قمة ترمب وشي... الذكاء الاصطناعي بين التفوق الأميركي والانتشار الصيني

واشنطن تقود القدرات وبكين تعول على التكلفة والمرونة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ في قاعة الشعب الكبرى يوم 14 مايو 2026 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ في قاعة الشعب الكبرى يوم 14 مايو 2026 (أ.ب)
TT

قمة ترمب وشي... الذكاء الاصطناعي بين التفوق الأميركي والانتشار الصيني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ في قاعة الشعب الكبرى يوم 14 مايو 2026 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ في قاعة الشعب الكبرى يوم 14 مايو 2026 (أ.ب)

​حين يستقبل الرئيس دونالد ترمب نظيره الصيني شي جينبينغ في واشنطن، في 24 سبتمبر (أيلول) المقبل، لن يكون الذكاء الاصطناعي مجرد بند تقني إلى جانب التجارة والرسوم الجمركية، بل أحد المفاتيح التي ستحدد شكل العلاقة بين القوتين خلال السنوات المقبلة.

فقد أكد ترمب أن القضية ستكون حاضرة في المحادثات، في وقت لم يعد فيه السؤال مقتصراً على قدرة الولايات المتحدة على إنتاج أذكى النماذج، وإنما بات يشمل قدرتها على إبقاء العالم داخل منظومتها التكنولوجية.

تأتي القمة بعد صدمة أحدثها نموذج «كيمي كي 3» الصيني، وفي خضم انقسام داخل إدارة ترمب ووادي السيليكون حول سؤال مهم: هل تقتضي حماية الأمن القومي تقييد النماذج الصينية، وربما إبطاء نشر أكثر النماذج الأميركية تطوراً، أم أن هذه القيود ستمنح بكين فرصة لاجتذاب المستخدمين والدول الباحثة عن تقنيات أرخص وأكثر مرونة؟ الجواب لا يؤكد انتهاء التفوق الأميركي، لكنه يكشف أن طبيعته تغيّرت، وأن امتلاك النموذج الأقوى لم يعد وحده ضمانة للفوز في سباق التقنية.

تفوق يتقلص ولا ينهار

قدّم إطلاق شركة «مونشوت إيه آي» الصينية نموذجها «كيمي كي 3» دليلاً قوياً على سرعة الصين في تقليص الفجوة. ووفق تقييم نشره موقع «أرتيفيشال أناليسيس» عند إطلاق النموذج، حلّ «كيمي كي 3» ثالثاً على مؤشر الذكاء، محققاً 57 نقطة، بمستوى مقارب لنموذجي «كلود أوبوس 4.8» و«جي بي تي 5.5»، وإن ظل خلف «كلود فابل 5» و«جي بي تي 5.6 سول».

كما تفوَّق على نماذج أميركية رائدة في اختبارات لبرمجة الواجهات الأمامية، وحقق ثاني أعلى نتيجة في اختبار للعمل المعرفي طويل المدى.

لقاء سابق بين الرئيسين الصيني شي جينبينغ والأميركي دونالد ترمب في بوسان يوم 30 أكتوبر 2025 (رويترز)

لكن القيمة الاستراتيجية للنموذج لا تكمن في احتلاله المركز الأول، بل في تكلفته المنخفضة. ووفق تقديرات «أكسيوس»، ينخفض بنحو 40 في المائة عن بعض النماذج الأميركية التي ينافسها. ويضيف التقدير أنه يجب التمييز بين النموذج «مفتوح الأوزان» والنموذج «مفتوح المصدر» بالكامل؛ فإتاحة الأوزان تعني السماح للمستخدمين بتحميل النسخة المدرَّبة من النموذج وتشغيلها أو تعديلها، لكنها لا تكشف بالضرورة عن البيانات التي دُرّب عليها، أو الشفرة المستخدمة في تطويره، أو جميع تفاصيل عملية التدريب.

لذلك ينقسم السباق إلى مسارين: أميركي يقود حدود القدرات القصوى عبر نماذج باهظة ومغلقة، وصيني يركز على نماذج قريبة من تلك الحدود، لكنها أرخص وأسهل تبنّياً. ولا تحتاج معظم الشركات إلى أقوى نموذج لخدمة الزبائن واستخراج البيانات والجزء الأكبر من أعمال البرمجة. وإذا استطاعت النماذج المفتوحة تلبية معظم هذه الاستخدامات، فقد تتحول النماذج الأميركية المتقدمة إلى منتجات متميزة لسوق أصغر وأكثر تخصصاً.

