الممثل المصري البريطاني خالد عبد الله: «أطمح لإطلالة تغييريّة على الشاشة العربية»

دودي الفايد في «ذا كراون» في حوار مع «الشرق الأوسط» على هامش مهرجان عمّان السينمائي

الممثل المصري البريطاني خالد عبد الله في افتتاح مهرجان عمّان السينمائي (إدارة المهرجان)
الممثل المصري البريطاني خالد عبد الله في افتتاح مهرجان عمّان السينمائي (إدارة المهرجان)
TT

الممثل المصري البريطاني خالد عبد الله: «أطمح لإطلالة تغييريّة على الشاشة العربية»

الممثل المصري البريطاني خالد عبد الله في افتتاح مهرجان عمّان السينمائي (إدارة المهرجان)
الممثل المصري البريطاني خالد عبد الله في افتتاح مهرجان عمّان السينمائي (إدارة المهرجان)

عرفَه الجمهور العربي والعالمي العريض بشخصية دودي الفايد، حبيب الأميرة ديانا، في مسلسل «ذا كراون» على «نتفليكس». لكنّ مسيرة الممثل المصري البريطاني خالد عبد الله لا تُختصر بلحظةٍ تلفزيونيّة صنعت له مجداً جماهيرياً؛ فقبل منصات البثّ، وقف على خشبة المسرح طويلاً، وأمام كاميرا المخرج تامر السعيد في فيلم «آخر أيام المدينة»، كما لعب بطولة فيلم «عدّاء الطائرة الورقيّة» (The Kite Runner).

بموازاة الأعمال المسرحية والتلفزيونية والسينمائية الكثيرة التي أثرَت أرشيفه، لم يخلع عبد الله يوماً جلدَه العربي؛ فناصرَ القضايا الإنسانية والسياسية المُحقّة، على رأسها قضية فلسطين، رافعاً الصوت مؤخراً ضد ما يجري في غزّة ولبنان. وهو لم يكتفِ بالكلام فحسب، إنما نظّم وشارك في أنشطة كثيرة من أجل دعم أهل فلسطين ولبنان.

ينشغل خالد عبد الله بالأنشطة الإنسانية والسياسية الداعمة لغزّة ولبنان (إنستغرام)

معتمراً قبّعتَي الفنان والناشط، يحلّ خالد عبد الله المقيم في لندن ضيفَ شرف على «مهرجان عمّان السينمائي» في دورته السابعة، وعضو لجنة تحكيم الأفلام العربية الروائية الطويلة. لا يكاد يفوّت عرضاً سينمائياً ولا لقاءً حوارياً. تراه في كل الأروقة والقاعات وكأنه متعطّشٌ للقاء أبناء بلاده ومشتاقٌ للتحدّث بلغته الأمّ. يختار العربيّة في حواره مع «الشرق الأوسط»: «كلما زرتُ بلداً عربياً شعرتُ بأنني بين أهلي وناسي. يذكّرني هذا ببداية عملي في مصر، وأحسّ بأنني بين الناس الذين كنت سأبقى إلى جانبهم لو أنني تربيتُ في أرضي. أعشق هذا الشعور الذي ينتابني ليس في مصر فحسب بل في كل البلاد العربية التي أزور».

يشارك عبد الله في المهرجان كعضو لجنة تحكيم الأفلام العربية الروائية الطويلة (إدارة المهرجان)

لا ينكر خالد عبد الله أن مسلسل «ذا كراون» وشخصية دودي الفايد شكّلا محطّة محوريّة في مسيرته الفنية: «دودي شهرَني أكثر من أي شخصية أخرى قدّمتها». لكن اليوم، وبعد انقضاء 4 سنوات على ظهوره الأول في المسلسل، يرى الممثل أبعد من مجرّد شهرة. «لم أكن متنبّهاً للأمر بدايةً، لكن ربما يكون دودي الفايد أول شخصية عربية تثير المحبة والتعاطف على الشاشة الغربية بدلاً من الخوف». يشرح الممثل أنّ تلك الشخصية هي من الصنف الذي يَبكيه الجمهور عندما يموت، وفي ذلك أبعاد سياسية، وفق رأيه، تجعل الغرب متعاطفاً ومتفهماً للإنسان العربي، من خلال دودي الذي أحبّ ديانا حتى مات معها.

