أميركا لا تنفد من السلاح… لكنها تخسر سباق الوقت

البنتاغون يوقع صفقات بـ 135 مليار دولار

جنود أميركيون يقفون بجوار بطارية صواريخ «باتريوت» (أرشيف-أ.ب)
جنود أميركيون يقفون بجوار بطارية صواريخ «باتريوت» (أرشيف-أ.ب)
TT

أميركا لا تنفد من السلاح… لكنها تخسر سباق الوقت

جنود أميركيون يقفون بجوار بطارية صواريخ «باتريوت» (أرشيف-أ.ب)
جنود أميركيون يقفون بجوار بطارية صواريخ «باتريوت» (أرشيف-أ.ب)

لا تكشف العقود الدفاعية الأميركية الجديدة التي نشرتها وسائل إعلام أميركية عن وفرة في السلاح بقدر ما تكشف عن قلق من أن المال وحده لم يعد كافياً لضمان الحصول عليه في الوقت المطلوب.

فقد رفع البنتاغون قيمة عقد صواريخ «باتريوت» مع «لوكهيد مارتن» إلى قرابة 59 مليار دولار، ومنح «جنرال دايناميكس إلكتريك بوت» و«إتش آي آي نيوبورت نيوز» عقداً بقيمة 76.6 مليار دولار لبناء تسع غواصات نووية هجومية من فئة «فيرجينيا»، وخمس غواصات استراتيجية من فئة «كولومبيا» حتى 2038. أي إن القيمة المجمعة تقارب 135.6 مليار دولار.

لكن الأرقام لا يعني أن الخزانة دفعت المبلغ فوراً، أو أن الصواريخ والغواصات ستدخل الخدمة قريباً؛ فالعقود سقوف، والتزامات ممتدة، وتبقى رهناً بالتمويل السنوي من الكونغرس. وهي، قبل كل شيء، محاولة لشراء اليقين الصناعي في عالم تتكاثر فيه الحروب أسرع مما تتوسع خطوط الإنتاج.

أنظمة «باتريوت» في قاعدة أميركية في كوريا الجنوبية (أرشيفية - رويترز)

استنزاف حقيقي لا انهيار

السؤال الأكثر إثارة للجدل هو ما إذا كانت حرب إيران، وهي أصغر بكثير من حرب شاملة مع الصين أو روسيا، قد دفعت الولايات المتحدة فعلاً إلى حافة نقص خطير. الإجابة الأدق أن واشنطن لا «تنفد» من السلاح عموماً، لكنها استهلكت بسرعة أنواعاً محددة يصعب تعويضها، ولا سيما صواريخ اعتراض الصواريخ الباليستية.

ويقدّر «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» (سي إس أي إس) أن مخزون أحدث نسخ «باتريوت» هبط من نحو 2200 صاروخ قبل الحرب إلى ما بين 759 و827، فيما تراجع مخزون «ثاد» من نحو 452 إلى قرابة 250 صاروخاً. وهذه ليست أرقاماً رسمية؛ فالبنتاغون لا ينشر حجم مخزوناته الدقيقة، ولذلك ينبغي التعامل معها كتقديرات مبنية على المشتريات، والتسليمات، والاستخدام المعلن، لا ككشف حساب نهائي. لكنها تشير إلى اتجاه يصعب تجاهله، خصوصاً أن تحليلاً سابقاً للمركز خلص إلى أن إعادة «باتريوت» و«ثاد» إلى مستويات ما قبل الحرب قد تستغرق ثلاث سنوات، أو أكثر.

