انشقاقات مفاجئة تضرب صفوف «متمردين» بالجنوب الليبي

عقب إعلان عناصر من «السمسير» تسليم أسلحتها إلى «الجيش الوطني»

عناصر من حركة «السمسير» التشادية لحظة إعلان انشقاقها عما تعرف بـ«غرفة عمليات الجنوب» في ليبيا الجمعة (لقطة متداولة من تسجيل مصور)
عناصر من حركة «السمسير» التشادية لحظة إعلان انشقاقها عما تعرف بـ«غرفة عمليات الجنوب» في ليبيا الجمعة (لقطة متداولة من تسجيل مصور)
TT

انشقاقات مفاجئة تضرب صفوف «متمردين» بالجنوب الليبي

عناصر من حركة «السمسير» التشادية لحظة إعلان انشقاقها عما تعرف بـ«غرفة عمليات الجنوب» في ليبيا الجمعة (لقطة متداولة من تسجيل مصور)
عناصر من حركة «السمسير» التشادية لحظة إعلان انشقاقها عما تعرف بـ«غرفة عمليات الجنوب» في ليبيا الجمعة (لقطة متداولة من تسجيل مصور)

باتت الانشقاقات تضرب صفوف الجماعات المسلحة المتمردة الناشطة في الجنوب الليبي، مع إعلان قائد بارز في حركة «السمسير» التشادية انشقاقه وتسليم نفسه، مع عدد من عناصر الحركة إلى «الجيش الوطني» الليبي، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية الليبية - التشادية المشتركة على الحدود، وسط تصاعد الضغوط على ما تُعرف بـ«غرفة تحرير الجنوب»، بقيادة المسلح محمد وردقو.

ويرى متابعون أن هذا الانشقاق داخل صفوف المسلحين بالجنوب الليبي، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية والتنسيق الأمني بين ليبيا وتشاد، قد يفرض واقعاً جديداً على المشهد الأمني في الجنوب، ويحد من قدرة الجماعات المسلحة على الاحتفاظ بوجودها في المناطق الحدودية، خصوصاً إذا اتسعت وتيرة الانشقاقات خلال الفترة المقبلة.

وفي وقت متأخر من مساء الجمعة، جاء الإعلان المفاجئ من جانب صالح آدم إسحاق، قائد حركة «السمسير» التشادية المنشقة، عن انشقاقه مع عدد من عناصر الحركة وتسليم أنفسهم طوعاً، برفقة أسلحتهم وآلياتهم إلى «الجيش الوطني» الليبي، وانسحابهم من التمرد الذي يقوده محمد وردقو، وفق تسجيل مصور متداول في وسائل إعلام محلية.

دورية أمنية تابعة لـ«الجيش الوطني» تمشط الحدود الجنوبية في فبراير الماضي (رئاسة أركان الجيش الوطني الليبي)

وبرر إسحاق قراره بأنه جاء بعد مراجعة لمسار الحركة، معرباً عن أمله في أن يتولى الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، التوسط لدى الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي لتأمين عودتهم إلى تشاد، والمساهمة في ترسيخ الأمن والاستقرار هناك.

كما دعا بقية عناصر الحركة إلى «تغليب صوت العقل والانخراط في مسار السلام»، والتخلي عن القتال، مؤكداً أن استمرار المواجهات لن يحقق أي مكاسب. وبرر انشقاقه بما وصفه بـ«انحراف» قيادة الحركة عن أهدافها، متهماً رئيسها محمد علي يوسف، ومحمد وردقو، باستغلال عناصر الحركة لخدمة مصالح شخصية، والزج بهم في مواجهة القوات المسلحة الليبية.

ولم تعلق «غرفة عمليات الجنوب» على التطورات الأخيرة عبر حسابها الرسمي على موقع «فيسبوك»، الذي لم يشهد أي نشاط منذ 19 يوليو (تموز) الماضي، حين ظهر قائدها محمد وردقو داعياً المكونات الاجتماعية والقبلية في الجنوب إلى الالتفاف حول قواته، عقب هجوم تبنته الغرفة على بوابة أرينديغا، قالت إنه أسفر عن أسر عدد من عناصر «الجيش الوطني» الليبي.

