حين يستقبل الرئيس دونالد ترمب نظيره الصيني شي جينبينغ في واشنطن، في 24 سبتمبر (أيلول) المقبل، لن يكون الذكاء الاصطناعي مجرد بند تقني إلى جانب التجارة والرسوم الجمركية، بل أحد المفاتيح التي ستحدد شكل العلاقة بين القوتين خلال السنوات المقبلة.
فقد أكد ترمب أن القضية ستكون حاضرة في المحادثات، في وقت لم يعد فيه السؤال مقتصراً على قدرة الولايات المتحدة على إنتاج أذكى النماذج، وإنما بات يشمل قدرتها على إبقاء العالم داخل منظومتها التكنولوجية.
تأتي القمة بعد صدمة أحدثها نموذج «كيمي كي 3» الصيني، وفي خضم انقسام داخل إدارة ترمب ووادي السيليكون حول سؤال مهم: هل تقتضي حماية الأمن القومي تقييد النماذج الصينية، وربما إبطاء نشر أكثر النماذج الأميركية تطوراً، أم أن هذه القيود ستمنح بكين فرصة لاجتذاب المستخدمين والدول الباحثة عن تقنيات أرخص وأكثر مرونة؟ الجواب لا يؤكد انتهاء التفوق الأميركي، لكنه يكشف أن طبيعته تغيّرت، وأن امتلاك النموذج الأقوى لم يعد وحده ضمانة للفوز في سباق التقنية.
تفوق يتقلص ولا ينهار
قدّم إطلاق شركة «مونشوت إيه آي» الصينية نموذجها «كيمي كي 3» دليلاً قوياً على سرعة الصين في تقليص الفجوة. ووفق تقييم نشره موقع «أرتيفيشال أناليسيس» عند إطلاق النموذج، حلّ «كيمي كي 3» ثالثاً على مؤشر الذكاء، محققاً 57 نقطة، بمستوى مقارب لنموذجي «كلود أوبوس 4.8» و«جي بي تي 5.5»، وإن ظل خلف «كلود فابل 5» و«جي بي تي 5.6 سول».
كما تفوَّق على نماذج أميركية رائدة في اختبارات لبرمجة الواجهات الأمامية، وحقق ثاني أعلى نتيجة في اختبار للعمل المعرفي طويل المدى.

لكن القيمة الاستراتيجية للنموذج لا تكمن في احتلاله المركز الأول، بل في تكلفته المنخفضة. ووفق تقديرات «أكسيوس»، ينخفض بنحو 40 في المائة عن بعض النماذج الأميركية التي ينافسها. ويضيف التقدير أنه يجب التمييز بين النموذج «مفتوح الأوزان» والنموذج «مفتوح المصدر» بالكامل؛ فإتاحة الأوزان تعني السماح للمستخدمين بتحميل النسخة المدرَّبة من النموذج وتشغيلها أو تعديلها، لكنها لا تكشف بالضرورة عن البيانات التي دُرّب عليها، أو الشفرة المستخدمة في تطويره، أو جميع تفاصيل عملية التدريب.
لذلك ينقسم السباق إلى مسارين: أميركي يقود حدود القدرات القصوى عبر نماذج باهظة ومغلقة، وصيني يركز على نماذج قريبة من تلك الحدود، لكنها أرخص وأسهل تبنّياً. ولا تحتاج معظم الشركات إلى أقوى نموذج لخدمة الزبائن واستخراج البيانات والجزء الأكبر من أعمال البرمجة. وإذا استطاعت النماذج المفتوحة تلبية معظم هذه الاستخدامات، فقد تتحول النماذج الأميركية المتقدمة إلى منتجات متميزة لسوق أصغر وأكثر تخصصاً.
مع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تتفوَّق في الرقائق المتقدمة، والحوسبة السحابية، ورأس المال، ومراكز البيانات، والجامعات واستقطاب المواهب. كما أن الاختبارات المعيارية لا تقيس وحدها الموثوقية والأمن والأداء في البيئات الفعلية. لذلك لم تُنه الصين بعدُ الريادة الأميركية، بل أنهت التفرد الأميركي في مجال الابتكار في الذكاء الاصطناعي.
انقسام داخل معسكر ترمب
في مواجهة ذلك، بنت إدارة ترمب، بحسب «خطة البيت الأبيض للذكاء الاصطناعي» استراتيجيتها على ثلاثة أعمدة: الابتكار، والبنية التحتية، والشراكات الدولية. وتعهّدت بتسريع بناء مراكز البيانات وتصدير «الحزمة الأميركية» المتكاملة من الرقائق والنماذج والخدمات إلى الحلفاء.

