إيران توسع نطاق إعدام المحتجين في زمن الحرب

خبراء أمميون طالبوا بإنقاذ 10 شبان... وإضراب جماعي في سجن كرج احتجاجاً على استئناف التنفيذ

شهدت ⁠عمليات إعدام الإيرانيين المدانين بالمشاركة في الاحتجاجات ارتفاعاً ملحوظاً في الآونة الأخيرة (أرشيفية)
شهدت ⁠عمليات إعدام الإيرانيين المدانين بالمشاركة في الاحتجاجات ارتفاعاً ملحوظاً في الآونة الأخيرة (أرشيفية)
TT

إيران توسع نطاق إعدام المحتجين في زمن الحرب

شهدت ⁠عمليات إعدام الإيرانيين المدانين بالمشاركة في الاحتجاجات ارتفاعاً ملحوظاً في الآونة الأخيرة (أرشيفية)
شهدت ⁠عمليات إعدام الإيرانيين المدانين بالمشاركة في الاحتجاجات ارتفاعاً ملحوظاً في الآونة الأخيرة (أرشيفية)

أعدمت السلطات الإيرانية، صباح الثلاثاء، اثنين من معتقلي احتجاجات يناير (كانون الثاني) الماضي، شنقاً في ساحة عامة بمدينة أصفهان، في أحدث تنفيذ لأحكام طالت محتجين وسجناء سياسيين، بالتزامن مع اتساع نطاق الإعدامات منذ اندلاع الحرب.

وقالت وكالة نشطاء حقوق الإنسان في إيران «هرانا»، ومقرها واشنطن، إن الحكم بحق أبو الفضل سباهي وأمير حسين صفري، نُفذ فجراً في ميدان عليخاني بأصفهان، حيث حوكم الرجلان ضمن قضية مرتبطة بالاحتجاجات التي شهدتها المدينة في 8 يناير.

ونقلت عن مصدر مطلع قوله إن السلطات لم تسلم جثمانيهما إلى عائلتيهما حتى وقت نشر تقريرها، فيما تجمّع أقارب متهمين آخرين أمام سجن دستكرد، وسط مخاوف من تنفيذ أحكام إضافية.

وعكست صور ومقاطع فيديو متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي أجواء شديدة التوتر في محيط الميدان. وأظهرت تسجيلات، تعذر التحقق منها بصورة مستقلة، انتشاراً كثيفاً لقوات الأمن والوحدات الخاصة في الشوارع المحيطة، إلى جانب دراجات نارية وعربات مدرعة وعناصر يحملون أسلحة ثقيلة.

وسبقت التنفيذ تقارير عن استدعاء عائلات عدد من المحكومين في قضية «ميدان عليخاني» إلى سجن أصفهان المركزي لإجراء لقاءات أخيرة، ما عزز المخاوف من تنفيذ أحكام جديدة.

وأكدت وكالة «ميزان»، المنصة الإعلامية للسلطة القضائية الإيرانية، إعدام الرجلين، وقالت إنهما أُدينا بالاعتداء على عناصر من الشرطة باستخدام أسلحة بيضاء، وتقييد بعضهم بأعمدة إشارات المرور وسحلهم وصب البنزين عليهم وإضرام النار فيهم.

إيرانيون في مظاهرة مناهضة للحكومة في طهران 9 يناير 2026 (أ.ب)

ونسبت السلطة القضائية إليهما تهماً شملت «المحاربة» و«الإفساد في الأرض»، والانتماء إلى مجموعات تعمل ضد الأمن القومي، وتخريب الممتلكات العامة وإحراقها. وقالت إن أربعة من عناصر الأمن قُتلوا خلال الاضطرابات التي شهدها الميدان.

وقالت «هرانا» إنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من رواية القضاء، مشيرة إلى أن المحاكمة شابتها قيود، بينها عدم تمكين الدفاع من الاطلاع الفعلي على الملف، وعقد الجلسات عبر الاتصال المرئي، وعدم تسليم نسخ كاملة من الأحكام إلى العائلات، فضلاً عن مخاوف من استخدام اعترافات انتُزعت تحت الضغط.