وتشير مصادر مقربة من «الجيش الوطني» إلى أن عدداً كبيراً من أفراد حركة «السمسير» سلموا أنفسهم طوعاً، مع آلياتهم وأسلحتهم إلى «الجيش الوطني»، بعد مفاوضات استمرت لفترة. وفي هذا السياق، يشير الناشط السياسي المقرب من القيادة العامة، محمد قشوط، إلى جهود بذلها الفريق صدام حفتر، إلى جانب ما وصفه بـ«الضمانات الصادقة»، التي شجعتهم على التخلي عن القتال.

ويبدو أن انشقاق عدد من عناصر حركة «السمسير» التشادية يمثل من منظور البعض «مؤشراً قوياً» على تفكك ما يُعرف بـ«غرفة عمليات الجنوب»، وحدوث مزيد من التصدع في صفوفها، وهي رؤية المحلل العسكري محمد الترهوني، معتبراً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذه المجموعة «لا تعدو كونها عناصر تتحرك بمركبات آلية بين نقاط متفرقة على الحدود الجنوبية»، مبرزاً أن تضييق الخناق عليها دفع بعض أفرادها إلى الانشقاق.

الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي مستقبلاً صدام حفتر في نجامينا الأحد الماضي (القيادة العامة)

ويقول الترهوني إن هذا التطور يعكس هشاشة بنية المجموعة، وتراجع قدرتها على الاستمرار، مبرزاً أن خياراتها أصبحت محدودة في ظل العمليات العسكرية الجارية جنوب البلاد، ومؤكداً أن عدداً من الأطراف الداخلية بدأ يتراجع عن دعم «غرفة عمليات الجنوب» عقب العمليات التي تنفذها القوات المسلحة، إلى جانب جولة نائب قائد الجيش الفريق أول صدام حفتر في مدن الجنوب، متوقعاً أن تشهد الفترة المقبلة نهاية هذا التمرد.

ويتزامن انشقاق عناصر حركة «السمسير» مع تكثيف القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» تحركاتها في الجنوب، حيث أجرى الفريق صدام حفتر خلال الأيام الماضية جولة ميدانية، شملت (يوم الجمعة) قاعدة الواو العسكرية في أقصى الجنوب، للاطلاع على جاهزية الوحدات العسكرية، ومتابعة سير العمليات ضد الجماعات المسلحة المنتشرة في إقليم فزان، بحسب وسائل إعلام محلية.

كما استحوذت التحديات الأمنية على الحدود الليبية - التشادية على المحادثات التي جمعت، الأحد الماضي، الفريق صدام حفتر بالرئيس التشادي محمد إدريس ديبي، في ظل استمرار العمليات العسكرية ضد ما تُعرف بـ«غرفة تحرير الجنوب».

وتشير تقديرات بحثية إلى أن «متمردي الجنوب» هو تشكيل من «المرتزقة الهجين»، يضم عناصر ليبية وأجنبية تتبدل ولاءاتها وفقاً للمصالح. وسبق أن قال مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، أشرف بوفردة، إن هذا التشكيل يضم بقايا عناصر من «جبهة التغيير والوفاق في تشاد (فاكت)» الذين بقي قسم منهم في ليبيا بعد «اتفاق الدوحة»، إلى جانب عناصر من قبائل التبو، وآخرين قاتلوا سابقاً إلى جانب «الجيش الوطني» خلال حرب طرابلس (2019 - 2020) قبل أن ينشقوا عنه.

المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني (الجيش الوطني)

وكانت قوة عسكرية مشتركة بين «الجيش الوطني» الليبي والجيش التشادي قد كثفت، الأسبوع الماضي، عملياتها لتأمين الحدود الجنوبية، بالتزامن مع استمرار العملية العسكرية ضد الجماعات المسلحة في إقليم فزان، وهو ما جاء بعد 9 أشهر من إعلان «الجيش الوطني» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي تشكيل قوة مشتركة مع تشاد لحماية الحدود الجنوبية، في خطوة عززت انتشاره على امتداد الشريط الحدودي بين البلدين، البالغ طوله نحو 1050 كيلومتراً.