مع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تتفوَّق في الرقائق المتقدمة، والحوسبة السحابية، ورأس المال، ومراكز البيانات، والجامعات واستقطاب المواهب. كما أن الاختبارات المعيارية لا تقيس وحدها الموثوقية والأمن والأداء في البيئات الفعلية. لذلك لم تُنه الصين بعدُ الريادة الأميركية، بل أنهت التفرد الأميركي في مجال الابتكار في الذكاء الاصطناعي.

انقسام داخل معسكر ترمب

في مواجهة ذلك، بنت إدارة ترمب، بحسب «خطة البيت الأبيض للذكاء الاصطناعي» استراتيجيتها على ثلاثة أعمدة: الابتكار، والبنية التحتية، والشراكات الدولية. وتعهّدت بتسريع بناء مراكز البيانات وتصدير «الحزمة الأميركية» المتكاملة من الرقائق والنماذج والخدمات إلى الحلفاء.

مستخدم يستعرض نموذج «كيمي كي 3» الصيني التابع لشركة «مونشوت» (رويترز)

غير أن صعود «كيمي كي3» أعاد تنشيط تيار أمني يدرس، بحسب «أكسيوس»، إدراج مختبرات صينية على «قائمة الكيانات»، وتشديد قواعد المشتريات الحكومية، وتحميل الشركات الأميركية مسؤولية أمنية عند استضافة النماذج الصينية. ولا تحتاج واشنطن إلى حظر صريح؛ إذ يمكن للتحذيرات الرسمية والقيود على التعاقدات والتهديد بالعقوبات أن تدفع الشركات إلى التخلي عنها.

شعار نموذج «تشات جي بي تي» التابع لشركة «أوبن إيه آي» (إ.ب.أ)

ومع ذلك؛ فالمخاوف ليست مختلقة. هناك احتمالات لتسريب البيانات، فضلاً عن اتهامات بسعي النماذج الصينية الجديدة لاستخلاص قدرات النماذج الأميركية، والوصول إلى رقائق محظورة. لكن معارضي القيود، وفي مقدمهم ديفيد ساكس، الرئيس المشارك لمجلس مستشاري الرئيس للعلوم والتكنولوجيا والمستشار السابق للبيت الأبيض لشؤون الذكاء الاصطناعي والعملات المشفّرة، يحذرون من تحويل الأمن القومي إلى أداة لحماية شركتي «أوبن إيه أي» و«أنثروبيك» من المنافسة. كما أن حجب نماذج أميركية متقدمة أو إخضاعها لقرارات نشر متقلبة قد يفرض «حداً للسرعة» على الشركات الأميركية، فيما تواصل الصين التقدم بلا قيود مماثلة.

الرقائق تختصر المعضلة

يتجسَّد التناقض نفسه في المواجهة بين «أبل» و«ميكرون». وبحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، تطالب «أبل» بالسماح باستخدام شرائح ذاكرة من شركتي «سي إكس إم تي» و«واي إم تي سي» الصينيتين في المنتجات المبيعة خارج الولايات المتحدة، لتخفيف أثر نقص المعروض وارتفاع الأسعار. أما «ميكرون»، وهي المنتج الأميركي الكبير الوحيد لشرائح الذاكرة، فتحذر من أن فتح الباب أمام المورِّدين الصينيين قد يدمر الصناعة المحلية، وتستند إلى خطة لاستثمار 250 مليار دولار داخل الولايات المتحدة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في حدائق مجمع تشونغنانهاي ببكين يوم 15 مايو (أ.ف.ب)

وهكذا يجد ترمب نفسه بين خفض أسعار الأجهزة وحماية القدرة الصناعية الأميركية؛ فالسماح باستخدام الرقائق الصينية يقلل التكلفة، لكنه يعزز منافسين مدعومين من بكين، ومنعها يحمي الاستثمار المحلي، لكنه يرفع الأسعار ويبطئ نشر تقنيات الذكاء الاصطناعي الأميركية.