خالد عبد الله بشخصية دودي الفايد في مسلسل «ذا كراون» (نتفليكس)

اليوم، وأكثر من أي وقت، لا يفصل الممثل المصري البريطاني بين المحتوى الفني والسياسي والإنساني؛ فهو من بين أكثر الفنانين إيماناً بأنّ الفنّ لا يجب أن ينسلخ عن قضايا البشر: «أنا راضٍ عن مسيرتي الفنية، لكني أشعر برضاً أكبر كلما تداخلَ فيها الالتزام الإنساني والسياسي». ويضيف عبد الله: «أشعر بأني مكتمل عندما أخدم الهدفَين معاً. أما لو خُيّرت ما بين القيام بشيءٍ يغيّر العالم أو القيام بعمل فني، فأنا حتماً سأختار الاحتمال الأول».

وعلى قاعدة أن الفن يجب أن يخدم الهدفَين معاً، لا يرغب عبد الله لأي إطلالة عربية مقبلة أن تكون اعتياديّة. «أريد طبعاً الظهور أكثر على الشاشة العربية لكن ضمن مشاريع تسعى لإحداث تغيير سينمائي وفنّي وإنساني في المنطقة»، بحسب قوله. وهو لا يطمح إلى تجسيد شخصياتٍ عربية تاريخية أو معاصرة، بقَدر طموحه للعمل مع صنّاع السينما والدراما العرب الراغبين في التعاون معه.

الممثل المصري البريطاني خالد عبد الله متحدثاً إلى «الشرق الأوسط»

لا يحلّ خالد عبد الله ضيفاً على مهرجان عمّان السينمائي بصفته صاحب باع طويل على الشاشة والخشبة فحسب، بل لأنه كذلك في طليعة الفنانين العالميين الحاملين لواء الـ«Artivism» أي الفن الناشط أو النضالي. وفي هذا السياق، تصدّر عبد الله جلسةً حوارية حول هذا المفهوم الرائج الذي فرضته الحروب والمآسي، على رأسها حرب غزّة.

امتلأت مقاعد مسرح «رينبو» وسط عمّان للاستماع إليه متحدّثاً عن التداخل بين الفن والنضال. بالنسبة له، فإنّ الصمت تجاه ما يجري من «إبادة وطمس للهوية والذاكرة غير مقبول ولا ممكن». غير أنه في المقابل يرفض أن يمليَ على أحدٍ ماذا يفعل وأي موقفٍ يتّخذ، أكانَ صديقاً أم فناناً زميلاً.

خالد عبد الله في حوار مفتوح حول نشاطه السياسي الفني (إدارة المهرجان)

يبلور تلك الفكرة في حديثه مع «الشرق الأوسط» قائلاً في تعليقٍ حول الفنانين الذين لم يأخذوا موقفاً واضحاً ممّا يجري في غزة: «أنا ضد الصمت، وكل عملي يهدف إلى رفع الصوت، لكنّي لستُ هنا لأفرض شيئاً على أحد. لا يحدث التغيير بالغصب أو الصراخ إنما بمَدّ يد دافئة وحاضنة وترك مساحة حرية للناس كي تتغير».

ليس خالد عبد الله من صنف الناشطين المتهوّرين أو الصداميين في مواقفهم. بالنسبة إليه فإنّ إنجاز التغيير هو فعلٌ تراكميّ لا يقتصر على نشاط إنساني واحد؛ عرضٌ مسرحيٌّ من هنا، قراءاتٌ شعريّة من هناك، وحتى «أغنية بسيطة»... لأطفال فلسطين يغنّي خالد عبد الله من كلماته.

