شبانة محمود «وزيرة الأزمات» البريطانية... التي أبقى بيرنهام لها حقيبة الداخلية

محامية مسلمة صقلتها تجربتها في برمنغهام ومعارك «العمال»

باكستانية الأصل انتقلت أسرتها بعد ولادتها بفترة قصيرة إلى مدينة الطائف السعودية حيث كان والدها يعمل مهندساً مدنياً
باكستانية الأصل انتقلت أسرتها بعد ولادتها بفترة قصيرة إلى مدينة الطائف السعودية حيث كان والدها يعمل مهندساً مدنياً
TT

شبانة محمود «وزيرة الأزمات» البريطانية... التي أبقى بيرنهام لها حقيبة الداخلية

باكستانية الأصل انتقلت أسرتها بعد ولادتها بفترة قصيرة إلى مدينة الطائف السعودية حيث كان والدها يعمل مهندساً مدنياً
باكستانية الأصل انتقلت أسرتها بعد ولادتها بفترة قصيرة إلى مدينة الطائف السعودية حيث كان والدها يعمل مهندساً مدنياً

بدأت شبانة محمود، وزيرة الداخلية البريطانية، ولاية ثانية في المنصب بعدما أعاد رئيس الحكومة الجديد آندي بيرنهام تعيينها في منصبها نفسه ضمن حكومته؛ ما شكّل استمراراً مباشراً للمهمة التي أسندها إليها رئيس الحكومة السابق كير ستارمر في سبتمبر (أيلول) 2025. ولم تكن محمود أول امرأة مسلمة تتقلد منصباً وزارياً في بريطانيا؛ إذ سبقتها البارونة المحافظة سعيدة وارسي عام 2010، لكنها أصبحت أول امرأة مسلمة، وأول شخصية مسلمة من حزب العمال، تتولى وزارة الداخلية، وأول امرأة مسلمة تشغل واحداً من المناصب السيادية الأربعة في الدولة. وكانت قد صنعت سابقة أخرى عام 2024، عندما أصبحت أول امرأة مسلمة تتولى منصب اللورد المستشار أي وزير العدل.

رسّخت شبانة محمود (45 سنة) خلال عملها لسنتين في الحكومة البريطانية، صورتها بوصفها «وزيرة الأزمات». إذ واجهت في أسبوعها الأول بوزارة العدل نظام سجون على حافة الانهيار، قبل أن تنتقل إلى الداخلية لمواجهة تصاعد أزمة وصول آلاف المهاجرين إلى السواحل البريطانية على متن قوارب صغيرة تعبر قناة المانش.

ثم إن تثبيتها في حقيبة الداخلية تتويج لمسار امتد 16 سنة في مجلس العموم، أمضت منه نحو ثماني سنوات في مواقع المعارضة الأمامية، بينها أكثر من ثلاث سنوات عضواً في «حكومة الظل» (فريق المعارضة الحكومي)، قبل أن تتولى حقيبتين حكوميتين مهمتين، هما العدل والداخلية. وعلى الرغم من أن اسمها طُرح لتولي وزارة الخزانة، اختار بيرنهام إبقاءها في موقعها، في وقت يواجه فيه الحزب ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع الهجرة غير القانونية وصعود حزب «الإصلاح البريطاني» اليميني المتشدّد والمناوئ للمهاجرين بزعامة نايجل فاراج.

بين برمنغهام والطائف

وُلدت شبانة محمود في مدينة برمنغهام عام 1980، لوالدين تعود أصولهما إلى كشمير، تحديداً القسم التابع للإدارة الباكستانية. وبعد ولادتها بفترة قصيرة، انتقلت الأسرة إلى مدينة الطائف بالمملكة العربية السعودية، حيث كان والدها يعمل مهندساً مدنياً.

وحسب «سكاي نيوز»، أمضت محمود نحو سبع سنوات في السعودية، وكانت أسرتها تزور مكة المكرمة والمدينة المنورة بانتظام، قبل العودة إلى برمنغهام. أما مجلة «الإيكونوميست»، فوصفت والديها بأنهما من المهاجرين الآسيويين الذين أولوا التعليم والمهن الأكاديمية أهمية كبيرة لأبنائهم الأربعة.

استقرت الأسرة في منطقة سمول هيث داخل برمنغهام، وهي منطقة متعددة الأعراق عانت خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي مستويات مرتفعة من الفقر والجريمة، وأُسّس فيها نادي برمنغهام سيتي لكرة القدم عام 1875. ونقلت صحيفة «الغارديان» عن مقربين من محمود أن والدها كان يحتفظ بمضرب كريكيت خلف طاولة المحاسبة في متجر العائلة للتصدّي لمحاولات السرقة. وأسهمت هذه البيئة في تشكيل نظرتها إلى الأمن؛ إذ ترى أن المجتمعات الفقيرة والمهاجرة هي أول من يدفع ثمن غياب القانون.

من جامعة أكسفورد ... إلى مجلس العموم

كانت السياسة حاضرة في منزل الأسرة قبل دخول محمود البرلمان بسنوات عدّة. ووفق «الغارديان»، كان والدها، الذي تولى رئاسة منظمة حزب العمال في برمنغهام، يستضيف اجتماعات منظمي الحزب في غرفة الجلوس، ومن بينهم توم واتسون، الذي أصبح لاحقاً نائباً لزعيم «العمال».

درست محمود في مدرسة «كينغ إدوارد السادس كامب هيل» للبنات، ثم التحقت بكلية لنكولن في جامعة أكسفورد حيث درست وتخرّجت مجازة في القانون. وفي أكسفورد، انتُخبت رئيسة لمجلس طلاب كلية لنكولن (أُسّست عام 1427)، وصوّت لصالحها ريشي سوناك، رئيس الوزراء المحافظ الذي كان آنذاك يسبقها بعام دراسي. وبعد تخرّجها، عملت محمود محامية متخصصة في قضايا المسؤولية المهنية والتعويضات. ثم في عام 2010، اختيرت مرشحة لحزب العمال في دائرة برمنغهام - ليديوود، خلفاً للنائبة والوزيرة السابقة المخضرمة كلير شورت.

محمود دخلت مجلس العموم في سن التاسعة والعشرين. ووفق «سكاي نيوز»، كانت إلى جانب رشيدة علي وياسمين قريشي بين أولى النساء المسلمات اللواتي انتُخبن للبرلمان البريطاني. ورأت مجلة «الإيكونوميست» في فوزها جزءاً من تحوّل جعل البرلمان أكثر تمثيلاً لتنوّع المجتمع البريطاني.

صعود سريع ثم قطيعة مع كوربن

لم تنتظر محمود طويلاً للانتقال إلى صفوف الحزب الأمامية. إذ تولّت، إبّان قيادة إد ميليباند (وزير الخارجية الجديد) لحزب العمال، ملفات السجون والتعليم العالي والخزانة في «حكومة الظل»، واكتسبت خبرة مبكّرة في القضايا الاقتصادية والقانونية.

