالعمل وتمنحه بُعداً أكثر احترافية».

ترفض تفضيل «المؤثّرين» على الممثّلين المحترفين في الدراما (نور غندور)

وعن الأسباب التي شجّعتها على خوض هذه التجربة، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «أنا من المعجبين بالفنان نادر الأتات وصوته وأغنياته؛ لذلك لم أتردّد في الموافقة عندما تلقيتُ عرض المشاركة في الكليب الذي صُوِّر في القاهرة. شعرتُ بأنني أمام تجربة مختلفة، خصوصاً أنها تُمثل أولى تجارب نادر الغنائية باللهجة المصرية. وأسعدني اختياري للعمل؛ لأنه يحمل توقيع المخرج جاد شويري، المعروف برؤيته الإخراجية المبتكرة».

مشوار نور غندور في عالم التمثيل لم يتجاوز الـ4 سنوات، لكنها نجحت في ترك بصمتها في عدد من الأعمال الدرامية، كان آخرها مسلسل «المحافظة 15» الرمضاني. فهل تنظر إلى مشاركتها في الكليب الغنائي على أنها استراحة من الدراما أم تحدٍّ جديد؟ تُجيب: «ليست استراحة من الدراما بقدر ما أراها تجربة فنية أستمتع بها. فقد سبق أن شاركت في كليب الفنان آدم لأغنية (بس بحبك)، من إخراج دان حداد، الذي يتمتّع برؤية مميزة وعين مختلفة. ورغم شغفي بهذا النوع من الأعمال لم أكرّر التجربة كثيراً. وعندما عُرض عليّ دوري في (تعالي هنا)، شعرتُ بأنه يحمل عناصر أقنعتني بخوضها مجدداً».

تُحذّر من هيمنة الذكاء الاصطناعي على الفنّ (نور غندور)

في بداياتها، جسّدت نور غندور في مسلسل «عِشرة عمر» شخصية الفتاة الشريرة، وهو نوع من الأدوار غالباً ما يُسند إلى ممثلين يمتلكون خبرة أطول. وعن التجربة، تقول: «درست الإخراج والتمثيل، ثم بدأت تصوير الإعلانات التجارية. وبعدها طُلب مني المشاركة في مسلسل (لغز الأقوياء). وعندما عُرضت عليَّ شخصية (سارة) في (عِشرة عمر)، شعرتُ بأنها تشكل تحدّياً حقيقياً. لقد منحتني ثقة أكبر بنفسي، وأسهمت في انتشاري».

أما عن المعايير التي تعتمدها في اختيار أدوارها، فتوضح: «منذ بداياتي، كنت أختار أدواري بتأنٍّ، وأحرص على ألا أكرّر نفسي. تهمّني جودة النص، وحبكة العمل، إضافة إلى المخرج وفريق التمثيل».

وترى غندور أنها لا تزال في مرحلة إثبات الذات في عالم التمثيل: «المجال واسع، والمنافسة كبيرة، وعلى الممثّل أن يجتهد باستمرار ليحقق أهدافه. ولا يزال الطريق أمامي طويلاً. فجميع الممثلين الذين رسّخوا أسماءهم على الشاشة يمتلكون مسيرة تمتد أكثر من 10 سنوات».

وعن الدور الذي تتمنّى تقديمه، تقول: «دور في عمل تشويقي يحمل الإثارة، ويتطلّب حركة بدنية. فالقلق الذي يعيشه الممثل في هذا النوع من الأعمال ممتع ويُخرِج منه طاقات دفينة».

وتكشف عن مشاركتها أخيراً في مسلسل «بهو الست»، المتوقَّع عرضه قريباً: «ينتمي العمل إلى الكوميديا الرومانسية، ومن إخراج مكرم الريس، ويشارك في بطولته جو صادر ورلى شامية. وهو عمل خفيف الظلّ يحمل كثيراً من المواقف اللطيفة».

البعض يخلط بينها وبين الممثلة المصرية نور الغندور، فلماذا لم تحاول اعتماد اسمها الثلاثي؟ ترد: «نحن من جنسيتين مختلفتين، والناس باتت تعرف كيف تميّز بيننا، خصوصاً أنها تحمل اسم عائلة الغندور. لذلك لا أشعر بأنّ هذا الأمر يسبب لي أيّ مشكلة، ومع الوقت سيصبح التفريق بيننا أسهل».