وتوضح هذه المفاضلة أن سياسة الفصل التكنولوجي الشامل قد تكون باهظة، بقدر ما هي صعبة التنفيذ.

التفوق عبر منظومة شراكات

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن واشنطن تحاول بناء بديل، من خلال مبادرة «باكس سيليكا»، التي جمعت 35 دولة حول سلاسل إمداد موثوقة وسياسات مؤيدة للاستثمار والابتكار. لكن دولاً كثيرة، بما فيها حلفاء لواشنطن، تريد «سيادة رقمية» تتيح لها تشغيل النماذج محلياً وعدم الارتهان للشركات الأميركية فقط.

ترمب يتحدث إلى جانب نظيره الصيني شي جينبينغ خلال زيارة إلى بكين يوم 15 مايو 2026 (أ.ب)

وهنا تمتلك الصين عرضاً مغرياً بنماذج أقل سعراً، قابلة للتخصيص، ترافقها أحياناً بنية تحتية وتمويل. لذلك يرى محللون أن النجاح الأميركي لن يكون في منع «كيمي كي 3»، بل في تقديم بديل أميركي مفتوح ومنافس، مع قَصْر القيود على المخاطر القابلة للإثبات، والاستمرار في الاستثمار بالحوسبة والطاقة والبحث والمواهب؛ فالحظر قد يحمي السوق الأميركية مؤقتاً، لكنه لا يستطيع منع بقية العالم من اختيار التكنولوجيا الصينية.

ويرى هؤلاء أن التفوق الأميركي لم ينتهِ، لكنه لم يعد تفوقاً ساحقاً أو مضموناً. وما ستناقشه قمة ترمب وشي في سبتمبر هو، في جوهره، ما سيضع قواعد المرحلة المقبلة: الدولة التي تنتج أذكى نموذج، أم الدولة التي تجعل تقنيتها الخيار الأكثر انتشاراً وقابلية للاستخدام.


مقالات ذات صلة

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

كتب «أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من...

ندى حطيط
تكنولوجيا يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)

«الذكاء الاصطناعي الخفي»... موظفون يستعينون بالتقنية سراً بعيداً عن أعين مديريهم

يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم في إطار ابتكارهم حلولهم الخاصة للتصدي لأعباء العمل.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو

ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

شارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقطع فيديو مُنشأً بواسطة الذكاء الاصطناعي، يظهر فيه وهو يصارع النمر الذي تسبب في مقتل رجل بريطاني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا يركز النموذج على المهام المعقدة متعددة الخطوات في البرمجة والمالية والقانون والأمن السيبراني والعلوم (أدوبي)

«غوغل» تطلق «Gemini 4 Argon» عالمياً للمهام المعقدة

تطلق «غوغل» نموذج «Gemini 4 Argon» عالمياً للمهام المعقدة في البرمجة والأعمال والعلوم مع قدرات متقدمة في الاستدلال والروبوتات

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد لافتة شارع «وول ستريت» أمام بورصة نيويورك (رويترز)

العقود الآجلة لـ«ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» ترتفع مع استقرار أسهم الذكاء الاصطناعي

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» قليلاً يوم الأربعاء، مع استقرار أسهم شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

محكمة تسمح لولاية أميركية بمنع الأطفال من استخدام منصات التواصل الاجتماعي

القرار يأتي وسط نقاش أوسع نطاقاً حول دور التطبيقات في التأثير على الصحة النفسية لصغار السن (رويترز)
القرار يأتي وسط نقاش أوسع نطاقاً حول دور التطبيقات في التأثير على الصحة النفسية لصغار السن (رويترز)
TT

محكمة تسمح لولاية أميركية بمنع الأطفال من استخدام منصات التواصل الاجتماعي

القرار يأتي وسط نقاش أوسع نطاقاً حول دور التطبيقات في التأثير على الصحة النفسية لصغار السن (رويترز)
القرار يأتي وسط نقاش أوسع نطاقاً حول دور التطبيقات في التأثير على الصحة النفسية لصغار السن (رويترز)

سمحت محكمة استئناف فيدرالية، يوم الأربعاء، لفلوريدا بتطبيق قانون للولاية يمنع الأطفال دون سن 14 عاماً من استخدام منصات التواصل الاجتماعي مثل «إنستغرام» و«تيك توك» و«سناب شات»، رافضة ما قالته مجموعتان تمثلان قطاع التكنولوجيا حول انتهاك القانون للحماية التي يوفرها الدستور الأميركي لحرية التعبير.