وكانت السلطات قد أعدمت، في 19 يوليو (تموز)، عرفان إسفندياري وغل محمد محمدي، وهما متهمان آخران في القضية نفسها. وبإعدام سباهي وصفري، ارتفع عدد الذين نُفذت بحقهم الأحكام ضمن ملف ميدان عليخاني إلى أربعة.

محاكمات مغلقة

صدرت في المرحلة الابتدائية أحكام بإعدام 15 متهماً في قضية أصفهان. ووفق معلومات نقلتها «هرانا» عن محامٍ، نقضت جهة قضائية عليا حكم أحد المتهمين، فيما ثبّتت أحكام الإعدام الصادرة بحق 14 آخرين.

وجاء تنفيذ الحكمين بعد يوم من مطالبة 13 خبيراً مستقلاً يعملون ضمن آليات الأمم المتحدة السلطات الإيرانية بإلغاء أحكام الإعدام بحق عشرة شبان لا يزالون على صلة بالقضية، بعدما أُعدم اثنان من المجموعة في 19 يوليو.

وقال الخبراء إن 12 شاباً، تتراوح أعمارهم بين أواخر سن المراهقة وبداية العشرينات، صدرت بحقهم أحكام بالإعدام خلال جلسة سرية واحدة، من دون تحديد المسؤولية الفردية لكل متهم، معتبرين أن إجراءات المحاكمة خالفت المعايير المعتمدة للعدالة.

وأوضحوا أن القضية تتصل باتهامات بالمشاركة في مقتل أربعة من عناصر قوات الأمن وارتكاب أعمال حرق وتخريب خلال احتجاجات أصفهان في 8 يناير، وأن الرواية الرسمية استندت إلى «اعترافات» بثها التلفزيون الرسمي.

من الاحتجاجات الليلية في أصفهان (شبكات التواصل)

وأضاف الخبراء أن بعض المتهمين تعرضوا للاختفاء القسري وسوء المعاملة والحرمان التعسفي من الحرية. وأشاروا خصوصاً إلى شروين باقريان جبلي، الذي كان قد بلغ الثامنة عشرة قبل وقت قصير من اعتقاله، وبث التلفزيون الرسمي اعترافاته قبل محاكمته.

ويعمل الخبراء ضمن لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري وفريق العمل المعني بالاحتجاز التعسفي وآليات حقوقية أخرى، لكنهم لا يتحدثون باسم المنظمة الدولية.

ووفق البيانات التي استندوا إليها، أعدمت إيران 24 شخصاً شنقاً على صلة باحتجاجات يناير. وكانت الحركة قد بدأت أواخر ديسمبر (كانون الأول) على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة، قبل أن تتسع إلى احتجاجات مناهضة للسلطات بلغت ذروتها يومي 8 و9 يناير.

وقالت السلطات الإيرانية إن أكثر من ثلاثة آلاف شخص قُتلوا خلال ما وصفته بـ«أعمال إرهابية» تقف وراءها الولايات المتحدة وإسرائيل. وتقول منظمات حقوقية تنشط خارج إيران إن قوات الأمن أطلقت النار على المحتجين، وإن حملة القمع أسفرت عن مقتل الآلاف.

الإعدامات تتسارع في زمن الحرب

تزامنت أحكام قضية أصفهان مع ارتفاع أوسع في عدد الإعدامات، شمل محتجين وسجناء سياسيين ومدانين بالتجسس أو الارتباط بجماعات محظورة، إلى جانب المحكومين في قضايا المخدرات والقتل، الذين يمثلون القسم الأكبر من عمليات التنفيذ.

وتقول منظمة حقوق الإنسان في إيران، ومقرها أوسلو، إن مئات السجناء السياسيين والمحتجين يواجهون تهماً قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، وإن أحكاماً صدرت بالفعل بحق نحو مائة منهم. ووفق المنظمة، يوجد 70 محكوماً بالإعدام في سجن دستكرد بمدينة أصفهان وحده.