بطلة كليب «تعالي هنا» لنادر الأتات (نور غندور)

وعن وسائل التواصل الاجتماعي، تعدّها نور غندور عنصراً أساسياً اليوم في العلاقة بين الفنان وجمهوره، إذ نجحت في جذب فئة واسعة من الأشخاص الذين لا يملكون الوقت الكافي لمتابعة الأعمال عبر الشاشة الصغيرة، فيكتفون بالاطلاع على جديد الدراما من خلال لقطات ومَشاهد قصيرة.

وتستدرك: «هناك أسماء كثيرة صنعت شهرتها من خلالها. بعض شركات الإنتاج تلجأ إليهم في الأعمال الدرامية، فاستغنت عن الممثل المحترف بسبب أرقام المشاهدات التي تحقّقها تلك الأسماء. حتى إنها أدخلتهم في تجارب سينمائية، في حين أنّ ممثّلين قديرين لم يحظوا بهذه الفرصة حتى اليوم. لذلك أشعر بأنّ هذا الأمر يظلم كثيراً من الممثلين المحترفين».

وعن الذكاء الاصطناعي، لا تُخفي خوفها من طريقة استخدامه. فقد بات يشكل خطراً على بعض العاملين في المجال الفنّي، خاصة الموسيقيين والمغنّين. وتقول: «ربما يأتي الوقت الذي يحضر فيه الذكاء الاصطناعي في الدراما، ويُستَخدم مكان المخرج والممثل. مجرّد تفكيري في الأمر يخيفني. أوافق على استخدامه في مجال الطبّ والدراسات، لكن أن يدخل عالم الفنّ ويصبح العمل فاقداً المشاعر والأحاسيس، فلا أحبّذه».


مقالات ذات صلة

غياب المغنية والممثلة الأميركية دولي بارتون عن 80 عاماً

يوميات الشرق المغنية والممثلة الأميركية الراحلة دولي بارتون (أ.ف.ب)

غياب المغنية والممثلة الأميركية دولي بارتون عن 80 عاماً

توفيت المغنية والممثلة ومؤلفة الأغاني الأميركية الشهيرة دولي بارتون، اليوم الثلاثاء، عن عمر يناهز 80 عاماً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق ميغان ماركل تعود مع عائلتها إلى بريطانيا بعد سنوات من الغياب (رويترز)

ميغان ماركل الممثّلة... موسم العودة إلى لندن والحبّ الأول

بعد 8 سنوات من الانقطاع عن التمثيل، يبدو أنّ ميغان ماركل تستعدّ لمرحلة جديدة بانتقالها إلى بريطانيا من جديد واحتمال مشاركتها في أحد مسلسلات «نتفليكس».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ميغان ماركل تسير إلى جانب زوجها الأمير هاري في سيدني (رويترز)

ميغان ماركل تجري محادثات للمشاركة في مسلسل جاي ريتشي على «نتفليكس»

تجري ميغان، دوقة ساسكس، محادثات للعودة إلى التمثيل من خلال ظهورها في المسلسل التلفزيوني «ذا جينتلمين» للمخرج جاي ريتشي، وفقاً لتقارير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تامر هجرس من أبطال فيلم «محمود الثاني» (الشركة المنتجة)

تامر هجرس: لا أتوقف عن اكتشاف نفسي كممثل

قال الفنان المصري تامر هجرس إن مشاركته في فيلم «محمود الثاني» جاءت مدفوعة برغبته في خوض تجربة مختلفة عن أعماله السابقة.

أحمد عدلي (القاهرة )
خاص الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)

خاص محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

في حوار شامل مع «الشرق الأوسط»، يعود الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي إلى مسيرةٍ فنية اتّسمت بالتحوّلات؛ من الكوميديا، إلى الدراما، مروراً بالأكشن والجريمة.

