كيف انتقل النقاش اللبناني حول العلاقة مع إسرائيل من دائرة المحظور إلى السجال العلني؟

إسرائيلي متشدد يلتقط صورة قرب عَلَمَي لبنان وإسرائيل مرفوعين على نصب تذكاري في بلدة المطلة المحاذية للحدود اللبنانية (أرشيفية - أ.ب)
إسرائيلي متشدد يلتقط صورة قرب عَلَمَي لبنان وإسرائيل مرفوعين على نصب تذكاري في بلدة المطلة المحاذية للحدود اللبنانية (أرشيفية - أ.ب)
TT

كيف انتقل النقاش اللبناني حول العلاقة مع إسرائيل من دائرة المحظور إلى السجال العلني؟

إسرائيلي متشدد يلتقط صورة قرب عَلَمَي لبنان وإسرائيل مرفوعين على نصب تذكاري في بلدة المطلة المحاذية للحدود اللبنانية (أرشيفية - أ.ب)
إسرائيلي متشدد يلتقط صورة قرب عَلَمَي لبنان وإسرائيل مرفوعين على نصب تذكاري في بلدة المطلة المحاذية للحدود اللبنانية (أرشيفية - أ.ب)

عكس انقسام اللبنانيين في التعاطي مع الصورة التي جمعت رجل الأعمال والمصرفي اللبناني أنطون صحناوي برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو خلال حفل عشاء في واشنطن، الأسبوع الماضي، حقيقة الانقسام البنيوي العميق الذي يطبع المجتمع اللبناني منذ عقود، والمرتبط بتباين النظرة إلى هوية لبنان وموقعه في المنطقة.

إلا أن هذا الانقسام لم يبقَ أسير الشعارات والمواقف التاريخية، بل تعمَّق بصورة ملحوظة خلال العامين الماضيين بفعل التحولات السياسية والأمنية التي شهدها لبنان والمنطقة.

فمنذ اندلاع الحرب الواسعة بين إسرائيل و«حزب الله» في خريف عام 2024، وما أعقبها من تغيرات في موازين القوى، وصولاً إلى انطلاق مسار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، ثم توقيع «اتفاق الإطار» الذي وضع أسساً لمتابعة هذا المسار، بات النقاش حول العلاقة مع إسرائيل ينتقل تدريجياً من دائرة المحظور، إلى دائرة السجال السياسي العلني.

دبابات إسرائيلية في بلدة زوطر الشرقية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ومع كل محطة جديدة، تتسع الهوة بين من يرى أن هذه التحولات تفرض على لبنان إعادة تموضعه بما ينسجم مع المتغيرات الإقليمية والدولية، ولو قاد ذلك إلى سلام مع إسرائيل ضمن تسوية شاملة، ومن يعتبر أن ما يجري يمثل انقلاباً على ثوابت الصراع، وأن أي انتقال من وقف إطلاق النار إلى التفاوض السياسي أو السلام لا يمكن النظر إليه إلا بوصفه تنازلاً يمس هوية لبنان وخياراته الوطنية.

المزاج الشعبي

ويعبِّر المشهد السياسي عن المزاج الشعبي، إذ تعكس مواقف القوى والأحزاب اللبنانية حقيقة المواقف المتباينة في الشارع اللبناني.

ففي المقلب الأول، يرفض «الثنائي الشيعي»، المتمثل في «حزب الله» و«حركة أمل»، أي حديث عن سلام أو تطبيع، ويعتبر أن الصراع مع إسرائيل صراع وجودي يتجاوز الحسابات السياسية، وأن أي اتفاق معها يشكل تخلياً عن ثوابت وطنية وقومية.

متطوعون يشاركون في تنظيف كنيسة في بلدة زوطر الغربية في جنوب لبنان بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من البلدة (إ.ب.أ)

وفي المقابل، تبدو غالبية القوى المسيحية أكثر استعداداً للسير في أي خيار تتبناه الدولة اللبنانية. وتبرز «القوات اللبنانية» التي تدعو إلى ضرورة تحقيق استقرار دائم على الحدود الجنوبية للبنان، وأن إبرام سلام مع إسرائيل لا يزال «سابقاً لأوانه» ويتعذر قبل حل القضية الفلسطينية.

أما حزب «الكتائب اللبنانية»، فقد أكَّد رئيسه النائب سامي الجميل أنه «يحق لنا البحث عن السبل للوصول إلى الاستقرار»، وسأل: «لماذا يجب أن يدفع لبنان الثمن دائماً وهو دفع ثمن القضية الفلسطينية؟». وتابع: «يحق لنا أن ننهي الصراع مع إسرائيل ونعيش بسلام ونعيد بناء أنفسنا ونعطي أملاً لشبابنا».

من جهته، يتخذ «التيار الوطني الحر» موقفاً أكثر تحفظاً، من دون أن يعلن رفضاً مبدئياً لفكرة السلام، مفضلاً ربطها بالظروف والضمانات السياسية والسيادية.

القوى السنية

أما القوى السنية، فتتعامل مع الملف انطلاقاً من الموقف العربي العام، معتبرة أن أي خطوة لبنانية في هذا الاتجاه ينبغي أن تكون منسجمة مع التوافق العربي وألا تشكل خروجاً عليه.

في المقابل، يتمسك «الحزب التقدمي الاشتراكي» ورئيسه السابق وليد جنبلاط بخيار الهدنة وتثبيت وقف إطلاق النار، مع رفض الانتقال إلى مرحلة السلام أو التطبيع مع إسرائيل، انطلاقاً من قناعته بأن الظروف السياسية والتاريخية لا تزال تحول دون ذلك.