وكان من بين الذين أُعدموا منذ اندلاع الحرب وحيد بني عامريان، وهو أكاديمي في الرابعة والثلاثين كان يدرّس الفيزياء.

وقال أحد أقاربه لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن العائلة لم تعلم بصدور حكم الإعدام إلا بعدما اطلعت عبر الهواتف المحمولة على تقارير رسمية تحدثت عن مراجعة المحكمة العليا للملف، مضيفاً أن المحامي نفسه لم يكن على علم بالحكم.

الشرطة تطلق الغاز المسيل للدموع خلال مظاهرة مناهضة للحكومة في طهران 8 يناير الماضي (أ.ب)

وأُعدم بني عامريان مع خمسة آخرين بعد إدانتهم بالانتماء إلى منظمة «مجاهدي خلق» المحظورة.

وقال مدير منظمة حقوق الإنسان في إيران محمود أميري مقدم إن انهيار وقف إطلاق النار واستمرار العمليات العسكرية يثيران مخاوف من أن تستغل السلطات ظروف الحرب لتكثيف تنفيذ أحكام الإعدام بحق السجناء السياسيين.

وطالب أميري مقدم بجعل الوقف الفوري لتنفيذ الأحكام قضية أساسية في أي مفاوضات مع طهران، محذراً من أن مئات السجناء السياسيين والمحتجين يواجهون تهماً قد تفضي إلى إعدامهم.

وبحسب المنظمة، نُفذ أكثر من 400 حكم إعدام منذ بداية العام. وتشير تقارير حقوقية إلى أن القضايا السياسية والأمنية البارزة تمثل جزءاً محدوداً من العدد الإجمالي؛ إذ ترتبط غالبية الأحكام بقضايا المخدرات أو جرائم القتل.

وأفادت «هرانا» في تقريرها السنوي بأن السلطات أعدمت خلال عام 1404 الإيراني ما لا يقل عن 2488 شخصاً، بينهم 63 امرأة وشخصان أدينا بجرائم ارتكباها عندما كانا قاصرين، فيما نُفذ 13 حكماً في ساحات عامة.

سجناء يخيطون شفاههم احتجاجاً

داخل سجن «قزل حصار» في مدينة كرج، قرب طهران، دخل مئات المحكومين بالإعدام في الوحدة الثانية أسبوعهم الثالث من الإضراب والاعتصام، احتجاجاً على استئناف تنفيذ الأحكام ونقل سجناء إلى الزنازين الانفرادية تمهيداً لشنقهم.

وقالت «هرانا» إن السجناء واصلوا، الاثنين، تحركهم لليوم الخامس عشر على التوالي، وامتنعوا عن تسلم حصص الطعام، وتجمعوا داخل قاعة العنبر، مطالبين بوقف تنفيذ أحكام الإعدام، خصوصاً الأحكام الصادرة في قضايا مرتبطة بالمخدرات.

وبدأ الاحتجاج في 13 يوليو، بعد نقل ستة سجناء محكومين بالإعدام في قضايا مخدرات إلى الزنازين الانفرادية، وهي خطوة تسبق التنفيذ عادة. وقالت منظمة حقوق الإنسان في إيران إن هؤلاء لم يُعادوا إلى عنابرهم حتى اليوم الثاني عشر من الاعتصام.

وأظهرت تسجيلات مصورة نُشرت من داخل السجن سجناء يجلسون خارج زنازينهم ويرددون هتافات مناهضة للإعدام. كما خاط بعضهم شفاههم احتجاجاً على تجاهل مطالبهم، وتقول المنظمة إن ستة سجناء على الأقل أقدموا على هذه الخطوة.

ونشرت «هرانا»، الثلاثاء، تسجيلاً قالت إنه وصل إليها حصرياً من داخل السجن. وناشد ممثل عن المعتصمين البرلمان الإيراني التحرك، مشيراً إلى تدهور الحالة الجسدية للسجناء مع استمرار الإضراب، وإلى القلق المتزايد لدى عائلات المحكومين.

