الخروقات الإسرائيلية في جنوب لبنان تختبر «مفاوضات روما»

هل تتسع الفجوة بين المسار الدبلوماسي والواقع الميداني؟

دبابة إسرائيلية تتحرك في بلدة زوطر الشرقية كما تُرى من زوطر الغربية بجنوب لبنان بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني في إحدى «المناطق التجريبية» الثلاث بعد انسحاب القوات الإسرائيلية بموجب تفاهم ترعاه الولايات المتحدة (رويترز)
دبابة إسرائيلية تتحرك في بلدة زوطر الشرقية كما تُرى من زوطر الغربية بجنوب لبنان بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني في إحدى «المناطق التجريبية» الثلاث بعد انسحاب القوات الإسرائيلية بموجب تفاهم ترعاه الولايات المتحدة (رويترز)
TT

الخروقات الإسرائيلية في جنوب لبنان تختبر «مفاوضات روما»

دبابة إسرائيلية تتحرك في بلدة زوطر الشرقية كما تُرى من زوطر الغربية بجنوب لبنان بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني في إحدى «المناطق التجريبية» الثلاث بعد انسحاب القوات الإسرائيلية بموجب تفاهم ترعاه الولايات المتحدة (رويترز)
دبابة إسرائيلية تتحرك في بلدة زوطر الشرقية كما تُرى من زوطر الغربية بجنوب لبنان بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني في إحدى «المناطق التجريبية» الثلاث بعد انسحاب القوات الإسرائيلية بموجب تفاهم ترعاه الولايات المتحدة (رويترز)

تسبق الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما، مؤشرات متناقضة تجمع بين استمرار المسار الدبلوماسي وتصاعد الخروقات الميدانية. ففي وقت تتمسك واشنطن بـ«اتفاق الإطار»، يواجه الجيش اللبناني عوائق تحد من قدرته على استكمال انتشاره في الجنوب، وفق ما أعلن في بيان له الأحد؛ وذلك نتيجة مواصلة القصف الإسرائيلي وتجريف الأراضي وتدمير المنازل وإطلاق النار.

وتسجل في الأيام الأخيرة خروقات متواصلة تتوسع في عدد من القرى، وشملت كفرتبنيت، وحداثا، وكونين، ونبع إبل السقي، والمنصوري، وبيوت السياد ومجدل زون، في حين فجّر الجيش الإسرائيلي مشروع مياه الليطاني في مركبا وأحرق بساتين في عيترون، بالتزامن مع استمرار الغارات والقصف على محيط النبطية وتلة علي الطاهر واندلاع الحرائق وتحليق المسيّرات.

وفي موازاة ذلك، كشفت صحيفة «معاريف» عن أن إسرائيل تفرض سيطرة على شريط بعمق 10 كيلومترات وصولاً إلى التلال الحاكمة ضمن منطقة أمنية عازلة.

وبين التصعيد الميداني واستمرار الاتصالات السياسية، يبرز التساؤل: هل تعكس هذه الخروقات تعثر المفاوضات أم أنها جزء من مسارها؟

الحل النهائي إقليمي

وعن هذا الواقع، قال سفير لبنان السابق في واشنطن، رياض طبارة، لـ«الشرق الأوسط»: إن استمرار المسار التفاوضي، رغم التصعيد الميداني والمواقف الإسرائيلية المتشددة، يبقى مؤشراً إيجابياً، عادَّاً أن الحل النهائي لن يتحدد على الساحة اللبنانية وحدها، بل سيظل مرتبطاً بمآلات العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.

وأوضح طبارة أن «استمرار المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية بحد ذاته مؤشر إيجابي؛ لأن البديل كان انهيارها بالكامل. التجارب السابقة تثبت أن استمرار التفاوض، حتى مع وجود توترات ميدانية، يفتح الباب أمام التوصل إلى تفاهمات في مراحل لاحقة».

كسب الوقت

وعدّ أن الحديث عن «المناطق التجريبية» يندرج في إطار إدارة المرحلة الانتقالية أكثر مما يعكس تحولاً حاسماً، قائلاً: «قد يكون الهدف منها كسب الوقت وترتيب المرحلة المقبلة، لكنها لا تعني أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود رغم التصعيد».

