للتصدي للهدر... «حرب قانونية» على الموضة في أوروبا

المصممون يطالبون بالتنفيذ ووضع الاستدامة والإسراف تحت المجهر

موظفون ينتجون الملابس في مصنع للملابس يصدّر إلى أوروبا والولايات المتحدة في سوتشيان شرق الصين (أ.ف.ب)
موظفون ينتجون الملابس في مصنع للملابس يصدّر إلى أوروبا والولايات المتحدة في سوتشيان شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

للتصدي للهدر... «حرب قانونية» على الموضة في أوروبا

موظفون ينتجون الملابس في مصنع للملابس يصدّر إلى أوروبا والولايات المتحدة في سوتشيان شرق الصين (أ.ف.ب)
موظفون ينتجون الملابس في مصنع للملابس يصدّر إلى أوروبا والولايات المتحدة في سوتشيان شرق الصين (أ.ف.ب)

لا يختلف اثنان على أن صناعة الموضة تقوم لعقود على فكرة الوفرة والاستهلاك؛ الأمر الذي عرَّضها لاتهامات باستنزاف البيئة؛ بسبب الإنتاج المُفرط وما يترتب عنه من إتلاف للمنتجات غير المباعة. والآن أعلنت أوروبا حكمها على هذه الاتهامات بالقانون.

فابتداءً من 19 يوليو (تموز) الماضي، دخلت قواعد أوروبية جديدة حيز التنفيذ، تحظر على الشركات الكبرى إتلاف الملابس والأحذية والإكسسوارات غير المباعة، مع إلزامها بتدويرها أو إعادة بيعها والإفصاح عن الفائض، وذلك في إطار سياسة «التصميم البيئي للمنتجات المستدامة» للحد من الهدر والإسراف.

ويبدأ تطبيق هذا الحظر بشكل تدريجي هذا العام مع إعفاءات مؤقتة لبعض الشركات الصغيرة والمتوسطة.

موظفون ينتجون الملابس في مصنع للملابس يصدّر إلى أوروبا والولايات المتحدة في سوتشيان شرق الصين (أ.ف.ب)

قد يبدو القرار للوهلة الأولى مجرد إجراء تنظيمي جديد ضمن سلسلة التشريعات البيئية الأوروبية، لكنه في الواقع يمثل لحظة مفصلية لصناعة اعتادت إنتاج كميات تفوق حاجتها الفعلية، والتعامل مع الفائض بصفته جزءاً طبيعياً من دورة الأعمال. فالقرار يضع نموذج الموضة المعاصر بأكمله تحت المجهر. تشير تقديرات أوروبية إلى أن ما بين 4 و9 في المائة من المنتجات النسيجية المطروحة في الأسواق الأوروبية تُدمّر قبل أن تُستخدم. ويعني ذلك أن ما بين 264 ألفاً و594 ألف طن من المنسوجات لا يصل إلى المستهلك أساساً. أما الأثر البيئي لهذه الممارسة، فيُقدّر بنحو 5.6 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون كل عام، وهو رقم يوازي تقريباً إجمالي الانبعاثات الصافية لدولة مثل السويد.

صورة أرشيفية للمصممة أيمي باوني في مشغلها (خاص)

ما تؤكده هذه الأرقام أن صناعة الموضة أصبحت في العقود الأخيرة من أكثر قطاعات الاقتصاد العالمي اعتماداً على الاستهلاك السريع والتجديد المستمر. من هذا المنظور، تُرحّب أيمي باوني، مصممة دار «أكين» AKYN، بالقرارات الجديدة وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «أي تشريع يُعالج مسألة (الموضة السريعة) مهم، وبرأيي تأخر كثيراً». وترى باوني، وهي واحدة من بين أكثر المصممات إيماناً بالاستدامة وضرورة حماية البيئة، أن هذه القوانين معقدة ويجب «أن تشمل كل العلامات التي تطرح أزياءً سريعة بشكل مفرط، وأنها لا يجب أن تقتصر على (شي إن) و(تيمو)، وعلامات الموضة الشعبية مثل (زارا) و(أيتش أند إم)، بل يجب أن تشمل العلامات الكبيرة أيضاً».