لكن انتخاب جيريمي كوربن زعيماً للحزب عام 2015 أوقف صعودها. وكانت محمود قد أدارت حملة إيفيت كوبر في سباق القيادة، ثم رفضت الانضمام إلى «حكومة الظل» الجديدة. ونقلت «سكاي نيوز» عنها قولها لكوربن إنها ستكون «تعيسة» وستجعله هو أيضاً تعيساً إذا ما قبلت العمل معه.

مع هذا، خلال سنوات زعامة كوربن، الزعيم السابق للجناح اليساري في الحزب، بقيت محمود داخل مؤسسات الحزب، وانتُخبت لعضوية لجنته التنفيذية الوطنية، لكنها ابتعدت عن الصفوف الأمامية. ومثّلت تلك المرحلة قطيعة سياسية بينها وبين «اليسار»، ورسخت موقعها ضمن التيار الوسطي - تحديداً «العمال الزرق» - الذي أراد توجيه الحزب يميناً نحو الوسط، وبالتالي، استعادة بعض الناخبين الذين فقدهم الحزب كونهم أقرب إلى الجناح اليميني فيه.

حكومة ستارمر

عادت شبانة محمود إلى «مركز القرار» بعد انتخاب كير ستارمر زعيماً للحزب عام 2020، بدعم من تيار «العمال الزُّرق» الذي تنتمي إليه، وتولّت منصب المنسّقة الوطنية للحملات الانتخابية، بل وأصبحت من أبرز العاملين مع مورغان ماكسويني، «مهندس» استراتيجية ستارمر السياسية، وأحد المتّهمين الأبرز في خروجه المبكّر من رئاسة الوزراء الشهر الماضي.

وفق «الغارديان» و«سكاي نيوز»، تُنسب إلى محمود داخل الحزب مساهمة حاسمة في الفوز العمالي لضيق بانتخابات دائرة باتلي وسبن الفرعية في مقاطعة يوركشاير (شمال إنجلترا) عام 2021، بعد هزيمة «العمال» في دائرة هارتلبول (ساحل شمال شرقي إنجلترا)، وكان فقدان المقعد، لو حصل، قد يفتح الباب أمام تحدٍّ مبكّر لزعامة ستارمر.

هذا الدور أكسبها سمعة طيبة، في صفوف الحزب، بوصفها منظّمة حزبية ذات حسّ انتخابي حاد، أكثر منها سياسية تعتمد على الخطب أو الحضور الإعلامي. ونقلت «الغارديان» عن وزير العدل الأسبق تشارلي فالكونر وصفه لها بأنها «تفهم السياسة بعمق، وتدرك ما يتطلبه الفوز بالانتخابات». كما نقلت الصحيفة عن زميل لها أنها «لا تهدر كلمة» في الاجتماعات، ولقد حذّرت من بقاء الحكومة أسيرة عقلية المعارضة.

أزمة السجون... الاختبار الأول

بعد فوز «العمال» في الانتخابات العامة الأخيرة خلال يوليو (تموز) 2024، أصبحت محمود وزيرة للعدل ولورداً مستشاراً، لتغدو أول امرأة مسلمة تتولى هذا المنصب التاريخي.

لكن المقرّبين من محمود يرون أنها ورثت نظاماً للعدالة الجنائية يعاني أزمة عميقة. وكتبت مجلة «الإيكونوميست» أن سنوات من التقشّف وسوء الإدارة جعلت السجون والمحاكم وأجهزة المراقبة والإفراج المشروط في حالة اختلال شديد.

مع هذا، في أسبوعها الأول، أعلنت الوزيرة محمود الإفراج المبكر عن آلاف السجناء لتجنب اكتظاظ السجون. وذكرت «سكاي نيوز» أن أكثر من ألف سجين أُفرج عنهم ضمن إحدى مراحل البرنامج، قبل أن تعتذر وزارة العدل بعد إطلاق 37 شخصاً عن طريق الخطأ. وحمل القرار تداعيات سياسية شديدة الخطورة على الحكومة العمالية الشابة، لكنه عزّز صورة محمود بوصفها وزيرة مستعدة لتحمّل مسؤولية خيارات غير شعبية. ووفق «الغارديان»، سعت محمود بعد هذه التجربة، التي لاقت موجة انتقادات حادّة، إلى «الموازنة» بين التشدد في حقّ مرتكبي الجرائم الخطيرة، وتقليل الاعتماد على السجن في الجرائم الأقل خطورة... مع توسيع برامج التأهيل والمراقبة داخل المجتمع. ويقال إنها استوحت بعض أفكارها من نموذج ولاية تكساس الأميركية، التي مزجت بين العقوبات الصارمة وسياسات خفض العودة إلى الجريمة.

وزارة الداخلية... محطّة فارقة

ولكن، في سبتمبر (أيلول) 2025، نقل ستارمر محمود إلى وزارة الداخلية، لتصبح مسؤولة عن الشرطة والهجرة والأجهزة الأمنية، في وقت تصاعدت فيه أزمة عبور القوارب الصغيرة؛ ما دعم تقدّم حزب «الإصلاح» اليميني المتشدد بزعامة نايجل فاراج.

الملف الجديد تناسب مع صورتها السياسية، إلا أنه تسبب في الوقت نفسه في خسارتها دعم «يسار» الحزب. فمحمود تنظر إلى الهجرة باعتبارها اختباراً لقدرة الدولة على فرض القانون والحفاظ على ثقة الجمهور، لا مجرد نقاش حول الأعداد. وهنا نقلت «الغارديان» عن مصدر قريب منها أنها ترى أن الانتماء إلى بريطانيا «مسؤولية بقدر ما هو حق»، وأن مخالفة القانون تسيء إلى المهاجرين الذين اندمجوا وأسهموا في المجتمع.

غير أن هذه المواقف قلصت أيضاً فرصها في قيادة الحزب. إذ ذكرت «بوليتيكو» أن «تشددها» في ملف الهجرة أفقدها فرصة جمع التأييد البرلماني اللازم لخوض سباق خلافة ستارمر، مع أن بعض النواب كانوا ينظرون إليها في السابق كزعيمة محتملة.

«العمال الزّرق»

كما سبقت الإشارة، غالباً ما تُصنّف محمود ضمن تيار «العمال الزّرق»، الذي يجمع بين مبادئ المحافظة الاجتماعية والدفاع عن الدين والوطن والعائلة، وبين مواقف اقتصادية تميل إلى تدخّل الدولة وحماية شبكة الأمان، وانتقاد العولمة والأسواق المفتوحة. لكن «بوليتيكو» نقلت عن بعض حلفائها أن هذا التصنيف لا يشرح مواقفها بدقة.

