لم يكن أبرز ما في لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض حفاوة الاستقبال؛ بل غياب المشهد الصدامي الذي طبع اجتماعهما في فبراير (شباط) 2025. فاللقاء المغلق الذي استمر نحو ساعة ووصفه الطرفان بالإيجابي، نقل العلاقة من الاتهامات العلنية إلى حوار عملي شمل إنتاج صواريخ «باتريوت»، والتعاون في المُسيَّرات، وإحياء المسار الدبلوماسي مع روسيا.

وبعد الاجتماع، أعلن زيلينسكي أن ترمب وافق على منح أوكرانيا التراخيص اللازمة للإنتاج المشترك لصواريخ «باتريوت» الاعتراضية؛ مشيراً إلى أنه التقى لاحقاً ممثلين لشركات عسكرية أميركية كبرى لبحث تنفيذ المشروع.
ومع ذلك، لا يُثبت هذا الدفء أن ترمب غيَّر جوهر سياسته القائمة على رفض «المساعدات المفتوحة»، ودفع الأوروبيين إلى تحمل حصة أكبر من أعباء الحرب، ومواصلة الرهان على قدرته الشخصية على التواصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ما تغير بصورة أوضح هو تقييمه لقدرات أوكرانيا وزيلينسكي، بعدما لم تعد كييف تبدو في نظره طرفاً خاسراً ينتظر «إنقاذاً أميركياً».
أوراق أوكرانية جديدة
استفاد زيلينسكي من تحسن موقع بلاده الميداني، ليعيد تقديم أوكرانيا أمام ترمب على أنها دولة قادرة على القتال والإنتاج والابتكار، وليست مجرد طرف يطلب المال والسلاح.

فقد أبطأت القوات الأوكرانية التقدم الروسي على جبهات عدة، واستعادت بعض الأراضي، بينما نقلت حرب المُسيَّرات والصواريخ إلى العمق الروسي، مستهدفة منشآت للطاقة وخطوط إمداد ومواقع عسكرية. وفي مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» عقب لقائه ترمب، قال زيلينسكي إن «زمام المبادرة لم يعد في يدي بوتين»، مقدّراً أن روسيا تخسر نحو 30 ألف جندي شهرياً، ومعتبراً أن هذه التكلفة الباهظة لم تدفع الرئيس الروسي حتى الآن إلى وقف الحرب.
ويقول جون هاردي، نائب مدير برنامج روسيا في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن أوكرانيا «استعادت بعض الزخم خلال الأشهر الأخيرة»، بعدما كادت توقف التقدم الروسي، واستردت أراضي، ووجهت ضربات متلاحقة إلى العمق الروسي بواسطة المُسيَّرات والصواريخ. ويرى أن هذا الأداء أثار إعجاب ترمب، الذي «يحب المنتصرين»، وجعله يدرك أن أوكرانيا تمتلك «أوراقاً» أكثر مما كان يفترض، عندما قال سابقاً إن كييف لا تملك الأدوات اللازمة لمواصلة الحرب.
Today in Washington, we had a major meeting with representatives of both parties in the Senate – more than 60 senators were present. Thank you for this support and for your high assessment of the results of our warriors on the front lines and Ukraine’s ability to respond justly... pic.twitter.com/RjyDVBscju
— Volodymyr Zelenskyy / Володимир Зеленський (@ZelenskyyUa) July 29, 2026
ويتقاطع تقدير هاردي مع ما أوردته «وول ستريت جورنال» عن انتقال ترمب من الاعتقاد بأن أوكرانيا تخسر الحرب إلى الإعجاب بصلابة زيلينسكي وصناعة المُسيَّرات الأوكرانية. فقد انتقلت كييف -وفق بيانات حكومية- من إنتاج نحو 5 آلاف مُسيَّرة سنوياً عام 2022 إلى ملايين المُسيَّرات في 2026. ويضيف هاردي أن ترمب ربما بدأ يدرك أن رفض بوتين تقديم تنازلات حقيقية هو العقبة الأساسية أمام السلام، بعدما كان يميل سابقاً إلى الضغط على زيلينسكي بوصفه الطرف الأضعف والأكثر اعتماداً على واشنطن. وعبَّر زيلينسكي عن التقييم نفسه بقوله إن أوكرانيا وترمب والقادة الأوروبيين يريدون إنهاء الحرب؛ «لكن بوتين لا يريد ذلك».
شراكة بدلاً من المساعدات
أجرى زيلينسكي أيضاً تعديلاً محسوباً في خطابه. فبدلاً من المطالبة بالعودة إلى نموذج الدعم العسكري في عهد جو بايدن، ركَّز خلال لقائه ترمب على تراخيص إنتاج صواريخ «باتريوت»، وصفقة الطائرات المُسيَّرة، والعقوبات على روسيا، وإعادة تنشيط الدبلوماسية.