محتجون يغلقون طرقاً خلال مظاهرة طهران الخميس 8 يناير (أ.ب)

وطالب ممثل المعتصمين بتسريع بحث تشريع يلغي عقوبة الإعدام، فيما لم تصدر السلطة القضائية أو إدارة السجون تعليقاً على التقارير المتعلقة بالإضراب أو الأوضاع الجسدية للمشاركين فيه.

وتجمع أفراد من عائلات المحكومين أمام السجن في اليوم السابع من الإضراب. وقالت منظمة حقوق الإنسان في إيران إن قوات الأمن واجهت التجمع بعنف.

ويطالب المعتصمون بوقف تنفيذ الأحكام إلى حين مراجعة قانون مكافحة المخدرات، واستبدال السجن بعقوبة الإعدام. وأعلنت السلطات، قبل أشهر، دراسة الثغرات الموجودة في القانون وإعداد مشروع لتعديله، لكن السجناء يقولون إن تنفيذ الأحكام استؤنف قبل إنجاز هذه المراجعة.

ويعيد التحرك الحالي إلى الأذهان إضراباً شارك فيه أكثر من 1500 محكوم بالإعدام في السجن نفسه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وأنهى السجناء ذلك الاعتصام بعد وعود من ممثلين عن السلطة القضائية وإدارة السجون بتجميد إعدامات قضايا المخدرات ستة أشهر، ومراجعة الملفات ومتابعة تعديل القانون.

وتقول «هرانا» إن استئناف نقل السجناء إلى الزنازين الانفرادية وتنفيذ الأحكام دفع المعتقلين إلى اعتبار تلك الوعود منقوضة، وأعاد إلى السجن مشهداً من الاحتجاج الجماعي، بينما تنتظر العائلات خارج أسواره ما إذا كانت عمليات النقل الأخيرة ستفضي إلى تنفيذ أحكام جديدة.


مقالات ذات صلة

الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

شؤون إقليمية عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)

الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

في سوق إيراني تفوح في أروقته روائح الأعشاب والتوابل، يراقب التاجر ناصر، البالغ 61 عاماً، كيف غيّرت الحرب الأميركية ـ الإيرانية ملامح الحياة التجارية.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الإيراني عباس عراقجي (الشرق الأوسط)

فيصل بن فرحان وعراقجي يبحثان التصعيد بالمنطقة

بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان خلال اتصال هاتفي تلقاه من نظيره الإيراني عباس عراقجي، التصعيد الأخير في المنطقة، والجهود المبذولة بشأنها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شؤون إقليمية اتساع الخلاف بشأن المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين واشنطن وتل أبيب بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية لا تزال مستمرة

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز) p-circle

هل وصل الحصار العسكري والاقتصادي إلى نقطة كسر إيران؟

حاولت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الجمع بين إبقاء الخيار العسكري جاهزاً، وتشديد الحصار الاقتصادي والبحري؛ لإجبار إيران على تقديم تنازلات...

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تصعيد في «هرمز» وسط تمسك طهران بشروطها

تتصاعد التوترات في مضيق هرمز مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط، ما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في شهرين.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن-طهران)

تصعيد في «هرمز»... وطهران تتمسك بشروطها


حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

تصعيد في «هرمز»... وطهران تتمسك بشروطها


حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تصاعدت التوترات في مضيق هرمز وخليج عُمان مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط؛ ما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في أكثر من شهرين، وفقاً لما أوردته «رويترز»، وذلك بعدما بلغت الهجمات على ناقلات النفط، الأسبوع الماضي، أعلى مستوى لها منذ اندلاع الحرب.

وتتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط البحري وسط مخاوف من تداعيات أمنية واقتصادية على إمدادات الطاقة العالمية.

وفي موازاة التصعيد الميداني، تمسكت طهران بتنفيذ شروطها السبعة في أي مسار تفاوضي مع واشنطن، في حين أكد رئيسها مسعود بزشكيان، أهمية مواصلة المشاورات الدبلوماسية.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» عن تعطيل سفينة شحن تجارية في خليج عُمان في أثناء محاولتها اختراق الحصار البحري المفروض على إيران، بعدما تجاهلت التحذيرات الأميركية.