وفي حكم صدر بالإجماع، ألغت هيئة مؤلفة من ثلاثة قضاة في محكمة استئناف مقرها أتلانتا، الأمر الأولي الصادر عن محكمة أدنى درجة والذي كان يوقف تنفيذ القانون.

ووفق وكالة «رويترز»، قالت المحكمة إن القانون لا ينظم المحتوى الذي تقدمه مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتالي لا يتعارض مع التعديل الأول للدستور.

ويحظر القانون على منصات التواصل الاجتماعي التي تحتوي على ما يطلق عليها «خصائص تسبب الإدمان» - مثل التشغيل التلقائي للفيديو والمقاطع المصورة التي لا حصر لها - السماح للأطفال دون سن 14 عاماً بإنشاء حسابات.

وكانت مجموعتا «نت تشويس» ورابطة صناعة الكمبيوتر والاتصالات قد رفعتا دعوى قضائية في عام 2024 لوقف العمل بالقانون. وتضم المجموعتان شركات «ميتا بلاتفورمز» و«تيك توك» و«سناب شات».

وكانت فلوريدا من أوائل الولايات التي أقرت قانوناً ينظم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال، وسط نقاش أوسع نطاقاً حول دور التطبيقات في التأثير على الصحة النفسية لصغار السن.


هواجس الخسارة تطارد الجمهوريين من ماين إلى ألاسكا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدلي بكلمة في مركز «كورتيس دي مينارد» الرياضي في ألاسكا - يوم 13 أكتوبر (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدلي بكلمة في مركز «كورتيس دي مينارد» الرياضي في ألاسكا - يوم 13 أكتوبر (رويترز)
TT

هواجس الخسارة تطارد الجمهوريين من ماين إلى ألاسكا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدلي بكلمة في مركز «كورتيس دي مينارد» الرياضي في ألاسكا - يوم 13 أكتوبر (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدلي بكلمة في مركز «كورتيس دي مينارد» الرياضي في ألاسكا - يوم 13 أكتوبر (رويترز)

لاحقت هواجس الخسارة المحتملة الجمهوريين في كل الولايات المتحدة، من ماين حيث تكافح السيناتورة سوزان كولينز للاحتفاظ بالمقعد الذي تشغله منذ ثلاثة عقود في مجلس الشيوخ، إلى ألاسكا التي سافر إليها الرئيس دونالد ترمب لدعم السيناتور، دان سوليفان، مروراً بولايات أخرى في وسط البلاد يسعى الديمقراطيون إلى الفوز فيها، لقلب المعادلة لمصلحتهم في مجلسي النواب والشيوخ.

ويأمل الديمقراطيون في أن تنعكس الاستطلاعات إيجاباً في صناديق الاقتراع خلال الانتخابات النصفية للكونغرس في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والإفادة إلى الحد الأقصى من تراجع شعبية الرئيس ترمب بسبب التضخم وارتفاع أسعار مشتقات الوقود والطاقة والأسمدة وغيرها من السلع اليومية، بالإضافة إلى الحرب مع إيران.

وتواجه السيناتورة كولينز، التي توصف بأنها جمهورية معتدلة عن ولاية تميل أكثر إلى الديمقراطيين، محطّة لا سابق لها في مسيرتها السياسية، بعد أقل من ثلاثة أسابيع.

السناتور الجمهورية سوزان كولينز خلال حملة انتخابية في فرايبورغ، ماين (أ.ف.ب)

وكانت كولينز فازت بخمسة انتخابات في ولاية تصوت عادة للديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية، بفضل ترسيخ سمعتها كجمهورية مستقلة تحقق إنجازات ملموسة في ماين. لكنها هذا العام تُصارع قوى تضيق الخناق عليها من عدة جهات: غضب الطبقة العاملة من ارتفاع الأسعار، ودعوات للتغيير الجيلي. وقبل كل شيء، رغبة جامحة لدى العديد من الناخبين في التعبير عن رفضهم لأداء الرئيس ترمب في ولايته الثانية.