وتحول الجنوب الليبي خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة ارتكاز لعدد من الجماعات المسلحة القادمة من دول الجوار، مستفيدة من هشاشة الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل، وارتباط نشاطها بعمليات تهريب البشر والأسلحة والوقود، فضلاً عن الصراع على مناطق التعدين غير المشروع عن الذهب.


مقالات ذات صلة

عَودة صالح وتكالة للحوار... خلط جديد لأوراق الأزمة الليبية

شمال افريقيا رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في تركيا مع رئيسي مجلسي «النواب» و«الدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة أمس الخميس (المركز الإعلامي لصالح)

عَودة صالح وتكالة للحوار... خلط جديد لأوراق الأزمة الليبية

في تحرك وصف بأنه يعيد خلط أوراق الأزمة الليبية، جاء اتفاق رئيسي «النواب» و«الدولة»، عقيلة صالح ومحمد تكالة، ليرسم ملامح مرحلة يرى فيها البعض «مناورة سياسية».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا مشروع عمارات الجبل في درنة شرق ليبيا (صندوق التنمية والإعمار في شرق ليبيا)

3 أعوام على «دانيال»... درنة الليبية تتعافى وأسر ما زالت تنتظر حقوقها

بين تسارع وتيرة الإعمار وبلوغها مستويات متقدمة، واستمرار وجع الملفات العالقة؛ تمضي درنة الليبية في استعادة عافيتها وسط مطالبات متجددة بالتعويض الشامل والعدالة.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من عملية إنقاذ المهاجرين قبالة زوارة الليبية أغسطس الماضي (الإدارة العاملة لأمن السواحل بغرب ليبيا)

لماذا يصر خفر السواحل الليبي على إعادة «المهاجرين» من البحر؟

جددت «أطباء بلا حدود» اتهاماتها لخفر السواحل الليبي بالإعادة القسرية للمهاجرين، وسط شكوك متزايدة حول دوافع تمسّك السلطات بتكثيف الاعتراض بالبحر.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي مستقبلاً وفد المجلس العسكري - مصراتة (مكتب المنفي)

المنفي يرفض أي ترتيبات تعيد إنتاج الانقسام السياسي في ليبيا

واصل محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي على مدى اليومين الماضيين لقاءاته مع قوى اجتماعية محلية، في تحرك بدا بمثابة تحشيد داخلي لمواجهة «المبادرة الأميركية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)

جدل ليبي حول تقنين الاستيراد لمواجهة «السوق السوداء» للعملة

وسط جدل بين خبراء اقتصاديين حول جدوى الخطوة، اتفقت الحكومتان في غرب ليبيا وشرقها على تنظيم استيراد السلع والبضائع المخصصة لأغراض التجارة، وحظر توريدها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حريق يأتي على جزء من مخيم للاجئين في سبتة

الحريق كما بدا ليلاً في أحد مخيمات سبتة (رويترز)
الحريق كما بدا ليلاً في أحد مخيمات سبتة (رويترز)
TT

حريق يأتي على جزء من مخيم للاجئين في سبتة

الحريق كما بدا ليلاً في أحد مخيمات سبتة (رويترز)
الحريق كما بدا ليلاً في أحد مخيمات سبتة (رويترز)

أتى حريق يرجّح أن يكون اندلع ليل الخميس - الجمعة بشكل عرضي ولم يسفر عن ضحايا، على جزء من مخيّم أقامته السلطات لإيواء مهاجرين وصلوا إلى سبتة، بحسب ما قالت الشرطة الإسبانية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتمّ إخلاء المنطقة بسرعة ولم تسجّل إصابات، بحسب الشرطة التي أشارت إلى أن النيران دمّرت عدّة خيام.

وقالت ناطقة باسم الشرطة الإسبانية: «بحسب المعلومات الأولية، اندلع الحريق بشكل عرضي بسبب شمعة أو سيجارة أو نار تخييم».

ووقع الحادث في أحد المخيّمات التي أقامتها السلطات لإيواء آلاف المهاجرين الذين ما زالوا في جيب سبتة حيث يعيش 80 ألف نسمة في مساحة 18.5 كيلومتر مربع، بانتظار البتّ في أوضاعهم.