من مجموعة «أكين» لصيف 2026 تُطبّق فيها المصممة أيمي باوني مفهوم الاستدامة قدر الإمكان (أكين)

تُضيف: «يجب على الكل الالتزام بالقوانين، وإلا فإن التشريع لن يُحقّق التغيير الحقيقي، وسيفتح الباب أمام البعض للتحايل على التشريع وعدم الامتثال له، لا سيما إذا كانت إمكاناتها تمكّنها من الالتفاف حول هذه القوانين لمصلحتها». وتتابع: «نحن في حاجة إلى التأكد من أن الجميع سيلتزم وسيُحاسَب». السؤال الذي يفرض نفسه، برأيها ويراود معظم المؤيدين لهذه القوانين، هو ما إذا كانت شعارات الاستدامة التي تنادي بها الموضة منذ سنوات، تحوَلت واقعاً أم لا؟

الاستدامة... شعار أم قناعة؟

تعاون أيمي باوني مصممة علامة «أكين» مع علامة «فينيستير» يأتي من إيمانهما المشترك بضرورة حماية البيئة (أكين)

فخلال العقد الماضي، كانت كلمة «الاستدامة» الأكثر تداولاً في عالم الموضة إلى حد أنها أصبحت جزءاً من لغة تسويقية تتصدر عناوين المؤتمرات والبيانات الصحافية. لكن في الوقت الذي كانت فيه الشركات تُسهب في الحديث عن المواد المعاد تدويرها، وخفض الانبعاثات والاقتصاد الدائري، استمر حجم الإنتاج العالمي في الارتفاع. ولم تخف دورة التجديد السريع؛ ما أدى إلى ظهور مصطلح «الغسل الأخضر» لوصف الحالات التي تستخدم فيها اللغة البيئية أداةً تسويقية لا أقل ولا أكثر. ولا يعني ذلك أن جميع المبادرات كانت شكلية. فهناك علامات حققت تقدماً ملموساً في تتبع سلاسل التوريد، وتوسيع برامج الإصلاح وإعادة البيع واستخدام مواد أقل ضرراً بالبيئة. كما أصبحت أسماء مثل «باتاغونيا» و«ستيلا ماكارتني» و«أكين» تُستشهد بها كنماذج جادة في هذا المجال.

لقطة من فيلم سجَّلته المصممة أيمي باوني تسلّط فيه الضوء على الاستدامة بكل مراحلها (أيمي باوني)

وكانت أيمي باوني قد سجّلت فيلماً استغرق تصويره خمس سنوات يتتبع رحلة بحثها عن «الاستدامة المتكاملة»؛ من المواد والخامات، إلى العمالة، وكيف يتم التعامل معها. بالنسبة إليها؛ من واجب المصمم أو الشركة المُنتجة أن تُعرّف المستهلك بمصادرها وكل مراحل إنتاجها وتوريدها إلى أن تصل إلى المحال لتصبح في متناول يده. مجرد القول إنها مصنوعة من مواد مستدامة أو أعيد استعمالها ليس كافياً.

التسوق الإلكتروني

رغم صعوبة تقدير حجم صناعة الأزياء اليوم، فإن في الاتحاد الأوروبي وحده بلغت نحو 167 مليار يورو، بزيادة بلغت 14 في المائة في عام 2022 بعد أن استعاد القطاع عافيته عقب جائحة كورونا. لكن النمو الحقيقي في هذه السنوات، لم يحدث داخل المتاجر، بل على الشاشات. فبين عامي 2009 و2022، زاد الإقبال على التسوق الإلكتروني؛ الأمر الذي ولّد ظاهرة جديدة غيَّرت قواعد اللعبة بالكامل: ثقافة المرتجعات.