البنتاغون لا ينشر حجم مخزوناته من الأسلحة (أ.ف.ب)

المفارقة أن الولايات المتحدة لا تزال، وفق التقدير نفسه، تملك ما يكفي لأي سيناريو معقول في حرب إيران. الخطر الحقيقي هو «نافذة الضعف» التي تنشأ إذا اندلعت أزمة أخرى في المحيط الهادئ، أو احتاجت واشنطن إلى حماية قواعدها وحلفائها بالتزامن مع استمرار دعم أوكرانيا. فقياس كفاية المخزون لا يتم بحجم الحرب وحده، بل بنوع التهديد وكثافة النيران: موجات الصواريخ الباليستية تستهلك اعتراضات باهظة بسرعة، حتى عندما لا تُستخدم قوات برية كبيرة.

ومن المشروع مساءلة إدارة ترمب عن خياراتها العسكرية، وكلفة الحرب، كما أن بعض التحذيرات يصدر عن وسائل إعلام، أو شخصيات معارضة لها. غير أن أصل المشكلة لا يقوم على الانتماء السياسي للمحذّر. فاجتماع وزير الدفاع، بيت هيغسيث، في يونيو (حزيران) مع شركات التكنولوجيا الدفاعية، وطلبه تسريع تعويض الذخائر، ثم العقود الضخمة التي أبرمتها الإدارة نفسها، كلها قرائن على أن القلق موجود داخل البنتاغون، بحسب صحيفة «واشنطن بوست». كما أن اختناقات الذخائر، وبناء السفن سبقت حرب إيران، التي كشفت المشكلة، وعمّقتها، ولم تنشئها من الصفر.

طائرتا «إف-16» أوكرانيتان تحلقان فوق منصة لصواريخ «باتريوت» في مكان غير محدد من أوكرانيا يوم 4 أغسطس 2024 (أ.ب)

المال لا يصنع صاروخاً غداً

تحاول الإدارة تغيير طريقة الشراء نفسها. فبدلاً من الطلبيات السنوية القصيرة، تعرض عقوداً متعددة السنوات تمنح الشركات رؤية مستقرة للطلب، كي تستثمر في المصانع، والعمال، والموردين. وإلى جانب عقد «باتريوت»، هناك اتفاق أولي بقيمة 35 مليار دولار لإنتاج صواريخ «ثاد» خلال سبع سنوات. غير أن بعض هذه العقود لم تُحسم شروطه النهائية، وغير ممول بالكامل، فيما أبدى ديمقراطيون وبعض الجمهوريين تحفظات على طلب ترمب ميزانية دفاعية غير مسبوقة يبلغ 1.5 تريليون دولار.

المعضلة أن الصاروخ الأحدث من «باتريوت» يكلف نحو أربعة ملايين دولار، ويحتاج إلى سنوات منذ الطلب حتى التسليم. وزيادة الإنتاج ليست مجرد فتح وردية عمل إضافية؛ فهي تتطلب محركات صاروخية، وباحثات إلكترونية، ومواد متفجرة، وصمامات دقيقة، ومورّدين مؤهلين، وعمالاً ذوي مهارات نادرة. وأي اختناق لدى مقاول صغير قد يعطّل خطاً كاملاً. لذلك تستطيع «لوكهيد مارتن» الاستثمار استباقياً، كما قال رئيسها جيم تايكليت، لكن العائد العسكري لن يظهر بالسرعة التي يوحي بها عنوان الصفقة، بحسب الصحيفة نفسها.

غواصة نووية أميركية من طراز فيرجينيا «يو إس إس مينيسوتا» ترسو في غرب أستراليا (أرشيفية - رويترز)

ويراهن البنتاغون أيضاً على شركات ناشئة مثل «أندوريل» و«كاستيليون» و«كو أسباير» لإنتاج أسلحة أرخص، وأسرع. وتستهدف خطة معلنة شراء عشرة آلاف صاروخ كروز منخفض الكلفة خلال ثلاث سنوات بدءاً من 2027، فيما تسعى «كاستيليون» إلى إنتاج صاروخها الفرط صوتي «بلاكبيرد» بسعر يقارب 500 ألف دولار. لكن الرهان ما زال قيد الاختبار: صنع نموذج ناجح شيء، وإنتاج آلاف النسخ بالمواصفات العسكرية وفي موعدها شيء آخر. والأهم أن الصواريخ الهجومية الرخيصة لا تعوّض مباشرة النقص في اعتراضات «باتريوت» و«ثاد» المتخصصة.