من ناحية ثانية، تأثّرت محمود أيضاً بعملها ضمن فريق الخزانة في «حكومة الظل» إبان فترة قيادة إد ميليباند (2010 – 2015). وحسب الصحيفة، تدعو محمود إلى إعادة بناء القاعدة الصناعية البريطانية، وتعزيز التصنيع، واعتماد مقاربة تضع النمو داخل البلاد كأولوية، مع البقاء منفتحة على الاتفاقات التجارية الثنائية. فقد وصف أحد حلفائها رؤيتها بأنها تحمل توجهاً اقتصادياً لـ«مرحلة ما بعد العولمة»، من دون أن تكون حمائية. وينطلق نهجها هذا من أنه لا يجوز تجاهل غضب الناخبين من المؤسسات. وبالتالي، شبّهها أحد المقربين منها، وفق «بوليتيكو»، بالمهندسة التي تحدّد العطل ثم تختار أداة إصلاحه.

اختبار غزة

بالتوازي، واجهت محمود في انتخابات 2024 أكبر تحدٍّ لها داخل دائرتها. فقد انخفضت غالبيتها من نحو 30 ألف صوت عام 2019 إلى قرابة 3400 صوت فقط، بعد منافسة من المرشح المسلم المستقل أحمد يعقوب، الذي جعل حرب غزة محوَراً لحملته.

«الإيكونوميست»، أشارت إلى أن محمود التي كانت أكثر نشاطاً في دعم القضية الفلسطينية في مراحل سابقة، تعرّضت لانتقادات شديدة بعد امتناعها عن التصويت على اقتراح يتعلق بوقف إطلاق النار.

«الغارديان» ذكرت في هذا السياق أنها كانت من الأصوات الداعية إلى موقف أكثر تأييداً للفلسطينيين داخل الحكومة، بما في ذلك الاعتراف بالدولة الفلسطينية. أما «سكاي نيوز»، فأشارت إلى تحذيرها ستارمر من الألم الذي يشعر به مسلمو بريطانيا بسبب حرب غزة، وعن ضرورة إعادة بناء الثقة معهم. لكنها قالت أيضاً إن حملتها تعرّضت للمضايقات والترهيب، وهي تجربة وصفتها محمود بأنها «مضرة بالديمقراطية».

لماذا أبقاها بيرنهام؟

قبل تشكيل حكومة بيرنهام، طرحت تقارير إعلامية اسم محمود كمرشحة محتملة لتولي وزارة الخزانة. ورغم غيابها عن الملفات الاقتصادية المباشرة منذ أكثر من عقد، رأى حلفاؤها أن أفكارها بشأن الصناعة ودور الدولة وغضب الناخبين من المؤسسات قد تلتقي مع «أجندة» بيرنهام.

لكن بيرنهام أبقاها في وزارة الداخلية؛ لأنها كانت قد بدأت بالفعل تنفيذ أكثر سياساتها طموحاً في الهجرة واللجوء. وبذا يعكس القرار حاجة رئيس الحكومة الجديد إلى وزيرة قادرة على مخاطبة الناخبين القلقين من الهجرة والجريمة، بينما يحاول حزب العمال وقف انتقالهم إلى حزب فاراج. كذلك، فإن نقلها كان سيعني إعادة إطلاق السياسات المرتبطة بملف الهجرة من جديد، والمخاطرة بخوض النقاشات نفسها التي أسهمت في تراجع شعبية ستارمر. أما بقاؤها، فيربط نجاح السياسات أو فشلها بالوزيرة التي صاغتها، ويتيح لبيرنهام التركيز على أولوياته الأخرى. والحال، أن قوة محمود لا تستند إلى جناح حزبي واسع، بل إلى قدرتها على قراءة المزاج السياسي، وإدارة المؤسسات، واتخاذ قرارات يتردد آخرون في اتخاذها.

لكن الملفات التي صنعت صعودها تظل أيضاً الأخطر عليها. فنجاحها سيُقاس بقدرتها على خفض عبور القوارب الصغيرة من سواحل فرنسا إلى بريطانيا، وتسريع معالجة طلبات اللجوء، وتقليل استخدام الفنادق لإيواء طالبي اللجوء، وترحيل من لا يملكون حق البقاء بشكل سريع، من دون إشعال تمرد داخل حزب العمال أو تقويض التزامات بريطانيا الحقوقية.

ولهذا أبقاها بيرنهام في موقعها: ليس لأنها تمثل امتداداً كاملاً لمشروعه السياسي، بل لأنها أصبحت صاحبة المشروع الأكثر وضوحاً في فترة انتقال السلطة من ستارمر، ولأن الحكومة الجديدة تحتاج إلى تحقيق نتائج ملموسة تعكس جدية خطابها وصرامته بشأن حماية الحدود.


مقالات ذات صلة

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حصاد الأسبوع حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن بلادهم عالقة في دوامة بالغة التعقيد، بين فوضى أمنية تتفاوض فيها التشكيلات المسلحة بالنار، وتتجاذب النفوذ على

علاء حموده (القاهرة)
حصاد الأسبوع مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً

خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

لم يصل خافيير بيسيرا إلى صدارة السباق على حاكمية ولاية كاليفورنيا الأميركية بوصفه المرشح الأكثر شهرة أو صاحب البرنامج الأكثر صخباً. إذ انتزع المركز الأول

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع ريغان (آ ب)

من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

تعاقب على كاليفورنيا منذ عقد الستينات حكّام من الحزبين ترك كل منهم تعريفاً مختلفاً لدور الولاية وحدود السلطة التنفيذية. وتُظهر القائمة التاريخية الرسمية أن

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع أحد الأسواق في وسط العاصمة التونسية (غيتي)

الاقتصاد التونسي... صمود تحت ثقل الديون

بدأت تونس النصف الثاني من 2026 وسط تباين التقييمات لأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وانعكاساتها السياسية والأمنية. فالحكومة ترى في تحسن عدد من المؤشرات المالية

كمال بن بونس (تونس)
حصاد الأسبوع صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على

رائد جبر (موسكو)

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
TT

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)

تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن بلادهم عالقة في دوامة بالغة التعقيد، بين فوضى أمنية تتفاوض فيها التشكيلات المسلحة بالنار، وتتجاذب النفوذ على ممرات التهريب وتجارة المخدّرات والهجرة غير النظامية، وبين «مبادرة أميركية» تستهدف إنهاء الانقسام في بلد أنهكته الصراعات منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. في الساحل الغربي الليبي، بات مشهداً متكرراً أن تتراجع الحلول السياسية وتخفت أصوات الحوار أمام تمدد الفوضى الأمنية. وهذا المشهد وصفته المبعوثة الأممية هانا تيتيه، بلغة دبلوماسية هادئة، بأنه «هشّ»، في ظل تنافس جماعات مسلحة على النفوذ والموارد، وانخراط بعضها في أنشطة «غير مشروعة»، بما يضاعف تعقيدات المشهد ويبدد فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.