شريحتان أساسيتان

ويعكس هذا التباين غياب رؤية وطنية موحدة تجاه واحدة من أكثر القضايا حساسية، بحيث لا يزال كل فريق يقاربها من منظاره السياسي ومن قراءته لهوية لبنان وموقعه في الإقليم.

وترى أستاذة علم النفس في الجامعة اللبنانية الدكتورة منى فياض أن هناك «شريحتين أساسيتين في المجتمع اللبناني، الأولى ترى أن لبنان ينتمي إلى منظومة غربية متوسطية، وأن أي انفتاح على إسرائيل قد يشكل امتداداً طبيعياً لهذا الخيار في ظل التحولات الإقليمية والدولية. أما الشريحة الثانية فتعتبر نفسها جزءاً من صراع إقليمي مع إسرائيل، وأن أي علاقة معها تمثل خيانة، ليس فقط على المستوى السياسي، بل لأنها تمس تعريف الهوية الجماعية بالنسبة إليها، انطلاقاً من اعتبار إسرائيل دولة عدوة».

لبنانيون يرفعون العلم اللبناني في بيروت خلال إحياء الذكرى السادسة لانفجار مرفأ بيروت (د.ب.أ)

وتشير منى فياض، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «استحضار الحروب السابقة لا يزال يفتح جروحاً لم تلتئم، بينما ينقسم اللبنانيون بين من يريد طي صفحة الماضي والتوقف عن استعادة مآسيه، ومن يرى أن التمسك بهذه الذاكرة ضرورة لأنها جزء من الوعي الجماعي. ويرى أصحاب الرأي الأول أن لبنان، في ظل انهياره على المستويات كافة، لا يملك ترف رفض أي مسار قد يخرجه من أزمته، وأن اندماجه في النظام الدولي قد يمر، بحكم التطورات الإقليمية، عبر مسار يشمل إسرائيل. أما الفريق الآخر، فيعتبر أن المسألة وجودية وأخلاقية، وأن إسرائيل كيان ارتبط بالعنف، وبالتالي لا يمكن التعامل معها باعتبارها خياراً سياسياً عادياً».

سلام أم استسلام

وتوضح منى فياض أن «مفهوم السلام نفسه موضع انقسام؛ فهناك من يعتبره خياراً سيادياً متكافئاً إذا كان قائماً على إرادة الطرفين، بينما يراه آخرون شكلاً من أشكال الاستسلام»، متحدثة عن «قسم ثالث من اللبنانيين يربط موقفه بما تقرره الدولة ويلتزم بأي خيار سيادي تتخذه».

وتختم منى فياض حديثها، مشيرة إلى أن «المشهد العام لا يعكس وجود خيار وطني جامع، بل خيارات فردية ومتنافرة، بما يكشف عمق الانقسام داخل المجتمع اللبناني».


مقالات ذات صلة

«روما 2»... لبنان يتمسّك بتثبيت وقف النار وتوسيع «المناطق التجريبية»

المشرق العربي وصول أحد الوفود إلى سفارة الولايات المتحدة في روما بإيطاليا حيث تُجرى محادثات على مستوى السفراء بين إسرائيل ولبنان برعاية أميركية (أ ب)

«روما 2»... لبنان يتمسّك بتثبيت وقف النار وتوسيع «المناطق التجريبية»

انطلقت الثلاثاء في العاصمة الإيطالية، روما، مجدداً جولة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وهي السابعة، برعاية أميركية.

كارولين عاكوم (بيروت) علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي مشهد عام يُظهر المنازل المدمرة في بلدة الخيام الحدودية بجنوب لبنان في ظل استمرار آثار الحرب (أ.ف.ب)

أهالي بنت جبيل والخيام يترقبون محادثات روما أملاً بالعودة إلى جنوب لبنان

يتابع أبناء بنت جبيل والخيام محادثات روما بعين مختلفة عن السياسيين والمفاوضين. فما يُناقش على الطاولة بوصفه «منطقة تجريبية» أو مرحلة جديدة من الانسحاب

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي إحدى قريبات ضحايا انفجار مرفأ بيروت عام 2020 تحمل صورة فقيدتها وهي تبكي خلال تجمع لإحياء الذكرى السادسة للانفجار الهائل (أ.ب)

6 سنوات بعد انفجار مرفأ بيروت... عائلات الضحايا تطالب بمعرفة كيف قُتل أبناؤها

بعد ست سنوات من انفجار مرفأ بيروت المروع، تنتظر عائلات ضحايا الكارثة صدور القرار الاتهامي لمعرفة «كيف قُتل» أبناؤها ومحاسبة الفاعلين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي صحافيون أمام السفارة الأميركية في روما ينتظرون وصول الوفود المشاركة في المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (أ.ف.ب)

سلام يرد على هجوم قاسم: حروب «حزب الله» أعانت إسرائيل على لبنان

شنّ أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم، الثلاثاء، أعنف هجوم على الدولة اللبنانية، متهماً إياها بـ«معاونة إسرائيل»، مما دفع رئيس الحكومة نواف سلام للرد عليه.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الشرطة الإيطالية تفتش سيارة أمام مدخل السفارة الأميركية في روما حيث تُعقد الجولة السابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (أ.ب)

لبنان يستوضح السفير الأميركي خلفية «نصائحه» باستبعاده توسيع «المناطق التجريبية»

فوجئ الوسط السياسي اللبناني بالبيان الذي أصدره السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى وأحدث صدمة ممزوجة بالقلق والإحباط.

محمد شقير (بيروت)