وتخوض كولينز، البالغة من العمر 73 عاماً، وهي من المتشككين القلائل في الرئيس ترمب، معركة سياسية مصيرية، ساعية إلى الفوز في ولاية يشعر فيها الناخبون بالغضب من ترمب، ويعتبرون أنها لم تعارضه بقوة كافية.

ويشير سباقها الانتخابي ضد الديمقراطي التقدمي تروي جاكسون، وهو عضو سابق في المجلس التشريعي للولاية، إلى منافسة حامية. ويقول بعض مؤيديها إنهم غاضبون بسبب ارتباط اسمها بإلغاء قرار «رو ضد ويد» الخاص بحقوق الإجهاض في المحكمة العليا عام 2022. وتضاعف الغضب بسبب ارتفاع أسعار وقود التدفئة بسبب حرب إيران، فضلاً عن الغضب الشعبي إزاء مقتل مهاجر على يد أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك (آيس) في الولاية.

معركة في ألاسكا

توجَّه الرئيس ترمب في مطلع الأسبوع إلى ألاسكا، التي تُعدّ معقلاً للمحافظين المؤيدين له وللجمهوريين، قاطعاً مسافة 3400 ميل لحشد قاعدته الشعبية للحفاظ على مقعد السيناتور دان سوليفان، الذي يواجه منافسة شديدة لم تكن متوقعة من النائبة الديمقراطية السابقة ماري بيلتولا.

ترمب متحدثاً مع فنيي محركات الديزل باتريك فليمنغ (وسط) وزاكاري تشوباك في ألاسكا - يوم 13 أكتوبر (أ.ف.ب)

فمع تضاؤل ​​فرص الجمهوريين للفوز بمقاعد مجلس الشيوخ في ولايات، مثل نورث كارولينا وجورجيا، صارت ألاسكا ساحة معركة حاسمة في الانتخابات النصفية.

وفي مقابل الحماسة التي أظهرها الجمهوريون في هذه الولاية الباردة مع زيارة ترمب، تحرك محتجون مناهضون له من جماعات ديمقراطية محلية.

ومن على المنصة، هاجم ترمب بيلتولا باعتبارها «مجنونة». وحمل بشدة على مرشح آخر يحمل نفس اسم دان سوليفان. وحضّ الحضور على دعم مرشحه لمجلس النواب، النائب الحالي، نيك بيغيتش، وبرناديت ويلسون لمنصب حاكمة الولاية. وقال ترمب، ملخصاً قائمة مرشحيه في ألاسكا: «صوتوا لدان الحقيقي، صوتوا لنيك. صوتوا لحاكمة رائعة».

وانفجرت الحشود بالهتافات عندما استدعى ترمب إلى المنصة رجلين من منطقة «واسيلا» اتهمتهما إدارة الرئيس السابق جو بايدن بانتهاك قانون الهواء النظيف. ووقّع على قرارات العفو عنهما خلال التجمُّع.

كما استدعى ترمب إلى المنصة رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية، بريندان كار، للإعلان عن أن وكالته تخطط لاستثمار أكثر من 160 مليون دولار لتوسيع نطاق الوصول إلى الإنترنت فائق السرعة في الولاية. ولم يتطرق سوليفان، الذي استقبل بحفاوة بالغة خلال خطابه، إلى الحرب في إيران، عندما أقر بـ«ارتفاع تكلفة الطاقة» التي تسببت في معاناة البعض.

وقال المرشح الجمهوري المحافظ لمجلس نواب الولاية مايكل بولز، الذي ينافس مرشحاً جمهورياً معتدلاً حالياً، إن نسبة إقبال الرجال غير المنتسبين لأي حزب سياسي في الولاية تثير القلق.

تراجعات إضافية

في غضون ذلك، تراجع الجمهوريون عن عدد من سباقات مجلس النواب، بينما سارع الديمقراطيون لجمع التبرعات لدعم مرشحيهم الذين بدت فرصهم ضئيلة في وقت سابق من هذا العام.