الغواصات تكشف العطب الأعمق

صحيفة «وول ستريت جورنال» أشارت إلى أن عقد الغواصات لا يرتبط مباشرة بما استُهلك في إيران، لكنه يوضح أن المشكلة أوسع من الذخائر. فغواصات «فيرجينيا» تمنح البحرية قدرة خفية على ضرب أهداف برية، وبحرية، بينما تحمل «كولومبيا» صواريخ باليستية نووية، وتشكل ركناً من الردع الاستراتيجي. ووصفته البحرية بأنه «إعادة رسملة تحدث مرة في جيل»، لما يوفره من تمويل للبنية التحتية، واستقرار للطلبيات حتى 2038.

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ميزة العقد متعدد السنوات أنه يسمح بشراء المفاعلات والصمامات والمضخات المتخصصة بكميات أكبر، ويمنح أحواض السفن والموردين ثقة لتوظيف العمال، وتوسيع المنشآت. لكنه لا يمحو التأخيرات المزمنة في بناء الغواصات، ولا النقص في اليد العاملة الماهرة. فالجدول الطويل نفسه يبيّن أن واشنطن تشتري قدرة إنتاجية مستقبلية، لا أربع عشرة غواصة جاهزة.

قد يبدو الحديث عن «نفاد السلاح الأميركي» مبالغاً فيه إذا فُهم على أنه عجز شامل أو وشيك عن القتال، لكنه ليس دعاية حزبية محضة، بحسب انتقادات إدارة ترمب. الدليل الأقوى لا يأتي من خصوم ترمب، بل من قرارات إدارته: عقود طويلة، وطلبات إنفاق استثنائية، واستدعاء شركات جديدة لسد فجوة تعجز الشركات التقليدية عن إغلاقها سريعاً. حرب إيران المتواضعة بمقاييس الحروب الكبرى أثبتت أن التفوق التكنولوجي لا يضمن عمق المخزون، وأن امتلاك المال لا يختصر زمن الصناعة. وسيكون المعيار الحقيقي لنجاح هذه الصفقات عدد الصواريخ والغواصات المسلّمة في موعدها، لا المليارات المعلنة على الورق.


مقالات ذات صلة

محكمة تسمح لولاية أميركية بمنع الأطفال من استخدام منصات التواصل الاجتماعي

الولايات المتحدة​ القرار يأتي وسط نقاش أوسع نطاقاً حول دور التطبيقات في التأثير على الصحة النفسية لصغار السن (رويترز) p-circle

محكمة تسمح لولاية أميركية بمنع الأطفال من استخدام منصات التواصل الاجتماعي

سمحت محكمة استئناف فيدرالية، الأربعاء، لفلوريدا بتطبيق قانون للولاية يمنع الأطفال دون سن 14 عاماً من استخدام منصات التواصل الاجتماعي مثل «إنستغرام» و«تيك توك».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم عندما تتحوّل البطاقة الصحافية إلى ورقة تفاوض... قضايا التوقيف الدولية تفتح ملفات الابتزاز السياسي والاختراق الاستخباري (بيكسلز) p-circle

قضايا توقيف الصحافيين: بين فبركة تهم التجسس وحالات الاختراق الفعلي

تتأرجح قضايا توقيف الإعلاميين دولياً بين الاتهامات السياسية المفبركة لاستخدامهم كأوراق ضغط، وثبوت استغلال الغطاء الصحافي أحياناً في أنشطة استخباراتية سرية.

