صدمة الطاقة تُعيد رسم المشهد الاقتصادي الياباني

خفض توقعات النمو يفتح الباب أمام دورة أسرع لرفع الفائدة

مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)
مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

صدمة الطاقة تُعيد رسم المشهد الاقتصادي الياباني

مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)
مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)

تدخل اليابان النصف الثاني من العام وهي تواجه معادلة اقتصادية شديدة التعقيد: نمو أضعف من المتوقع، وتكاليف طاقة مرتفعة تضغط على الأسر والشركات، وتضخم يبدو أكثر رسوخاً مما كان يعتقد، في وقت تزداد فيه الدعوات إلى أن يتحول بنك اليابان من سياسة التسامح مع ارتفاع الأسعار إلى نهج أكثر حزماً في مكافحتها.

وخفضت الحكومة اليابانية توقعاتها للنمو الاقتصادي للسنة المالية المنتهية في مارس (آذار) 2027 إلى 0.9 في المائة، مقارنة بتقديرات سابقة في يناير (كانون الثاني) بلغت 1.3 في المائة. ويعكس هذا التعديل أثر ارتفاع أسعار النفط المرتبط بالتوترات في الشرق الأوسط، على اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على واردات الوقود.

ولا تقتصر الضغوط على تكلفة الطاقة وحدها، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الواردات إلى تقليص القوة الشرائية للأسر، والضغط على هوامش أرباح الشركات، وتأجيل بعض خطط الإنفاق والاستثمار. ولهذا خفض مكتب مجلس الوزراء توقعاته لنمو الاستهلاك الخاص إلى 0.9 في المائة، من 1.3 في المائة في التقديرات السابقة، كما قلَّص توقعات نمو الإنفاق الرأسمالي إلى 2.3 في المائة من 2.8 في المائة.

ومع ذلك، لا ترى الحكومة أن الاقتصاد يتجه إلى ركود ممتد، فهي تتوقع تسارع النمو إلى 1.1 في المائة في السنة المالية التالية، مدعوماً بتحسن الإنفاق الرأسمالي والاستهلاك الخاص. كما تتوقع ارتفاع الأجور الاسمية بنسبة 3.1 في المائة سنوياً حتى السنة المالية 2027، بما يسمح ببقاء نمو الأجور الحقيقية في المنطقة الإيجابية، رغم استمرار التضخم.

لكن هذه الفرضية تعتمد على قدرة الأجور على مواكبة الأسعار، وهو أمر لم يتحقق بصورة مستقرة بعد. فقد رفعت الحكومة توقعاتها لتضخم أسعار المستهلكين في السنة المالية 2026 إلى 2.2 في المائة، مقارنة بتقدير سابق عند 1.9 في المائة، في انعكاس مباشر لأثر الطاقة.

ويضيف هذا المشهد بُعداً جديداً إلى مهمة بنك اليابان، الذي قضى عقوداً يحاول إخراج الاقتصاد من الانكماش، قبل أن يجد نفسه اليوم أمام تحدي كبح تضخم قد يصبح أكثر ثباتاً.

ويرى تسوتومو واتانابي، المسؤول السابق في البنك المركزي وأستاذ الاقتصاد الفخري بجامعة طوكيو، أن البنك قد يُغير نهجه في أقرب وقت في ديسمبر (كانون الأول)، وينتقل من سياسة «التسامح مع التضخم» إلى سياسة تستهدف مكافحته بصورة أكثر نشاطاً.

وحسب واتانابي، تمر اليابان حالياً بموجة ثالثة من التضخم. جاءت الأولى بعد الحرب الأوكرانية، والثانية بفعل ارتفاع الأجور المحلية وتكاليف الأرز، في حين ترتبط الموجة الحالية بالصراع في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة.

ويتوقع واتانابي أن تكون هذه الموجة أقل حدة من سابقاتها، وأن يبلغ التضخم، باستثناء الغذاء الطازج والوقود، ذروته قرب 3 في المائة في مارس من العام المقبل، قبل أن يتراجع تدريجياً نحو هدف بنك اليابان البالغ 2 في المائة. لكنه يُحذّر من أن مصدر القلق الحقيقي هو التضخم الأساسي، الذي يقترب بالفعل من 2 في المائة مع ضيق سوق العمل وارتفاع الأجور وتوسع الشركات في رفع الأسعار.