قذيفة هاون غير منفجرة وسط أنقاض مبنى متضرر في بلدة زوطر الغربية بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

من جهته، يرى العميد المتقاعد الدكتور خليل الحلو، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن استمرار المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية بالتوازي مع الخروقات الميدانية لا يشكل تناقضاً، بل ينسجم مع طبيعة إدارة الصراعات، عادَّاً أن العمل العسكري والمسار الدبلوماسي يشكلان جزءاً من استراتيجية واحدة، في حين يبقى الهدف من الضغط الميداني تحسين شروط التفاوض.

استراتيجية واحدة

وقال الحلو: «الاستراتيجية لا تُجزَّأ إلى مسارات منفصلة، فلا توجد استراتيجية عسكرية مستقلة عن الدبلوماسية أو السياسة الخارجية، بل هناك استراتيجية واحدة تتكامل فيها كل هذه العناصر. لذلك؛ لا ينبغي الاستغراب من استمرار العمليات العسكرية والخروقات بالتوازي مع المفاوضات؛ لأن الضغط الميداني يُستخدم عادة لتحسين الموقع على طاولة التفاوض».

وأضاف أن مجرد استمرار المفاوضات يسهم في خفض مستوى التصعيد، وإن لم يوقفه بالكامل، موضحاً أن «المفاوضات لا تلغي التوتر، لكنها تخفف من حدته. ما يجري اليوم من خروقات يبقى أقل بكثير مما كان يحصل عندما كانت الغارات الإسرائيلية تطال بيروت ومختلف المناطق اللبنانية. أما إذا انهارت المفاوضات وتوقف هذا المسار، فلن تبقى هناك حدود للتصعيد الإسرائيلي».

حماية الشمال

وفيما يتعلق بالموقف الإسرائيلي، رأى الحلو أن تل أبيب لم تُبدِ في أي مرحلة استعداداً للانسحاب الكامل، ولا سيما من المناطق الواقعة ضمن ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، قائلاً: «الإسرائيليون كانوا واضحين منذ البداية. فهم يرون أن هذا الشريط يوفر حماية لشمال إسرائيل من الصواريخ القصيرة المدى المضادة للدروع، وهي أسلحة لا تستطيع القبة الحديدية اعتراضها ولا توفر المدرعات حماية كاملة منها؛ لذلك لا يبدو أنهم مستعدون للتخلي عنه ما داموا يشعرون بوجود هذا التهديد».

ورأى أن ملف سلاح «حزب الله» لا يزال أحد أبرز الملفات المطروحة على طاولة التفاوض، مضيفاً: «الدولة اللبنانية تؤكد أنها تمتلك خطة لمعالجة هذا الملف، لكن التنفيذ مرتبط أيضاً باستكمال الانسحاب الإسرائيلي. وفي المقابل، أظهر «حزب الله» قبولاً بخلو المنطقة الواقعة جنوب الليطاني من السلاح، ولم يعترض على انتشار الجيش اللبناني في المناطق التي دخلها، سواء جنوب الليطاني أو في زوطر الغربية شماله، لكنه في الوقت نفسه لا يزال متمسكاً بسلاحه وبمنطق المقاومة».

وتابع الحلو: «في المقابل، تتمسك إسرائيل ببقائها ما دام أن الحزب لم يتخل عن سلاحه، في حين يربط الحزب بدوره أي تغيير في موقفه بانسحاب إسرائيل. لذلك؛ فإن المفاوضات تسير بالتوازي مع الخروقات العسكرية، لكنها تبقى عاملاً يحد من مستوى الاشتباك والتوتر، من دون أن تنهيه».

امرأة لبنانية تزيل الركام من منزلها المدمّر في بلدة زوطر الغربية بجنوب لبنان عقب الانسحاب الإسرائيلي ضمن التفاهم الذي ترعاه الولايات المتحدة (أ.ب)

من جهته، قال الأستاذ الجامعي والمحامي الدكتور علي مراد، لـ«الشرق الأوسط» إن الفجوة بين المسار الدبلوماسي والواقع الميداني قائمة منذ انطلاق المفاوضات، مشيراً إلى أن لبنان دخل هذا المسار من موقع غير متكافئ، نتيجة الخيارات التي اتخذها «حزب الله» وإيران خلال السنوات الثلاث الماضية وما ترتب عليها من تداعيات سياسية وأمنية.