وأوضحت «سنتكوم» في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أن مقاتلة أميركية أطلقت ذخيرة دقيقة مستهدفة مؤخرة السفينة «أوشن موليكا»، التي ترفع علم بنما، وتُعرف أيضاً باسم «أريكا صن»؛ ما أدى إلى «تعطيل نظام الدفع، من دون إلحاق أضرار كاملة بالسفينة وطاقمها».

كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، أمس، بتعرض ناقلة لإطلاق نار في «هرمز» بمقذوف مجهول أصاب جانبها الأيسر، وأدى إلى اندلاع حريق على متنها، وفقاً لإفادة قبطانها. وأعلن «الحرس الثوري» أيضاً أن ناقلة نفط انفجرت، واشتعلت فيها النيران بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها المضيق.


الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
TT

الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)

في سوق إيراني تفوح في أروقته روائح الأعشاب والتوابل، يراقب التاجر ناصر، البالغ 61 عاماً، كيف غيّرت الحرب الأميركية ـ الإيرانية ملامح الحياة التجارية. فبعدما كان الزبائن يشترون المكسرات بالكيلوغرامات، دفعت الزيادات الحادة في الأسعار كثيرين إلى تقليص مشترياتهم، ما وضع المتاجر والشركات أمام صعوبات متزايدة في الحفاظ على أعمالها.

وكان البازار الواقع في شمال طهران يعجّ عادة بالمتسوقين، لكن متاجره باتت شبه خالية، ولم يعد يرتاده سوى عدد محدود من الزبائن الذين يتنقلون في ممراته الضيقة والعتيقة. ويعكس هذا المشهد تحولاً لافتاً في سوق اعتاد التجار فيها الترويج لبضائعهم بأصوات مرتفعة وسط حركة شراء نشطة.

وقال ناصر: «كان لدينا زبائن يشترون ما بين كيلوغرامين و5 كيلوغرامات. أما الآن، فباتوا يكتفون بشراء كيلوغرام واحد حتى نصف كيلوغرام فقط».

وأضاف، في إشارة إلى الارتفاعات السعرية، أن «الأسعار مرتفعة بالفعل. جميعنا يعلم ذلك، وسيكون من الكذب القول بغير ذلك».

ودعا التاجر السلطات إلى تحقيق الاستقرار في سعر صرف العملة، بما يتيح لأصحاب الأعمال والشركات التخطيط للمستقبل، قائلاً: «نحن تائهون، جميعنا كذلك».

سنوات العقوبات

متسوقون يتجولون بين المحال في البازار الكبير بطهران (أ.ف.ب)

وأثقلت سنوات العقوبات كاهل الاقتصاد الإيراني، لكن الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) مع الهجمات الأميركية والإسرائيلية، إلى جانب الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، زادت الضغوط على النشاط الاقتصادي والحياة اليومية للسكان.

وتفاقمت الأوضاع مع ارتفاع التضخم إلى نحو 90 في المائة على أساس سنوي في سبتمبر (أيلول)، وفق الأرقام الرسمية، فيما تسببت التقلبات الحادة في سعر الصرف في زيادة تكلفة السلع الأساسية، وارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى أكثر من ضعف مستوياتها قبل عام.

وفي البازار التاريخي بساحة تجريش في طهران، يحاول السكان التكيف مع الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وهم يتجولون بين الأعلام الإيرانية واللافتات المكتوبة بالفارسية، ويتفحصون الحلوى والمجوهرات والملابس التقليدية وقطع اللحوم قبيل عطلة نهاية الأسبوع.

وفي أحد الأزقة، كان فنان يعزف على الغيتار، فيما يقرع آخر بيديه على صندوق خشبي، محاولين استقطاب بعض الإكراميات من المارة.

«نحتاج إلى الاستقرار»

إيراني يتسوق في محيط البازار الكبير وسط طهران (أ.ب)

لكن خلف هذه المشاهد، تتزايد المخاوف بشأن مستقبل الأنشطة التجارية، في ظل تراجع الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل.