وكان بنك اليابان قد اعتمد لسنوات نهجاً حذراً، يسمح بارتفاع الأسعار تدريجياً لضمان خروج الاقتصاد بصورة دائمة من الانكماش. لكن استمرار هذا النهج، وفق واتانابي، قد يصبح خطراً إذا تجاوز التضخم الأساسي 2.2 في المائة تقريباً بحلول يوليو (تموز) من العام المقبل، لأن البنك قد يضطر حينها إلى رفع أسعار الفائدة بوتيرة حادة ومتأخرة.

ويرى أن التحول المطلوب يجب أن يكون استباقياً، فإذا أظهرت مفاوضات الأجور للعام المقبل أن الزيادات ستظل قوية وقريبة من مستويات السنوات الأخيرة، فقد يبدأ البنك منذ ديسمبر دورة أسرع لرفع الفائدة، بمعدل مرة كل 3 أشهر بدلاً من نحو مرتين سنوياً حالياً.

وقد أنهى بنك اليابان في 2024 مرحلة التحفيز النقدي الضخم، بعدما تجاوز التضخم مستوى 2 في المائة مدفوعاً بصدمات العرض وارتفاع الأجور. كما رفع أسعار الفائدة عدة مرات، كان أحدثها في يونيو (حزيران)، لتصل الفائدة الأساسية إلى 1 في المائة. ومع ذلك، تظل تكلفة الاقتراض الحقيقية سالبة، لأن التضخم ما زال يدور حول 2 في المائة. وهذا ما يفسر استمرار شكوك الأسواق بشأن مدى استعداد البنك لمواجهة التضخم. فاليابان تملك خبرة طويلة في مكافحة انخفاض الأسعار، لكنها لا تملك الخبرة نفسها في التعامل مع تضخم مستمر يتزامن مع نمو ضعيف.

وتتداخل هذه الضغوط النقدية مع تحديات المالية العامة. فقد توقعت الحكومة عودة الميزانية الأولية إلى فائض بقيمة 1.4 تريليون ين في السنة المالية 2027. لكن هذا الهدف يظل موضع شك بعد عقود من العجز وتراكم ديون تتجاوز ضعف حجم الاقتصاد، وهي النسبة الأعلى بين الاقتصادات المتقدمة.

وظلت الميزانية الأولية في حالة عجز خلال معظم فترة ما بعد الحرب، باستثناء سنوات فقاعة الأصول بين 1986 و1991. كما تأجل هدف العودة إلى الفائض، الذي طُرح للمرة الأولى في أوائل الألفية، مرات عدة، ما يجعل التوقع الجديد رهناً بتحقق النمو، واستمرار ارتفاع الإيرادات، وعدم تعرض الاقتصاد لصدمات إضافية.

وفي المحصلة، تواجه اليابان مفارقة واضحة؛ فهي تحتاج إلى دعم النمو والاستهلاك، لكنها في الوقت نفسه قد تضطر إلى تشديد السياسة النقدية لكبح التضخم. وإذا رفع بنك اليابان الفائدة بسرعة، فقد يزيد الضغط على الاستثمار والطلب؛ أما إذا تحرك ببطء فقد يسمح للأسعار بالابتعاد أكثر عن هدفه. ولهذا سيكون مسار الأجور وأسعار الطاقة حاسماً في الأشهر المقبلة. فنجاح اليابان لن يُقاس فقط بقدرتها على الحفاظ على نمو إيجابي، بل بقدرتها على تثبيت التضخم قرب 2 في المائة من دون خنق النشاط الاقتصادي أو دفع المالية العامة إلى ضغوط جديدة. وقد نجح بنك اليابان في إخراج التضخم من دائرة الصفر، لكن التحدي الأصعب الآن هو إعادة تثبيته عند مستوى يمكن للاقتصاد والأسر تحمله.