ما هي البدائل؟

وأوضح مراد أن «المسار التفاوضي، بموازينه الحالية، ليس لمصلحة لبنان بشكل كامل، وهو نتيجة مباشرة للخيارات التي سبقت انطلاقه؛ ولذلك يجب أن ينطلق أي تقييم للواقع الراهن من هذه الحقيقة الأساسية».

وأكد أن «إسرائيل هي الطرف الذي لا يلتزم بالاتفاق، كما أنها لا تبدو راغبة في الالتزام به». لكنه تساءل في المقابل عن البدائل المتاحة أمام الدولة اللبنانية، قائلاً: «ما الخيارات التي تملكها الدولة غير الاستمرار في المسار التفاوضي، في ظل غياب أي توازن في موازين القوة وانعدام الوسائل الأخرى القادرة على فرض حل مختلف؟».

وأشار مراد إلى أن بيان الجيش اللبناني ومواقف مصادر سياسية متعددة تؤكد أن الدولة اللبنانية تدخل المفاوضات وهي تدرك تماماً أن إسرائيل لا تلتزم بالتفاهمات، مضيفاً: «الدولة ليست مخدوعة، وهي تعلم علم اليقين أن إسرائيل لا تحترم التزاماتها، حتى في ظل وجود مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية».

ورأى أن المنطقة مقبلة على مسار طويل من التحولات، في ظل تشكل نظام إقليمي جديد وانتهاء مفاعيل مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران وعودة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة.

مسار واشنطن

وقال: «الحفاظ على مسار واشنطن يهدف، في جانب أساسي منه، إلى لجم الاندفاعة الإسرائيلية والحد من التصعيد، بالتوازي مع الاتكال على الدعم العربي والضغط الأميركي؛ لأن لبنان لا يملك في الوقت الراهن وسائل أخرى يمكنه استخدامها».

وأضاف: «الحفاظ على مسار التفاوض يتيح استمرار الضغط الأميركي الهادف إلى كبح جماح إسرائيل، خصوصاً في المرحلة التي تسبق الانتخابات الإسرائيلية، في وقت قد تسعى فيه تل أبيب إلى استكمال حربها وتوسيعها باتجاه لبنان». وأكد مراد أن الهدف من استمرار المسار التفاوضي لا يقتصر على إدارة الخلافات اللبنانية - الإسرائيلية، بل يرتبط أيضاً بمحاولة وقف الحرب ومنع توسعها، بعد سقوط التفاهم الأميركي - الإيراني وعودة التصعيد بين الطرفين.


مقالات ذات صلة

مشاركة وزراء «القوات اللبنانية» في جلسات الحكومة تخضع للمراجعة والتقييم

المشرق العربي رئيس حزب «القوات» سمير جعجع يتوسط الوزراء يوسف رجي وجو عيسى الخوري وجو صدي وكمال شحادة في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)

مشاركة وزراء «القوات اللبنانية» في جلسات الحكومة تخضع للمراجعة والتقييم

تخضع مشاركة وزراء حزب «القوات اللبنانية» الأربعة في الجلسات المقبلة لمجلس الوزراء للمراجعة والتقييم، في ضوء قرارهم مقاطعة الجلسة الأخيرة...

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي مناصرات لـ«حزب الله» يرفعن صورة لأمينَيه العامّين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في الذكرى الثانية لاغتيالهما بضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ب)

«حزب الله» يحول ملف متفجراته إلى مادة تجاذب لبناني

تحولت قضية متفجرات «حزب الله» التي ضبطتها السلطات اللبنانية في الشهر الماضي إلى مادة تجاذب سياسي، إثر تكرار الحزب هجومه على الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دورية لقوات «اليونيفيل» في منطقة عملياتها جنوب لبنان (اليونيفيل)

لبنان يسابق انتهاء ولاية «اليونيفيل» لمنع الفراغ في الجنوب

يسابق لبنان انتهاء ولاية «اليونيفيل» أواخر العام الحالي بحراك دبلوماسي لتجنب فراغ أمني في الجنوب يهدد حدود لبنان المعترف بها دولياً

نذير رضا (بيروت)
خاص القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)

خاص الخارجية الأميركية «تطرد» قنصل لبنان في ديترويت

أكدت مصادر في وزارة الخارجية اللبنانية لـ«الشرق الأوسط»، أن سفارتها في واشنطن تبلغت قرار اعتبار القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة شخصاً غير مرغوب فيه.

