أعدمت السلطات الإيرانية، صباح الثلاثاء، اثنين من معتقلي احتجاجات يناير (كانون الثاني) الماضي، شنقاً في ساحة عامة بمدينة أصفهان، في أحدث تنفيذ لأحكام طالت محتجين وسجناء سياسيين، بالتزامن مع اتساع نطاق الإعدامات منذ اندلاع الحرب.
وقالت وكالة نشطاء حقوق الإنسان في إيران «هرانا»، ومقرها واشنطن، إن الحكم بحق أبو الفضل سباهي وأمير حسين صفري، نُفذ فجراً في ميدان عليخاني بأصفهان، حيث حوكم الرجلان ضمن قضية مرتبطة بالاحتجاجات التي شهدتها المدينة في 8 يناير.
ونقلت عن مصدر مطلع قوله إن السلطات لم تسلم جثمانيهما إلى عائلتيهما حتى وقت نشر تقريرها، فيما تجمّع أقارب متهمين آخرين أمام سجن دستكرد، وسط مخاوف من تنفيذ أحكام إضافية.
وعكست صور ومقاطع فيديو متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي أجواء شديدة التوتر في محيط الميدان. وأظهرت تسجيلات، تعذر التحقق منها بصورة مستقلة، انتشاراً كثيفاً لقوات الأمن والوحدات الخاصة في الشوارع المحيطة، إلى جانب دراجات نارية وعربات مدرعة وعناصر يحملون أسلحة ثقيلة.
وسبقت التنفيذ تقارير عن استدعاء عائلات عدد من المحكومين في قضية «ميدان عليخاني» إلى سجن أصفهان المركزي لإجراء لقاءات أخيرة، ما عزز المخاوف من تنفيذ أحكام جديدة.
وأكدت وكالة «ميزان»، المنصة الإعلامية للسلطة القضائية الإيرانية، إعدام الرجلين، وقالت إنهما أُدينا بالاعتداء على عناصر من الشرطة باستخدام أسلحة بيضاء، وتقييد بعضهم بأعمدة إشارات المرور وسحلهم وصب البنزين عليهم وإضرام النار فيهم.

ونسبت السلطة القضائية إليهما تهماً شملت «المحاربة» و«الإفساد في الأرض»، والانتماء إلى مجموعات تعمل ضد الأمن القومي، وتخريب الممتلكات العامة وإحراقها. وقالت إن أربعة من عناصر الأمن قُتلوا خلال الاضطرابات التي شهدها الميدان.
وقالت «هرانا» إنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من رواية القضاء، مشيرة إلى أن المحاكمة شابتها قيود، بينها عدم تمكين الدفاع من الاطلاع الفعلي على الملف، وعقد الجلسات عبر الاتصال المرئي، وعدم تسليم نسخ كاملة من الأحكام إلى العائلات، فضلاً عن مخاوف من استخدام اعترافات انتُزعت تحت الضغط.
وكانت السلطات قد أعدمت، في 19 يوليو (تموز)، عرفان إسفندياري وغل محمد محمدي، وهما متهمان آخران في القضية نفسها. وبإعدام سباهي وصفري، ارتفع عدد الذين نُفذت بحقهم الأحكام ضمن ملف ميدان عليخاني إلى أربعة.
محاكمات مغلقة
صدرت في المرحلة الابتدائية أحكام بإعدام 15 متهماً في قضية أصفهان. ووفق معلومات نقلتها «هرانا» عن محامٍ، نقضت جهة قضائية عليا حكم أحد المتهمين، فيما ثبّتت أحكام الإعدام الصادرة بحق 14 آخرين.
وجاء تنفيذ الحكمين بعد يوم من مطالبة 13 خبيراً مستقلاً يعملون ضمن آليات الأمم المتحدة السلطات الإيرانية بإلغاء أحكام الإعدام بحق عشرة شبان لا يزالون على صلة بالقضية، بعدما أُعدم اثنان من المجموعة في 19 يوليو.
