المال والسلاح والنفوذ... ثلاثية أنهكت ليبيا

يقدر العدد الفعلي للمسجلين بالداخلية والجيش في ليبيا بين 250 إلى 280 ألف عنصر (إ.ب.أ)
يقدر العدد الفعلي للمسجلين بالداخلية والجيش في ليبيا بين 250 إلى 280 ألف عنصر (إ.ب.أ)
TT

المال والسلاح والنفوذ... ثلاثية أنهكت ليبيا

يقدر العدد الفعلي للمسجلين بالداخلية والجيش في ليبيا بين 250 إلى 280 ألف عنصر (إ.ب.أ)
يقدر العدد الفعلي للمسجلين بالداخلية والجيش في ليبيا بين 250 إلى 280 ألف عنصر (إ.ب.أ)

منذ رحيل نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، لم تعُد الأزمة الليبية مجرد نزاع سياسي بين أطراف تتنافس على السلطة، بل تحولت إلى دائرة مغلقة تتغذى على ثلاثية شديدة التعقيد أنهكت البلاد: المال، والسلاح، والنفوذ.

ثلاثية أعادت تشكيل خريطة البلاد إلى حد بعيد، واستنزفت مقدراتها، وجعلت من استعادة الدولة الوطنية رهينة لمعادلة تتشابك فيها المصالح الداخلية مع التجاذبات الإقليمية والدولية.

الاقتصاد هو الركن الأول في أبعاد هذه «الثلاثية»؛ ففي بلد يعتمد كلياً على صادرات النفط، تحوّل هذا المورد الرئيس للثروة من أداة للتنمية إلى محرك أساسي للنزاع، ولكن لم يقتصر الصراع على إدارة إنتاج الخام وتصديره، بل امتد إلى آليات توزيع إيراداته، بجانب عمليات تهريب واسعة للنفط داخلياً وخارجياً.

هذا الوضع خلق حالة من السيولة المالية الموازية التي أضعفت كفاءة إدارة الاقتصاد الوطني، وأربكت السياسات النقدية، ما انعكس مباشرة على الحياة اليومية للمواطن في صورة تراجع في الخدمات الأساسية وانخفاض في القدرة الشرائية، لتصبح الثروة الوطنية ذاتها مصدراً من مصادر الإجهاد الاقتصادي.

أما الركن الثاني فهو الانتشار الواسع للسلاح وتعدّد التشكيلات المسلحة خارج أطر المؤسسات الرسمية الموحّدة، وعليه شكلّت هذه الحالة الأمنية المتشظية عائقاً أساسياً أمام أي محاولة لبناء هيكل أمني موحّد يمتلك احتكاراً حصرياً للقوة التابعة للدولة. لذا، ما عاد السلاح مجرد وسيلة للدفاع أو فرض الأمن، بل تحول إلى عنصر فاعل في المعادلة السياسية. وهكذا، أدى انتشار الميليشيات وتعدد مراكز القوة إلى إضعاف ليبيا، وصار امتلاك القوة العسكرية يمنح صاحبه قدرة على فرض شروطه أو تعطيل أي ترتيبات لا تنسجم مع مصالحه.

وتكتمل الأركان بالركن الثالث، وهو صراع النفوذ الداخلي، المتمثل في المحاصصة السياسية والجغرافية، والخارجي المتمثل في تقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية. هذا التداخل جعل من الملف الليبي ساحة لموازنات دقيقة بين تطلعات الأطراف المحلية وأجندات الفاعلين الدوليين. ويأتي النفوذ باعتباره الحلقة التي تربط المال بالسلاح. فالقوى التي تمتلك الموارد المالية أو القوة المسلحة تسعى بطبيعة الحال إلى توسيع نفوذها داخل مؤسسات الدولة، أو في المجالين الاجتماعي والاقتصادي، أو حتى على مستوى العلاقات الإقليمية والدولية. كما يتيح النفوذ الوصول إلى مزيد من الموارد وتعزيز أدوات القوة، لتدخل في دوامة، حيث يغذي كل عنصر العنصر الآخر بصورة مستمرة.