وقال علي نوروزي (36 عاماً)، الذي يدير متجراً للملابس الرياضية في البازار، إن التجار يخوضون «معركة يائسة وأخيرة من أجل البقاء»، مضيفاً أن المصنّعين يعلنون إفلاسهم، ويستغنون عن موظفين، ويغلقون متاجرهم، ما ينعكس بدوره على بقية حلقات النشاط التجاري.

وأوضح نوروزي أنه بات يطلب كميات محدودة من البضائع لعرضها في متجره، تفادياً لظهور الرفوف فارغة، على غرار مستودعه الذي قال إنه أصبح شبه خالٍ بسبب ضعف الطلب.

وأضاف: «ليست لدينا أي خطة للمستقبل على الإطلاق. فعندما يتوقف الناس عن الشراء، يعني ذلك عملياً إفلاس النشاط التجاري»، مشيراً خصوصاً إلى ارتفاع الإيجارات وفواتير الخدمات. وختم بالقول: «كل ما نحتاج إليه هو بعض الاستقرار».

أما آزاده، وهي امرأة تبلغ 45 عاماً وعاطلة عن العمل حالياً، فقالت إنها باتت تقصد السوق لمجرد «مشاهدة المتاجر»، في مؤشر إلى تراجع قدرة بعض السكان على الشراء.

تراجع القدرة الشرائية

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الإيراني انكمش بنسبة 10.1 في المائة على أساس سنوي بين أواخر مارس (آذار) وأواخر يونيو (حزيران)، في ظل الضغوط المتزايدة الناجمة عن الحرب.

وفي سوق الصرف غير الرسمية، جرى تداول العملة الإيرانية خلال الأسبوع الماضي عند نحو 2.7 مليون ريال للدولار الواحد، مقارنة بنحو 1.7 مليون ريال قبل اندلاع الحرب.

وانخفضت القيمة الدولارية للحد الأدنى الشهري للأجور من نحو 120 دولاراً قبل عام إلى نحو 65 دولاراً حالياً، ما يعكس تآكل القدرة الشرائية مع ارتفاع تكاليف المعيشة.

في المقابل، رفض وزير الاقتصاد الإيراني التوقعات التي تتحدث عن انهيار اقتصادي وشيك، متهماً خصوم بلاده بالسعي إلى إثارة المخاوف بين المواطنين ودفع أسعار الصرف إلى مزيد من الارتفاع.

الأسعار «حلّقت»... ومشتريات تتقلص

إيرانيون يتسوقون في بازار تجريش شمال طهران (إ.ب.أ)

وتقدم آزاده مثالاً على حجم الارتفاع في الأسعار، مشيرة إلى أن قطعة قماش للمطبخ اشترتها قبل عدة أشهر مقابل 22 سنتاً، يبلغ سعرها الآن 1.10 دولار، أي ما يعادل 5 أضعاف سعرها السابق. وقالت: «هذا يبيّن أن الأسعار لم ترتفع فحسب، بل حلّقت إلى مستويات هائلة بالفعل».

وأضافت أنها اضطرت إلى التوقف عن شراء بعض أنواع الفاكهة، كما لم تعد قادرة على تحمل تكاليف قضاء العطلات.

وتساءلت: «وجودنا لا يجب أن يكون مرتبطاً فقط بأننا على قيد الحياة، بل يُفترض أن نعيش حياتنا فعلاً، أليس كذلك؟».

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المتاجر وأسواق المواد الغذائية، بل تمتد إلى الخدمات والحرف التي تعتمد على إنفاق الأسر.

وقال مجتبى رضائي (57 عاماً)، وهو ميكانيكي سيارات، إن عدد زبائنه تراجع إلى عُشر مستواه السابق، في وقت ارتفعت فيه أسعار السلع إلى ضعفين أو 3 أضعاف.

وأضاف، في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية داخل البازار: «أشعر في الواقع بالحرج عندما أبلغ الزبائن بالأسعار. فالناس يأتون فقط للاستفسار عن السعر ثم يغادرون».