كريستين حبيب (عمّان)

فك لغز الأصوات الجميلة للطيور

اعتبر تغريد طائر الشحرور الأكثر امتاعاً وأنه ذو تأثير مريح للغاية (أنسبيلاش)
اعتبر تغريد طائر الشحرور الأكثر امتاعاً وأنه ذو تأثير مريح للغاية (أنسبيلاش)
TT

فك لغز الأصوات الجميلة للطيور

اعتبر تغريد طائر الشحرور الأكثر امتاعاً وأنه ذو تأثير مريح للغاية (أنسبيلاش)
اعتبر تغريد طائر الشحرور الأكثر امتاعاً وأنه ذو تأثير مريح للغاية (أنسبيلاش)

أظهرت أبحاث جديدة أجراها فريق بحثي من جامعة توبنغن في ألمانيا، أن تغريد الطيور المتنوع، ذو النبرة العالية، ولكن غير المرتفع جداً، يُعتبر الأكثر إمتاعاً، مع حصول تغريد طائر الشحرور على الجائزة الأولى وفق المعايير المحددة لأجمل أصوات الطيور، في حين اعتُبِر تغريد البوم الأقل إمتاعاً.

ووفق الباحثين تساعد الإجابة على سؤال، أي أصوات الطيور أجمل؟ في فهم كيف تُضفي تلك الأصوات الجميلة على العالم الطبيعي أجواءً من الاسترخاء للإنسان، مما يفتح المجال لتحسين فرص الاستمتاع بالحدائق والمتنزهات، وتطوير تصميم الأماكن التي تُسبب التوتر كغرف الانتظار، وفي تعزيز جهود الحفاظ على البيئة.

ومن خلال مطالبة الناس بالاستماع إلى تغريد الطيور وتقييمه من حيث جاذبيته، ثم مقارنة ذلك بمعلومات حول الخصائص الصوتية لهذه التغريدات، حدد الباحثون جوانب رئيسية تجعل بعض تغريد الطيور يبدو أكثر جاذبية من غيرها.

وقالت الدكتورة نادين كالب، الباحثة الرئيسية من جامعة توبنغن، ومؤلفة الدراسة المنشورة، الأربعاء، في مجلة «فرونتيرز إن بيرد ساينس»: «لا يشترط أن تكون من مُحبي الطيور لتجد أصواتها جميلة. إن القدرة على تمييز الطيور من خلال مظهرها أو تغريدها لم تؤثر في كيفية تقييم الناس للتغريدات. وهذا يُشير إلى أن الاستمتاع بتغريد الطيور مرتبط بشيء أكثر جوهرية من مجرد معرفة ما تستمع إليه».

وتُعتبر أصوات الطيور من أكثر جوانب قضاء الوقت في الطبيعة متعةً، وقد أظهرت الأبحاث السابقة أنها تُسهم في الراحة النفسية والرفاهية. مع ذلك، لا تُستقبل جميع أصوات الطيور بالقدر نفسه من الإيجابية.

استعان العلماء بـ 84 شخصاً وعرضوا عليهم مقاطع قصيرة من 123 أغنية لطيور برية شائعة في جميع أنحاء ألمانيا. طُلب من المشاركين بعد ذلك تقييم كل مقطع صوتي على مقياس من واحد إلى خمسة - كلما ارتفع التقييم، كان المقطع أكثر إمتاعاً.

وقام العلماء بتحليل المقاطع الصوتية، وقياس جوانب كل أغنية من حيث السعة، والتردد، والتعقيد - أي عدد وتنوع عناصر الأغنية - وعرض النطاق الترددي، الذي يحدد نطاق الترددات المستخدمة في الأغنية. بعد ذلك، تمت مقارنة هذه البيانات مع درجات إمتاع المشاركين للأغاني واهتمامهم المسبق بالطيور.

الشحرور الأكثر امتاعاً

حدد العلماء 21 نوعاً من الطيور ضمن عيناتهم، والتي سبق إدراجها في دراسة حول تصورات تغريد الطيور كعامل مُجدد للطاقة - أي مساعدة الناس على التعافي من الإرهاق الذهني أو التوتر. وقارنوا التقييمات التي حصلت عليها هذه الطيور في تلك الدراسة مع درجات إمتاعها.

واعتبر تغريد طائر الشحرور الأكثر امتاعاً، بينما اعتُبر تغريد البوم الأقل امتاعاً. ومن المثير للاهتمام أن تغريد طيور الشحرور اعتُبر أيضاً ذا تأثير مُريح للغاية. كما اعتُبرت الأصوات ذات النطاق الترددي الأضيق والتعقيد الأكبر أكثر امتاعاً، وكذلك تغريد الطيور ذات التردد العالي أو السعة المنخفضة نسبياً. وتجنبت التغريدات التي حازت على أعلى الدرجات نطاقاً ترددياً رئيسياً تكون فيه حاسة السمع البشرية حساسة للغاية.