مقالات ذات صلة

«بنك اليابان» يحذّر من قفزات حادة في التضخم

الاقتصاد مقر البنك المركزي الياباني في العاصمة طوكيو (رويترز)

«بنك اليابان» يحذّر من قفزات حادة في التضخم

حذَّر مسؤول بارز في «بنك اليابان» من التعامل مع صدمات العرض المتكررة بصفتها عوامل مؤقتة يمكن للسياسة النقدية تجاهلها

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مشاة أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

خسائر التكنولوجيا الحادة تضغط على «نيكي» والسندات تستقر

تراجع مؤشر «نيكي» الياباني، الاثنين، متأثراً بخسائر حادة لأسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي...

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد رئيس قطاع الغاز العالمي في «شيفرون» فريمان شاهين في صورة أرشيفية (رويترز)

«شيفرون» توسع محفظة الغاز المسال من الأرجنتين إلى شرق المتوسط

تتطلع شركة «شيفرون» إلى توسيع محفظتها العالمية من الغاز الطبيعي المسال، مع دراسة فرص في الأرجنتين وشرق البحر المتوسط وأستراليا وأفريقيا.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد قناة السويس (رويترز)

«ميرسك» و«هاباغ-لويد» تعيدان مزيداً من سفن الحاويات إلى قناة السويس

أعلنت شركتا الشحن «ميرسك» الدنماركية و«هاباغ-لويد» الألمانية، يوم الاثنين، أن أربع خدمات مشتركة لنقل الحاويات ستستأنف المرور عبر قناة السويس.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
الاقتصاد شعار شركة «شل» ورسم بياني للسهم في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

«شل» تتوقع نمو سوق الغاز بنحو الثلثين بحلول 2050

توقّع رئيس قطاع الغاز المتكامل بشركة «شل»، سِدريك كريميرز، أن تنمو سوق الغاز الطبيعي العالمي بنحو الثلثين بحلول عام 2050.


«بنك اليابان» يحذّر من قفزات حادة في التضخم

مقر البنك المركزي الياباني في العاصمة طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي الياباني في العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

«بنك اليابان» يحذّر من قفزات حادة في التضخم

مقر البنك المركزي الياباني في العاصمة طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي الياباني في العاصمة طوكيو (رويترز)

حذَّر مسؤول بارز في «بنك اليابان» من التعامل مع صدمات العرض المتكررة بصفتها عوامل مؤقتة يمكن للسياسة النقدية تجاهلها، مشيراً إلى أن الاقتصاد الياباني شهد استجابات حادة وغير متناسبة للأسعار أمام ارتفاع تكاليف الواردات وتقلبات سعر الصرف، في تصريحات تعكس تزايد قلق البنك من استمرار الضغوط التضخمية.

وجاءت تصريحات كوجي ناكامورا، المدير التنفيذي في «بنك اليابان» والمشرف على الإدارة المسؤولة عن صياغة السياسة النقدية، ضمن ملاحظات مؤتمر استضافه البنك في مايو (أيار)، ونُشرت الاثنين، قبل اجتماع مرتقب هذا الأسبوع يتوقع أن يشهد زيادة جديدة في أسعار الفائدة.

وكان «بنك اليابان» قد رفع سعر الفائدة إلى 1 في المائة في يونيو (حزيران)، وهو أعلى مستوى في 31 عاماً، ومن المتوقع أن يرفعها مجدداً هذا الأسبوع، في وقت تواجه فيه بنوك مركزية كبرى ضغوطاً مماثلة نتيجة تصاعد مخاطر التضخم.

صدمات لم تعد مؤقتة

وعادةً ما تركز البنوك المركزية على مكافحة التضخم الناتج من قوة الطلب، في حين تميل إلى تجاوز الصدمات المؤقتة المرتبطة بالعرض. إلا أن سلسلة الأحداث التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة، بدءاً من جائحة «كوفيد - 19» والغزو الروسي لأوكرانيا، وصولاً إلى ارتفاع الرسوم الجمركية الأميركية والصراع في الشرق الأوسط، أعادت التضخم الناجم عن جانب العرض إلى صدارة حسابات السياسة النقدية.

وقال ناكامورا إن المبدأ الأساسي يقضي بعدم الاستجابة مباشرة لصدمات العرض، لكن تكرار هذه الصدمات يعني أنه لا ينبغي عدَّها مؤقتة؛ لأنها قد تؤدي إلى ارتفاع التضخم الأساسي وتوقعات التضخم.