تبدو مدينة الزاوية، بشمال غربي ليبيا، مرآة تعكس جانباً من واقع البلاد؛ إذ باتت الاشتباكات بين التشكيلات النافذة فيها مشهداً مألوفاً اعتاده السكان، حتى «تحوّل ليلهم إلى نهار»، بحسب الناشط المدني عبد الرحمن شعيب، في وصفه لأحدث موجة من الاشتباكات التي اندلعت في الثالث من أغسطس (آب) الحالي داخل مناطق سكنية في الزاوية وصرمان، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.

استهداف مرافق النفط

ولم يتوقف أثر هذا الانفلات عند حدود الأمن، بل امتد إلى ما يُعرف بـ«قوت الليبيين»، في إشارة إلى النفط، مصدر الدخل الرئيس للدولة؛ إذ كان استخدام «طائرات مسيّرة» في استهداف مصفاة الزاوية ومنشآت حيوية فيها، تطوراً نوعياً في المشهد الأمني، أثار مخاوف من أن تتحوّل الهجمات هذه إلى ورقة ضغط تهدد أحد أهم مصادر الإيرادات، وتفتح الباب أمام اضطراب أوسع في إنتاج النفط وتصديره.

وحقاً، لا يبدو أن ما شهدته الزاوية مرشح للبقاء معزولاً عن محيطها؛ حيث يحذّر باحثون من انتقال نمط الفوضى نفسه إلى مدن أخرى في غرب ليبيا، وصولاً إلى العاصمة طرابلس، في ظل استمرار غياب احتكار الدولة لأدوات القوة. وهذه أيضاً رؤية الباحث العسكري محمد الترهوني، الذي حذّر من أن هذا الواقع قد يتكرّر بصورة «أكثر قسوة»، ما دامت أدوات الإكراه والقوة لا تزال موزعة بين فصائل مسلحة خارج السيطرة الكاملة لمؤسسات الدولة.

تحت وطأة هذا المشهد، يستحضر ليبيون لقاءات متكرّرة جمعت رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة ومستشاره للأمن القومي إبراهيم الدبيبة بعدد من قادة التشكيلات المسلحة البارزين. وتحوّلت صور هذه اللقاءات، التي تداولتها صفحات ليبية على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى مادة للنقاش بشأن طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية في طرابلس والتشكيلات المسلحة النافذة.

إرث أمني «ثقيل»!

في معرض الدفاع عن الحكومة، يقول مؤيدو الدبيبة إنها «تسلمت إرثاً أمنياً مثقلاً بواقع ميليشياوي»، ما فرض عليها في بعض المراحل عقد تفاهمات مؤقتة مع القوى المسلحة لتجنب صدامات أوسع. لكن عضو «المجلس الأعلى للدولة» أبو القاسم قزيط يُحمّل «الوحدة الوطنية» جانباً من المسؤولية عن تنامي نفوذ هذه التشكيلات خلال السنوات الماضية، قائلاً إنها «دعمتها بالمال والسلاح، وعقدت معها تفاهمات مؤقتة أسهمت في تعاظم قوتها»، ومعتبراً أن الحكومة لم تمتلك «الإرادة السياسية الكافية» لتفكيك التشكيلات المنفلتة.

مع هذا، يميز قزيط بين التشكيلات المسلحة، فيرى أن «بعضها تحوّل إلى قوى عسكرية وأمنية شبه نظامية تتمتع بقدر من التراتبية والانضباط، ويمكن أن تشكل نواة يمكن البناء عليها في إطار أي ترتيبات أمنية مقبلة، بدلاً من التعامل معها جميعاً باعتبارها كتلة واحدة».

ومن قلب هذا التعقيد، يطرح خالد الترجمان، أمين سر «المجلس الانتقالي الليبي» السابق ورئيس «مجموعة العمل الوطني»، سؤالاً يتجاوز حدود المشهد الأمني الراهن، وهو: هل تمتلك الولايات المتحدة والدول المنخرطة في الملف الليبي جدية حقيقية لنزع سلاح التشكيلات المسلحة في غرب البلاد؟ أم أن أي مبادرة سياسية ستظل رهينة موازين القوة التي تفرضها هذه التشكيلات على الأرض؟

مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها

وضع شرقي ليبيا

وفي شرق البلاد، حيث تفرض قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر حالة من الاستقرار الأمني النسبي منذ سنوات، لم يكن المشهد بمنأى عن المفاجآت الأمنية. فقد أدى انفجار عبوة ناسفة إلى مقتل مدير الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري ببنغازي في 10 أغسطس (آب) الحالي، في حادثة أعادت إلى الواجهة تساؤلات بشأن احتمال وجود «خلايا نائمة» لمسلحين أو متطرّفين في شرق البلاد وجنوبها، قادرة على استغلال أي ثغرات أمنية لضرب شخصيات ومؤسسات عسكرية وأمنية.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في ظل تحذيرات سابقة من استمرار مخاطر الخلايا المسلحة والمتطرفة، وهو ما أشار إليه رئيس الأركان العامة بـ«الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر، في وقت مبكّر، بما يعكس أن الهدوء الأمني الذي يميّز شرق ليبيا لا يعني بالضرورة انحسار التهديدات.

حلول دولية طال انتظارها

بالتالي، مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين، وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين، تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها، بعدما عجزت المسارات الداخلية عن إنهاء الانقسام، وسط تحرّك الأطراف المتنازعة إقليمياً ودولياً. ومن بين هذه الحلول «مبادرة أميركية» يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، وتستهدف التوصل إلى صيغة لتقاسم السلطة بين طرفي الصراع في البلاد.

بنود التفاوض بشأن هذه المبادرة لا تزال طي الكتمان، الأمر الذي دفع البعض إلى وصفها بـ«الصفقة» لا «المبادرة»، في ظل محدودية ما كُشف عنها حتى الآن، والذي لم يتجاوز مقترحاً بتولي صدام حفتر، نجل قائد «الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي، بالتزامن مع تشكيل حكومة موحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

وللعلم، دأب بولس على إبراز ما يعدّها «نجاحات» حقّقها حراكه الدبلوماسي منذ صيف العام الماضي، وتوجّت في أبريل (نيسان) هذا العام سواءً في التوصل إلى اتفاق لتوحيد الميزانية للمرة الأولى منذ 13 سنة، أو في جمع قوتين عسكريتين من شرقي البلاد وغربها في مناورة مشتركة بمدينة سرت. غير أن المبادرة لا تزال تواجه رفضاً صارماً من أطراف في الغرب الليبي، ولا سيما في مدينة مصراتة، مسقط رأس الدبيبة، بما تتمتع به مصراتة من ثقل عسكري، إلى جانب مدن وقوى أخرى ترى أن الترتيبات المطروحة لا تحقّق توازناً مقبولاً بين أطراف المشهد السياسي، وتحذّر من مخاطر ما تصفه بـ«عسكرة الدولة».