وقال زيلينسكي إن المحادثات بشأن منح أوكرانيا تراخيص لإنتاج صواريخ «باتريوت» بدأت خلال قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، قبل أن يوافق ترمب عليها في اجتماعهما بواشنطن. وكان الرئيس الأميركي قد أعلن خلال القمة أن كييف ستحصل على ترخيص لإنتاج الصواريخ الاعتراضية الحيوية لصد الضربات الروسية.
وتُحوِّل هذه المقاربة العلاقة من صيغة «مانح ومتلقٍّ» إلى شراكة صناعية وأمنية يمكن تسويقها داخل تيار «أميركا أولاً». فأوكرانيا لا تطلب السلاح فقط؛ بل تعرض خبرة ميدانية في مواجهة المُسيَّرات الإيرانية، وتكنولوجيا قابلة للإنتاج داخل الولايات المتحدة، وقدرات يحتاج إليها الجيش الأميركي وحلفاؤه.
لكن هاردي يحذر من المبالغة في قراءة هذا التحسن، مؤكداً أن «تحولاً جذرياً في السياسة الأميركية الفعلية تجاه روسيا وأوكرانيا ليس مطروحاً». فمناقشة تراخيص «باتريوت» لا تعني أن خطوط الإنتاج ستبدأ قريباً، كما لا توجد مؤشرات إلى أن ترمب مستعد لاستئناف مستويات المساعدات العسكرية التي قدمتها إدارة بايدن.
وتدعم الوقائع هذا الحذر. فقد أبلغ «البنتاغون» الكونغرس بأنه قد لا يستكمل إنفاق 400 مليون دولار من المساعدات المقررة لأوكرانيا قبل السنة المالية 2029، على الرغم من حاجتها العاجلة إلى الدفاعات الجوية، وفق «رويترز». وهكذا تبقى الفجوة واضحة بين تحسن العلاقة الشخصية وتغير السياسة على أرض الواقع.
إيران تربط الحربين
أضاف الهجوم الأوكراني على سفينة إيرانية في بحر قزوين ورقة أخرى إلى حملة زيلينسكي: تصوير روسيا وإيران كشريكين يتبادلان السلاح والمعلومات والخبرات، وليس كملفين منفصلين.
وتقول كييف إن السفينة المستهدفة كانت تُستخدم لنقل تجهيزات عسكرية بين البلدين، بينما اتهم زيلينسكي موسكو بتزويد طهران بصور فضائية لقواعد ومواقع أميركية في الخليج.

وأشار هاردي في حديثه مع «الشرق الأوسط» إلى أن هذه الاتهامات تستند إلى أدلة سابقة على مساعدة موسكو لطهران، وأن روسيا تستفيد من إطالة حرب تستنزف القدرات والاهتمام الأميركيَّين. ومن منظور كييف، يثبت استهداف خط الإمداد في بحر قزوين أن أوكرانيا تستطيع تقديم مساهمة مباشرة في مواجهة محور يهدد المصالح الأميركية.
غير أن هذه الورقة محفوفة بالمخاطر؛ إذ توعدت إيران بالرد على الهجوم الذي قالت إنه أصاب سفينة تجارية وقتل أحد بحارتها. وسارع وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها إلى الاتصال بنظيره عباس عراقجي لمحاولة احتواء التصعيد، مؤكداً أن عمليات بلاده دفاعية ومرتبطة بالدعم الإيراني للحرب الروسية.
أما رد ترمب بأنه سيسأل بوتين عن الأدلة الأوكرانية على مساعدة روسيا لإيران، فيكشف أن تحسن نظرته إلى زيلينسكي لم يُنهِ ثقته بقناة الاتصال مع الرئيس الروسي، أو استعداده لمنح روايته وزناً كبيراً.
«ماغا» وحدود التحول
ويشرح هاردي أن معظم أوساط «ماغا» تميل إلى تلقي إشاراتها من ترمب؛ ولذلك فإن لهجته الأكثر دفئاً تجاه أوكرانيا تمنح الجمهوريين التقليديين مساحة أوسع للدفع نحو سياسات داعمة لكييف. ولكنه يستبعد تبدل مواقف الانعزاليين المتشددين والمعارضين لأوكرانيا؛ مشيراً إلى أن هؤلاء لن يغيِّروا رؤيتهم لمجرد تحسن العلاقة بين الرئيسين.

وتبرز في هذا السياق لورا لومر، التي عادت من كييف معلنة أنها كانت ضحية للدعاية الروسية، ووصفت زيلينسكي بأنه «قائد حرب» و«حليف أساسي». كما أشاد نائب الرئيس جي دي فانس بفاعلية الاستراتيجية الدفاعية الأوكرانية، قائلاً إن ما تستطيع روسيا تحقيقه عبر عملياتها الهجومية أصبح ضئيلاً و«يقترب من الصفر».
لكن هاردي يتحفظ عن تفسير الانقلاب المفاجئ لبعض المؤثرين، ولا يعتبره دليلاً كافياً على تحول تيار «أميركا أولاً» برمته. فما زال نواب جمهوريون بارزون يعارضون تقديم مساعدات إضافية، بينما أفقدت وفاة السيناتور ليندسي غراهام، زيلينسكي، أحد أكثر القادرين على التأثير في ترمب.
وفي موازاة لقائه في البيت الأبيض، اجتمع زيلينسكي بأعضاء في مجلس الشيوخ لبحث عقوبات واسعة تستهدف إيرادات الطاقة الروسية، قبل أن يقرَّ المجلس الحزمة لاحقاً بأغلبية كبيرة. ويمنح التصويت كييف ورقة ضغط إضافية، ولكنه لا يحسم وحده مدى استعداد الإدارة لتطبيق العقوبات بأقصى قوتها.
وقد سمح ترمب للكونغرس بالمضي في مشروع العقوبات الذي حمل اسم «غراهام»، ولكن هاردي يراه «رمزياً في جوهره»؛ لأن فاعليته ستتوقف على استعداد الإدارة لاستخدام الصلاحيات التي يمنحها. ومن ثم، فإن التحول الجاري داخل «ماغا» لا يعني تبني سياسة بايدن؛ بل يعني قبولاً مشروطاً بأوكرانيا عندما تظهر كقوة منتجة ومفيدة للمصالح الأميركية.
