إسرائيل ترفع منسوب الضغط في جنوب لبنان

هل تسعى إلى تكريس هزيمة «حزب الله» أم فرض قواعد اشتباك جديدة؟

تصاعد الدخان من تلة قرب بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب غارات جوية إسرائيلية بعد إصدار إنذار بإخلاء البلدة يوم 5 أغسطس 2026 (رويترز)
تصاعد الدخان من تلة قرب بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب غارات جوية إسرائيلية بعد إصدار إنذار بإخلاء البلدة يوم 5 أغسطس 2026 (رويترز)
TT

إسرائيل ترفع منسوب الضغط في جنوب لبنان

تصاعد الدخان من تلة قرب بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب غارات جوية إسرائيلية بعد إصدار إنذار بإخلاء البلدة يوم 5 أغسطس 2026 (رويترز)
تصاعد الدخان من تلة قرب بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب غارات جوية إسرائيلية بعد إصدار إنذار بإخلاء البلدة يوم 5 أغسطس 2026 (رويترز)

وسّعت إسرائيل نطاق عملياتها العسكرية في جنوب لبنان، عبر غارات جوية متزامنة وقصف مدفعي وعمليات تمشيط وتحركات برية وإنذارات بالإخلاء طالت عدداً من البلدات الجنوبية، في أكبر موجة تصعيد منذ أسابيع، ترافقت مع استمرار المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية.

ومع تجاوز العمليات إطار الرد على أحداث ميدانية محدودة، برزت تساؤلات حول ما إذا كانت تل أبيب تسعى إلى تكريس هزيمة لـ«حزب الله»، أم إلى فرض قواعد اشتباك جديدة وتعزيز موقعها التفاوضي وفرض وقائع ميدانية قبل أي ترتيبات لاحقة.

وتزامن التصعيد، مع إعلان «القناة 14» أن الجيش الإسرائيلي طلب تنفيذ هجوم واسع ضد «حزب الله»، رداً على حادثة مجدل زون التي أدت إلى مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة أربعة، إثر انفجار عبوة ناسفة داخل مبنى في جنوب لبنان، إلا أن المستوى السياسي أوقفه بضغط أميركي خشية تأثيره على مفاوضات روما ليُستعاض عنه بغارات جوية وقصف مدفعي مكثفين. وفي موازاة ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي العثور على «آلاف البنى العسكرية التابعة لـ(حزب الله) داخل قرى الجنوب»، فيما دعا وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى «مواصلة تدمير البنى التحتية للحزب والإبقاء على تمركز دائم داخل منطقة أمنية واسعة حتى تفكيك (حزب الله) بالكامل».

وشهد قضاء صور منذ ليل الأربعاء غارات وقصفاً مدفعياً متواصلاً استهدفا البرج الشمالي والمنصوري ومحيط مجدل زون، ما أدى إلى إصابة ثمانية أشخاص، حسب وزارة الصحة، وتسبب في حركة نزوح باتجاه مدينة صور.

كما امتد القصف إلى حداثا وبيت ياحون وبيوت السياد، فيما أطلقت مدفعية الجيش الإسرائيلي قذيفتين بين بلدتي مركبا وحولا، وواصل عمليات التمشيط في محيط كفرتبنيت والخيام، وسيّر دوريات مؤللة في واديي السلوقي والحجير، بالتزامن مع تحركات لآليات عسكرية وشاحنة محملة بمواد متفجرة.

وفي مؤشر على اتساع وتيرة العمليات، أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) أنها سجلت، الأربعاء، إطلاق 113 مقذوفاً من جانب الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، وهو أعلى عدد سُجِّل في يوم واحد منذ 21 يونيو (حزيران) الماضي.