وقد أعيد الجزء الأكبر من المهاجرين الذين توافدوا إلى سبتة في 30 و31 يوليو (تموز) والذين تخطّى عددهم 70 ألفاً إلى المغرب في الساعات القليلة التي تلت وصولهم.

لكن ما زال آلاف منهم في سبتة حيث تدهورت الأوضاع. ويشهد الجيب مواجهات وتظاهرات شبه يومية من السكان المحليين الذين يحتجّون على تردّي الأحوال.

وليل الخميس - الجمعة، اندلعت حرائق أخرى في سبتة، لا سيّما في مركبات تفحّمت، بحسب ما أفادت الناطقة باسم الشرطة.

وتم الإبلاغ عن حرائق في الليالي الماضية في مواقع مختلفة من سبتة، في محيط مخيّمات للاجئين، لكن يرجّح أن تكون عرضية، بحسب الناطقة باسم الشرطة.


السيسي: أمن السودان ووحدته خط أحمر لن تسمح مصر بتجاوزه

من اجتماع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في نيودلهي (د.ب.أ)
من اجتماع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في نيودلهي (د.ب.أ)
TT

السيسي: أمن السودان ووحدته خط أحمر لن تسمح مصر بتجاوزه

من اجتماع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في نيودلهي (د.ب.أ)
من اجتماع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في نيودلهي (د.ب.أ)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم الجمعة، أن المساس بأمن السودان ووحدته وسيادته يمثل خطاً أحمر لن تسمح مصر بتجاوزه.

جاء ذلك في إطار لقاء جمع السيسي اليوم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في نيودلهي قبل انطلاق قمة «بريكس» غداً السبت، وفق بيان للمتحدث باسم الرئاسة المصرية.

وقال المتحدث إن الرئيسين بحثا التطورات الراهنة في السودان، وشددا على ضرورة الحفاظ على سيادة السودان ووحدته ومؤسساته الوطنية.

وأضاف المتحدث أن الرئيسين تبادلا الرؤى حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية محل الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث أكدا وجوب التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة، استناداً إلى حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية.

وفي هذا الإطار، استعرض السيسي جهود مصر للدفع بتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، مشدداً على ضرورة إدخال المساعدات الإنسانية اللازمة بشكل كافٍ ومستدام، للتخفيف من معاناة سكان القطاع.

كما تطرق اللقاء إلى الأزمة الإيرانية، حيث أكد الرئيسان أولوية خفض التصعيد والعودة إلى مسار التفاوض، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل ومستدام ينهي الأزمة بالوسائل السلمية.

وصرح المتحدث بأن الرئيسين أكدا حرصهما على مواصلة العمل لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين والتعاون في مختلف المجالات، تحقيقاً لصالح البلدين والشعبين.

وأشار الرئيس المصري إلى المشروعات المحورية الجاري تنفيذها بمصر في إطار الشراكة المصرية - الروسية، وفي مقدمتها مشروع محطة الضبعة للطاقة النووية، والمنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فضلاً عن التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار والأمن الغذائي والسياحة.

من جانبه، أكد الرئيس الروسي التزام بلاده بمواصلة توثيق أواصر التعاون مع مصر، والإسهام في دعم جهود القاهرة الهادفة إلى تحقيق التنمية الشاملة، وتنفيذ المشروعات الكبرى وفقاً للبرامج الزمنية والمواصفات المتفق عليها.


«من التصنيع إلى التصدير»... شراكة عسكرية متنامية بين مصر وتركيا

 من زيارة سابقة لوزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر إلى تركيا (المتحدث العسكري المصري)
من زيارة سابقة لوزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر إلى تركيا (المتحدث العسكري المصري)
TT

«من التصنيع إلى التصدير»... شراكة عسكرية متنامية بين مصر وتركيا

 من زيارة سابقة لوزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر إلى تركيا (المتحدث العسكري المصري)
من زيارة سابقة لوزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر إلى تركيا (المتحدث العسكري المصري)

أبعاد جديدة يتجه نحوها التعاون الدفاعي المصري التركي، مع الانتقال من التصنيع إلى التصدير، في شراكة تأتي بين البلدين وسط تعاون استراتيجي متزايد وتوترات متصاعدة في المنطقة.