«الشرق الأوسط» (بيروت- واشنطن)
المشرق العربي البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)

البطريرك الراعي قلق من توسع المواجهات الإقليمية نحو لبنان

تتصاعد التحذيرات اللبنانية من مخاطر جرّ البلاد مجدداً إلى مواجهة عسكرية، في ظل المخاوف من تجدد الحرب

«الشرق الأوسط» (بيروت)

توقف الإنتاج في حقل خور مور للغاز بالعراق بعد هجوم بمسيرة

الهجوم على حقل «خور مور» للغاز أصاب منظومة الكهرباء شمال العراق بالشلل (أرشيفية - رويترز)
الهجوم على حقل «خور مور» للغاز أصاب منظومة الكهرباء شمال العراق بالشلل (أرشيفية - رويترز)
TT

توقف الإنتاج في حقل خور مور للغاز بالعراق بعد هجوم بمسيرة

الهجوم على حقل «خور مور» للغاز أصاب منظومة الكهرباء شمال العراق بالشلل (أرشيفية - رويترز)
الهجوم على حقل «خور مور» للغاز أصاب منظومة الكهرباء شمال العراق بالشلل (أرشيفية - رويترز)

أفادت مصادر اليوم الأحد بتوقف الإنتاج في حقل خور مور للغاز في العراق، أحد أكبر الحقول في إقليم كردستان، بعد استهدافه في هجوم بطائرة مسيرة.

وقال مصدران في وزارة الكهرباء بإقليم كردستان العراق إن إنتاج الحقل توقف بعدما استهدفت طائرة مسيرة خزانا لتخزين غاز البترول المسال، ما تسبب في اندلاع حريق لا يزال مستعرا. وذكر مصدران أمنيان أن دخانا شوهد يتصاعد من الحقل. وذكر المصدران في الوزارة أن العاملين في الحقل جرى إجلاؤهم إلى أماكن آمنة داخل المنشأة عقب الهجوم.

وقال رئيس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي إن التقييم الأولي يشير إلى أن الهجوم لم يسفر عن سقوط خسائر بشرية. ووصف بيان مشترك صادر عن وزارتي الثروات الطبيعية والكهرباء في إقليم كردستان الهجوم بأنه «إرهابي»، مؤكدا أن الوزارتين تعملان على تقليص تداعياته إلى أدنى حد. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.

ويوفر الحقل إمدادات غاز لازمة لتوليد الكهرباء في الإقليم. وقالت وزارة كهرباء في كردستان العراق في بيان إن الهجوم أدى إلى فقدان نحو 2.8 جيغاوات من قدرات توليد الكهرباء في الإقليم.

وكانت شركة دانا غاز، المشاركة في تشغيل الحقل، قد أوقفت في وقت سابق من شهر يوليو (تموز) مرافق الإنتاج الرئيسية في الحقل بسبب تهديدات أمنية موثوقة وتوترات إقليمية، قبل أن تستأنف الإنتاج في وقت لاحق من الشهر نفسه.

وكان العراق من بين الدول الأكثر تضررا من إغلاق إيران لمضيق هرمز. ولا تزال حركة المرور في المضيق متعطلة إذ لا تزال السفن تواجه هجمات في المنطقة. وتسعى بغداد جاهدة إلى تحقيق التوازن في علاقاتها مع إيران المجاورة والولايات المتحدة في خضم التصعيد العسكري بين البلدين.

ومع ذلك، شنت طهران هجمات ضد جماعات المعارضة الكردية الإيرانية في شمال العراق، في حين شن مسلحون مدعومون من إيران في العراق هجمات ضد جيرانها في الخليج في وقت سابق من الصراع.