حفرة خلّفتها غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة البرج الشمالي قرب مدينة صور بجنوب لبنان يوم 6 أغسطس 2026 بالتزامن مع تصعيد ميداني واستمرار المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية في روما برعاية أميركية (أ.ف.ب)

إسرائيل تبحث عن نقاط إضافية لا عن تكريس الهزيمة

يرى العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر أن التصعيد الإسرائيلي الأخير لا يستهدف فرض معادلة هزيمة على «حزب الله»، بقدر ما يعكس سعي إسرائيل إلى استكمال ما تعتبره إنجازاتها السياسية بإنجازات عسكرية يمكن لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توظيفها داخلياً.

ويقول جابر لـ«الشرق الأوسط»: «بعد الاتفاق الأخير، اعتبرت إسرائيل أنها حققت إنجازاً سياسياً، لكن ما زال ينقصها إنجاز عسكري واضح على الأرض. نتنياهو يعيش استحقاقاً انتخابياً، والوقت يضغط عليه، ولذلك يسعى إلى تسجيل نقاط إضافية يمكن أن يوظفها في الداخل الإسرائيلي».

ويضيف أن إسرائيل «لا تزال تبحث عن إنجاز ميداني، وأبرز ما تسعى إليه هو فرض سيطرة على مرتفعات استراتيجية مثل علي الطاهر، لأن السيطرة عليها تمنحها أفضلية عسكرية ورمزية، بينما يحاول (حزب الله) منعها من تحقيق هذا الهدف عبر استهداف أي محاولة للتقدم نحوها».

وحسب جابر، فإن حجم الردود العسكرية الأخيرة، سواء بعد تفجير العبوة في المنصوري أو عقب تفجير الأنفاق في الشقيف، لا يعني أن إسرائيل تسعى إلى تكريس هزيمة الحزب، بل تسجيل نقاط لصالح إسرائيل. ما يجري هو محاولة لإظهار القوة وتحقيق مكاسب ميدانية وسياسية أكثر منه فرض معادلة هزيمة».

ويضع جابر إنذارات الإخلاء التي وجهها الجيش الإسرائيلي، لا سيما إلى بلدة المنصوري، في السياق نفسه، قائلاً: «إسرائيل تواصل الضغط على القرى الحدودية، وبعض البلدات تعرّض لتدمير شبه كامل، فيما يبدو أن هناك انتقاءً في حجم الاستهداف بين منطقة وأخرى. لكن الهدف في النهاية يبقى مواصلة الضغط الميداني وتسجيل مزيد من النقاط».

يتفقد رجل موقع منزل دمّرته غارة جوية إسرائيلية في بلدة البرج الشمالي بجنوب لبنان يوم 6 أغسطس 2026 (أ.ب)

تثبيت قواعد اشتباك جديدة ورسائل تتجاوز الميدان

في المقابل، يقرأ العميد الركن المتقاعد الدكتور خليل الجميل التصعيد الإسرائيلي من زاوية مختلفة، معتبراً أن تل أبيب تعمل على ترسيخ قواعد اشتباك جديدة تقوم على مضاعفة كلفة أي عمل عسكري ضد قواتها، بالتوازي مع ممارسة ضغوط على الدولة اللبنانية خلال المفاوضات.

ويقول الجميل لـ«الشرق الأوسط»: «إسرائيل تحاول تكريس قواعد اشتباك جديدة، ومفادها أن أي عملية، مهما كانت محدودة، سواء عبوة ناسفة أو أي تحرك ميداني، ستقابل برد عسكري واسع وقاسٍ. هذه الرسالة ليست موجهة إلى «حزب الله» فقط، بل إلى الدولة اللبنانية أيضاً، في إطار الضغط السياسي والعسكري المتزامن مع المفاوضات».

ويضيف أن «ما جرى في المنصوري، كما التفجير الضخم السابق الذي استخدمت فيه مئات الأطنان من المتفجرات، يدخل في هذا السياق. فالجيش الإسرائيلي يستثمر أي ذريعة لتوسيع عملياته العسكرية وإظهار استعداده للذهاب إلى تصعيد كبير، بهدف تثبيت معادلة ردع جديدة في الجنوب».