التعاون الثنائي المتنامي الذي أكدت عليه مصر وتركيا، الجمعة، في ثاني محادثة وزارية خلال أيام قليلة، سيعزز مسار التعاون الدفاعي بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، متوقعين أن تزداد الشراكة العسكرية بين البلدين الفترة المقبلة.

تعاون دفاعي

يتجه التعاون الدفاعي من مرحلة التصنيع للتصدير، حيث كشف المدير العام لـ«مؤسسة الصناعات الميكانيكية والكيميائية» التركية إلهامي كلش، في حديث لـ«وكالة أنباء الأناضول» التركية الرسمية، أن المؤسسة أسست في القاهرة شركة باسم «ظفر» تعمل وفقاً للقانون المصري، وذلك على هامش مشاركتها في «معرض العلمين الدولي للطيران»، الذي اختُتم، الجمعة.

وأضاف: «أسسنا هذه الشركة في القاهرة للمساهمة في عملياتنا التجارية في مصر، وفي أنشطتنا التجارية في أفريقيا ومنطقة الخليج، أبرمنا عقداً مع مصر ووزارة الإنتاج الحربي المصرية بشأن إنتاج المواد الطاقية والمواد المتفجرة بشكل مشترك، وكذلك الإنتاج المشترك لمختلف معدات الذخائر».

وأكد كلش أن الاهتمام بنظام الدفاع الجوي التركي «تولغا» ازداد، «لا سيما في ظل تعدد أنواع التهديدات غير المتكافئة، ومصر مهتمة أيضاً بهذا الأمر، وأجرينا الآن عملية بيع رمزية بهدف إدخال منظومة (تولغا) إلى مخزون القوات المسلحة المصرية، لكننا نعمل أيضاً على إنشاء بنية تحتية تتيح تسويق (تولغا) ليس لمصر وحدها، وإنما في السوق الأفريقية بأكملها، وكذلك في منطقة الخليج، وذلك عبر المشروع المشترك الذي سنقيمه في مصر».

وأضاف: «مصر تمتلك قدرة على إنتاج المركبات العسكرية، والعمل جارٍ على إنتاج مشترك يتم فيه دمج هذه القدرة مع الأنظمة والمعدات التركية».

التقارب المصري - التركي الذي تنامى في 2023 عقب تفاهمات أنهت قطيعة سياسية دامت أكثر منذ 12 عاماً، يأتي بعد شهرين من زيارة في يوليو (تموز) الماضي تعد الأولى من نوعها، لوزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر إلى تركيا.

جانب من فعاليات التدريب الجوي المشترك المصري التركي «نسر الأناضول - 2026» (المتحدث العسكري المصري)

وقبيل تلك الزيارة، قال سفير تركيا لدى مصر موتلو شن في مؤتمر صحافي، إن «التعاون الأمني والعلاقات العسكرية بين تركيا ومصر يسيران بشكل جيد جداً»، مؤكداً أن «العلاقات المتنامية بين الجيشين التركي والمصري ستسهم، بمعنى أوسع، في سلام وأمن واستقرار المنطقة، والعالم بأسره».

وفي مايو (أيار) الماضي، أجرى رئيس أركان الجيش المصري، أحمد خليفة، زيارة رسمية إلى تركيا، التقى خلالها نظيره التركي متين غوراك، وتم بحث سبل تطوير التعاون العسكري، لا سيما في مجالات التدريب، وتبادل الخبرات، بخلاف استئناف التدريبات المشتركة «بحر الصداقة».

وفي فبراير (شباط) الماضي، وقّعت مصر وتركيا «اتفاقية تعاون عسكري» في القاهرة بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره رجب طيب إردوغان، الذي كان يزور العاصمة المصرية آنذاك، ثم وقّع البلدان في أغسطس (آب) 2025 اتفاقاً للتصنيع المشترك للطائرات المسيّرة ذات الإقلاع والهبوط العمودي.