يرى عبد الله أن «الثقافة والفن وحدهما لا يغيّران الدنيا، لكنهما أساسيان في توجيه السرديّة وتحفيز الوعي المجتمعي والسياسي». ويتابع قائلاً: «إذا لم نبدّل القناعة بأنّ المنطقة لن تتغير، فسيصبح من الأصعب أن تتغير. والصمت العالمي تجاه فلسطين وباقي القضايا العربية يجب أن يخترقه الحراك الثقافي، كي يخلق ضغطاً على الحكومات من أجل صناعة التغيير».

يربط عبد الله ذلك بانطباعاته عن مهرجان عمّان السينمائي، لافتاً إلى أنه «يحقق التوازن ما بين بريق السينما وصعوبتها، لأنه لا يجب أن نتعامل مع سينمانا وكأننا في هوليوود أو في كان، فنحن نبني في لحظة ثقافية صعبة جداً تشهد حروباً وإبادة».

خالد عبد الله مع جزء من أعضاء لجان التحكيم (إدارة المهرجان)

كما أنه يؤدّي واجبه تجاه القضايا العربية، فإنّ خالد عبد الله يتابع نشاطه الفني الذي لا يحيّد فيه جذوره وهويته؛ ففي المرحلة المقبلة سوف يكون منشغلاً بإخراج فيلم وكتابة مسرحية يرفعان الصوت العربي إلى مسامع العالم.


مقالات ذات صلة

مِن أكْل الديدان إلى العزلة في فندق... أدريان برودي يتجاوز المعقول من أجل أدواره

يوميات الشرق الممثل الأميركي أدريان برودي الحائز على جائزتَي أوسكار (رويترز)

مِن أكْل الديدان إلى العزلة في فندق... أدريان برودي يتجاوز المعقول من أجل أدواره

هو أحد أكثر نجوم هوليوود تطرُّفاً في التمثيل. لا يتوانى أدريان برودي عن وضع نفسه في مواقف وتجارب خارجة عن المألوف، كي يجهِّز نفسه لدورٍ ما.

كريستين حبيب (بيروت)
خاص الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)

خاص من أقصى الشراسة إلى أقصى الإنسانيّة... محمد نزار يذهب في «غرَق» إلى أعماق التمثيل

الأردن يختار فيلم «غرَق» لتمثيله رسمياً في دورة الأوسكار المقبلة، والممثل محمد نزار يتحدّث عن رحلة سينمائية وإنسانية استثنائية خرج منها شخصاً آخر.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق نجمة تلفزيون الواقع كيم كارداشيان (رويترز)

يورو واحد فقط... تعويض كيم كارداشيان بعد واقعة السطو المسلح في باريس

بعد سنوات من واقعة السطو المسلح التي تعرضت لها في باريس، أصدرت محكمة فرنسية حكماً بمنح نجمة تلفزيون الواقع كيم كارداشيان تعويضاً رمزياً قدره يورو واحد فقط.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق «Widow's Bay» الفائز الأكبر بجوائز «إيمي» كتابةً وإخراجاً وتمثيلاً (إ.ب.أ)

لعنة الجزيرة الغامضة وأزمات غرفة الطوارئ... «ويدوز باي» و«ذا بِت» نجما حفل «إيمي»

حفل «إيمي» يتوّج أفضل مسلسلات العام والممثل ماثيو ريس يحقق إنجازاً تاريخياً بفوزه عن فئتَي الكوميديا والدراما القصيرة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق نيكول كيدمان (رويترز)

نيكول كيدمان تكشف عن حلوياتها المفضلة... وساندرا بولوك تعلق

كشفت نيكول كيدمان عن بعض وجباتها وحلوياتها الأسترالية المفضلة، من بينها بسكويت «تيم تام»

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

قاعدة صارمة تفرضها كلية إيتون على الأمير جورج وزملائه... ما تفاصيلها؟

الأمير البريطاني ويليام يسير برفقة زوجته كيت ميدلتون وابنهما الأمير جورج لدى وصوله في يومه الأول إلى كلية إيتون (رويترز)
الأمير البريطاني ويليام يسير برفقة زوجته كيت ميدلتون وابنهما الأمير جورج لدى وصوله في يومه الأول إلى كلية إيتون (رويترز)
TT