تغريدات البوم تعد الأقل امتاعاً (جامعة جنوب كاليفورنيا)

وتقول كالب: «ربما نكون مُهيئين لتفضيل الأصوات الأكثر تنوعاً ذات السعات والترددات المعتدلة لأنها تُشير إلى بيئة آمنة وصحية ومريحة حيث يُمكننا الاسترخاء».

ويقول الدكتور كريستوف راندلر من جامعة توبنغن، المؤلف الرئيسي للدراسة: «غالباً ما تُعتبر أصوات الطيور من أكثر جوانب قضاء الوقت في الطبيعة متعةً، وقد أظهرت الأبحاث السابقة أنها تُسهم في تحسين الحالة النفسية والرفاهية».

واستكمالاً لهذا البحث، يرغب الباحثون في إجراء دراسات أوسع نطاقاً تشمل عينات أكبر تضمّ عدداً أكبر من الرجال، وثقافات مختلفة، ومراقبين أكثر خبرة للطيور.

ويقول راندلر: «أودّ دراسة كيفية تأثير أصوات الطيور في الناس في بيئاتهم الطبيعية. كما أودّ دمج البيانات البيئية، والتحليلات الصوتية، والاستجابات النفسية لفهم كيف تُترجم التغيرات في التنوع البيولوجي - مثل فقدان الأنواع - إلى تغيرات في تجارب الإنسان مع الطبيعة».


خليل رباح يُعيد تركيب العالم بتجهيزاته التي حطَّت في بيروت

في أحد التجهيزات لُفّت قضبان الحواجز بقطع من الأقمشة البالية (غاليري صفير - زملر)
في أحد التجهيزات لُفّت قضبان الحواجز بقطع من الأقمشة البالية (غاليري صفير - زملر)
TT

خليل رباح يُعيد تركيب العالم بتجهيزاته التي حطَّت في بيروت

في أحد التجهيزات لُفّت قضبان الحواجز بقطع من الأقمشة البالية (غاليري صفير - زملر)
في أحد التجهيزات لُفّت قضبان الحواجز بقطع من الأقمشة البالية (غاليري صفير - زملر)

يعود الفنان التشكيلي خليل رباح إلى بيروت بعد غياب 8 سنوات، بمعرض من جزأين، في صالتَيْ «صفير - زملر» في الكرنتينا ووسط بيروت. المعرضان متكاملان من حيث الروح والنكهة، ومختلفان في الوسائل والأساليب. لكن هذا الفنان الفلسطيني الآتي من رام الله، الذي بقي طيلة مسيرته التشكيلية ملتزماً أوجاع شعبه، يزداد عمقاً وألماً وبحثاً هذه المرة، بعد مأساة غزة، محاولاً سبر أغوار جراح شعبه وتشتته، بعدما سالت شلالات الدماء. هكذا أصبحت اللوحة، كما التجهيز، في تحدٍّ خاسر سلفاً مع واقع يستحيل التعبير عنه بالسبل المتاحة.

تَغيُّر الوظائف في العمل الفني يُبدِّل المعنى (غاليري صفير - زملر)

في الكرنتينا، تجهيزات لملمها رباح، كعادته، من مخزونه الأرشيفي الكبير، الذي يجمعه من يوميات الناس وأدواتهم المعتادة.

عند المدخل، تستقبلك قدور الطبخ الكبيرة المصنوعة من الألمنيوم، موضوعة داخل قفص أسود، وعلى طرفيه إطارا سيارة أسودان. وإلى جانب هذا العمل، تجهيز آخر عبارة عن كاميرات فيديو اصطفت على طاولة لكيّ الملابس، وتدلّت شرائطها بعضها إلى جانب بعض كأنها أغصان شجر. وأُحيط التجهيز كله بإطار زجاجي شفاف.

لكن التجهيز اللافت في هذه المجموعة هو بيت الزرع البلاستيكي الواسع، الذي يُفترض أن يحمي النباتات من عصف الشتاء، لكنه يتحول هنا، بحجمه الكبير، مكاناً خرباً لا مجال فيه للخصب أو الثمر. فالبذور التي نُثرت في الأحواض لم تنبت، والنباتات الخضراء التي اشرأبت فعلاً تعاني الذبول، كأنها عُذِّبت وأُنهكت. وفي حوض آخر أكوام من الزجاج المهشم، وفي ثالثٍ ألعاب أطفال قديمة مكدسة، وفي رابعٍ ملاعق وأوانٍ مطبخية، وحوض به أدوات نجارة... وغيره فيه صوان. في كل مربع يُفترض أن يكون فيه موضع للأمل حلّت أكوام من بقايا قديمة. ولم يعد البيت البلاستيكي رمزاً للخضرة والحياة، بل مكاناً لدفن المخلفات المهملة التي قد تُنسى إلى الأبد.