عضو المجلس الأعلى للدولة قزيط جدد هذا الموقف، قائلاً إن المبادرة «ليست فقط متعثرة، وإنما تحمل في طياتها أسباب تعثرها»، ومشيراً إلى أن الغموض الذي يكتنف مسارها وتفاعلاتها يزيد من «التساؤلات والشكوك» حول فرص نجاحها ومآلاتها.

مبادرة وإشكاليات

تطرح المبادرة، من منظور قزيط، إشكالية أعمق، مفادها أن «الحل نفسه قد يتحول أحياناً إلى عائق أمام الحل»؛ إذ يرى أن المبادرة التي يفترض أن تفتح الطريق أمام التسوية قد تتحول إلى عقبة في طريقها إذا أفضت إلى إعادة إنتاج توازنات القوى ذاتها التي أسهمت في تكريس حالة الانسداد السياسي القائمة.

ومقابل المتحمسين لـ«المبادرة الأميركية» الذين يرون فيها «الحل الواقعي» لوقف صراع دامَ سنوات أنهك الليبيين واستنزف طاقاتهم، يستند معارضوها، ومن بينهم قزيط، إلى أن التفاهمات بين طرفي الصراع الرئيسين «لن تقود بالضرورة إلى تسوية مستقرة»، خصوصاً مع تجاهل مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، وما تبقى من قوى وفعاليات سياسية وقبلية وبلديات ومكوّنات من المجتمع المدني وتشكيلات مسلحة فاعلة.

ومع أن شرق ليبيا قد يكون متّفقاً إلى حد كبير على تمثيل «الجيش الوطني» بقيادة المشير حفتر لها في هذه الترتيبات، فإن قزيط يرى أن «المنطقة الغربية ترفض بشكل واسع» تمثيل حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة لها، لا سيما في ظل المعارضة التي واجهتها حكومته في غرب البلاد خلال السنوات الأخيرة.

أيضاً، لا تقتصر الأصوات الرافضة أو المتحفّظة أو المتشكّكة في المبادرة على الداخل الليبي؛ إذ تمتد المخاوف إلى دوائر غربية لا تخفي قلقها من مآلات تحرك بولس. وهذا ما عكسه «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، الذي وصف المفاوضات بأنها بمثابة «أوكسجين سياسي» للنخب الليبية، التي قد تتعامل معها بوصفها فرصة لتحقيق «مكاسب شخصية وعائلية».

وفي هذه الأثناء، يحتفظ بعض الليبيين بقدر من التفاؤل المشروط بإمكان نجاح المبادرة، بينهم الناشط السياسي المقرّب من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، عمر بوسعيدة، الذي يرى أن «هناك زخماً دولياً وإقليمياً محيطاً بمبادرة المبعوث الأميركي مسعد بولس، وأدوات ضغط ونفوذاً اقتصادياً وسياسياً غير مسبوق».

ومع ذلك، ينتهي بوسعيدة إلى التحذير من أن هذا الزخم لن يكون كافياً لتجاوز العقبات المحلية وتوحيد السلطة التنفيذية ما لم تتبلور الإرادة الدولية بصورة كاملة، وتتمكّن الإدارة الأميركية وحلفاؤها من تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات أمنية ومؤسسية مستدامة على الأرض. وبالتالي، إجراء الأطراف الليبية، الممثلة في «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة» مباحثات بين القاهرة وأنقرة وواشنطن وموسكو؛ سعياً للتوصل إلى تفاهمات تفضي إلى توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام السياسي والأمني.

15 سنة من الصراع على الشرعية السياسية في ليبيا

تسعى التحركات الدولية والأممية إلى إخراج ليبيا من دوامة المراحل الانتقالية وإنهاء حالة الانسداد السياسي، ويظل السؤال المحوري: هل تنجح البلاد في كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها منذ عام 2011؟ هذا التساؤل الذي أثاره «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية» قبل نحو أربع سنوات، ظل بلا إجابة حاسمة، متقاطعاً مع المعضلة الحقيقية المتمثلة في تراجع الثقة وغياب الضمانات اللازمة لحل الأزمة في ظل صراع قائم على الشرعية السياسية. يتجلى هذا المشهد في المسارات التي أعقبت إسقاط نظام معمر القذافي، حين تعاقبت صيغ سياسية متعددة؛ حملت كل منها وعداً بالوصول إلى دولة مستقرة ومؤسسات دائمة، غير أن كل تسوية كانت تنتهي قبل تحقيق غايتها، مفسحة المجال أمام صيغة انتقالية أخرى أكثر تعقيداً وأقل قدرة على توحيد البلاد. بدأت الرحلة مع «المجلس الوطني الانتقالي» الذي أدار البلاد عقب سقوط النظام السابق، قبل أن يسلّم السلطة إلى «المؤتمر الوطني العام» المنتخب في أغسطس (آب) 2012. وبدا ذلك الانتقال كأنه تأسيس سياسي جديد، لكنه أخفق في بناء مؤسسات قادرة على احتواء الخلافات. ومع انتخابات مجلس النواب عام 2014، دخلت الأزمة مرحلة جديدة بتدوير التنافس السياسي إلى انقسام مؤسسي بين حكومتين واقتتال أهلي، ليرسم الانقسام خريطة القوة بين شرق البلاد وغربها، ويغدو توحيد المؤسّسات شرطاً متكرّراً في كل تسوية وسبباً رئيساً لتعثرها. بعدها، جاء «اتفاق الصخيرات» بالمغرب في ديسمبر (كانون الأول) 2015 محاولةً لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات عبر حكومة «الوفاق الوطني». لكنه لم يُنهِ الانقسام، بل ظلت ترتيبات الحكم مرهونة بتوازنات القوى المسلحة والسياسية، ليبقى الاتفاق «معالجة انتقالية» لا تأسيساً لنظام مستقر. «حرب طرابلس» عام 2019 عكست حدود تلك التسويات، قبل أن يفتح اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 الطريق أمام مسار أممي جديد أسفر في فبراير (شباط) 2021 عن اختيار «سلطة تنفيذية مؤقتة»، تمثلت مهمتها الأساسية في إيصال البلاد إلى انتخابات وطنية بحلول نهاية ذلك العام. لقد كان مُفترضاً أن تشكّل انتخابات 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021 نقطة الخروج من المراحل الانتقالية، لكنها تعثرت نتيجة الخلافات حول القاعدة الدستورية وشروط الترشح ونزاهة المؤسسات المنظمة. ومنذ ذلك الحين، دخلت البلاد في دوامة مفتوحة بلا أفق محدد. وفي عام 2022، أدى ظهور حكومة منافسة في الشرق إلى إعادة إنتاج الانقسام التنفيذي، فيما واصلت المؤسسات السيادية والعسكرية عملها عبر ترتيبات متوازية، لـتتحول الانتخابات من أداة لإنهاء الانقسام إلى محور صراع حول شرعية إدارة الدولة. اليوم، تسعى المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى تعديل المعادلة عبر مسار يجمع بين إصلاح الإطار الانتخابي، وتوحيد المؤسسات، ومعالجة الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية. وعلى خط موازٍ، تتحرك واشنطن بشكل مباشر عبر مبادرة للحل، معتمدة على توحيد الحكومة والمؤسسات لتهيئة البيئة الملائمة للانتخابات. ويرهن مراقبون نجاح هذه التحركات بقدرة الأطراف الليبية والدولية على معالجة جذور المعضلة وصولاً إلى إنهاء الصراع الفردي على الشرعية السياسية، وإجراء الانتخابات العامة وإعادة السيادة للدولة.


خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
TT

خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً

لم يصل خافيير بيسيرا إلى صدارة السباق على حاكمية ولاية كاليفورنيا الأميركية بوصفه المرشح الأكثر شهرة أو صاحب البرنامج الأكثر صخباً. إذ انتزع المركز الأول في الانتخابات التمهيدية بنسبة 28 في المائة، مستفيداً من تفكّك مجموعة منافسيه وانسحاب أسماء كانت تتقدّمه، ثم وجد نفسه المرشح الديمقراطي في ولاية تميل بقوة إلى حزبه. إلا أن المفارقة أن الرجل الذي خدم نحو 35 سنة في مواقع تمتد من برلمان الولاية إلى الكونغرس ووزارة الصحة، لا يزال، في نظر كثيرين في ساكرامنتو، عاصمة كاليفورنيا، مجهولاً سياسياً: يعرفون سجلّه ولا يعرفون تماماً كيف سيحكم. هذه ليست مسألة أسلوب فقط. فحاكم كاليفورنيا المقبل سيرث رابع أكبر اقتصاد في العالم، لكنه سيرث أيضاً أزمة سكن وتأمين وطاقة وتشرّد، وقلقاً من الضرائب والقيود التنظيمية وهجرة السكان والأعمال. وبالتالي، سيُطلب من بيسيرا أن يحدّد ما إذا كان سيواصل نموذج الحاكم الديمقراطي الحالي غافين نيوسوم، أم يعيد توجيه الحزب الديمقراطي من المعارك الرمزية الكبرى إلى اختبار يومي أبسط وأقسى: هل تستطيع حكومة تقدمية جعل الحياة أقل كلفة من دون إضعاف القدرة التنافسية للولاية؟

وُلد خافيير بيسيرا في مدينة ساكرامنتو، العاصمة السياسية لولاية كاليفورنيا، عام 1958، وهو ثالث أربعة أبناء لعائلة عاملة محدودة الدخل.

كان والده مانويل قد وُلد أيضاً في ساكرامنتو، لكنه نشأ في مدينة تيخوانا المكسيكية الحدودية، في حين تربّت والدته ماريا تيريزا في مدينة غوادالاخارا، ثاني كبرى مدن المكسيك، قبل انتقالها إلى الولايات المتحدة.

ولقد عمل الأب عاملاً زراعياً في الحقول ثم في شق الطرق، وعملت الأم سكرتيرة. وبحسب السيرة الرسمية في مجلس النواب، عاش الأبناء في منزل صغير قرب حي لاند بارك، وكان خافيير أول فرد في العائلة يحصل على شهادة جامعية.

بداية الصعود والحياة الأسرية

تبدو قصة دخول خافيير جامعة ستانفورد الشهيرة أقرب إلى الحكايات الأميركية الكلاسيكية؛ إذ عثر على طلب التحاق فارغ كان صديق له يريد التخلّص منه، فملأه وقُبل.

وفي ستانفورد درس الاقتصاد وتخرّج عام 1980، ثم نال شهادة القانون من كلية الحقوق في الجامعة ذاتها، عام 1984. وهناك تعرّف إلى كارولينا رييس، التي أصبحت طبيبة وزوجته وأم بناتهما الثلاث. وبعد التخرّج انتقل إلى ولاية ماساتشوستس، في الجانب الآخر من أميركا، حيث كانت زوجته تدرس الطب في جامعة هارفارد، وعمل في مجال المساعدة القانونية، قبل أن يعود إلى كاليفورنيا مساعداً للسيناتور المحلي آرت توريس ثم نائباً للمدعي العام في الولاية.

هذه السيرة تمنح خافيير بيسيرا «لغة سياسية» تتجاوز الانتماء الإثني؛ فهو ابن عامل نقابي، وأول جامعي في أسرته، ومحام بدأ بخدمة محدودي الدخل. وكل هذه عناصر تفسر تركيزه الدائم على الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والهجرة، لكنها توفر له أيضاً مَدخلاً إلى ناخبين بيض ومستقلّين لا تتحرك خياراتهم على أساس الهويّة بقدر ما تتأثر بالطبقة والاستقرار الاقتصادي.

صعود بلا ضجيج

بدأ بيسيرا طريقه الانتخابية عام 1990 بمفاجأة تشبه فوزه الأخير؛ إذ دخل سباقاً على مقعد في برلمان كاليفورنيا وهو قليل الشهرة، وخاض حملة طرق أبواب مكّنته من التواصل مع الطبقة الوسطى اللاتينية والأحياء الأفقر في شرق لوس أنجليس، ففاز في الانتخابات التمهيدية بنسبة 35 في المائة. وبعد ولاية واحدة فقط، انتقل عام 1993 إلى مجلس النواب الأميركي ممثلاً إحدى مناطق مدينة لوس أنجليس، وبقي فيه 24 سنة.

في العاصمة واشنطن، بنى بيسيرا نفوذه بالتدرّج: ترأس كتلة النواب من أصول لاتينية، وأصبح أول لاتيني ينضم إلى لجنة الوسائل والموارد النافذة، ثم ترأس الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب بين 2013 و2017. وبعدها اشتغل على الهجرة والضرائب والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وكان قريباً من نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، لكنه حرص على ألا يُختصر في قضايا اللاتينيين، قائلاً مبكراً إن مَن لديه مشكلة ضريبية أو صحية يجب أن يراه ممثلاً له أيضاً.

في الحقيقة، لم تكن الطريق سلسلة انتصارات متصلة. ففي 2001 جرّب العودة إلى السياسة المحلية مرشحاً لرئاسة بلدية لوس أنجليس، لكنه خسر في معركة تمهيدية مزدحمة. وعندما عرض عليه الرئيس باراك أوباما منصب الممثل التجاري الأميركي عام 2008، فضّل البقاء في مجلس النواب. ويكشف القراران عن سمتين لازمتاه: طموح يتجاوز المقعد النيابي، وحذر يجعله يختار توقيت انتقاله وموقع القوة الذي يريد أن ينطلق منه.