شادي عبد الساتر (بيروت)
أوروبا سيارة تحترق بعد غارة روسية على منطقة في إقليم خاركيف وسط تصاعد حرب أوكرانيا (أ.ب)

خطة أميركية أوروبية من 4 نقاط لإنهاء حرب أوكرانيا

تحركت الولايات المتحدة وأوروبا تدريجياً نحو بلورة مقترح سلام من شأنه أن يوفر مزايا مالية وأمنية لكل من أوكرانيا وروسيا، تمهيداً إنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الولايات المتحدة​ لافتة تضامن مع «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» خارج مقر وكالة «أسوشييتد برس» في البيت الأبيض يوم 21 سبتمبر 2026 (رويترز)

قاضٍ أميركي يمدد السماح بدخول صحافيِّي 3 مؤسسات إعلامية للبيت الأبيض

مدَّد قاضٍ اتحادي قرار السماح لصحافيِّي شبكتَي «سي إن إن» و«إم إس ناو»، وصحيفة «بوليتيكو»، بدخول البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ تنديد أميركي بالاتفاق الذي أعلنه الرئيس دونالد ترمب لشراء الديزل الروسي (رويترز) p-circle

12 سيناتوراً أميركياً ينددون بالاتفاق المتعلق بالديزل الروسي

ندّد 12 سيناتوراً أميركياً بينهم 6 جمهوريين، الثلاثاء، بالاتفاق الذي أعلنه الرئيس دونالد ترمب لشراء الديزل الروسي، واصفين إياه بأنه «خيانة للشعب الأوكراني».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

محكمة تسمح لولاية أميركية بمنع الأطفال من استخدام منصات التواصل الاجتماعي

القرار يأتي وسط نقاش أوسع نطاقاً حول دور التطبيقات في التأثير على الصحة النفسية لصغار السن (رويترز)
القرار يأتي وسط نقاش أوسع نطاقاً حول دور التطبيقات في التأثير على الصحة النفسية لصغار السن (رويترز)
TT

محكمة تسمح لولاية أميركية بمنع الأطفال من استخدام منصات التواصل الاجتماعي

القرار يأتي وسط نقاش أوسع نطاقاً حول دور التطبيقات في التأثير على الصحة النفسية لصغار السن (رويترز)
القرار يأتي وسط نقاش أوسع نطاقاً حول دور التطبيقات في التأثير على الصحة النفسية لصغار السن (رويترز)

سمحت محكمة استئناف فيدرالية، يوم الأربعاء، لفلوريدا بتطبيق قانون للولاية يمنع الأطفال دون سن 14 عاماً من استخدام منصات التواصل الاجتماعي مثل «إنستغرام» و«تيك توك» و«سناب شات»، رافضة ما قالته مجموعتان تمثلان قطاع التكنولوجيا حول انتهاك القانون للحماية التي يوفرها الدستور الأميركي لحرية التعبير.

وفي حكم صدر بالإجماع، ألغت هيئة مؤلفة من ثلاثة قضاة في محكمة استئناف مقرها أتلانتا، الأمر الأولي الصادر عن محكمة أدنى درجة والذي كان يوقف تنفيذ القانون.

ووفق وكالة «رويترز»، قالت المحكمة إن القانون لا ينظم المحتوى الذي تقدمه مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتالي لا يتعارض مع التعديل الأول للدستور.

ويحظر القانون على منصات التواصل الاجتماعي التي تحتوي على ما يطلق عليها «خصائص تسبب الإدمان» - مثل التشغيل التلقائي للفيديو والمقاطع المصورة التي لا حصر لها - السماح للأطفال دون سن 14 عاماً بإنشاء حسابات.

وكانت مجموعتا «نت تشويس» ورابطة صناعة الكمبيوتر والاتصالات قد رفعتا دعوى قضائية في عام 2024 لوقف العمل بالقانون. وتضم المجموعتان شركات «ميتا بلاتفورمز» و«تيك توك» و«سناب شات».