تعيينات وزارة الخارجية السورية تكسر التقاليد الدبلوماسية

الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)
TT

تعيينات وزارة الخارجية السورية تكسر التقاليد الدبلوماسية

الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)

ضمن إجراءات إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية السورية، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع ثلاثة مراسيم رئاسية بتعيين ثلاثة معاونين لوزير الخارجية، جميعهم من الشباب، خلافاً لما درجت عليه التقاليد الدبلوماسية السورية في اختيار معاوني الوزير من فئة المخضرمين الضالعين في العمل الدبلوماسي، في الوقت الذي لا يزال فيه الكثير من الدبلوماسيين المنشقين عن النظام السابق في انتظار تسوية أوضاعهم.

وتشهد كواليس الأوساط السياسية في دمشق جدلاً حول تعيين مسؤولي المناصب الرفيعة في الوزارات السيادية وسط أنباء غير مؤكدة عن تغييرات حكومية تشمل وزارات سيادية وتنقلات في مواقع مسؤولين بارزين.

وقال الباحث والمدير التنفيذي في مركز الدراسات «جسور» وائل علوان لـ«الشرق الأوسط»: «هناك حديث عن احتمال تسلم وزير الداخلية أنس خطاب رئاسة الأمن الوطني، على أن يخلفه في وزارة الداخلية اللواء عبد القادر الطحان، كما يوجد حديث مماثل يتعلق بوزارة الدفاع، لكن لا معلومات دقيقة حتى الساعة»، نافياً علمه بحديث انتقال وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى موقع آخر.

الرئيس أحمد الشرع مع وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الداخلية أنس خطاب في فبراير الماضي (سانا)

إجراء غير مسبوق

كان الرئيس السوري أحمد الشرع أصدر السبت ثلاثة مراسيم رئاسية حملت الأرقام 205 و206 و207 لعام 2026، تقضي بتعيين ثلاثة معاونين لوزير الخارجية والمغتربين، وتوزيع المهام بينهم على ملفات الشؤون القنصلية والتعاون الدولي والشؤون التنفيذية.

ويعدّ تعيين ثلاثة معاونين لوزير الخارجية إجراءً غير مسبوق في تاريخ العمل الدبلوماسي السوري، ومؤشراً على تفكيك المنظومة الإدارية التقليدية القائمة في البلاد منذ عقود طويلة.

ويضم الهيكل الإداري لوزارة الخارجية السورية عادةً معاوِنَين اثنين فقط للوزير بشكل رئيسي وثابت، تنقسم بينهما الملفات الدبلوماسية والسياسية والإدارية، وفي بعض الفترات الاستثنائية، كان يتم تعيين معاون ثالث، أو يتم الاعتماد على مستشارين ومستشاري نواب الوزير بمهام تخصصية، ولكن السمة الغالبة على مر العقود كانت مأسسة الوزارة على وجود معاونين اثنين إلى جانب منصب «نائب وزير الخارجية».

ورأى علوان أن التعيينات الجديدة هي عملياً «إعادة هيكلة»، وقال: «الإدارة الجديدة للبلاد غير ملتزمة بما جرت عليه العادة، فهي منفصلة بشكل كامل عن نظام الحكم السابق». ولفت علوان إلى أن «الأصل هو اختيار كوادر ضمن التراتبية الداخلية المؤسساتية، أو التسلسل الوظيفي أو من الخبرات الدبلوماسية الطويلة؛ أما في حالة حكم انتقالي، فالأمر مختلف حيث تتقدم الثقة بمعنى الولاء على الكفاءة». وشرح الباحث أن هذا التوجه المثير للجدل يأتي غالباً «لأسباب أمنية».

أما عن الاستعانة بالدبلوماسيين المنشقين عن النظام السابق من أصحاب الخبرة، فقال علوان إن «هذا ممكن لكنه ليس شرطاً مع إعطاء الأولوية لعنصر الثقة والتوافق مع النهج الحالي».

وزير الخارجية أسعد الشيباني متحدثاً في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر «حوار المنامة» في العاصمة البحرينية نهاية أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

شباب بخبرات ضيقة

أما الذين تم تعيينهم فهم محمد يعقوب العمر (مواليد إدلب 1993) معاوناً لوزير الخارجية للشؤون القنصلية، وهو حاصل على ماجستير في السياسات العامة من جامعة إدلب، وبكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة الشمال، إضافة إلى إجازة في الهندسة الزراعية من جامعة إدلب، وفق وسائل الإعلام المحلية.