غير أن صعود «كيمي كي3» أعاد تنشيط تيار أمني يدرس، بحسب «أكسيوس»، إدراج مختبرات صينية على «قائمة الكيانات»، وتشديد قواعد المشتريات الحكومية، وتحميل الشركات الأميركية مسؤولية أمنية عند استضافة النماذج الصينية. ولا تحتاج واشنطن إلى حظر صريح؛ إذ يمكن للتحذيرات الرسمية والقيود على التعاقدات والتهديد بالعقوبات أن تدفع الشركات إلى التخلي عنها.

ومع ذلك؛ فالمخاوف ليست مختلقة. هناك احتمالات لتسريب البيانات، فضلاً عن اتهامات بسعي النماذج الصينية الجديدة لاستخلاص قدرات النماذج الأميركية، والوصول إلى رقائق محظورة. لكن معارضي القيود، وفي مقدمهم ديفيد ساكس، الرئيس المشارك لمجلس مستشاري الرئيس للعلوم والتكنولوجيا والمستشار السابق للبيت الأبيض لشؤون الذكاء الاصطناعي والعملات المشفّرة، يحذرون من تحويل الأمن القومي إلى أداة لحماية شركتي «أوبن إيه أي» و«أنثروبيك» من المنافسة. كما أن حجب نماذج أميركية متقدمة أو إخضاعها لقرارات نشر متقلبة قد يفرض «حداً للسرعة» على الشركات الأميركية، فيما تواصل الصين التقدم بلا قيود مماثلة.
الرقائق تختصر المعضلة
يتجسَّد التناقض نفسه في المواجهة بين «أبل» و«ميكرون». وبحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، تطالب «أبل» بالسماح باستخدام شرائح ذاكرة من شركتي «سي إكس إم تي» و«واي إم تي سي» الصينيتين في المنتجات المبيعة خارج الولايات المتحدة، لتخفيف أثر نقص المعروض وارتفاع الأسعار. أما «ميكرون»، وهي المنتج الأميركي الكبير الوحيد لشرائح الذاكرة، فتحذر من أن فتح الباب أمام المورِّدين الصينيين قد يدمر الصناعة المحلية، وتستند إلى خطة لاستثمار 250 مليار دولار داخل الولايات المتحدة.

وهكذا يجد ترمب نفسه بين خفض أسعار الأجهزة وحماية القدرة الصناعية الأميركية؛ فالسماح باستخدام الرقائق الصينية يقلل التكلفة، لكنه يعزز منافسين مدعومين من بكين، ومنعها يحمي الاستثمار المحلي، لكنه يرفع الأسعار ويبطئ نشر تقنيات الذكاء الاصطناعي الأميركية.
وتوضح هذه المفاضلة أن سياسة الفصل التكنولوجي الشامل قد تكون باهظة، بقدر ما هي صعبة التنفيذ.
التفوق عبر منظومة شراكات
أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن واشنطن تحاول بناء بديل، من خلال مبادرة «باكس سيليكا»، التي جمعت 35 دولة حول سلاسل إمداد موثوقة وسياسات مؤيدة للاستثمار والابتكار. لكن دولاً كثيرة، بما فيها حلفاء لواشنطن، تريد «سيادة رقمية» تتيح لها تشغيل النماذج محلياً وعدم الارتهان للشركات الأميركية فقط.

وهنا تمتلك الصين عرضاً مغرياً بنماذج أقل سعراً، قابلة للتخصيص، ترافقها أحياناً بنية تحتية وتمويل. لذلك يرى محللون أن النجاح الأميركي لن يكون في منع «كيمي كي 3»، بل في تقديم بديل أميركي مفتوح ومنافس، مع قَصْر القيود على المخاطر القابلة للإثبات، والاستمرار في الاستثمار بالحوسبة والطاقة والبحث والمواهب؛ فالحظر قد يحمي السوق الأميركية مؤقتاً، لكنه لا يستطيع منع بقية العالم من اختيار التكنولوجيا الصينية.
ويرى هؤلاء أن التفوق الأميركي لم ينتهِ، لكنه لم يعد تفوقاً ساحقاً أو مضموناً. وما ستناقشه قمة ترمب وشي في سبتمبر هو، في جوهره، ما سيضع قواعد المرحلة المقبلة: الدولة التي تنتج أذكى نموذج، أم الدولة التي تجعل تقنيتها الخيار الأكثر انتشاراً وقابلية للاستخدام.