وتابع أن أنشطة كانت تشكل جزءاً من الحياة اليومية للإيرانيين، مثل شراء الملابس والخروج للترفيه وتناول الطعام في المطاعم، باتت بعيدة عن متناول كثيرين.

وبين متاجر تتراجع مبيعاتها، وأجور تتآكل قيمتها، وأسر تقلص مشترياتها إلى الحد الأدنى، يجد التجار والمستهلكون أنفسهم أمام ضغوط متزايدة، فيما يظل الاستقرار الاقتصادي مطلباً ملحاً في سوق أنهكتها العقوبات والحرب والتضخم.


الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران، في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية، لا تزال مستمرة، وأنه لم يُحسم بعد اتجاهها النهائي.

وقالت المصادر نفسها إن الملف لا يزال مطروحاً بجدية، رغم تقديرات ترى أن تسريب تفاصيل هذه الاتصالات قد يكون جزءاً من حرب نفسية تستهدف إرباك القيادة الإيرانية، وزيادة الضغوط على طهران. في المقابل، يتعامل مسؤولون إسرائيليون مع احتمال تنفيذ الضربة بجدية، في ضوء حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تطور أمني كبير قد يعزز موقعه عشية الانتخابات.

وبحسب هذه التقديرات، قد لا تنجح الضربة بالضرورة في تأجيل الانتخابات أو إنقاذ نتنياهو من الهزيمة، لكنها قد ترفع أسهمه لدى الناخبين، وتساعده على استعادة أصوات انتقلت إلى المعسكر المنافس.

وكان الكاتب الصحافي بن كسبيت، المعروف بصلاته بمصادر سياسية في تل أبيب، قد كشف أن مسؤولين أميركيين طلبوا من إسرائيل مهاجمة إيران. وكتب في صحيفة «معاريف» أن المسؤولين في البيت الأبيض لم يطلبوا ضربة أميركية أو هجوماً مشتركاً، بل أرادوا أن تنفذ إسرائيل العملية منفردة.

وأضاف كسبيت أن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، أبلغ الأميركيين بأن ضربة من هذا النوع قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن تراجعت عن طلبها في تلك المرحلة. كما أكد الصحافي الإسرائيلي، باراك رافيد، المحرر السياسي في «القناة 13» التلفزيونية، ما ورد في هذا التقرير.

حسابات انتخابية على جانبي الأطلسي

اتساع الخلاف بشأن المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

وجاء الطلب الأميركي، وفقاً لتقرير صحيفة «معاريف»، على خلفية تطورات تشير إلى أن إيران تعمل على استعادة قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، على الرغم من الغارات التي استهدفتها خلال الأشهر الماضية، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية.

وأوضح كسبيت أن واشنطن أرادت أن تتحمل إسرائيل الأعباء والمخاطر السياسية المترتبة على الهجوم، بدلاً من أن يتحملها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستعد لخوض الانتخابات النصفية للكونغرس.

وقال كسبيت إن الإدارة الأميركية اعتقدت أن الإسرائيليين هم الطرف الأكثر رغبة في شن الهجوم قبل انتخاباتهم، في حين قد تؤدي ضربة أميركية قبيل الانتخابات النصفية الأميركية إلى إلحاق ضرر سياسي بترمب.

ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه التكهنات بشأن دراسة الرئيس الأميركي احتمال استئناف الهجمات على إيران. ووفقاً لكسبيت، فإن ما تكشفه الاتصالات يشير إلى أن ترمب طلب، في مرحلة أولى، من إسرائيل توجيه الضربة بدلاً من أن تنفذها القوات الأميركية، قبل أن يجري كبح هذا المسار.

ولم تتضح، بحسب الكاتب، طبيعة موقف نتنياهو من هذه التطورات، لكنه أشار إلى أن جدول أعمال رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال الأسبوع الأخير تضمن سلسلة لقاءات وزيارات وصفها بالحساسة، في فترة اتسمت بكثافة النشاط الأمني.