وبذلك يبقى رباح، كما في معارضه السابقة، حريصاً على تطوير أسلوبه المفاهيمي ومشروعاته الفنية التي تنهل من الواقع الفجّ، بأبسط أشيائه وأوسعها تداولاً؛ فيخرجها من سياقاتها المعتادة ويمنحها بُعداً آخر. هذا ما فعله في تجهيزه الذي تتراكم فيه عشرات الكراسي الخشبية التقليدية المتقشفة، التي تُستخدم عادةً للجلوس على قارعة الطرقات.

تجهيز الكراسي الملونة لخليل رباح (غاليري صفير - زملر)

وكذلك الحال بالنسبة إلى سلّمين معدنيين ثُبِّتا على جدار، وتدلّت من أحد جانبيهما مَكَاوٍ للملابس، ومن الجانب الآخر مرشّات للاستحمام، في لعبة عبثية تشبه الطريقة التي يُعاد بها تركيب العالم بفوضوية.

أما التجهيز الأكبر في المعرض، فيحتل ثلث صالة العرض، ويتكوّن من حواجز معدنية ممتدة لُفّت قضبانها بأقمشة ملونة، وخلفها عربات مطارات مخصصة لحمل الحقائب، وقد استُخدمت هذه المرة لنقل الدراجات الهوائية التي تملأ المكان.

تبديل الوظائف وتغيير وجهة الاستخدام يمنحان الأشياء طعماً آخر. هذا ما تقوله تجهيزات خليل رباح في منطقة الكرنتينا، بينما يقدم المعرض الثاني نمطاً مختلفاً يصبّ في المجرى نفسه.

هنا يطالعك رداء نسائي من التراث الفلسطيني؛ شاهق بحجم الباب الذي تلج منه إلى الصالة. هذا الثوب المشغول بعناية هو رد حضاري من الفنان على سرقة أستراليا موزاييك من فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى، وجده جنود أستراليون خلال حفر أحد الخنادق في غزة، فحملوه معهم إلى بلادهم، ومن ثم عُرض في أحد متاحف أستراليا.

وخلال إجرائه أبحاثاً عن أستراليا تمهيداً للمشاركة في «بينالي سيدني»، عثر الفنان على هذه المعلومة المؤلمة، فقرر أن يذهب إليهم برداء من بلاده، حيك من بقايا أثواب قديمة وبالية جمعها من جدات فلسطينيات قرويات، ليذكّرهم بالموزاييك المسروق. إنه نوع من المقاومة الفنية في وجه مستعمر يباهي بالسرقة، ويرى أن ما سلبه حق مكتسب لا يخجل منه.

تجهيز السلالم والطاولات المقلوبة (غاليري صفير - زملر)

وبالقرب من الرداء التراثي الفلسطيني العملاق، تظهر إبرة خياطة تحت مجهر؛ سُلّطت عدسته على ثقبها الذي تدلّى منه خيط. هذا هو الخيط السحري الذي منه يُصنع إبداع التراث الفلسطيني، حيث تحاك الغرز؛ واحدة تلو الأخرى.

وفي لوحات اصطف بعضها إلى جانب بعض، نرى في كل منها قطعة قُطعت من جذع شجرة زيتون معمّرة. ومن يعرف متانة جذوع الزيتون، وكم هو موجع أن تُقطّع ويُعتدى عليها كأنما هذا قتل لعشرات السنين والذكريات، يفهم كيف رسمها رباح، وقد اتخذت أشكال قلوب وأعضاء بشرية نابضة. وفي لوحات أخرى أُنجزت بعد إبادة غزة، نرى الجذوع المقطعة وقد مُزِّقت بعد رسمها وأعيد لصقها بتقنية الكولاج، في لعبة تحطيم المحطَّم، بعد كل ما شهدته فلسطين من تمزقات.