محكمة فرنسية رفضت طلباً رسمياً لتعليق منصة الأزياء السريعة الصينية «شي إن» (رويترز)

ففي أوروبا، يحق للمستهلك الذي يشتري سلعة عبر الإنترنت أن يعيدها خلال 14 يوماً من دون الحاجة إلى تبرير السبب. وقد أسهم هذا الحق القانوني، إلى جانب المنافسة بين المنصات والمتاجر الرقمية، في خلق ثقافة استهلاكية تقوم على مبدأ بسيط: اشترِ أولاً وقرر لاحقاً. بالنسبة للمستهلك، فإن العملية مريحة للغاية، بحيث يمكنه طلب مقاسات أو ألوان عدّة من القطعة الواحدة، وتجربتها في البيت، ثم إعادة ما ليس مناسباً. لكنها بالنسبة للشركات عبء يُكلّفهم الكثير، بدليل أن الإحصائيات السوقية تفيد بأن قطعة من كل خمس قطع تُشترى عبر الإنترنت في أوروبا تعاد إلى البائع. أما الأحذية، فتُسجّل معدلات أعلى تصل في بعض الفئات إلى 37 في المائة بسبب عدم ملاءمة المقاس أو عدم اقتناع المستهلك بالشكل النهائي للمنتج.

التكلفة الخفية

بالنسبة لصناع الموضة، فإن اللحظة التي يضغط فيها المستهلك على زر إرجاع المنتج، تبدأ الخسارة. فالقطعة لا تعود مباشرة إلى رفوف المتجر، بل تمر بعمليات نقل وفرز وفحص وتنظيف وإعادة تغليف وتخزين قد تستغرق أسابيع. وخلال هذه الفترة قد تفقد جزءاً من قيمتها التجارية، إذا كانت مرتبطة بموسم محدد أو صيحة عابرة. ووفقاً لمعهد الموضة الإيجابية التابع لمجلس الأزياء البريطاني، قد تصل تكلفة معالجة المرتجع إلى ما بين 55 و75 في المائة من سعر المنتج الأصلي. وهكذا تتحول خدمة تشجع الزبائن على الشراء إلى مشكلة مالية حقيقية. ويزيد الأمر سوءاً فيما يتعلَّق بالمنتجات الأعلى سعراً؛ لأنه كلما ارتفع سعر القطعة، ارتفع سقف توقعات المستهلك، ليعيدها إذا لم تُطابق تصوراته بالكامل.

الأزمة تبدأ قبل البيع

بيد أنه بالنسبة لمصممين مثل أيمي باوني، فإن المشكلة تبدأ قبل وصول المنتج إلى المتجر أصلاً. فصناعة الأزياء الحديثة تقوم على التنوع المستمر: ألوان وقصات جديدة لكل موسم، تمنح المستهلك حرية أكبر في الاختيار، لكن بالنسبة إلى دور الأزياء، فإن كل خيار قد يكون مجازفة؛ لأن لا أحد يمكن أن يتوقع اللون أو الصيحة التي ستروّج أو تثير الرغبة في الشراء، وبالتالي لا يمكنهم توقع كمية الإنتاج.

عاملات في مصنع للملابس تابع لشركة «شي إن» في مقاطعة غوانغدونغ جنوب الصين (أ.ف.ب)

لهذا؛ يكون الحل غالباً هو إنتاج كميات تفوق الطلب المتوقع، لا سيما وأن فائض المخزون يبقى أقل ضرراً من خسارة مبيعات محتملة نتيجة نفاد المنتجات. وتبرز هذه الظاهرة بوضوح في قطاع الأزياء السريعة. فهي تقوم أساساً على توفير أكبر قدر ممكن من الخيارات وبأسرع وقت ممكن.

