في خطوة مفاجئة، أعلن رئيس الوزراء ووزير الخارجية التركي الأسبق، أحمد داود أوغلو، حل حزب «المستقبل» الذي أسسه عام 2019، عقب انشقاقه عن حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، بسبب ما أرجعه آنذاك إلى خلافات مع الرئيس رجب طيب إردوغان بشأن إدارة الحزب والدولة.
وعزا داود أوغلو قرار حل الحزب والانسحاب من العمل السياسي الحزبي إلى فساد المناخ السياسي في البلاد.
وقال إن القرار اتُّخذ بعد تقييمات ومشاورات مع الهيئات المختصة في الحزب، مضيفاً: «قررنا الانسحاب من العمل السياسي الحزبي، وإنهاء أنشطة الحزب السياسية تجنباً للانخراط في المناخ السياسي الفاسد»، مؤكداً أن «القرار ليس استسلاماً، لكنه جاء لوضع مسافة أخلاقية مع السياسة، وليس تخلياً عن السياسة، بل دعوة للجميع لإعادة النظر فيها».
انتقادات لنظام الحكم
وانتقد داود أوغلو، الذي عمل في السابق مستشاراً للرئيس الحالي رجب طيب إردوغان، عندما كان رئيساً للوزراء ولرئيس الجمهورية السابق عبد الله غل الذي كان أول من نقله من الحقل الأكاديمي إلى ميدان السياسة، في بيان عبر حسابه في «إكس»، النظام الرئاسي الذي تحكم به تركيا حالياً، لافتاً إلى ضعف مبدأ الفصل بين السلطات، وتعطل آليات الرقابة والتوازن.
وأوضح أن الفساد، وانعدام الجدارة، والاستقطاب، وفقدان الثقة بالنظام القضائي، تُعدّ من بين أبرز مشكلات البلاد، كما تتسع التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية في البلاد، وتتراجع مكانة السياسيين بشكل كبير، عادّاً أن تركيا بحاجة إلى «ثورة شاملة على المستويات الأخلاقية والفكرية والمؤسسية والسياسية».
Kamuoyuna Duyuru! pic.twitter.com/AuMrlOnSkz
— Ahmet Davutoğlu (@Ahmet_Davutoglu) July 29, 2026
وحذّر داود أوغلو، في بيانه الذي جاء في 4 صفحات، من أنه في غياب الضوابط والتوازنات، قد يستبدل بالنظام القانوني الديمقراطي التعددي بنية استبدادية دائمة، لافتاً إلى أن هذا الخطر «لا يرتبط بأي رئيس بعينه، وأن المشكلة في النظام وليست فردية».
ونبه إلى «خطر آخر» يتمثل في «احتمال تحول موجة الغضب الناجمة عن الاستبداد والفساد وعدم المساواة في الدخل والحظر وانتهاكات القانون إلى حكومة مضادة انتقامية»، مضيفاً أن «الاستقطاب ينتشر من السياسة إلى المجتمع، وهذا الوضع يدمر الشعور بالانتماء المشترك».
وانتقد داود أوغلو ممارسة تعيين الأوصياء في البلديات بعد عزل رؤسائها المنتخبين وعلى الجامعات والشركات، قائلاً: «إن تطبيع نقل أعضاء البرلمان (في إشارة إلى انتقال بعض النواب من أحزاب المعارضة إلى الحزب الحاكم) ورؤساء البلديات وتعيين الأوصياء بوصفه ممارسة سياسية يومية يُعد ضربة قوية لأخلاقيات الديمقراطية ومفهوم الإرادة الوطنية، ما يفرغ إرادة الشعب التي عبّر عنها في صناديق الاقتراع من معناها».
وأكد أن حلّ الكيان القانوني لحزب «المستقبل» لا يعني نهاية نضاله على الصعيد الاجتماعي، قائلاً: «لم يبدأ نضالنا بموقف مُحدد، ولن ينتهي بحلّ أي كيان قانوني لأي حزب، سنواصل من الآن فصاعداً العمل من أجل وطننا في جميع المجالات، بما في ذلك الفكر والأخلاق والتعليم والعلوم والثقافة والدبلوماسية الدولية والاقتصاد والتضامن الاجتماعي».
وختم: «سنواصل التفكير والتحذير والعمل من أجل تركيا، وسنواصل نضالنا من أجل أمتنا حتى تتحقق تركيا الغد».
تكهنات حول أسباب القرار
وتردد في كواليس السياسة في أنقرة أن قرار داود أوغلو جاء بعد فشل مفاوضات الاندماج مع حزبي «الرفاه من جديد» و«السعادة» اليمينيين.