وتساءل المسؤول الياباني عما إذا كانت الصدمات الأخيرة أصبحت أكثر انتظاماً وترابطاً بفعل عوامل تشمل الاستقطاب في الدخل والثروة، وتصاعد الشعبوية، والمخاطر الجيوسياسية، وتغير المناخ.

استجابات حادة للأسعار

وأشار ناكامورا إلى أن اليابان شهدت استجابات حادة وغير متناسبة للأسعار المحلية تجاه الصدمات الخارجية؛ إذ ارتفعت أسعار المستهلكين بصورة كبيرة استجابةً لصدمات أسعار الواردات وتحركات سعر الصرف.

وقال إن مثل هذه التحركات يجب أن توضع في الحسبان عند إدارة السياسة النقدية، في إشارة إلى احتمال أن يؤدي ضعف الين أو ارتفاع أسعار المواد الخام والطاقة إلى زيادة في التضخم أكبر من تلك التي كانت تشير إليها العلاقات التاريخية المعتادة.

ويكتسب سعر الصرف أهمية خاصة بالنسبة لليابان بسبب اعتمادها الكبير على استيراد الطاقة والمواد الخام. وقد أدى ضعف الين خلال السنوات الماضية إلى رفع تكلفة الواردات، في وقت أضاف ارتفاع أسعار الوقود، نتيجة الصراع في الشرق الأوسط، ضغوطاً جديدة على الشركات والأسر.

العامل الديموغرافي

ولا تقتصر الضغوط على العوامل الخارجية؛ إذ أشار ناكامورا إلى أن اليابان تواجه أيضاً «صدمة ديموغرافية بطيئة الوتيرة» تتمثل في تقلص القوة العاملة؛ وهو ما يدفع الأجور إلى الارتفاع.

ووصف هذه الظاهرة بأنها عامل هيكلي لا يمكن التعامل معه بوصفه مؤقتاً، خصوصاً مع استمرار نقص العمالة في قطاعات واسعة من الاقتصاد.

وأضاف أن على البنوك المركزية الجمع بين البيانات الاقتصادية والملاحظات الميدانية لفهم التغيرات في سلوك الأسر والشركات بصورة أفضل، وتحديد كيفية انتقال هذه التحولات إلى توقعات التضخم.

تشديد مستمر

وكان «بنك اليابان» قد أنهى في 2024 برنامج التحفيز النقدي واسع النطاق الذي استمر نحو عقد، وبدأ مساراً تدريجياً لرفع تكاليف الاقتراض بعد سنوات طويلة من أسعار ششديدة الانخفاض.

وتعهد البنك بمواصلة رفع الفائدة إذا تحرك الاقتصاد والأسعار وفق توقعاته، في ظل ضيق سوق العمل وارتفاع الأجور وزيادة تكاليف الواردات والطاقة.

وتأتي تصريحات ناكامورا قبل اجتماع السياسة النقدية للبنك هذا الأسبوع، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تجاوز التضخم هدف البنك البالغ 2 في المائة. وتضيف رؤيته بشأن تكرار صدمات العرض عاملاً مهماً إلى حسابات «بنك اليابان»، الذي أصبح مطالباً بمراقبة ليس فقط مستوى التضخم الحالي، وإنما أيضاً احتمال أن تؤدي الصدمات الخارجية المتلاحقة إلى ارتفاعات أسرع وأكثر حدة في الأسعار.


عبد العزيز بن سلمان: السعودية مصدر موثوق للطاقة عالمياً

وزير الطاقة يتحدث في مؤتمر سابق للوكالة (أ.ف.ب)
وزير الطاقة يتحدث في مؤتمر سابق للوكالة (أ.ف.ب)
TT

عبد العزيز بن سلمان: السعودية مصدر موثوق للطاقة عالمياً

وزير الطاقة يتحدث في مؤتمر سابق للوكالة (أ.ف.ب)
وزير الطاقة يتحدث في مؤتمر سابق للوكالة (أ.ف.ب)

قال وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، إن المملكة رسخت مكانتها شريكاً فاعلاً وموثوقاً في أسواق الطاقة العالمية، مؤكداً أن تنويع مصادر الطاقة وتعزيز موثوقيتها واستدامتها ضرورية لأمن الإمدادات ودعم التنويع الاقتصادي.