قاعدة صارمة تفرضها كلية إيتون على الأمير جورج وزملائه... ما تفاصيلها؟

الأمير البريطاني ويليام يسير برفقة زوجته كيت ميدلتون وابنهما الأمير جورج لدى وصوله في يومه الأول إلى كلية إيتون (رويترز)
الأمير البريطاني ويليام يسير برفقة زوجته كيت ميدلتون وابنهما الأمير جورج لدى وصوله في يومه الأول إلى كلية إيتون (رويترز)

بينما بدأ الأمير البريطاني جورج، الابن الأكبر للأمير ويليام، خوض تجربة الدراسة في واحدة من أعرق المدارس الداخلية في بريطانيا، ينتظره نظام صارم لا يقتصر على الدراسة والانضباط اليومي، بل يمتد أيضاً إلى الطريقة التي يتواصل بها مع عائلته. فالهاتف الذي سيُسمح له باستخدامه لن يكون من الهواتف الذكية الحديثة، بل سيكون جهازاً تقليدياً يقتصر على المكالمات والرسائل النصية، في إطار سياسة تتبعها مدرسة إيتون تجاه استخدام الهواتف والأجهزة الإلكترونية.

وحسب صحيفة «إندبندنت»، بدأ الأمير جورج، البالغ من العمر 13 عاماً حياته في كلية إيتون، لكنه لن يمتلك سوى هاتف محمول بسيط للتواصل مع منزله، من النوع التقليدي الذي لا يتيح الوصول إلى الإنترنت.

ويخوض وريث العرش تجربة الحياة في مدرسة داخلية، وما تفرضه هذه البيئة التعليمية من قواعد وانضباط صارمين. وتقضي سياسة المدرسة العريقة، الواقعة في مقاطعة بيركشاير، بالسماح للطلاب باستخدام الهواتف لإجراء المكالمات وإرسال الرسائل النصية فقط، بدلاً من الهواتف الذكية التي تتيح الاتصال بالإنترنت واستخدام التطبيقات المختلفة.

وأُعلنت هذه السياسة عام 2024، ومن المرجح أن تكون موضع ارتياح للأمير ويليام وزوجته كيت ميدلتون، اللذين تحدثا في مناسبات عدة عن استخدام الأطفال الهواتف الذكية، وأبديا مخاوف بشأن التأثير المحتمل لهذه الأجهزة في صحتهم النفسية.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، قال الأمير ويليام: «ليس لدى أطفالنا هواتف. وأعتقد أنه عندما ينتقل جورج إلى المرحلة الثانوية، ربما يحصل حينها على هاتف لا يتيح الوصول إلى الإنترنت».

وأضاف: «أعتقد أن امتلاك هاتف يقتصر على المكالمات والرسائل النصية، تلك الهواتف القديمة الضخمة أمر مقبول؛ فالمشكلة تكمن في إتاحة الوصول إلى الإنترنت».

من جانبها، تناولت كيت ميدلتون مخاطر قضاء الأطفال أوقاتاً طويلة أمام الشاشات، في مقال حمل عنوان: «قوة التواصل الإنساني في عالم تشتت الانتباه». وفي المقال، الذي نشرته بالتعاون مع البروفسور روبرت والدينجر من كلية الطب بجامعة هارفارد، قالت: «على الرغم من أن الأجهزة الرقمية تعدنا بإبقائنا على تواصل، فإنها غالباً ما تحقق العكس تماماً».

قيود على أجهزة «آيباد»

ولا تقتصر القيود التي تفرضها إيتون على الهواتف الذكية؛ فقد وضعت المدرسة أيضاً قواعد لاستخدام أجهزة «آيباد» التي يعتمد عليها الطلاب في بعض جوانب العملية التعليمية.