استعارة الرموز وتوظيفها جزء من عمل خليل رباح، حيث تصبح شجرة الزيتون كائناً حياً، ويتعامل مع جذوعها وأغصانها وزيتها، كما يستعير خيوط التطريز للتعبير عن الهوية والانتماء. وفي إشارة إلى الأرض وغصة فقدانها، يلجأ إلى عناصر مثل التراب ونبتة العدس وحبة القمح.

وهو فنان عاشق للأرشيف، يعود إلى مجموعاته التي رتّبها ونظّمها ليبني منها تجهيزاته، معيداً تعريف العناصر الأولى ومانحاً إياها وظائف أخرى، لا تحرمها معناها الأصلي، وإنما تضفي عليها بُعداً أعمق حين تلتصق بمواد جديدة.

البيت البلاستيكي... من رمز للثمر إلى مقبرة للمهملات (غاليري صفير - زملر)

قضى رباح 10 سنوات من عمره في أميركا، حيث درس الهندسة المعمارية، التي تتجلى بوضوح في بنيان تجهيزاته، وعمل هناك قبل أن يختار العودة إلى رام الله. عاش تجربة الاستعمار والغربة والفقد وتمزق الهوية وانشطار الانتماء، وعبّر عن كل هذا بأعمال تحكي فلسطين بأسلوبه الخاص، مستلهماً عناصر بيئته الخام، ومقدماً إياها في تركيبات سوريالية، مثل لفائف النايلون التي تكدست في معرضه البيروتي واخترقتها أسنان المناشير الحديدية الصدئة.

وقد وصفه أحد النقاد بأنه «يجرّ الأشجار إلى داخل صالات العرض، ويطحن الزيتون بالحجر، ويبتكر، بعبثية، متحفاً وشركة طيران وبينالياً»، عادّاً أن عمله يقف على الخط الفاصل بين الاستهلاك الفني والانخراط الجاد في قضايا الهوية والانتماء.


أوميد عبد اللهي: «يوم حلو» يهتم بالضحايا الصامتين خارج السجن

يقدم الفيلم الإيراني قضية إنسانية (الشركة المنتجة)
يقدم الفيلم الإيراني قضية إنسانية (الشركة المنتجة)
TT

أوميد عبد اللهي: «يوم حلو» يهتم بالضحايا الصامتين خارج السجن

يقدم الفيلم الإيراني قضية إنسانية (الشركة المنتجة)
يقدم الفيلم الإيراني قضية إنسانية (الشركة المنتجة)

قال المخرج الإيراني أوميد عبد اللهي إن أفكاره غالباً ما تبدأ من حياته وتجاربها، وعندما يبدأ من شيء يعرفه بصورة حميمة، يشعر بأنه يستطيع فهمه بعمق أكبر والعثور على طريقة أكثر صدقاً للتعبير عنه من خلال السينما، مؤكداً أن ذلك لا يمثل بالنسبة إليه سوى نقطة البداية، إذ تدخل في القصة مع تطورها عناصر أخرى، مثل خياله وتجارب أشخاص آخرين، وأحياناً أشياء يلاحظ حدوثها في المجتمع.

وأوضح في حوار مع «الشرق الأوسط» عبر البريد الإلكتروني بعد عرض فيلمه القصير «يوم حلو» ضمن فعاليات مهرجان «لوكارنو السينمائي» في نسخته الماضية أنه يحاول السماح لهذه المواد المختلفة بالتفاعل معاً وتشكيل القصة تدريجياً، لكونه لا يرى الحدود بين السيرة الذاتية والخيال باعتبارها خطاً ثابتاً، فالتجربة الشخصية تمنح العمل بدايته العاطفية، بينما يسمح الخيال له بتجاوز حياته الخاصة واكتشاف شيء أكبر مؤكداً أن هذه العملية تساعده على تحويل تجربة شخصية إلى قصة إنسانية يمكن أن تتواصل مع أشخاص تختلف حياتهم وتجاربهم كثيراً عن حياته.

المخرج الإيراني أوميد عبد اللهي (الشركة المنتجة)

وتدور قصة الفيلم القصير «يوم حلو» (A Sweet Day) حول شابة تحصل، بعد فترة طويلة، على فرصة للقاء زوجها المسجون في زيارة زوجية، فتقرر أن تعيش من جديد وقتاً رومانسياً معه داخل أجواء السجن القاسية.