كما تم تعيين قتيبة علي قاديش (مواليد دمشق 1988) معاوناً لوزير الخارجية لشؤون التعاون الدولي. ويحمل إجازة في الحقوق من جامعة دمشق. وسبق له أن تولّى إدارة التعاون الدولي وإدارة المراسم في وزارة الخارجية والمغتربين، كما شغل منصب معاون وزير التنمية والشؤون الإنسانية في «حكومة الإنقاذ السورية»، ومدير مديرية المشاريع الإنسانية والتنموية فيها.

بالإضافة إلى تعيين عبادة خالد دياب من مواليد دمشق عام 1996 معاوناً لوزير الخارجية والمغتربين للشؤون التنفيذية.

ويحمل دياب شهادة ماجستير تنفيذي في سياسات التنمية من المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف، وبكالوريوس في الخدمة الخارجية، تخصص الاقتصاد الدولي، من جامعة جورجتاون.

وتضم خبراته السابقة رئاسة مكتب وزير الخارجية وإدارة مكتب التخطيط الاستراتيجي في الوزارة، وخبيراً في إدارة المعلومات وأبحاث سوق العمل في وزارة العمل القطرية، ومتخصصاً في البيانات لدى مركز البيانات الإنساني التابع لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، بحسب ما ذكرت وكالة «سانا».

ورغم قرار وزارة الخارجية السورية إعادة الدبلوماسيين المنشقين إلى العمل وتكليف العديد منهم برئاسة بعثات وتمثيل سوريا في عواصم إقليمية ودولية، لا تزال ملفات عدد كبير منهم عالقة في الأروقة، بانتظار تسوية أوضاعهم واستكمال المراجعات الإدارية.

وترافقت التعيينات الرئاسية في الخارجية السورية، مع قرار وزير الخارجية أسعد الشيباني تعيين المذيعة مزنة ممدوح الأطرش ابنة مدينة السويداء مستشارةً لشؤون السلام. وفيما رأى البعض أن هذا القرار يعطي زخماً لملفات المصالحة الوطنية، لا سيما ملف السويداء، انتقد آخرون هذا التعيين على خلفية استحداث منصب غير واضح المعالم هو «شؤون السلام»، بالإضافة إلى المواقف السياسية السابقة للأطرش، التي كانت تؤيد بشار الأسد وممارسات الجيش عبر عملها في التلفزيون الرسمي.


مشاركة وزراء «القوات اللبنانية» في جلسات الحكومة تخضع للمراجعة والتقييم

رئيس حزب «القوات» سمير جعجع يتوسط الوزراء يوسف رجي وجو عيسى الخوري وجو صدي وكمال شحادة في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)
رئيس حزب «القوات» سمير جعجع يتوسط الوزراء يوسف رجي وجو عيسى الخوري وجو صدي وكمال شحادة في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)
TT

مشاركة وزراء «القوات اللبنانية» في جلسات الحكومة تخضع للمراجعة والتقييم

رئيس حزب «القوات» سمير جعجع يتوسط الوزراء يوسف رجي وجو عيسى الخوري وجو صدي وكمال شحادة في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)
رئيس حزب «القوات» سمير جعجع يتوسط الوزراء يوسف رجي وجو عيسى الخوري وجو صدي وكمال شحادة في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)

تخضع مشاركة وزراء حزب «القوات اللبنانية» الأربعة في الجلسات المقبلة لمجلس الوزراء للمراجعة والتقييم، في ضوء قرارهم مقاطعة الجلسة الأخيرة، والانسحاب من الجلسة التي سبقتها، على خلفية الخلافات المرتبطة بملفَّي الكهرباء وإحالة قضية متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي.

وفي هذا السياق، يبرز ملف الكهرباء عاملاً أساسياً في تحديد طبيعة تعامل «القوات» مع المرحلة المقبلة؛ إذ أعلن وزير الطاقة اعتكافه في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن حضور جلسات مجلس الوزراء؛ نتيجة «عدم تحمّل الحكومة مسؤولياتها تجاه قطاع الطاقة وعدم تعاملها الجدي مع الطروحات المقدمة لضمان استمرارية الكهرباء».