وكانت فلوريدا من أوائل الولايات التي أقرت قانوناً ينظم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال، وسط نقاش أوسع نطاقاً حول دور التطبيقات في التأثير على الصحة النفسية لصغار السن.


هواجس الخسارة تطارد الجمهوريين من ماين إلى ألاسكا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدلي بكلمة في مركز «كورتيس دي مينارد» الرياضي في ألاسكا - يوم 13 أكتوبر (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدلي بكلمة في مركز «كورتيس دي مينارد» الرياضي في ألاسكا - يوم 13 أكتوبر (رويترز)
TT

هواجس الخسارة تطارد الجمهوريين من ماين إلى ألاسكا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدلي بكلمة في مركز «كورتيس دي مينارد» الرياضي في ألاسكا - يوم 13 أكتوبر (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدلي بكلمة في مركز «كورتيس دي مينارد» الرياضي في ألاسكا - يوم 13 أكتوبر (رويترز)

لاحقت هواجس الخسارة المحتملة الجمهوريين في كل الولايات المتحدة، من ماين حيث تكافح السيناتورة سوزان كولينز للاحتفاظ بالمقعد الذي تشغله منذ ثلاثة عقود في مجلس الشيوخ، إلى ألاسكا التي سافر إليها الرئيس دونالد ترمب لدعم السيناتور، دان سوليفان، مروراً بولايات أخرى في وسط البلاد يسعى الديمقراطيون إلى الفوز فيها، لقلب المعادلة لمصلحتهم في مجلسي النواب والشيوخ.

ويأمل الديمقراطيون في أن تنعكس الاستطلاعات إيجاباً في صناديق الاقتراع خلال الانتخابات النصفية للكونغرس في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والإفادة إلى الحد الأقصى من تراجع شعبية الرئيس ترمب بسبب التضخم وارتفاع أسعار مشتقات الوقود والطاقة والأسمدة وغيرها من السلع اليومية، بالإضافة إلى الحرب مع إيران.

وتواجه السيناتورة كولينز، التي توصف بأنها جمهورية معتدلة عن ولاية تميل أكثر إلى الديمقراطيين، محطّة لا سابق لها في مسيرتها السياسية، بعد أقل من ثلاثة أسابيع.

السناتور الجمهورية سوزان كولينز خلال حملة انتخابية في فرايبورغ، ماين (أ.ف.ب)

وكانت كولينز فازت بخمسة انتخابات في ولاية تصوت عادة للديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية، بفضل ترسيخ سمعتها كجمهورية مستقلة تحقق إنجازات ملموسة في ماين. لكنها هذا العام تُصارع قوى تضيق الخناق عليها من عدة جهات: غضب الطبقة العاملة من ارتفاع الأسعار، ودعوات للتغيير الجيلي. وقبل كل شيء، رغبة جامحة لدى العديد من الناخبين في التعبير عن رفضهم لأداء الرئيس ترمب في ولايته الثانية.

وتخوض كولينز، البالغة من العمر 73 عاماً، وهي من المتشككين القلائل في الرئيس ترمب، معركة سياسية مصيرية، ساعية إلى الفوز في ولاية يشعر فيها الناخبون بالغضب من ترمب، ويعتبرون أنها لم تعارضه بقوة كافية.

ويشير سباقها الانتخابي ضد الديمقراطي التقدمي تروي جاكسون، وهو عضو سابق في المجلس التشريعي للولاية، إلى منافسة حامية. ويقول بعض مؤيديها إنهم غاضبون بسبب ارتباط اسمها بإلغاء قرار «رو ضد ويد» الخاص بحقوق الإجهاض في المحكمة العليا عام 2022. وتضاعف الغضب بسبب ارتفاع أسعار وقود التدفئة بسبب حرب إيران، فضلاً عن الغضب الشعبي إزاء مقتل مهاجر على يد أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك (آيس) في الولاية.