وقال الخبراء إن 12 شاباً، تتراوح أعمارهم بين أواخر سن المراهقة وبداية العشرينات، صدرت بحقهم أحكام بالإعدام خلال جلسة سرية واحدة، من دون تحديد المسؤولية الفردية لكل متهم، معتبرين أن إجراءات المحاكمة خالفت المعايير المعتمدة للعدالة.
وأوضحوا أن القضية تتصل باتهامات بالمشاركة في مقتل أربعة من عناصر قوات الأمن وارتكاب أعمال حرق وتخريب خلال احتجاجات أصفهان في 8 يناير، وأن الرواية الرسمية استندت إلى «اعترافات» بثها التلفزيون الرسمي.

وأضاف الخبراء أن بعض المتهمين تعرضوا للاختفاء القسري وسوء المعاملة والحرمان التعسفي من الحرية. وأشاروا خصوصاً إلى شروين باقريان جبلي، الذي كان قد بلغ الثامنة عشرة قبل وقت قصير من اعتقاله، وبث التلفزيون الرسمي اعترافاته قبل محاكمته.
ويعمل الخبراء ضمن لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري وفريق العمل المعني بالاحتجاز التعسفي وآليات حقوقية أخرى، لكنهم لا يتحدثون باسم المنظمة الدولية.
ووفق البيانات التي استندوا إليها، أعدمت إيران 24 شخصاً شنقاً على صلة باحتجاجات يناير. وكانت الحركة قد بدأت أواخر ديسمبر (كانون الأول) على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة، قبل أن تتسع إلى احتجاجات مناهضة للسلطات بلغت ذروتها يومي 8 و9 يناير.
وقالت السلطات الإيرانية إن أكثر من ثلاثة آلاف شخص قُتلوا خلال ما وصفته بـ«أعمال إرهابية» تقف وراءها الولايات المتحدة وإسرائيل. وتقول منظمات حقوقية تنشط خارج إيران إن قوات الأمن أطلقت النار على المحتجين، وإن حملة القمع أسفرت عن مقتل الآلاف.
الإعدامات تتسارع في زمن الحرب
تزامنت أحكام قضية أصفهان مع ارتفاع أوسع في عدد الإعدامات، شمل محتجين وسجناء سياسيين ومدانين بالتجسس أو الارتباط بجماعات محظورة، إلى جانب المحكومين في قضايا المخدرات والقتل، الذين يمثلون القسم الأكبر من عمليات التنفيذ.
وتقول منظمة حقوق الإنسان في إيران، ومقرها أوسلو، إن مئات السجناء السياسيين والمحتجين يواجهون تهماً قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، وإن أحكاماً صدرت بالفعل بحق نحو مائة منهم. ووفق المنظمة، يوجد 70 محكوماً بالإعدام في سجن دستكرد بمدينة أصفهان وحده.
وكان من بين الذين أُعدموا منذ اندلاع الحرب وحيد بني عامريان، وهو أكاديمي في الرابعة والثلاثين كان يدرّس الفيزياء.
وقال أحد أقاربه لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن العائلة لم تعلم بصدور حكم الإعدام إلا بعدما اطلعت عبر الهواتف المحمولة على تقارير رسمية تحدثت عن مراجعة المحكمة العليا للملف، مضيفاً أن المحامي نفسه لم يكن على علم بالحكم.

وأُعدم بني عامريان مع خمسة آخرين بعد إدانتهم بالانتماء إلى منظمة «مجاهدي خلق» المحظورة.
وقال مدير منظمة حقوق الإنسان في إيران محمود أميري مقدم إن انهيار وقف إطلاق النار واستمرار العمليات العسكرية يثيران مخاوف من أن تستغل السلطات ظروف الحرب لتكثيف تنفيذ أحكام الإعدام بحق السجناء السياسيين.
وطالب أميري مقدم بجعل الوقف الفوري لتنفيذ الأحكام قضية أساسية في أي مفاوضات مع طهران، محذراً من أن مئات السجناء السياسيين والمحتجين يواجهون تهماً قد تفضي إلى إعدامهم.
وبحسب المنظمة، نُفذ أكثر من 400 حكم إعدام منذ بداية العام. وتشير تقارير حقوقية إلى أن القضايا السياسية والأمنية البارزة تمثل جزءاً محدوداً من العدد الإجمالي؛ إذ ترتبط غالبية الأحكام بقضايا المخدرات أو جرائم القتل.