ويشير الجميل إلى أن حجم العمليات المنفذة يكشف عن أنها لم تكن وليدة اللحظة، قائلاً: «عمليات بهذا الحجم تحتاج إلى أسابيع من التحضير والعمل الهندسي المتواصل، ولا تُنفذ بشكل مفاجئ. لذلك فإن ما نشهده ليس مجرد رد فعل آني، بل جزء من خطة عسكرية معدة مسبقاً، استُخدمت فيها التطورات الأخيرة كذريعة لتنفيذها».

وفي قراءته للانتشار الإسرائيلي، يرى الجميل أن الخرائط التي نشرها الجيش الإسرائيلي تكشف جانباً من مقاربته العسكرية، موضحاً: «الخرائط التي نشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي تُظهر أن مناطق مثل علي الطاهر والمنصوري، أُدرجت ضمن نطاق تعتبر إسرائيل أنها تحتفظ بحرية العمل العسكري فيه، ولذلك فإن أي حادث يقع داخل هذه المنطقة يقابَل برد شديد بهدف تكريس هذه القواعد الجديدة».

ولا يعتقد الجميل أن الوقائع الميدانية تنسجم مع أي استعداد إسرائيلي للانسحاب، قائلاً: «كل المؤشرات الميدانية تدل على العكس. عندما تنشئ إسرائيل مراكز قيادة كبيرة، وتشق طرقاً عسكرية جديدة، وتدفع بعشرات الآليات الهندسية للعمل ليل نهار، فهذا ليس سلوك جيش يستعد للانسحاب، بل جيش يرسخ وجوده ويستعد للبقاء».

ويختم بالقول: «ما شهدناه بعد انفجار المنصوري يؤكد هذا النهج، إذ توسعت الضربات لتشمل البرج الشمالي وتبنين ومناطق بعيدة نسبياً عن موقع الحادث، في محاولة واضحة لترسيخ قواعد اشتباك جديدة تقوم على توسيع نطاق الرد العسكري كلما وقع أي احتكاك ميداني».


مقالات ذات صلة

تركيا وسوريا... إنهاء التشكيلات المسلحة يعزز استقرار المنطقة

شؤون إقليمية فيدان والشيباني خلال مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة الخميس (الخارجية التركية)

تركيا وسوريا... إنهاء التشكيلات المسلحة يعزز استقرار المنطقة

أكدت تركيا وسوريا العمل معاً من أجل أمن واستقرار المنطقة، ونددتا بانتهاكات إسرائيل واستغلال الحرب في إيران لتوسيع نطاق هذه الانتهاكات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
خاص مقر سفارة الولايات المتحدة في روما بإيطاليا حيث عقدت المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية (أ.ب)

خاص مفاوضات «روما 2» بلا نتائج... «الأسرى» و«المناطق النموذجية» يتصدران النقاش

عقدت الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما على وقع استمرار التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي عائلة لبنانية تستظل تحت الألواح الشمسية المتضررة لمنزلها المدمر في قرية زوطر الغربية جنوب البلاد يوم 5 أغسطس 2026 (أ.ب)

«يونيفيل» تسجّل إطلاق الجيش الإسرائيلي 113 مقذوفاً على جنوب لبنان الأربعاء

أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، في بيان الخميس، أنها سجّلت إطلاق الجيش الإسرائيلي 113 مقذوفاً الأربعاء على جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص جنود لبنانيون يقومون بدورية في بلدة زوطر الغربية بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

خاص واشنطن أمام تحرير «اتفاق الإطار» من شراء «حزب الله» ونتنياهو للوقت

يقف «حزب الله» على مشارف عدم تجاوب القوى السياسية مع دعوة أمينه العام نعيم قاسم للحوار، ويكاد يغرد وحيداً.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي مساعي الحوار بين القيادة السورية و«حزب الله» تصطدم بـ«إرث الحرب… والتوازنات الإقليمية»

مساعي الحوار بين القيادة السورية و«حزب الله» تصطدم بـ«إرث الحرب»

أتى إعلان أمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم عن جهوزية الحزب لعقد لقاء مع القيادة السورية ليفتح الباب واسعاً أمام خلفيات هذا الموقف

بولا أسطيح (بيروت)