معركة في ألاسكا

توجَّه الرئيس ترمب في مطلع الأسبوع إلى ألاسكا، التي تُعدّ معقلاً للمحافظين المؤيدين له وللجمهوريين، قاطعاً مسافة 3400 ميل لحشد قاعدته الشعبية للحفاظ على مقعد السيناتور دان سوليفان، الذي يواجه منافسة شديدة لم تكن متوقعة من النائبة الديمقراطية السابقة ماري بيلتولا.

ترمب متحدثاً مع فنيي محركات الديزل باتريك فليمنغ (وسط) وزاكاري تشوباك في ألاسكا - يوم 13 أكتوبر (أ.ف.ب)

فمع تضاؤل ​​فرص الجمهوريين للفوز بمقاعد مجلس الشيوخ في ولايات، مثل نورث كارولينا وجورجيا، صارت ألاسكا ساحة معركة حاسمة في الانتخابات النصفية.

وفي مقابل الحماسة التي أظهرها الجمهوريون في هذه الولاية الباردة مع زيارة ترمب، تحرك محتجون مناهضون له من جماعات ديمقراطية محلية.

ومن على المنصة، هاجم ترمب بيلتولا باعتبارها «مجنونة». وحمل بشدة على مرشح آخر يحمل نفس اسم دان سوليفان. وحضّ الحضور على دعم مرشحه لمجلس النواب، النائب الحالي، نيك بيغيتش، وبرناديت ويلسون لمنصب حاكمة الولاية. وقال ترمب، ملخصاً قائمة مرشحيه في ألاسكا: «صوتوا لدان الحقيقي، صوتوا لنيك. صوتوا لحاكمة رائعة».

وانفجرت الحشود بالهتافات عندما استدعى ترمب إلى المنصة رجلين من منطقة «واسيلا» اتهمتهما إدارة الرئيس السابق جو بايدن بانتهاك قانون الهواء النظيف. ووقّع على قرارات العفو عنهما خلال التجمُّع.

كما استدعى ترمب إلى المنصة رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية، بريندان كار، للإعلان عن أن وكالته تخطط لاستثمار أكثر من 160 مليون دولار لتوسيع نطاق الوصول إلى الإنترنت فائق السرعة في الولاية. ولم يتطرق سوليفان، الذي استقبل بحفاوة بالغة خلال خطابه، إلى الحرب في إيران، عندما أقر بـ«ارتفاع تكلفة الطاقة» التي تسببت في معاناة البعض.

وقال المرشح الجمهوري المحافظ لمجلس نواب الولاية مايكل بولز، الذي ينافس مرشحاً جمهورياً معتدلاً حالياً، إن نسبة إقبال الرجال غير المنتسبين لأي حزب سياسي في الولاية تثير القلق.

تراجعات إضافية

في غضون ذلك، تراجع الجمهوريون عن عدد من سباقات مجلس النواب، بينما سارع الديمقراطيون لجمع التبرعات لدعم مرشحيهم الذين بدت فرصهم ضئيلة في وقت سابق من هذا العام.

وألغت أبرز لجنة عمل سياسي جمهورية في مجلس النواب الإنفاق في أربع دوائر انتخابية تمتد من الغرب الأوسط إلى الساحل الشرقي، وزادت استثماراتها في 16 دائرة أخرى من تكساس إلى بنسلفانيا. كما خفضت لجنة عمل سياسي أخرى متحالفة مع الرئيس ترمب إنفاقها في دائرة انتخابية حاسمة بمنطقة لاس فيغاس.

في المقابل، تتطلع لجنة حملة الديمقراطيين في مجلس النواب إلى استغلال المقاعد الشاغرة في الدوائر التي يسيطر عليها الجمهوريون، وتأمل في جمع ملايين الدولارات خلال الأسبوع المقبل لتمويل جولة أخيرة من الإعلانات التي يقولون إنها قد تؤدي إلى ستة مقاعد إضافية على الأقل.