أسهم في اتساع هذه الظاهرة انتقال الجزء الأكبر من صناعة الملابس إلى آسيا، حيث تكلفة اليد العاملة والإنتاج منخفضة مقارنة بأوروبا. ليس هذا فحسب، بل يبدو أن إنتاج عشرة آلاف قطعة قد يكون أقل تكلفة من إنتاج خمسة آلاف فقط؛ الأمر الذي يُشجّع على الإفراط في الإنتاج، وتقبل احتمالية أن جزءاً منها لن يُباع.

مصير الفائض

عمال يعملون على خط إنتاج لتصنيع الملابس لصالح شركة «شي إن» في مصنع بمدينة قوانغتشو بمقاطعة غوانغدونغ - الصين (رويترز)

في أفضل السيناريوهات، تجد هذه المنتجات طريقها إلى التخفيضات أو متاجر الأوتليت أو أسواق إعادة البيع. وقد تباع لشركات متخصصة في تصفية المخزون. وفي أحسن الحالات، تُمنح لجمعيات خيرية أو تُرسل إلى أسواق أخرى حول العالم. لكن ليس كل منتج يجد فرصة ثانية. فالمنتجات التي تتضرر أو تفقد قيمتها التجارية أو تصبح قديمة مقارنة بالمجموعات الجديدة قد تنتهي إلى الإتلاف. منذ بضع سنوات كشفت التحريات عن أن هذه الممارسة تشمل بيوت أزياء كبيرة، تُفضّل الحفاظ على «بريستيجها» وندرتها بمنع وصولها إلى قنوات التخفيضات. أشهر هذه القضايا طالت دار «بيربري» قبل سنوات، عندما أثار الكشف عن إتلافها منتجات غير مباعة تقدر بملايين الجنيهات الإسترلينية موجة انتقادات واسعة دفعت الشركة إلى الاعتذار وتغيير سياساتها لاحقاً.

أما القرار الذي سيدخل حيز التنفيذ في 19 يوليو، فتكمن أهميته برأي أيمي باوني في توضيحه أن التحدي الحقيقي حالياً ليس إنتاج ملابس أكثر استدامة، بل إنتاج عدد أقل وشفافية بالتعامل مع المنتج من المصدر إلى المستهلك.


مقالات ذات صلة

في زمن القتامة.. رهان على قوة اللون في استعادة البهجة

خاص الألوان الزاهية تبث السعادة في زمن يرى المصمم أنه مشبع بالقتامة (كارولينا هيريرا)

في زمن القتامة.. رهان على قوة اللون في استعادة البهجة

مثل السيدة كارولينا هيريرا، يرى ويس غوردن أن أقصى أنواع التمرد أن تكون أنيقاً.

جميلة حلفيشي (لندن)
خاص عروس دار «ديور» (رويترز)

خاص كيف أعادت الأماكن المفتوحة والوجهات السياحية تشكيل أزياء الأعراس؟

تغير تصاميم الأعراس لم يأتِ بقرار من المصممين فقط، بل لأن الأعراس نفسها تغيرت، بعد أن خرجت إلى الهواء الطلق

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة استوحى جوناثان أندرسون من النحاتة ليندا بنغلس أشكالاً مبتكرة طوَّع فيها الأقمشة والتصاميم (أدريان ديران لديور)

«هوت كوتور» 2026 - 2027… المعادلة الجديدة بين الإبداع والربح

تختلف مصادر ثروات زبونات الـ«هوت كوتور» حالياً، لكن يلتقين في قناعتهن بفخامة تُطبَخ على نار هادئة، في زمن تشابهت فيه الوجوه والإطلالات.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

لم تكن فكرة ارتداء البدلة من ابتكاره، بل جاءت باقتراح من راعيه. أما شرطه الوحيد، فكان أن تصبح عملية بما يكفي ليتمكن من خلعها بسرعة، والانتقال إلى أجواء المباراة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

سينوغرافيا «لويس فويتون»... عرض أم استعراض؟

لم يحاول فاريل ويليامز منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية».

جميلة حلفيشي (لندن)