رغم المسيرة الفنية الطويلة والمتشعبة للمخرج المصري خيري بشارة، فإنه يتعامل مع مشروعاته الفنية الجديدة بشغف البدايات، وروح الشباب، إذ يستعد لإجراء بروفات مسرحيته الاستعراضية الغنائية الجديدة عن حياة النجمة المصرية - الفرنسية الراحلة داليدا.
بشارة المعروف بصراحته، تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن بعض الكواليس الفنية التي مرّ بها، وبعض الصعوبات التي واجهها خلال العقود الماضية.
في بداية مشواره الفني عقب تخرجه من المعهد العالي للسينما، يقرّ بشارة بأنه كان يكره إخراج الأفلام التسجيلية والوثائقية معتبرها قيداً، لكن بعد إخراج فيلمه الشهير «صائد الدبابات»، اكتشف من خلال تلك الأفلام الشارع المصري الحقيقي الذي شكل وعيه السينمائي لاحقاً.
وأكد في حواره مع «الشرق الأوسط» أنه رغم عشقه لأستاذ الواقعية الكلاسيكية صلاح أبو سيف، فإنه تمرد على أسلوبه لأنه كان يبنيه داخل الأستديو، بينما كان يصرّ بشارة على نقل الكاميرا بالكامل إلى الحواري والشوارع الحقيقية والإضاءة الطبيعية.

وأكد أن فاتن حمامة هي التي طلبت العمل معه شخصياً في فيلم «يوم مر ويوم حلو» لكنه اشترط تطبيق رؤيته الفنية دون إملاءات، وقال إن كواليس العمل معها لم تكن وردية، حيث كانت معتادة على السينما المنضبطة، وتقديم الصورة المثالية، بينما أراد وجودها في الشارع الحقيقي.
وأشار إلى إصابته بحالة اكتئاب حادة أثناء تصوير الفيلم وبعده، بسبب غوصه في واقع العشوائيات والفقر المدقع، مؤكداً أن «الواقع كان سوداوياً، خصوصاً بعدما أخبره أحد المشاهدين أنه أصيب بذبحة صدرية بسبب قسوة الفيلم، فقرر إثر ذلك تقديم قصة واقعية بصيغة أخف، عبر فيلم (كابوريا)».

واعترف بشارة بإصابته بغصة نتيجة تعرضه لهجوم حاد في العرض الخاص لـ«كابوريا» عام 1990 معتقداً أن الهجوم جاء نتيجة عدم استيعاب الجمهور لتجديده الفني. مضيفاً: «عشت سنوات طويلة في صراع مع النقاد لأنهم تعاملوا مع أفلامي بنوع من التعالي، باحثين عن العيوب الإخراجية، بدلاً من إدراك لغة التمرد والفانتازيا التي أقدمها».
وأشار إلى أن «الخلافات بينه وبين أحمد زكي وصلت لمرحلة القطيعة، بسبب تدخله في أدق تفاصيل الإخراج واهتمامه بلقطاته الفردية، بينما كنت أتمسك برؤيتي الإخراجية الشاملة، لدرجة أن زكي غضب من قصة الشعر في البداية، ولم يكن موافقاً عليها».

وعلّق بشارة على طريقة كتابة اسمه على تتر فيلم «أيس كريم في جليم»، تحت عبارة «التركيبة الغنائية والدرامية والأسلوبية والإخراج» بقوله :«كان تصرفاً يتسم بالحماقة»، وبرر ذلك بـ«خوفه حينها من ضياع الجهد الذي بذله في صناعة التجربة».
وتحدث عن أسباب اختياره للمطربين في أدوار مهمة بأعماله، على غرار سيمون ومحمد منير، قائلاً: «المطرب أقرب لقلبي وأنا أحب أن أكون وفياً لمشاعري وتكويني الذي تشكل من الأغاني في السينما المصرية».
الطوق والأسورة
ويرى أن فيلمه «رغبة متوحشة» أقل أفلامه من الناحية الفنية، ونفذه تحت ضغط مادي وظروف إنتاجية لم تمنحه الحرية الكاملة كمخرج.

واسترجع ذكرياته عن فيلمه «الطوق والأسورة»، واصفاً مشهد قتل «فهيمة» التي جسّدت دورها «شيريهان» على يد خالها «مصطفى» (أحمد عبد العزيز)، تحت وطأة العادات والتقاليد، بـ«الأصعب» في مشواره الفني. مؤكداً أن «شيريهان عاشت الحالة النفسية للشخصية، وانخرطت في بكاء هيستيري حقيقي ومستمر قبل تصوير المشهد وأثناءه».
واتهم بشارة مخرجين ومنتجين بسرقة أفكار ومعالجات سينمائية كتبها، وأنهم قدّموها في أفلام نجحت تجارياً، مضيفاً أنه «لا يهتم بالجوائز والتكريمات الرسمية، معتبراً إياها مجرد علاقات عامة وسياسية».
وأكد أنه لا يحن لزمن دور العرض الكلاسيكية، ولا يبكى على أطلال الماضي، ويرى أن المنصات الرقمية وسينما الموبايل التطور الطبيعي، واصفاً المخرجين الذين يهاجمون التكنولوجيا بـ«العاجزين عن مواكبة العصر». وفق تعبيره.
«قلب مفتوح»
واعترف خيري بشارة أنه أخرج بعض الأفلام من أجل المال فقط، وأنه مرّ بفترات إفلاس مادي بسبب توقف مشروعاته الطموحة، ولجأ لإخراج بعض الإعلانات لتسديد أقساط مدارس أولاده، وإيجار منزله.
وكشف عن موقف عصيب مرّ به العام الماضي، حين ذهب إلى المستشفى لإجراء جراحة بسيطة في الركبة ليتفاجأ بالأطباء يبلغونه بضرورة إجراء عملية قلب مفتوح في اليوم التالي، وأكد أنه واجه تلك التجربة القاسية بضحك وثبات تام دون خوف.

وصرّح أنه لا يعترف بالتقدم في العمر، وأنه يمتلك روحاً لشاب في العشرينات، وهو ما يظهر في ملابسه الملونة وقبعاته: «المخرج الذي تشيخ روحه يموت خلف الكاميرا».
مسلسل ومسرحية وفيلم
وانتهى بشارة من تجسيد شخصية «قاضٍ» في مسلسل قصير بعنوان «العطل» مأخوذ عن قصة قصيرة تحمل الاسم نفسه للكاتب السويسري فريدريش دورينمات، تدور حول مفهوم العدالة النسبية وعجز القوانين الوضعية عن محاسبة الإنسان على خطاياه الأخلاقية.
وبعد إصداره روايته الأولى «الكبرياء الصيني» التي يتمنى تحويلها إلى عمل فني يستعد لطرح روايته الثانية، التي تحمل عنوان «رسالة الأميرة من العالم الآخر».
ويبدأ خلال الأيام المقبلة بروفات مسرحيته الغنائية الجديدة «داليدا... الأغنية التي لا تنتهي» بطولة السوبرانو المصرية العالمية فرح الديباني، كما يجهز لفيلم غنائي مع المنتج صفي الدين محمود.