السيناتور بيرني ساندرز خلال نشاط انتخابي مع المرشح الديمقراطي عن ولاية ماين لمجلس الشيوخ تروي جاكسون في ليويستون - ماين (أ.ف.ب)

ويشير تحوّل الأموال في الأسابيع الثلاثة الأخيرة من حملات الانتخابات النصفية إلى موقف دفاعي متزايد من الجمهوريين، الذين خفضوا بالفعل توقعاتهم في سباقات مجلس الشيوخ، وإلى حماسة جديدة من جانب الديمقراطيين، الذين يحاولون استغلال تراجع شعبية الرئيس ترمب.

وكذلك قلّص الجمهوريون إنفاقهم في الدائرة الأولى من أيوا؛ حيث تدافع النائبة الجمهورية ماريانيت ميلر - ميكس، التي شغلت منصبها لثلاث دورات، عن مقعدها ضد الديمقراطية كريستينا بوهانان.

وبالمثل، قال المسؤولون إن المجموعة لن تستمر في الإنفاق في الدائرة السابعة في نيوجيرزي؛ حيث يتنافس النائب الجمهوري توم كاين، الذي يشغل منصبه لدورتين، مع الديمقراطية ريبيكا بينيت.

بدلاً من ذلك، ستعزز المجموعة الدوائر الانتخابية التي فاز فيها ترمب على الديمقراطية كامالا هاريس بفارق ضئيل في عام 2024. وقد رصدت منظمة «السلامة والقدرة على تحمل التكاليف»، وهي فرع من منظمة «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، زهاء مليون دولار للإنفاق الإعلاني بهدف دعم حملة الجمهوري مارتي أودونيل في الدائرة الثالثة من نيفادا.


قاضٍ فيدرالي يرفض حظر ترمب على وسائل إعلامية

الناطقة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا أمام الصحافيين في واشنطن العاصمة (أ.ب)
الناطقة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا أمام الصحافيين في واشنطن العاصمة (أ.ب)
TT

قاضٍ فيدرالي يرفض حظر ترمب على وسائل إعلامية

الناطقة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا أمام الصحافيين في واشنطن العاصمة (أ.ب)
الناطقة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا أمام الصحافيين في واشنطن العاصمة (أ.ب)

أمر قاضي المحكمة الجزئية الأميركية تيموثي كيلي بمواصلة السماح لصحافيي شبكتي «سي إن إن» و«إم إس ناو» وموقع «بوليتيكو» بالدخول إلى البيت الأبيض، إلى حين البت في قرار الحظر الذي اتخذه الرئيس دونالد ترمب الشهر الماضي.

وكان الرئيس ترمب أعلن الشهر الماضي قراره بمنع صحافيي هذه المؤسسات من دخول البيت الأبيض بسبب «نشرهم المستمر للأخبار الكاذبة». ونفذ قراره على الفور، وصادر جهاز الخدمة السرية الأميركي بطاقات اعتمادهم الصحافية.

ولجأت المؤسسات الإخبارية إلى القضاء، مدعية أن الحظر الرئاسي جاء انتقاماً منها بسبب تغطيتها الإخبارية، في انتهاك للتعديل الأول للدستور، مضيفة أن مراسليها حُرموا من حقهم الدستوري في الإجراءات القانونية الواجبة، لعدم إخطارهم بأن تقاريرهم قد تؤدي إلى سحب تصاريح دخولهم إلى البيت الأبيض أو منحهم فرصة للرد.

وفي قرار مؤلف من 26 صفحة، وافق القاضي كيلي، الذي عينه ترمب، على طلب المؤسسات الإعلامية بإصدار أمر قضائي يسمح لصحافييها بمواصلة عملهم في البيت الأبيض ريثما تبت القضية، مؤكداً أن إلغاء تصاريح دخول الصحافيين يعد انتهاكاً لحقوقهم المنصوص عليها في التعديلين الأول والخامس للدستور الأميركي.