ويرى المستشار بـ«الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية» والخبير العسكري والاستراتيجي عادل العمدة، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن اللافت في الشراكة العسكرية المصرية - التركية، هو أنها لم تعد مقتصرة على شراء السلاح، وإنما بدأت تتجه إلى التصنيع المشترك، ونقل التكنولوجيا والتدريب والتصدير.

وتكمن أهمية الشراكة في أن مصر تمتلك قاعدة صناعية دفاعية وبنية إنتاجية وسوقاً واسعاً وموقعاً جغرافياً يسمح بالتصدير إلى أفريقيا والمنطقة بينما تمتلك تركيا خبرة متقدمة ومتنامية في المسيرات والإلكترونيات والأنظمة البرية والبحرية والصناعات الدفاعية، وفق العمدة.

ويعتقد المحلل التركي طه عودة أوغلو، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الشراكة العسكرية المتنامية بين مصر وتركيا، تشهد قفزة نوعية، خصوصاً في مجال التعاون الدفاعي، والتصنيع الذي قد يتطور للتصدير في المرحلة المقبلة.

تعاون ثنائي متنامٍ

أعلنت «الخارجية المصرية» في بيان، الجمعة، أن وزير الخارجية بدر عبد العاطي، بحث هاتفياً مع نظيره التركي، هاكان فيدان، «آفاق تطوير الشراكة بين مصر وتركيا خلال المرحلة المقبلة»، وضرورة مواصلة الإعداد للاجتماع المقبل لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى المقرر عقده في تركيا.

وقبل 4 أيام، تحدث الوزيران المصري والتركي هاتفياً، وأكدا الحرص على مواصلة البناء على ما تشهده العلاقات من زخم متنامٍ خلال الفترة الأخيرة، وتعزيز التعاون في مختلف المجالات، بحسب بيان لـ«الخارجية المصرية» في 7 سبتمبر (أيلول) الحالي.

من فعاليات التدريب المصري التركي المشترك «العقاب الذهبي» (المتحدث العسكري المصري)

ويعتقد العمدة أن «المجلس الاستراتيجي المصري - التركي أصبح بالفعل إطاراً مؤسسياً للعلاقات بين البلدين، ويعمل على توسيع التعاون في مجالات متعددة»، متوقعاً أن يكون التعاون الدفاعي أحد أبرز ملفاته خلال المرحلة المقبلة على عدة مسارات بينها التصنيع المشترك خصوصاً المسيرات والمناورات المشتركة والتعاون البحري والجوي والتسويق والتصدير المشترك للأسواق الأفريقية والعربية.

ويتوقع المحلل التركي طه عودة أوغلو أن يكون التعاون الدفاعي «ملفاً حاضراً دائماً في كل الاجتماعات التركية المصرية لا سيما أن الدولتين تعدان ركيزتين مهمتين في الشرق الأوسط».

المخاوف الإسرائيلية

لا يزال التقارب المصري التركي، لا سيما العسكري، محل قلق ومخاوف إسرائيلية عبرت عنها وسائل إعلام عبرية في الفترة الأخيرة.

وفي هذا الصدد، ينبه العمدة إلى «أنه حتى الآن ما يحدث بين مصر وتركيا هو تعزيز للقدرات الذاتية، وتنويع للشراكات الدفاعية وليس تشكيل حلف عسكري مصري - تركي ضد طرف ثالث، لكن إسرائيل تنظر بالتأكيد إلى المسألة من زاوية مختلفة فيها قلق أكثر»، متوقعاً تعامل القاهرة وأنقرة مع تلك المخاوف «بالاستمرار في الشراكة على أساس أن من حق كل دولة تنويع مصادر تسليحها وتطوير صناعتها الدفاعية وعدم تحويل التعاون إلى حلف هجومي، خصوصاً أن للقاهرة علاقات دولية متعددة، وتتبنى سياسة تنويع الشراكات وعدم الارتهان لمحور واحد».

بدوره، يرجح طه عودة أوغلو أن يتعامل البلدان مع القلق الإسرائيلي «بمنطق سياسة الردع وليس المواجهة عبر استمرار التعاون الدفاعي وتطويره لحماية المصالح والأمن القومي لكل منهما».