وبموجب هذه القواعد، يتعين على الطلاب استخدام «متصفح آمن مصمم بشكل خاص» على أجهزة «آيباد» الخاصة بهم، بحيث يتيح لهم الوصول فقط إلى قائمة محددة من المواقع الإلكترونية التي وافق عليها المعلمون.

وجاء هذا القرار بعد تلقي المدرسة شكاوى من أولياء الأمور عام 2024 بشأن استخدام التلاميذ أجهزة «آيباد» في ممارسة الألعاب، بدلاً من التركيز على الدروس أو إنجاز الواجبات المدرسية.

أما قرار حظر الهواتف الذكية، الذي دخل حيّز التنفيذ أيضاً عام 2024 في المدرسة المخصصة للبنين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و18 عاماً، فقد جاء، وفقاً للمدرسة، عقب مراجعة دورية لسياساتها المتعلقة بالهواتف المحمولة والأجهزة الإلكترونية.

شروط صارمة

ولا تقتصر تجربة الدراسة في إيتون على التحصيل الأكاديمي والأنشطة الرياضية، إذ تشتهر المدرسة أيضاً بغرس قيم الاعتماد على الذات والقيادة لدى طلابها، مع مطالبتهم بإنجاز عدد من المهام غير الأكاديمية بأنفسهم.

وتتسم عملية القبول في المدرسة بصرامة بالغة، إذ يخضع الطلاب لاختبارات دقيقة قبل الالتحاق بها، فيما يدفع أولياء الأمور رسوماً سنوية تبلغ 63 ألفاً و298 جنيهاً إسترلينياً، أي نحو 84 ألفاً و119 دولاراً.

وللأسرة المالكة صلة قديمة بإيتون؛ فقد درس الأمير ويليام في المدرسة لمدة 5 سنوات، بدءاً من عام 1995، قبل أن يغادرها للالتحاق بجامعة سانت أندروز. أما الأمير هاري، فقد التحق بالمدرسة بعد شقيقه بثلاث سنوات.


من الخجل إلى العزلة... كيف يسيطر القلق الاجتماعي على حياتنا؟

بين العزلة والرفقة... يبحث الدماغ عن توازنه (شاترستوك)
بين العزلة والرفقة... يبحث الدماغ عن توازنه (شاترستوك)
TT

من الخجل إلى العزلة... كيف يسيطر القلق الاجتماعي على حياتنا؟

بين العزلة والرفقة... يبحث الدماغ عن توازنه (شاترستوك)
بين العزلة والرفقة... يبحث الدماغ عن توازنه (شاترستوك)

قد يبدأ القلق الاجتماعي بشعور عابر بالخجل أو التوتر عند التحدث إلى الآخرين، لكنه قد يتحول لدى بعض الأشخاص إلى حالة تؤثر في الدراسة والعمل والعلاقات، وتدفعهم إلى تجنب المواقف الاجتماعية التي يحتاجون أو يرغبون في المشاركة فيها.

ويُعتقد أن اضطراب القلق الاجتماعي يؤثر فيما يصل إلى 12 في المائة من الأشخاص في مرحلة ما من حياتهم، بينما يعاني عدد أكبر درجات متفاوتة من القلق في المواقف الاجتماعية. وأظهرت دراسة أجرتها جامعة تشيتشيستر أن أكثر من خُمس طلاب الجامعات يواجهون نوعاً من القلق الاجتماعي خلال سنوات الدراسة، وهو ما يرتبط بتراجع التحصيل الدراسي وجودة العلاقات والشعور بالعزلة.

وتصبح المشكلة أكثر وضوحاً لدى الطلاب الذين يغادرون منزل الأسرة للمرة الأولى، إذ يجدون أنفسهم أمام بيئة جديدة وتوقعات اجتماعية كبيرة، من بينها تكوين صداقات والاندماج في الحياة الجامعية.

متى يصبح القلق مشكلة؟

وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، من الطبيعي الشعور بالتوتر عند التعرف إلى أشخاص جدد، أو دخول مكان غير مألوف، أو إجراء مقابلة عمل، أو التحدث أمام مجموعة. لكن القلق يصبح أكثر إشكالية عندما يبدأ في منع الشخص من القيام بالأشياء التي يريد أو يحتاج إلى القيام بها.