حقوق الصحافيين

وكتب القاضي الفيدرالي في قراره: «من المرجح أن يكون إلغاء الرئيس ترمب لتصاريح دخول المدعين الدائمين إجراء من شأنه أن يردع أي صحافي أو مؤسسة إخبارية عاقلة عن نشر قصص يعترض عليها»، مضيفاً أن «إلغاء تصاريح دخول المدعين له تأثير كبير على كيفية قيامهم بعملهم، وما إذا كان بإمكانهم القيام به، وإلى أي مدى».

واعتبر أن تصريحات ترمب «تشير إلى أنه كان ينوي من خلال إلغاء تصاريح دخول المدعين تغيير تغطيتهم له، مما يعزز موقفه القائل بأن إجراءه هذا كافٍ لردع أي صحافي (...) عن العمل بنفس الطريقة التي كان يعمل بها سابقاً».

وكان ترمب قد توقع خسارة إدارته في المحكمة أمام شبكة «سي إن إن» و«إم إس ناو» وموقع «بوليتيكو». وأفاد عبر منصته «تروث سوشيال» بأنه إذا حكم القاضي كيلي ضده، فإن وزارة العدل ستستأنف الحكم.

ورأى وكيل الدفاع عن «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» المحامي ثيودور بوتروس أن المحكمة كانت محقة في منع البيت الأبيض من تنفيذ قرار الحظر.

وقال في بيان إنه «عندما أصدر الرئيس قراره بحظر حرية الصحافة، انتهك بشكل صارخ وصريح الإجراءات القانونية الواجبة والتعديل الأول للدستور».

وأضاف أنه «منذ ذلك الحين، اعترف الرئيس مراراً، وبصراحة وثبات، علناً بأنه منع موكلينا من دخول البيت الأبيض لمعاقبة التقارير التي لا تروق له، ومحاولة إجبار الصحافيين على تغطية أخباره بالطريقة التي يفضلها». وأكد أن «الضرر الذي ألحقه هذا الحظر بموكلينا، وبالتعديل الأول للدستور، وبالجمهور ككل، جسيم».

أمن قومي

كان البيت الأبيض قد قدم قوائم بالمقالات التي وصفها بأنها «تهدد الأمن القومي و/أو تنشر معلومات مضللة». لكن معظم هذه المقالات كُتبت من صحافيين لا يملكون تصاريح دخول رسمية إلى البيت الأبيض. واستندت إحدى القصص في «بوليتيكو» إلى مؤتمر صحافي عبر الهاتف نظمه البيت الأبيض. وخلال المؤتمر الصحافي، طلب من المراسلين نسبة الاقتباسات إلى «مسؤول رفيع في الإدارة»، وفقاً لسجلات المحكمة.

وفي جلسة استماع عُقدت الأسبوع الماضي، ضغط القاضي على محامي وزارة العدل في شأن مبررات إدارة ترمب للحظر، ولماذا يبدو أن حجة الحكومة في المحكمة تختلف عن تبرير ترمب. وذكرت وزارة العدل أن الرئيس ترمب قرر منع وسائل الإعلام من دخول البيت الأبيض لأنها انتهكت المعايير المهنية، وهدّدت الأمن القومي. لكن ترمب هاجم وسائل الإعلام مراراً لتغطيتها «السلبية» لإدارته ونشرها «قصصاً سيئة باستمرار».

وفي قراره، ذكر كيلي أن إدارة ترمب لم تقدم أدلة تثبت أن قرار إلغاء تصاريح الدخول الدائمة لصحافيي «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» كان في البداية مبنياً على أسس تتعلق بالأمن القومي، مؤكداً أن التقارير التي استشهد بها البيت الأبيض باعتبارها مثيرة للجدل «أمر شائع، سواء كان ذلك جيداً أو سيئاً».