كانت القاهرة على اختلاف أحيائها حاضرة بقوة في أفلام المخرج الراحل محمد خان (26 أكتوبر/ تشرين الأول 1943 - 26 يوليو/ تموز 2016) ليس فقط كخلفية لأحداث أفلامه، بل كانت بمنزلة بطل من أبطاله بأزقتها وحواريها، بصخبها وزحامها، وفوق أسطح عماراتها وأسفل الكباري... حتى تشكّل ما يمكن أن نطلق عليه «قاهرة محمد خان» التي قدم من خلالها وثيقة بصرية للمدينة التي أحبها.
وفي الذكرى العاشرة لرحيل مخرج «الحرّيف»؛ فيلمه الشهير، أقامت مبادرة «سيرة القاهرة» ندوة بعنوان «قاهرة محمد خان» بمتحف أديب «نوبل» نجيب محفوظ بالقاهرة، الأحد، واستُهلت بعرض فيلم وثائقي قصير عن شغف محمد خان بالمدينة، مستعرضاً لقطات من أفلامه التي صوّرها بشوارع القاهرة، وفي الوقت نفسه ألقى الضوء على ما أصبح عليه نفس المكان بعد مرور نحو نصف قرن، ليكشف التغيرات التي لاحقت الكثير من معالم المدينة.
ويوثق الفيلم لعلاقة محمد خان بشوارع القاهرة منذ أول أفلامه «ضربة شمس»، حيث كانت القاهرة حاضرة في ميدان التحرير وشوارع وسط البلد، وظلت قاسماً مشتركاً في أفلامه من «الحرّيف» إلى «بنات وسط البلد»، ومن «شقة مصر الجديدة»، إلى «مشوار عمر»، مروراً بـ«عودة مواطن»، و«زوجة رجل مهم»، و«خرج ولم يعد»، وغيرها.

وتقوم مبادرة «سيرة القاهرة» على رصد كل التقاطعات الموجودة في العاصمة المصرية، ومن بينها مسارات الأفلام التي صُورت بها. وقال الباحث عبد العظيم فهمي مؤسس هذه المبادرة خلال الندوة إن محمد خان تحديداً هو أحد المخرجين الذين ظلت القاهرة حاضرة في أغلب أفلامهم؛ فقد «كان مهموماً بالمدينة، وكان يبرزها بصورتها الواقعية في أفلامه؛ إذ رآها أهم من أي بلاتوه، فرأينا المدينة من خلال كاميرته كوثيقة بصرية يمكن العودة إليها لتوثيق شكل الشوارع والميادين، التي قدمها في أفلامه مثل (ضربة شمس) و(الحرّيف)، وقد عبّر عن رؤيته بواقعية ورؤية محب للمدينة».
في حين رأت الدكتورة ثناء هاشم أستاذة السيناريو بمعهد السينما أن محمد خان الذي كان ينظر إليه البعض كمواطن باكستاني بحكم جنسية أبيه، هو مخرج مصري حتى النخاع، ولم تكن شوارع القاهرة مجرد خلفية أو فراغ في أفلامه حتى لو لم يكن هو كاتب السيناريو؛ فهو لديه عين تسجيلية كشف من خلالها علاقة الشخصية بالمكان، وضربت مثالاً بشخصية «فارس بكر» التي أداها الفنان عادل إمام في فيلم «الحرّيف»، مؤكدة أنه رغم قتامة الفيلم، لكنه يعد أهم أدوار عادل إمام.

وأشارت ثناء خلال الندوة إلى حساسية المخرج محمد خان في انتمائه للمدرسة الطبيعية التي تحافظ على مسافة آمنة مع الواقع، وتعمل على إشراك المتفرج في التأويل والربط بين الأحداث. فيبدو كمن يعرض الحياة بلا تدخل واضح للمشاهد، لكنه متدخل في الحقيقة، والممثل لديه ليس هو البطل ولا الشخصية، بل الأحداث هي البطل والمحرك الأساسي.
وأشارت الناقدة نسمة تليمة إلى أنه رغم خروج بعض المخرجين بالكاميرا إلى الشارع، مثل المخرج كمال الشيخ في فيلم «حياة أو موت» (1954)، لكن محمد خان جعل المدينة بطلاً يتنفس، فيحدد مسار الناس ويؤثر عليهم في واقع مأزوم يضغط عليهم، وقد حمل كاميرته وراح يتنقل بين الأزقة والحواري، كما وثّق للقاهرة منذ أول أفلامه «ضربة شمس» (1978)، ووثّق منطقة حلوان في فيلم «عودة مواطن». وأوضحت أن محمد خان «اعتاد معايشة الأماكن قبل بدء التصوير، وكان يطالع التفاصيل ويغير من السيناريو، وشاهدنا عبر أفلامه توثيقاً للشوارع والسيارات القديمة ولافتات المحلات والجسور والأزقة».
ويؤكد رفيق مشوار محمد خان مدير التصوير السينمائي سعيد شيمي أن «بداية تعلق محمد خان بالسينما الواقعية الحقيقية بدأت مع أول فيلم قصير جمعنا، وكان بعنوان (البطيخة) عام 1972»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «قمنا بتصويره كاملاً في الشارع، وحينما عُرض بجمعية الفيلم أثار ضجة كبيرة؛ لأنه كان يتسم بتكنيك جديد. وقال الناقد سامي السلاموني عن محمد خان (هذا مخرج مصري حتى النخاع)، ثم قدمنا فيلم (ضربة شمس) الذي تم تصويره أيضاً بشوارع القاهرة، ونجح بشكل ساحق، بل حاز جائزة الإخراج لخان، والتصوير لي، والإنتاج لنور الشريف، من مهرجان الإسكندرية السينمائي»، وأشار شيمي إلى أن محمد خان فتح الطريق لجيل كامل ليصوروا في أماكن حقيقية؛ إذ كان قبل «ضربة شمس» يتم تصوير الفيلم داخل البلاتوه، في حين يتم تصوير المشاهد الخارجية في لقطات منفصلة، مشدداً على أن محمد خان وثّق صورة للقاهرة عبر أفلامه.
ويعدّ المخرج محمد خان من أبرز مخرجي الواقعية الجديدة في السينما المصرية، وقد وُلد لأم مصرية وأب باكستاني، ودرس السينما في لندن، وأخرج نحو 26 فيلماً منذ أواخر السبعينات، وحققت أفلامه نجاحاً، وحازت تقديراً وجوائز عديدة، وأبرزها «زوجة رجل مهم»، و«أحلام هند وكاميليا»، و«عودة مواطن»، و«طائر على الطريق»، و«موعد على العشاء»، و«سوبر ماركت»، و«فتاة المصنع»... وحصل محمد خان على الجنسية المصرية بقرار رئاسي عام 2014 قبل عامين فقط من وفاته.