وألغت أبرز لجنة عمل سياسي جمهورية في مجلس النواب الإنفاق في أربع دوائر انتخابية تمتد من الغرب الأوسط إلى الساحل الشرقي، وزادت استثماراتها في 16 دائرة أخرى من تكساس إلى بنسلفانيا. كما خفضت لجنة عمل سياسي أخرى متحالفة مع الرئيس ترمب إنفاقها في دائرة انتخابية حاسمة بمنطقة لاس فيغاس.

في المقابل، تتطلع لجنة حملة الديمقراطيين في مجلس النواب إلى استغلال المقاعد الشاغرة في الدوائر التي يسيطر عليها الجمهوريون، وتأمل في جمع ملايين الدولارات خلال الأسبوع المقبل لتمويل جولة أخيرة من الإعلانات التي يقولون إنها قد تؤدي إلى ستة مقاعد إضافية على الأقل.

السيناتور بيرني ساندرز خلال نشاط انتخابي مع المرشح الديمقراطي عن ولاية ماين لمجلس الشيوخ تروي جاكسون في ليويستون - ماين (أ.ف.ب)

ويشير تحوّل الأموال في الأسابيع الثلاثة الأخيرة من حملات الانتخابات النصفية إلى موقف دفاعي متزايد من الجمهوريين، الذين خفضوا بالفعل توقعاتهم في سباقات مجلس الشيوخ، وإلى حماسة جديدة من جانب الديمقراطيين، الذين يحاولون استغلال تراجع شعبية الرئيس ترمب.

وكذلك قلّص الجمهوريون إنفاقهم في الدائرة الأولى من أيوا؛ حيث تدافع النائبة الجمهورية ماريانيت ميلر - ميكس، التي شغلت منصبها لثلاث دورات، عن مقعدها ضد الديمقراطية كريستينا بوهانان.

وبالمثل، قال المسؤولون إن المجموعة لن تستمر في الإنفاق في الدائرة السابعة في نيوجيرزي؛ حيث يتنافس النائب الجمهوري توم كاين، الذي يشغل منصبه لدورتين، مع الديمقراطية ريبيكا بينيت.

بدلاً من ذلك، ستعزز المجموعة الدوائر الانتخابية التي فاز فيها ترمب على الديمقراطية كامالا هاريس بفارق ضئيل في عام 2024. وقد رصدت منظمة «السلامة والقدرة على تحمل التكاليف»، وهي فرع من منظمة «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، زهاء مليون دولار للإنفاق الإعلاني بهدف دعم حملة الجمهوري مارتي أودونيل في الدائرة الثالثة من نيفادا.


قاضٍ فيدرالي يرفض حظر ترمب على وسائل إعلامية

الناطقة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا أمام الصحافيين في واشنطن العاصمة (أ.ب)
الناطقة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا أمام الصحافيين في واشنطن العاصمة (أ.ب)
TT

قاضٍ فيدرالي يرفض حظر ترمب على وسائل إعلامية

الناطقة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا أمام الصحافيين في واشنطن العاصمة (أ.ب)
الناطقة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا أمام الصحافيين في واشنطن العاصمة (أ.ب)

أمر قاضي المحكمة الجزئية الأميركية تيموثي كيلي بمواصلة السماح لصحافيي شبكتي «سي إن إن» و«إم إس ناو» وموقع «بوليتيكو» بالدخول إلى البيت الأبيض، إلى حين البت في قرار الحظر الذي اتخذه الرئيس دونالد ترمب الشهر الماضي.

وكان الرئيس ترمب أعلن الشهر الماضي قراره بمنع صحافيي هذه المؤسسات من دخول البيت الأبيض بسبب «نشرهم المستمر للأخبار الكاذبة». ونفذ قراره على الفور، وصادر جهاز الخدمة السرية الأميركي بطاقات اعتمادهم الصحافية.

ولجأت المؤسسات الإخبارية إلى القضاء، مدعية أن الحظر الرئاسي جاء انتقاماً منها بسبب تغطيتها الإخبارية، في انتهاك للتعديل الأول للدستور، مضيفة أن مراسليها حُرموا من حقهم الدستوري في الإجراءات القانونية الواجبة، لعدم إخطارهم بأن تقاريرهم قد تؤدي إلى سحب تصاريح دخولهم إلى البيت الأبيض أو منحهم فرصة للرد.