ويقول نيل غرينينغ، رئيس تحالف القلق الاجتماعي في المملكة المتحدة، إن بعض الأشخاص يتعاملون مع القلق بوصفه عيباً في شخصياتهم، بدلاً من إدراك أنه حالة معروفة يمكن الحصول على مساعدة بشأنها.

وقد تظهر الحالة في صورة علامات يصعب أحياناً ملاحظتها، مثل الصمت وتجنب المشاركة في الحديث، والاكتفاء بإجابات قصيرة، والانشغال بالجوال لتجنب التفاعل مع الآخرين، أو البقاء بالقرب من شخص معروف خلال التجمعات.

ويلجأ البعض أيضاً إلى ما يعرف بـ«سلوكيات الأمان»، مثل تجنب التواصل البصري، أو التفكير في كل جملة قبل قولها، أو الالتزام بمواضيع محادثة يعدونها آمنة، في محاولة لتقليل احتمال الإحراج.

القلق لا ينتهي بانتهاء الموقف

تتمثل إحدى المشكلات المرتبطة بالقلق الاجتماعي في أن تأثيره قد يستمر حتى بعد انتهاء الموقف.

وتوضح حالة ماري، وهو اسم مستعار لشابة عانت القلق الاجتماعي منذ المراهقة، كيف يمكن أن يتحول الأمر إلى دائرة مغلقة. فقد كانت تشعر بالتوتر الجسدي أثناء الحديث مع أشخاص جدد، ثم تعيد تفاصيل الموقف في ذهنها لاحقاً، وتبحث عن الأخطاء التي تعتقد أنها ارتكبتها.

وتقول إن القلق وصل إلى درجة جعلتها تتجنب التجمعات في الجامعة، فيما تصف الشعور المصاحب للمواقف الاجتماعية بأنه أشبه بالانفصال عن الذات.

كيف يمكن كسر دائرة القلق؟

يُعد العلاج السلوكي المعرفي من الأساليب المستخدمة في التعامل مع القلق الاجتماعي، إذ يساعد على فحص الأفكار السلبية وتغيير بعض أنماط التفكير والسلوك.

ويقول البروفسور ديفيد كلارك، عالم النفس في جامعة أكسفورد، إن إحدى الخطوات المهمة تتمثل في التوقف عن مراقبة الذات بشكل مفرط أثناء التفاعل مع الآخرين.

فبدلاً من الانشغال بأسئلة مثل «هل يبدو عليّ التوتر؟» أو «هل أبدو غبياً؟»، ينصح بتوجيه الانتباه إلى المحادثة والشخص الآخر والبيئة المحيطة.

كما يشجع على اختبار المخاوف من خلال خطوات صغيرة، مثل طرح سؤال في اجتماع أو التحدث أمام مجموعة، ثم ملاحظة ما يحدث فعلياً بدلاً من افتراض أسوأ النتائج.

ومن المهم أيضاً التخلي تدريجياً عن «سلوكيات الأمان»، مثل تجنب التواصل البصري أو البقاء دائماً بجوار شخص يشعر المرء معه بالأمان.


قلب مُسنٍّ في جسد شاب... هل يعود العمر إلى الوراء؟

للقلب عمر آخر قد لا تكتبه سنوات صاحبه (إ.ب.أ)
للقلب عمر آخر قد لا تكتبه سنوات صاحبه (إ.ب.أ)
TT

قلب مُسنٍّ في جسد شاب... هل يعود العمر إلى الوراء؟

للقلب عمر آخر قد لا تكتبه سنوات صاحبه (إ.ب.أ)
للقلب عمر آخر قد لا تكتبه سنوات صاحبه (إ.ب.أ)

اكتشف علماء يحلّلون عمليات الزرع أنّ الأعضاء تُعدّل عمرها البيولوجي بسرعة، ليتوافق مع جسم المتلقّي بعد الجراحة.