وأفادت «هرانا» في تقريرها السنوي بأن السلطات أعدمت خلال عام 1404 الإيراني ما لا يقل عن 2488 شخصاً، بينهم 63 امرأة وشخصان أدينا بجرائم ارتكباها عندما كانا قاصرين، فيما نُفذ 13 حكماً في ساحات عامة.
سجناء يخيطون شفاههم احتجاجاً
داخل سجن «قزل حصار» في مدينة كرج، قرب طهران، دخل مئات المحكومين بالإعدام في الوحدة الثانية أسبوعهم الثالث من الإضراب والاعتصام، احتجاجاً على استئناف تنفيذ الأحكام ونقل سجناء إلى الزنازين الانفرادية تمهيداً لشنقهم.
وقالت «هرانا» إن السجناء واصلوا، الاثنين، تحركهم لليوم الخامس عشر على التوالي، وامتنعوا عن تسلم حصص الطعام، وتجمعوا داخل قاعة العنبر، مطالبين بوقف تنفيذ أحكام الإعدام، خصوصاً الأحكام الصادرة في قضايا مرتبطة بالمخدرات.
وبدأ الاحتجاج في 13 يوليو، بعد نقل ستة سجناء محكومين بالإعدام في قضايا مخدرات إلى الزنازين الانفرادية، وهي خطوة تسبق التنفيذ عادة. وقالت منظمة حقوق الإنسان في إيران إن هؤلاء لم يُعادوا إلى عنابرهم حتى اليوم الثاني عشر من الاعتصام.
وأظهرت تسجيلات مصورة نُشرت من داخل السجن سجناء يجلسون خارج زنازينهم ويرددون هتافات مناهضة للإعدام. كما خاط بعضهم شفاههم احتجاجاً على تجاهل مطالبهم، وتقول المنظمة إن ستة سجناء على الأقل أقدموا على هذه الخطوة.
ونشرت «هرانا»، الثلاثاء، تسجيلاً قالت إنه وصل إليها حصرياً من داخل السجن. وناشد ممثل عن المعتصمين البرلمان الإيراني التحرك، مشيراً إلى تدهور الحالة الجسدية للسجناء مع استمرار الإضراب، وإلى القلق المتزايد لدى عائلات المحكومين.

وطالب ممثل المعتصمين بتسريع بحث تشريع يلغي عقوبة الإعدام، فيما لم تصدر السلطة القضائية أو إدارة السجون تعليقاً على التقارير المتعلقة بالإضراب أو الأوضاع الجسدية للمشاركين فيه.
وتجمع أفراد من عائلات المحكومين أمام السجن في اليوم السابع من الإضراب. وقالت منظمة حقوق الإنسان في إيران إن قوات الأمن واجهت التجمع بعنف.
ويطالب المعتصمون بوقف تنفيذ الأحكام إلى حين مراجعة قانون مكافحة المخدرات، واستبدال السجن بعقوبة الإعدام. وأعلنت السلطات، قبل أشهر، دراسة الثغرات الموجودة في القانون وإعداد مشروع لتعديله، لكن السجناء يقولون إن تنفيذ الأحكام استؤنف قبل إنجاز هذه المراجعة.
ويعيد التحرك الحالي إلى الأذهان إضراباً شارك فيه أكثر من 1500 محكوم بالإعدام في السجن نفسه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وأنهى السجناء ذلك الاعتصام بعد وعود من ممثلين عن السلطة القضائية وإدارة السجون بتجميد إعدامات قضايا المخدرات ستة أشهر، ومراجعة الملفات ومتابعة تعديل القانون.
وتقول «هرانا» إن استئناف نقل السجناء إلى الزنازين الانفرادية وتنفيذ الأحكام دفع المعتقلين إلى اعتبار تلك الوعود منقوضة، وأعاد إلى السجن مشهداً من الاحتجاج الجماعي، بينما تنتظر العائلات خارج أسواره ما إذا كانت عمليات النقل الأخيرة ستفضي إلى تنفيذ أحكام جديدة.
