عرفَه الجمهور العربي والعالمي العريض بشخصية دودي الفايد، حبيب الأميرة ديانا، في مسلسل «ذا كراون» على «نتفليكس». لكنّ مسيرة الممثل المصري البريطاني خالد عبد الله لا تُختصر بلحظةٍ تلفزيونيّة صنعت له مجداً جماهيرياً؛ فقبل منصات البثّ، وقف على خشبة المسرح طويلاً، وأمام كاميرا المخرج تامر السعيد في فيلم «آخر أيام المدينة»، كما لعب بطولة فيلم «عدّاء الطائرة الورقيّة» (The Kite Runner).
بموازاة الأعمال المسرحية والتلفزيونية والسينمائية الكثيرة التي أثرَت أرشيفه، لم يخلع عبد الله يوماً جلدَه العربي؛ فناصرَ القضايا الإنسانية والسياسية المُحقّة، على رأسها قضية فلسطين، رافعاً الصوت مؤخراً ضد ما يجري في غزّة ولبنان. وهو لم يكتفِ بالكلام فحسب، إنما نظّم وشارك في أنشطة كثيرة من أجل دعم أهل فلسطين ولبنان.

معتمراً قبّعتَي الفنان والناشط، يحلّ خالد عبد الله المقيم في لندن ضيفَ شرف على «مهرجان عمّان السينمائي» في دورته السابعة، وعضو لجنة تحكيم الأفلام العربية الروائية الطويلة. لا يكاد يفوّت عرضاً سينمائياً ولا لقاءً حوارياً. تراه في كل الأروقة والقاعات وكأنه متعطّشٌ للقاء أبناء بلاده ومشتاقٌ للتحدّث بلغته الأمّ. يختار العربيّة في حواره مع «الشرق الأوسط»: «كلما زرتُ بلداً عربياً شعرتُ بأنني بين أهلي وناسي. يذكّرني هذا ببداية عملي في مصر، وأحسّ بأنني بين الناس الذين كنت سأبقى إلى جانبهم لو أنني تربيتُ في أرضي. أعشق هذا الشعور الذي ينتابني ليس في مصر فحسب بل في كل البلاد العربية التي أزور».

لا ينكر خالد عبد الله أن مسلسل «ذا كراون» وشخصية دودي الفايد شكّلا محطّة محوريّة في مسيرته الفنية: «دودي شهرَني أكثر من أي شخصية أخرى قدّمتها». لكن اليوم، وبعد انقضاء 4 سنوات على ظهوره الأول في المسلسل، يرى الممثل أبعد من مجرّد شهرة. «لم أكن متنبّهاً للأمر بدايةً، لكن ربما يكون دودي الفايد أول شخصية عربية تثير المحبة والتعاطف على الشاشة الغربية بدلاً من الخوف». يشرح الممثل أنّ تلك الشخصية هي من الصنف الذي يَبكيه الجمهور عندما يموت، وفي ذلك أبعاد سياسية، وفق رأيه، تجعل الغرب متعاطفاً ومتفهماً للإنسان العربي، من خلال دودي الذي أحبّ ديانا حتى مات معها.

اليوم، وأكثر من أي وقت، لا يفصل الممثل المصري البريطاني بين المحتوى الفني والسياسي والإنساني؛ فهو من بين أكثر الفنانين إيماناً بأنّ الفنّ لا يجب أن ينسلخ عن قضايا البشر: «أنا راضٍ عن مسيرتي الفنية، لكني أشعر برضاً أكبر كلما تداخلَ فيها الالتزام الإنساني والسياسي». ويضيف عبد الله: «أشعر بأني مكتمل عندما أخدم الهدفَين معاً. أما لو خُيّرت ما بين القيام بشيءٍ يغيّر العالم أو القيام بعمل فني، فأنا حتماً سأختار الاحتمال الأول».
وعلى قاعدة أن الفن يجب أن يخدم الهدفَين معاً، لا يرغب عبد الله لأي إطلالة عربية مقبلة أن تكون اعتياديّة. «أريد طبعاً الظهور أكثر على الشاشة العربية لكن ضمن مشاريع تسعى لإحداث تغيير سينمائي وفنّي وإنساني في المنطقة»، بحسب قوله. وهو لا يطمح إلى تجسيد شخصياتٍ عربية تاريخية أو معاصرة، بقَدر طموحه للعمل مع صنّاع السينما والدراما العرب الراغبين في التعاون معه.

لا يحلّ خالد عبد الله ضيفاً على مهرجان عمّان السينمائي بصفته صاحب باع طويل على الشاشة والخشبة فحسب، بل لأنه كذلك في طليعة الفنانين العالميين الحاملين لواء الـ«Artivism» أي الفن الناشط أو النضالي. وفي هذا السياق، تصدّر عبد الله جلسةً حوارية حول هذا المفهوم الرائج الذي فرضته الحروب والمآسي، على رأسها حرب غزّة.
امتلأت مقاعد مسرح «رينبو» وسط عمّان للاستماع إليه متحدّثاً عن التداخل بين الفن والنضال. بالنسبة له، فإنّ الصمت تجاه ما يجري من «إبادة وطمس للهوية والذاكرة غير مقبول ولا ممكن». غير أنه في المقابل يرفض أن يمليَ على أحدٍ ماذا يفعل وأي موقفٍ يتّخذ، أكانَ صديقاً أم فناناً زميلاً.

يبلور تلك الفكرة في حديثه مع «الشرق الأوسط» قائلاً في تعليقٍ حول الفنانين الذين لم يأخذوا موقفاً واضحاً ممّا يجري في غزة: «أنا ضد الصمت، وكل عملي يهدف إلى رفع الصوت، لكنّي لستُ هنا لأفرض شيئاً على أحد. لا يحدث التغيير بالغصب أو الصراخ إنما بمَدّ يد دافئة وحاضنة وترك مساحة حرية للناس كي تتغير».
ليس خالد عبد الله من صنف الناشطين المتهوّرين أو الصداميين في مواقفهم. بالنسبة إليه فإنّ إنجاز التغيير هو فعلٌ تراكميّ لا يقتصر على نشاط إنساني واحد؛ عرضٌ مسرحيٌّ من هنا، قراءاتٌ شعريّة من هناك، وحتى «أغنية بسيطة»... لأطفال فلسطين يغنّي خالد عبد الله من كلماته.
يرى عبد الله أن «الثقافة والفن وحدهما لا يغيّران الدنيا، لكنهما أساسيان في توجيه السرديّة وتحفيز الوعي المجتمعي والسياسي». ويتابع قائلاً: «إذا لم نبدّل القناعة بأنّ المنطقة لن تتغير، فسيصبح من الأصعب أن تتغير. والصمت العالمي تجاه فلسطين وباقي القضايا العربية يجب أن يخترقه الحراك الثقافي، كي يخلق ضغطاً على الحكومات من أجل صناعة التغيير».
يربط عبد الله ذلك بانطباعاته عن مهرجان عمّان السينمائي، لافتاً إلى أنه «يحقق التوازن ما بين بريق السينما وصعوبتها، لأنه لا يجب أن نتعامل مع سينمانا وكأننا في هوليوود أو في كان، فنحن نبني في لحظة ثقافية صعبة جداً تشهد حروباً وإبادة».

كما أنه يؤدّي واجبه تجاه القضايا العربية، فإنّ خالد عبد الله يتابع نشاطه الفني الذي لا يحيّد فيه جذوره وهويته؛ ففي المرحلة المقبلة سوف يكون منشغلاً بإخراج فيلم وكتابة مسرحية يرفعان الصوت العربي إلى مسامع العالم.