تعيينه محامياً عاماً

عام 2017، عيّنه الحاكم جيري براون مدعياً عاماً خلفاً لكامالا هاريس، ثم فاز بالمنصب انتخابياً. وهناك، تحوّل من مشرّع هادئ إلى أحد أبرز خصوم إدارة دونالد ترمب الأولى، فرفع أكثر من مائة دعوى في ملفات الهجرة والبيئة والرعاية الصحية والحقوق الإنجابية.

وفي عام 2021، اختاره الرئيس جو بايدن وزيراً للصحة والخدمات الإنسانية. وأشرف حينذاك على مرحلة الجائحة (كوفيد - 19) وتنفيذ توسيع التغطية الصحية، وعلى أول مفاوضات لخفض أسعار أدوية ضمن «ميديكير» بموجب قانون خفض التضخم.

لكن تجربته مع السلطة الفيدرالية تركت ظلالاً أيضاً؛ إذ اتهمه مسؤولون سابقون بالبطء وقلة الحضور خلال أزمات، ولاحقته انتقادات بشأن سرعة تسليم القاصرين المهاجرين غير المصحوبين إلى كفلاء لم يخضع بعضهم لتدقيق كافٍ. وهذه الانتقادات يرفضها بيسيرا ويعدُّها هو وحلفاؤه مُجحفة، غير أنها تضع أمامه سؤالاً مشروعاً: هل أسلوبه التشاوري الدقيق ميزة في إدارة مؤسسة ضخمة، أم هو تردّد لا تحتمله الأزمات؟

فوز بين الشقوق

تقول «بوليتيكو» إن بيسيرا لم يكن الخيار الأول لمعظم مراكز القوى في الحزب الديمقراطي؛ إذ أحجم كل من كامالا هاريس وأليكس باديّا عن خوض السباق، وانسحب إريك سوالويل بعد انهيار حملته، في حين أنفق الملياردير توم ستاير مبالغ طائلة ليحتلّ المساحة التقدمية بوعود تشمل الرعاية الصحية ذات الدافع الواحد وفرض ضرائب على المليارديرات وتفكيك احتكارات المرافق. أما بيسيرا فظهر بمظهر «اليد الثابتة» الموثوقة والبديل الأقل مخاطرة.

وفق النتائج الرسمية، نال بيسيرا 28 في المائة مقابل 24.6 في المائة للجمهوري ستيف هيلتون. وهذه نتيجة تمنحه بطاقة العبور، لا تفويضاً كاسحاً. لكنه خرج منها بميزة نادرة: لم يصل محمولاً على قائمة طويلة من التعهّدات أو مُرتهناً بالكامل للنقابات ومجموعات المصالح التي تأخرت في تأييده. وهذا يفسّر جانباً من حذَر ساكرامنتو؛ فالجهات النافذة لا تعرف بعد مَن سيختار لفريقه... ولا أي الملفات سيقدّم.

في المقابل، تبدو الانتخابات العامة أقل غموضاً؛ إذ أظهر استطلاع معهد بيركلي للدراسات الحكومية يوم 13 أغسطس (آب) تقدّمه على هيلتون بـ55 في المائة مقابل 37 في المائة. غير أن ضمان الفوز تقريباً قد يتحوّل إلى مشكلة حكم. ذلك أنه سيكون عليه أن يصنع تفويضه بعد الانتخابات، لا أن يزعم أن المعركة التمهيدية منحته إياه.

برنامج ينتظر التفاصيل

يردّ بيسيرا على من يسأله عما سيفعل بعبارة «انظروا إلى سجلّي!». وفي رد له على «بوليتيكو»، قال إنه يستطيع إطلاق وعود كبيرة، لكنه لا يريد الفوز بتعهّدات مضخّمة قد لا يستطيع تنفيذها.

في نظر مؤيديه، هذا انضباط اكتسبه بيسيرا من إدارة ملفات حياة أو موت إبان جائحة «كوفيد - 19»، أما في نظر منتقديه، فإنها طريقة لطيفة لتأجيل الخيارات الصعبة.

مع هذا، أجندة بيسيرا ليست فارغة. فهو يقترح تجميد زيادات أقساط التأمين على المنازل، وتحديد مشاريع إسكان جاهزة للبناء، ووضع خطة شاملة تجعل قدرة الأسرة المتوسطة على شراء المنزل المتوسط هدفاً قابلاً للقياس.

ثم إنه يتعهّد بالحفاظ على التغطية الصحية لملايين قد يتضرّرون من التخفيضات الفيدرالية، واستعادة تغطية مهاجرين غير موثقين قلّصها الحاكم الحالي نيوسوم، والتحرّك من ثم تدريجياً نحو نظام صحي شامل.

أيضاً طرح منح الأسر المنخفضة الدخل ساعتين مجانيتين من الكهرباء في منتصف النهار للاستفادة من فائض الطاقة الشمسية، مع تقدير وفر قد يصل إلى ألف دولار سنوياً للأسرة المستفيدة. وسيواصل وقف تنفيذ أحكام الإعدام، لكنه يلمّح إلى اختلافات مع نيوسوم. فهو، مثلاً يعارض السماح للشاحنات الذاتية القيادة بالعمل بلا سائق، بعدما قاوم الحاكم الحالي قيود النقابات عليها، وأبدى تردّداً أولياً قبل أن يؤيد إمكان تحقيق هدف وقف بيع السيارات الجديدة العاملة بالبنزين في 2035.

ويؤيد بيسيرا أيضاً رسماً على الشركات التي تدفع أجوراً منخفضة تجعل موظفيها مؤهلين للمساعدات العامة، وقد يستخدم عائداته لتمويل التغطية الصحية. لكن هذا يحتاج إلى أكثرية الثلثين في المجلس التشريعي، وقد يصطدم بغرفة تجارة كاليفورنيا التي أيدته.

هذه التناقضات هي جوهر امتحان بيسيرا الاقتصادي. فوفق معهد السياسات العامة في كاليفورنيا، بلغ اقتصاد الولاية 4.3 تريليون دولار عام 2025، لكنه نما منذ 2020 بوتيرة أبطأ من نمو اقتصاد كل من ولايتي تكساس وفلوريدا. وتفيد وزارة المال في الولاية بأن صافي الهجرة الداخلية سجّل خسارة قدرها 216 ألف شخص للسنة 2024 - 2025.

ويرى مراقبون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها، لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً. ولا يكفي لمواجهتها أن يعِد بيسيرا بجمع الأطراف حول الطاولة؛ عليه تحديد ما سيبسّطه، وما سيموّله، ومن سيدفع الثمن.

من الهوية إلى اختبار الحكم

في أي حال، إذا فاز بيسيرا فسيصبح أول لاتيني يُنتخب حاكماً لكاليفورنيا، وأول من يتولّى المنصب منذ روموالدو باتشيكو الذي شغله لعشرة أشهر عام 1875 بعد شغوره.