وأوضح عبد اللهي أن كل مكان في الفيلم له هويته وشخصيته الخاصة، ويمكن لهذه الهوية أن تؤثر في الطريقة التي نحكي بها القصة وفي شكل الفيلم لرؤيته، وأن الأماكن لديها نوع من الحياة الخاصة بها، وينبغي الاستفادة من حضورها بدلاً من معاملتها ببساطة باعتبارها خلفيات للأحداث، لافتاً إلى أن خلق أجواء مقنعة كان دائماً جزءاً مهماً من صناعة الأفلام بالنسبة إليه.

وأكد أنه في فيلم «يوم حلو»، اعتمد أكثر من أي شيء آخر على الذكريات والصور التي حملها معه منذ طفولته، وحاول ترجمة تلك الصور من ذاكرته إلى واقع مادي بطريقة تبدو حقيقية على الشاشة، عادّاً أن هذا الأمر كان أحد أصعب أجزاء صناعة الفيلم، لأن السجن جاء من ذاكرة بصرية شخصية ومتجذرة بعمق، ولو بدا المكان مصطنعاً أو غير مقنع، لكان من الممكن أن يؤدي ذلك إلى كسر الصلة العاطفية بالقصة بأكملها.

ركز الفيلم على معاناة إنسانية غير متداولة (الشركة المنتجة)

وأشار المخرج إلى أن الاهتمام العام غالباً ما يتركز على السجين أو الضحية، لكنه كان مهتماً بالأشخاص الذين تُركوا خلفهم، من الزوجة والأطفال والعائلة، لأنهم يتأثرون أيضاً بصورة عميقة بما يحدث لأحبائهم، رغم أن معاناتهم غالباً ما تظل غير مرئية.

وأكد أن هذا الأمر يثير قلقه بشدة، لأننا نتحدث كثيراً عن السجناء باعتبارهم أرقاماً أو إحصاءات، بينما يوجد وراء كل سجين أشخاص في الخارج يحبونه وينتظرونه ويعيشون مع عواقب ما حدث له، ولذلك يمكن أن يصبحوا هم أنفسهم ضحايا صامتين، مشيراً إلى أنه أراد منح هؤلاء الأشخاص حضوراً في القصة والسماح للجمهور بتجربة الحدث من جانبهم.

وبيّن عبد اللهي أن السجن كان السياق الذي أراد من خلاله أن يحكي هذه القصة، لكن اهتمامه الأساسي كان دائماً بالعلاقات الإنسانية والعاطفية، لافتاً إلى أنه كان مهتماً بكيفية تأثير جدران السجن والقواعد التي يفرضها نظام ما على العلاقات التي تكون في الأصل بسيطة وإنسانية بعمق.

يبرز الفيلم القصير جانباً إنسانياً لم يتم التطرق إليه كثيراً وفق المخرج (الشركة المنتجة)

وأضاف أن العواقب العاطفية لهذه القيود كانت بالنسبة إليه أهم من مناقشة السياسة أو نظام العدالة بصورة مباشرة، لأنه أراد التركيز على ما يحدث للناس عندما يصبح شيء أساسي مثل الحب أو الانتظار أو مجرد الوجود معاً خاضعاً لقواعد وحواجز خارجة عن سيطرتهم، مشدداً على أن الفيلم ليس في الحقيقة عن نظام السجون نفسه، وإنما عن العلاقات الإنسانية الموجودة في ظله، وكيف تتغير هذه العلاقات بفعل ظروف لا يستطيع أصحابها التحكم فيها.

ويعد المخرج الإيراني السينما طريقة للنظر بصورة أكثر قرباً إلى الحياة، إذ تمنحه فرصة لإعادة خلق لحظات ومشاعر قد لا يلاحظها الناس دائماً في حياتهم اليومية موضحاً أن نظرة أو صمتاً أو إيماءة أو لحظة صغيرة جداً يمكن أن تكشف شيئاً لا تستطيع الكلمات التعبير عنه بصورة كاملة.

وأوضح أن الجمهور الدولي يمكن أن يرى «يوم حلو» بوصفه قصة إيرانية وقصة إنسانية عالمية في الوقت نفسه، لأن القصة تدور في إيران وتتأثر بظروفها الاجتماعية والثقافية الخاصة، لكنها في الوقت ذاته قصة عن العلاقات والمشاعر الإنسانية.