وفي قرار مؤلف من 26 صفحة، وافق القاضي كيلي، الذي عينه ترمب، على طلب المؤسسات الإعلامية بإصدار أمر قضائي يسمح لصحافييها بمواصلة عملهم في البيت الأبيض ريثما تبت القضية، مؤكداً أن إلغاء تصاريح دخول الصحافيين يعد انتهاكاً لحقوقهم المنصوص عليها في التعديلين الأول والخامس للدستور الأميركي.

حقوق الصحافيين

وكتب القاضي الفيدرالي في قراره: «من المرجح أن يكون إلغاء الرئيس ترمب لتصاريح دخول المدعين الدائمين إجراء من شأنه أن يردع أي صحافي أو مؤسسة إخبارية عاقلة عن نشر قصص يعترض عليها»، مضيفاً أن «إلغاء تصاريح دخول المدعين له تأثير كبير على كيفية قيامهم بعملهم، وما إذا كان بإمكانهم القيام به، وإلى أي مدى».

واعتبر أن تصريحات ترمب «تشير إلى أنه كان ينوي من خلال إلغاء تصاريح دخول المدعين تغيير تغطيتهم له، مما يعزز موقفه القائل بأن إجراءه هذا كافٍ لردع أي صحافي (...) عن العمل بنفس الطريقة التي كان يعمل بها سابقاً».

وكان ترمب قد توقع خسارة إدارته في المحكمة أمام شبكة «سي إن إن» و«إم إس ناو» وموقع «بوليتيكو». وأفاد عبر منصته «تروث سوشيال» بأنه إذا حكم القاضي كيلي ضده، فإن وزارة العدل ستستأنف الحكم.

ورأى وكيل الدفاع عن «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» المحامي ثيودور بوتروس أن المحكمة كانت محقة في منع البيت الأبيض من تنفيذ قرار الحظر.

وقال في بيان إنه «عندما أصدر الرئيس قراره بحظر حرية الصحافة، انتهك بشكل صارخ وصريح الإجراءات القانونية الواجبة والتعديل الأول للدستور».

وأضاف أنه «منذ ذلك الحين، اعترف الرئيس مراراً، وبصراحة وثبات، علناً بأنه منع موكلينا من دخول البيت الأبيض لمعاقبة التقارير التي لا تروق له، ومحاولة إجبار الصحافيين على تغطية أخباره بالطريقة التي يفضلها». وأكد أن «الضرر الذي ألحقه هذا الحظر بموكلينا، وبالتعديل الأول للدستور، وبالجمهور ككل، جسيم».

أمن قومي

كان البيت الأبيض قد قدم قوائم بالمقالات التي وصفها بأنها «تهدد الأمن القومي و/أو تنشر معلومات مضللة». لكن معظم هذه المقالات كُتبت من صحافيين لا يملكون تصاريح دخول رسمية إلى البيت الأبيض. واستندت إحدى القصص في «بوليتيكو» إلى مؤتمر صحافي عبر الهاتف نظمه البيت الأبيض. وخلال المؤتمر الصحافي، طلب من المراسلين نسبة الاقتباسات إلى «مسؤول رفيع في الإدارة»، وفقاً لسجلات المحكمة.

وفي جلسة استماع عُقدت الأسبوع الماضي، ضغط القاضي على محامي وزارة العدل في شأن مبررات إدارة ترمب للحظر، ولماذا يبدو أن حجة الحكومة في المحكمة تختلف عن تبرير ترمب. وذكرت وزارة العدل أن الرئيس ترمب قرر منع وسائل الإعلام من دخول البيت الأبيض لأنها انتهكت المعايير المهنية، وهدّدت الأمن القومي. لكن ترمب هاجم وسائل الإعلام مراراً لتغطيتها «السلبية» لإدارته ونشرها «قصصاً سيئة باستمرار».

وفي قراره، ذكر كيلي أن إدارة ترمب لم تقدم أدلة تثبت أن قرار إلغاء تصاريح الدخول الدائمة لصحافيي «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» كان في البداية مبنياً على أسس تتعلق بالأمن القومي، مؤكداً أن التقارير التي استشهد بها البيت الأبيض باعتبارها مثيرة للجدل «أمر شائع، سواء كان ذلك جيداً أو سيئاً».