إيران تعيد بناء ترسانتها

صواريخ إيرانية محمولة على شاحنات خلال عرض في قاعدة عسكرية شمال طهران في 17 أبريل 2024 (أ.ب)

وكانت وكالة «بلومبرغ» الأميركية للأنباء قد ذكرت في تقرير نشرته، يوم السبت، أن إيران تمكنت من الحفاظ على مصانع للصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم تعرضها لغارات إسرائيلية وأميركية على مدى أشهر، نقلاً عن أشخاص مطلعين على التفاصيل.

وبحسب التقرير، استطاعت طهران إعادة بناء جزء من ترسانتها خلال الفترة التي توقفت فيها إدارة ترمب عن شن مزيد من الغارات، مع انشغال واشنطن بالاستعداد للانتخابات النصفية للكونغرس. ونقل التقرير عن مصادر غربية أن إيران لا تزال قادرة على إنتاج الأسلحة، وتجديد مخزوناتها.

وأشار أحد المصادر إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية والأسلحة البحرية المضادة للسفن، وأنها قادرة على زيادة مخزونها بسرعة، كما أفادت المعلومات التي أوردها التقرير بأن روسيا تزود طهران بصواريخ، استناداً إلى معلومات نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي.

وتتعارض هذه التقديرات، وفق «بلومبرغ»، مع تصريحات متكررة لترمب وأعضاء في إدارته، أكدوا فيها أن الغارات الجوية ألحقت دماراً واسعاً بالقدرات الإيرانية التي تهدد القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.

وكان ترمب قد أعلن، قبل نحو عام، أن الجيش الإيراني «دُمر بالكامل»، بينما صرح وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، بأن الولايات المتحدة قضت على قدرات الصناعات العسكرية في إيران.

تل أبيب تفضل ضربة مشتركة

حريق بمبنى الصناعات الإلكترونية التابع لوزارة الدفاع الإيرانية بطهران بعد استهدافه في مارس 2026 (أ.ف.ب)

وفي إسرائيل، ترى القيادة السياسية والعسكرية أن استمرار المواجهة على النحو الحالي قد يبعث برسائل ضعف إلى طهران، ويعزز اعتقاد القيادة الإيرانية أن بإمكانها استغلال الضغوط التي تواجهها إدارة ترمب بسبب الانتخابات النصفية، وارتفاع أسعار النفط لانتزاع تنازلات من واشنطن.

وتعتقد أوساط إسرائيلية أن طهران تستفيد من إطالة أمد المواجهة، وتتبنى موقفاً متشدداً في المفاوضات، من دون أن تبدي اهتماماً كافياً بالتداعيات الاقتصادية على مواطنيها بسبب الحصار البحري والاقتصادي. وترى هذه الأوساط أن استمرار الصمود الإيراني قد يدفع الإدارة الأميركية، في نهاية المطاف، إلى تقديم تنازلات.

وبناءً على ذلك، تؤيد هذه الأوساط توجيه ضربة عسكرية واسعة إلى إيران، لكنها تفضل أن تكون أميركية ـ إسرائيلية مشتركة، لا أن تتحمل إسرائيل وحدها تبعاتها العسكرية والسياسية.

ومع ذلك، فإن الجدل المتصاعد في إسرائيل بشأن احتمال سعي نتنياهو إلى توظيف ضربة عسكرية لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية، بما في ذلك احتمال تأجيل الانتخابات، دفع أجهزة أمنية إسرائيلية إلى إبداء تحفظات على الدخول في حرب قد يُنظر إليها على أنها تخدم مصالح حزبية وشخصية لرئيس الوزراء.

وتفضل هذه الأجهزة، وفق المعطيات المتداولة، الانتظار بضعة أسابيع قبل اتخاذ قرار بالهجوم، بينما تواصل حوارها مع القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» بشأن الخيارات العسكرية المحتملة. ويشمل التنسيق إعداد الخطط وتحديث بنك الأهداف، إلى حين اتخاذ القرارات السياسية اللازمة في تل أبيب وواشنطن.