هنا للرمزية وزن واضح في ولاية يشكل فيها اللاتينيون 38 في المائة من البالغين، وقد خاطبهم بيسيرا بالإسبانية وعبر «تيك توك» تحت صورة «العم خافيير». لكنها ليست شيكاً انتخابياً مفتوحاً: اللاتينيون لا يمثلون سوى 29 في المائة من الناخبين المرجّح اقتراعهم، وقد حقّق الجمهوريون تقدماً بينهم في دورات أخيرة.

ولذا يحتاج بيسيرا إلى ائتلاف أوسع. وتظهر بيانات معهد السياسات العامة أن البيض يمثلون نصف الناخبين المرجح اقتراعهم، وأن 51 في المائة من المُستقلين يعدّون أنفسهم «معتدلين». وهنا قد يخدمه أسلوبه غير الاستعراضي وخلفيته العمالية، شرط أن يحوّل الاعتدال في النبرة إلى وضوح في النتائج. فالمستقل لا يطلب منه تقليد الجمهوريين، بل إثبات أن حماية المناخ والمهاجرين والعمال لا تعني تجاهل فاتورة الكهرباء أو عجز الأسرة عن شراء منزل.

بعض القراءات تلتقط، راهناً، تحولاً حقيقياً في مسار الحزب الديمقراطي؛ إذ ترى أن تركيزه على أسعار الدواء والإيجارات والخدمات المحلية ينقله من قوة ذات رؤية «كونية» إلى حزب أكثر انكفاءً على الشأن المحلي. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة نزعة انعزالية؛ فقد أظهر استطلاع أُجري في مايو (أيار) 2026 أن الناخبين باتوا أقل استعداداً لمكافأة الخطاب المجرّد؛ إذ وضع 44 في المائة منهم كلفة المعيشة والاقتصاد في صدارة مشاكل الولاية، تليهما أزمة السكن. ثم إن وظيفة الحاكم تقوم أساساً على إدارة هذه التفاصيل، بينما تتجاوز عادةً، آثار سياسات كاليفورنيا في المناخ والتكنولوجيا والخصوصية والسيارات حدود الولاية.

آيديولوجياً، بيسيرا نفسه ليس تجسيداً صافياً لانتفاضة «تقدّمية» على «المؤسسة»؛ فهو ابن المؤسسة الديمقراطية، وإن كان تقدمياً في الصحة والهجرة والحقوق. ولذا قد لا يكون صعوده انكفاءً عن «الكونية»، بل محاولة لإعادة بنائها من أسفل؛ أي إقناع الناخب أولاً بأن الحكومة قادرة على خفض كلفة الدواء والسكن والطاقة، ثم تقديم نموذج كاليفورنيا إلى البلاد.

نجاحه في ذلك قد يمنح الديمقراطيين جواباً عن أزمة القيادة المقبلة؛ أما فشله فسيحوّل رمزية انتخاب أول حاكم لاتيني منذ قرن ونصف قرن إلى إنجاز تاريخي محدود الأثر.


من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)
TT

من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)

تعاقب على كاليفورنيا منذ عقد الستينات حكّام من الحزبين ترك كل منهم تعريفاً مختلفاً لدور الولاية وحدود السلطة التنفيذية. وتُظهر القائمة التاريخية الرسمية أن الهيمنة الديمقراطية الراهنة حديثة نسبياً، بعدما حكم الجمهوريون معظم الفترة الممتدة من 1983 إلى 1999، ثم عادوا مع أرنولد شوارتزنيغر. وهذا التاريخ يجعل الحاكمية أيضاً مختبراً لإنتاج زعامات وطنية، لا مجرد إدارة محلية لولاية كبيرة.

إدموند «بات» براون (ديمقراطي، 1959-1967): يُعد مهندس كاليفورنيا الحديثة؛ وسّع الجامعات والطرق ومشاريع المياه في مرحلة نمو سكاني هائل. لكن اضطرابات الستينات والقلق من الضرائب والجريمة مهّدت لهزيمته أمام رونالد ريغان.

رونالد ريغان (جمهوري، 1967-1975): وصل بخطاب محافظ ضد الاحتجاجات على خلفية «حرب فيتنام» والإنفاق الحكومي، وحوّل الحاكمية إلى منصة وطنية قادته لاحقاً إلى البيت الأبيض. إلا أن سجله التنفيذي كان أكثر براغماتية من شعاراته؛ وافق على زيادات ضريبية ووقّع قوانين اجتماعية وتنظيمية لا تنسجم كلها مع صورته المحافظة اللاحقة.

شوارتزنيغر (آ ب)

إدموند «جيري» براون (ديمقراطي، 1975-1983 و2011-2019): ابن الحاكم حكم ولايتين تفصل بينهما ثلاثة عقود. في الأولى مثّل جيلاً ديمقراطياً جديداً وواجه ثورة الضرائب التي جسّدها الاقتراح 13. وعندما عاد، قدّم نفسه حارساً مالياً، عالج عجزاً كبيراً وراكم احتياطيات، فيما دفع بقوة بسياسات المناخ والقطار السريع.

جورج ديوكمجيان (جمهوري، 1983-1991): جعل مكافحة الجريمة وتوسيع السجون محور حكمه، وتمسك بمقاومة الضرائب. جسّد مرحلة كان فيها الجمهوريون قادرين على الفوز بأكثرية مستقرة في الولاية.

بيت ويلسون (جمهوري، 1991-1999): واجه ركوداً قاسياً واضطر أولاً إلى زيادات ضريبية، ثم تبنى الاقتراح 187 الذي حرم المهاجرين غير الموثّقين خدمات عامة. عزز ذلك فوزه عام 1994، لكنه أسهم على المدى البعيد في نفور اللاتينيين من الحزب الجمهوري.

نيوسوم (غيتي)

غراي ديفيس (ديمقراطي، 1999-2003): أعاد الديمقراطيين إلى الحاكمية، لكن أزمة الكهرباء والعجز وصورته بوصفه سياسياً شديد الارتباط بالمانحين قادت إلى عزله من منصبه في اقتراع تاريخي.

أرنولد شوارتزنيغر (جمهوري، 2003-2011): فاز في الانتخابات التي أجريت بعد عزل ديفيس بقوة شهرته السينمائية، وبدأ محافظاً إصلاحياً ثم تحرك نحو الوسط. أبرز إرثه قانون خفض الانبعاثات لعام 2006 ومشروعات البنية التحتية، فيما ظلت أزمة الموازنة نقطة ضعفه الكبرى.

غافين نيوسوم (ديمقراطي، 2019-2027): حوّل الولاية إلى رأس حربة ديمقراطية في مواجهة ترمب، ووسّع سياسات المناخ والصحة والحقوق الإنجابية، ونجا من محاولة عزل عام 2021. لكنه يترك لخلفه أزمات السكن والتشرد والتأمين وكلفة المعيشة، ومعضلة الفصل بين قوة «نموذج كاليفورنيا» وطنياً وصعوبة تقديم خدمات مقنعة يومياً.