وأضاف، خلال كلمة له أمام الدورة السبعين للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، المنعقد في فيينا، أن الطلب على الطاقة يشهد نمواً متسارعاً مدفوعاً بالتوسع الصناعي والتقني، ما يعزز الحاجة إلى منظومة طاقة متنوعة وموثوقة وقادرة على مواكبة احتياجات النمو الاقتصادي.


أسهم الذكاء الاصطناعي تتراجع بعد دعوات لإبطاء وتيرة التطوير

حرفا «إيه آي» موضوعان على لوحة أم للكمبيوتر في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
حرفا «إيه آي» موضوعان على لوحة أم للكمبيوتر في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

أسهم الذكاء الاصطناعي تتراجع بعد دعوات لإبطاء وتيرة التطوير

حرفا «إيه آي» موضوعان على لوحة أم للكمبيوتر في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
حرفا «إيه آي» موضوعان على لوحة أم للكمبيوتر في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

تراجعت أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بشدة، الاثنين، بعدما حذر رؤساء شركات أميركية تطور أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدماً من ضرورة إبطاء وتيرة تطوير هذه التكنولوجيا، لتجنب مخاطر تهدد البشرية.

وتراجعت العقود الآجلة المصغرة لمؤشر «ناسداك» 1.3 في المائة خلال التداولات الآسيوية، بينما هبط سهم «سوفت بنك»، المستثمر في شركة «أوبن إيه آي» المطورة لـ«تشات جي بي تي»، بما يصل إلى 13.2 في المائة في اليابان، وفق «رويترز».

ودعا داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، في مقال مطول نشره على منصة «إكس» السبت، شركات الذكاء الاصطناعي إلى إبطاء وتيرة تطوير قدرات نماذجها، في ظل تصاعد المخاوف من إساءة استخدام هذه التكنولوجيا. وأعلن كل من إيلون ماسك، رئيس شركة «إكس إيه آي»، وسام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي»، تأييدهما لموقف أمودي.

وقال أمودي إن وكلاء الذكاء الاصطناعي «قد يكونون قادرين خلال ستة إلى 12 شهراً على السيطرة على الإنترنت بالكامل، ما قد يتسبب في أضرار تصل إلى مئات المليارات من الدولارات».

وقال ألتمان أيضاً إن «أوبن إيه آي» لن تمضي في طرح أسهمها للاكتتاب العام هذا العام، عازياً ذلك إلى مخاوف تتعلق بالسلامة.

وفي اليابان، هبط سهم شركة «كيوكسيا» المتخصصة في تصنيع رقائق الذاكرة 9.8 في المائة في بداية التداولات، بينما تراجع سهم «طوكيو إلكترون»، العاملة في سلسلة توريد الرقائق، 3.7 في المائة.

وفي تايبيه، انخفض سهم تايوان لصناعة أشباه الموصلات «تي إس إم سي» 1.2 في المائة، بينما تراجع سهم «إس كيه هاينكس» في كوريا الجنوبية 5.3 في المائة، وسهم «سامسونغ إلكترونكس» 3.7 في المائة.

وقال تاكايوكي مياماجيما، كبير الاقتصاديين لدى «سوني فاينانشال غروب»، في مذكرة: «من المرجح أن تتعرض أسهم الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات في طوكيو لضغوط بيعية، بعد سلسلة من التصريحات خلال عطلة نهاية الأسبوع التي دعت إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي».

وأضاف: «كما لا تزال حالة عدم اليقين المحيطة بالوضع في الشرق الأوسط تلقي بثقلها على معنويات المستثمرين».

وفي شنغهاي، تراجع سهم «سي إكس إم تي» لصناعة رقائق الذاكرة بما يصل إلى 3.6 في المائة، بينما انخفض سهم «سيميكوندكتور مانوفاكتشرينغ إنترناشونال كوربوريشن» 2.6 في المائة.

وفي هونغ كونغ، هبط سهم «تشونغجي إنولايت» بما يصل إلى 6.7 في المائة في إحدى مراحل التداول، بينما تراجع سهم «ميني ماكس» بما يصل إلى 7.8 في المائة. كما انخفض سهم «زد إيه آي»، مطورة سلسلة نماذج «جي إل إم» للذكاء الاصطناعي، بما يصل إلى 10.5 في المائة، بعد طرح أسهمها بسعر مخفض.