غير أن تأثير هذه الثلاثية لم يقتصر على النخب السياسية والعسكرية، بل امتد أيضاً إلى أجهزة الدولة نفسها. فتراجع استقلالية المؤسسات، وتداخل المصالح، وتعدد مراكز القرار، كلها عوامل أضعفت قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية، وأفقدت المواطن الثقة بإمكانية الوصول إلى حلول دائمة. ولقد انعكس ذلك أيضاً على الاقتصاد، والخدمات العامة، ومستوى المعيشة، في بلد يمتلك إمكانات كبيرة، لكنه لا يزال عاجزاً عن توظيفها في تحقيق الاستقرار والتنمية. ومن ثم، أدى هذا الوضع إلى حالة من الجمود السياسي؛ حيث تسعى كل جهة لترسيخ المكاسب التي حققتها، مع تعطيل أي مسارات قد تؤدي إلى إعادة توزيع الأدوار أو تقليص مساحة التأثير التي اكتسبتها عبر السنوات الماضية.


مقالات ذات صلة

شبانة محمود «وزيرة الأزمات» البريطانية... التي أبقى بيرنهام لها حقيبة الداخلية

حصاد الأسبوع باكستانية الأصل انتقلت أسرتها بعد ولادتها بفترة قصيرة إلى مدينة الطائف السعودية حيث كان والدها يعمل مهندساً مدنياً

شبانة محمود «وزيرة الأزمات» البريطانية... التي أبقى بيرنهام لها حقيبة الداخلية

بدأت شبانة محمود، وزيرة الداخلية البريطانية، ولاية ثانية في المنصب بعدما أعاد رئيس الحكومة الجديد آندي بيرنهام تعيينها في منصبها نفسه ضمن حكومته؛

«الشرق الأوسط» (لندن)
حصاد الأسبوع فاراج (إيبا)

حكومة بيرنهام أمام أول اختبار في ملف الهجرة

شكّل قرار رئيس الحكومة البريطانية آندي بيرنهام الإبقاء على شبانة محمود وزيرةً للداخلية، واستمرارها في المنصب الذي تولّته في عهد كير ستارمر، أول مؤشر إلى أن

«الشرق الأوسط» (لندن)
حصاد الأسبوع رجال الأمن بمواجهة التظاهرات في وسط دلهي (رويترز)

الهند: جيل الشباب يهدد سردية حكومة مودي ومكانتها

لم تشتعل الاحتجاجات الطالبية والشبابية الأخيرة في الهند من فراغ، بل جاءت امتداداً لنهج رسمته أجزاء أخرى من جنوب آسيا على مدار السنوات الأربع الماضية. إذ تعيش

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع توتر رغم اللقاءات المتعددة بين ترمب ونتنياهو(رويترز)

إسرائيل: الانتخابات «الجبهة التاسعة» في حروب نتنياهو

ذات يوم، كانت الانتخابات البرلمانية في إسرائيل مهرجاناً احتفالياً، يُعتبر «عرساً ديمقراطياً». فيوم الاقتراع عطلة مدفوعة الأجر. ومَن يضطر لعمل يحصل على زيادة.

نظير مجلي ( القدس)
حصاد الأسبوع كان مسؤولاً عن ملف العلاقات العربية والإسلامية في الحركة... وهكذا استطاع الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع أطراف عربية وإسلامية عدّة

خليل الحيّة... «رجل المفاوضات» يتولّى مهمة صعبة على رأس «حماس»

في كلمة خليل الحيّة الأولى، بعد انتخابه رئيساً للمكتب السياسي لحركة «حماس»، لم يقدم الرئيس الجديد نفسه بوصفه زعيماً يبدأ مرحلة جديدة، بقدر ما ظهر حارساً لمسار

«الشرق الأوسط» (القاهرة)