وكشفت الدراسة التي نقلتها «الإندبندنت» عن مجلة «نيتشر» أنّ القلوب الأكبر سناً التي زُرعت في متلقّين أصغر سناً أظهرت علامات واضحة على التجدد البيولوجي، في حين شاخت القلوب الأصغر المزروعة في أجساد أكبر سناً بوتيرة متسارعة.

وقال الجراح في جامعة ماريلاند الذي أجرى أول عملية زرع لقلب خنزير معدّل وراثياً، الدكتور بارتلي غريفيث: «هذه الدراسة الرائعة تتّسق مع العلم الجديد الرامي إلى فهم الشيخوخة وتأثير عوامل الدم التي قد تحمل إجابات عن (نبع الشباب)».

واختبر الباحثون في البداية هذه النظرية بزرع قلوب في فئران تنتمي إلى 3 فئات سِنِّية مختلفة. وبعد مرور 4 إلى 6 أشهر على هذه العمليات، كشف تحليل أنسجة الفئران عن أنّ عملية «مثيلة الحمض النووي»، وهي علامة كيميائية رئيسية تُستخدم لقياس الشيخوخة الخليوية، تغيّرت جذرياً لتعكس الساعة البيولوجية للجسم المضيف.

وللتحقق من انطباق القواعد عينها على البشر، قيّم المؤلف الرئيسي جيسي بوغانيك وفريقه عيّنات خزعية من 11 عملية زراعة قلب بشري، في مستشفى بريغهام والنساء في بوسطن. وتضمّنت هذه الحالات البشرية فوارق عمرية كبيرة بين المتبرّعين والمتلقين، تراوحت بين 8 و50 عاماً.

وقال الدكتور بوغانيك: «اللافت أننا وجدنا الآثار ذاتها التي رصدناها في الفئران تماماً».

وكشف تحليل السجلات الطبية الإلكترونية، بعد عام من الجراحة، أنّ المؤشّرات الرئيسية، بما فيها معدل ضربات القلب وسُمك العضلة والقدرة على ممارسة التمارين، كانت أقرب إلى العمر البيولوجي للمتلقي منها إلى العمر الأصلي للمتبرّع.

وأوضح بوغانيك: «بعض المؤشّرات الوظيفية، وليست كلّها، تتوافق مع التنبؤ بأن هذه القلوب الأكبر سناً في أجساد أصغر سناً عملت وكأنها أصغر سناً من الناحية البيولوجية، والعكس صحيح»، مضيفاً أن بعض التغيّرات الجسدية تظلّ غير قابلة للعكس.

وأكد الباحثون أنه -رغم تغيّر الساعة الداخلية للقلب- لم تطرأ أي تغيّرات في العمر البيولوجي للأعضاء الأخرى المحيطة في أجسام المتلقين.

ويعتقد خبراء الطبّ الآن أنّ هذا الاكتشاف قد يُحدث ثورة؛ ليس فقط في آلية توزيع الأعضاء المتبرَّع بها، وإنما أيضاً في علم الشيخوخة نفسه، وفي فهم إمكان عكس مسارها.

وبينما كان جراحو القلب يتحاشون في السابق زرع قلوب متبرّعين أكبر سناً في مرضى أصغر سناً، فإنّ هذه النتائج قد تزعزع افتراضات سريرية راسخة منذ أمد بعيد.

وتساءل الدكتور غريفيث: «هل سيكون ثمة اندفاع الآن لاستخدام قلوب المتبرّعين الأكبر سناً، ليس فقط في متلقّين أكبر سناً؛ بل ربما من خلال استهداف المرضى الشباب الذين قد يخفّفون من الشيخوخة الخلوية المتقدّمة لعضو أكبر سناً؟».

وأضاف: «لهذا العمل القدرة على زيادة استخدام قلوب المتبرّعين الأكبر سناً، وعلى الأرجح جميع الأعضاء، لمصلحة الشباب المنتظرين على قوائم زراعة الأعضاء. يا لها من رحلة مثيرة!».