كما تصاعدت تكهنات سابقة، عقب مصافحة داود أوغلو ورئيسي حزبي «الرفاه من جديد»، فاتح أربكان، و«الديمقراطية والتقدم»، على باباجان، إردوغان في البرلمان خلال الاحتفال بيوم السيادة الوطنية والطفولة في 23 أبريل (نيسان) الماضي، بشأن احتمالات عودته وباباجان إلى حزب «العدالة والتنمية».
وأشعل تصريح لداود أوغلو عقب ذلك اللقاء مع إردوغان قال فيه: «روحي لم تفارق حزب (العدالة والتنمية) مطلقاً»، هذه التكهنات، كما أثار تساؤلات بشأن ما إذا كان حزب «المستقبل» سيندمج في «العدالة والتنمية».
ولكي يصبح حل حزب «المستقبل» رسمياً، يتعين عقد مؤتمر عام للحل، تم تحديد موعده في 22 أغسطس (آب) المقبل.

وكان الحزب قد شكّل مجموعة برلمانية مشتركة مع حزبي «الديمقراطية والتقدم» و«السعادة» باسم مجموعة «الطريق الجديد».
ودخلت الأحزاب الثلاثة المنضوية تحت مجموعة «الطريق الجديد» البرلمان في الانتخابات الماضية التي أجريت في مايو (أيار) 2023، من خلال تحالف «الطاولة السداسية» التي شكلها حزب «الشعب الجمهوري»، وضمت أيضاً حزبي «الجيد» و«الديمقراطي»، وحصلت الأحزاب الثلاثة على 38 مقعداً من خلال خوض مرشحيها الانتخابات على قوائم حزب «الشعب الجمهوري».
اعتقالات في «الشعب الجمهوري»
على صعيد آخر، اعتقلت السلطات التركية، الخميس، رئيس بلدية إتيمسغوت التابعة لبلدية أنقرة، إردال بيشكتشي أوغلو و51 آخرين، في إطار تحقيقات الفساد في البلديات التابعة لحزب «الشعب الجمهوري» في عملية أمنية نفذت فجر الخميس.

وأعلنت وزارة الداخلية اعتقال بيشكتشي، وهو ممثل سينمائي وتلفزيوني معروف، إلى جانب 37 موظفاً في البلدية، و18 مسؤولاً في إحدى الشركات، بتهم «تأسيس منظمة والانتماء إليها بغرض ارتكاب جرائم، والاختلاس، والرشوة، والابتزاز، والتلاعب بالمناقصات، والإخلال بالواجبات، وإساءة استخدام السلطة».
وقال المتحدث باسم حزب «الشعب الجمهوري»، مسلم صاري، تعليقاً على الاعتقالات: «يجب على الحكومة أن توقف فوراً هذه العمليات التي تستهدف بشكل ممنهج البلديات التي يقودها الحزب فقط دون غيرها».
وجاءت العملية بعد يوم واحد من اعتقال رئيسة بلدية حي أوسكودار التابع لبلدية إسطنبول الكبرى، سينام ديديطاش، و5 آخرين من المسؤولين على خلفية اتهامات بارتكاب مخالفات تتعلق بتراخيص البناء في الحي.