مخاطر «غير مقبولة»

أصدرت شركة «أنثروبيك»، ومقرها سان فرانسيسكو، الخميس، تقريراً للاستخبارات المتعلقة بالتهديدات، تناول كيفية استخدام عدة جهات لنماذج الذكاء الاصطناعي «كلود» التابعة لها في أنشطة تراوحت بين تطوير الأسلحة والعمليات السيبرانية والمراقبة والاحتيال.

وازدادت المخاوف بشأن الأضرار المحتملة للذكاء الاصطناعي بعدما استقال الباحث في «أنثروبيك» جاكوب كوكسون، قائلاً إن «الأشخاص الذين يبنون الذكاء الاصطناعي يؤمنون بجدية بأنه قد يقضي علينا جميعاً بحلول نهاية العقد».

وقال ألتمان، في مقابلة، إن مخاطر انقراض البشر التي يفرضها الذكاء الاصطناعي «غير مقبولة».

وفي حين أثار عدد من المشرعين الأميركيين مخاوف بشأن التطور السريع للذكاء الاصطناعي ودعوا إلى وضع قواعد جديدة، وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد، منتقدي الذكاء الاصطناعي بأنهم قوى سلبية للغاية تطرح سيناريوهات لن تتحقق، وقال إنه يريد ضمان بقاء الولايات المتحدة في صدارة هذه الصناعة.

وقد أسهمت الاستثمارات والتداولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في دفع جزء كبير من مكاسب الأسهم العالمية منذ أن أطلقت «أوبن إيه آي» «تشات جي بي تي» في عام 2022. لكن الهجمات الإلكترونية التي نفذها وكلاء ذكاء اصطناعي خارجون عن السيطرة، إلى جانب الاستياء الشعبي من التوسع في بناء مراكز البيانات، أديا في الآونة الأخيرة إلى تنامي المعارضة لتطوير هذه الصناعة.

ومن المتوقع أن تجري الحكومتان الأميركية والصينية محادثات بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي، في إطار مباحثات ثنائية مقررة هذا الشهر، وفقاً لشخصين اطلعا على الخطط.

لكن صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية المدعومة من الدولة انتقدت مقال أمودي في افتتاحية، ووصفته بأنه «دليل إرشادي من الحرب الباردة» يهدف إلى كبح التطور التكنولوجي للصين.

واستخف بعض المستثمرين بتحذيرات «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي».

وقال مايكل بيري، الذي اشتهر برهاناته الناجحة ضد سوق الإسكان الأميركية قبيل الأزمة المالية عام 2008، وتناولت قصته في فيلم «ذا بيغ شورت»، في رسالة عبر منصة «إكس»، إن التحذيرات ليست سوى «ضجيج ومبالغة»، وإنها «غطاء لتباطؤ النمو الحقيقي الذي لا يمكن السيطرة عليه».

ورأى آخرون أن هذه التحذيرات قد تظل عاملاً ضاغطاً على الأسواق.

وقالت تشارو تشانانا، كبيرة استراتيجيي الاستثمار لدى «ساكسو بنك» في سنغافورة: «على المدى القصير، قد تواصل هذه التحذيرات الضغط على أسهم الذكاء الاصطناعي والرقائق».

وأضافت: «تفترض تقييماتها ارتفاع الطلب واستمرار وتيرة التقدم التكنولوجي من دون هوادة. وعندما تكون التوقعات مرتفعة إلى هذا الحد، فإن مجرد احتمال حدوث تأخير قد يدفع المستثمرين إلى جني الأرباح».

لكن السؤال الأكبر بالنسبة للأسواق فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي هو: من سيحصد في نهاية المطاف عوائد كل رأس المال الذي يجري إنفاقه على بناء قدرات إنتاجية جديدة؟ وقال سيباستيان ماليت، مدير المحافظ لدى «تي. رو برايس» في لندن، إن هذا هو السؤال الأهم.

وأضاف: «لا شك في أن الذكاء الاصطناعي سيغير العالم. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن كل استثمار يجري ضخه اليوم سيحقق عائداً مجزياً».