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

وأرجأ مجلس الوزراء الجلسة التي كان مقرراً عقدها الخميس الماضي والمخصصة لهذا الملف، في انتظار عودة وزير الطاقة جو صدي من قطر، حيث جرى البحث في تفاصيل العرض القطري لتأمين الكهرباء للبنان.

ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، فإنه من المرتقب أن يزور وفد قطري بيروت مطلع هذا الأسبوع؛ لمواصلة النقاشات التقنية والفنية والمالية، في انتظار التوصل إلى «إعلان نوايا» يوقَّع على مستوى الوزراء أو رئاستَي الحكومتين اللبنانية والقطرية، على أن يحدد مجلس الوزراء موعداً لجلسة جديدة تُخصص حصراً لبحث ملف الكهرباء والبت في مختلف تفاصيله.

مصير الاتفاق مع قطر

وتشير مصادر «القوات اللبنانية» إلى أن «هناك كثيراً من التفاصيل التقنية الواجب بحثها، بوصفنا نتحدث عن معاهدة بين دولتين وعن مسارات كثيرة يلحظها ملف الكهرباء، وبالتالي؛ فمن غير المنطقي توقع توقيع اتفاق بين ليلة وضحاها».

وتلفت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الوزير صّدِّي وسائر وزراء (القوات) سيشاركون عندها في هذه الجلسة، بصفة صدي هو الوزير المعني مباشرة بالملف»، وأن «الجلسة المرتقبة يُفترض أن تشكل محطة حاسمة لتحديد مصير الاتفاق مع قطر والخيارات المطروحة بشأنه. ومن هنا؛ تصبح المشاركة ضرورية، في انتظار ما ستؤول إليه المناقشات والقرارات الحكومية».

وكان رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، أعلن منتصف الشهر الماضي عن اقتراب التوصل إلى اتفاق مع قطر لإعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية لإنتاج الكهرباء في لبنان، بموجب مشروع تتولى الدوحة تمويله وتنفيذه وتشغيله دون أن تتحمل الخزينة اللبنانية أي تكلفة استثمارية مسبقة، وذلك خلال استقباله رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الذي كشف عن «تفاهم على إطار شامل للتعاون في قطاع الطاقة، يشمل مشروعاً استثمارياً كبيراً وحلولاً متكاملة لأزمة الكهرباء»، إلى جانب مشروعات للربط في مجال الطاقة بين لبنان وسوريا والعراق.

متفجرات «حزب الله»

ولا يقتصر الامتعاض «القُوّاتي» من الأداء الحكومي على ملف الكهرباء؛ بل يتركز، وبشكل أساسي، على إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر، التي تبناها «حزب الله»، إلى المجلس العدلي.

وكان وزراء «القوات» قد قرروا الانسحاب من إحدى جلسات مجلس الوزراء؛ احتجاجاً على رفض إحالة الملف إلى المجلس العدلي، قبل أن يقاطعوا الجلسة الأخيرة التي خُصّصت لبحث ملف النفايات من دون إدراج بند الإحالة في جدول الأعمال.

رئيس حزب «القوات» سمير جعجع يتوسط الوزراء يوسف رجي وجو عيسى الخوري وجو صدي وكمال شحادة في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)

ويصر حزب «القوات» على إحالة هذه القضية إلى المجلس العدلي بوصفها مسألةً تمسّ الأمن القومي وسيادة الدولة، و«ليست مجرد قضية ضبط شحنة متفجرات».

وتوضح مصادر «القوات» أن ما يطالبون به هو «وضع الإحالة إلى المجلس العدلي على جدول أعمال أي جلسة مقبلة لمجلس الوزراء فيجري التصويت على البند؛ فإما تتم الاحالة، وإما يتحمل مَن يُسقطه المسؤوليةَ أمام الناس».

وعمّا إذا كانوا سيواصلون مقاطعة جلسات مجلس الوزراء في حال عدم إدراج بند الإحالة على جدول الأعمال، تقول المصادر: «متى تُحدَّد جلسة عادية ولا يكون بند الإحالة على جدول الأعمال؛ عندها نتخذ الموقف المناسب».

وبدأ القضاء العسكري اللبناني الأسبوع الماضي مرحلة الملاحقة القضائية في قضية شاحنة المتفجرات التابعة لـ«حزب الله»، التي ضُبطت على حاجز ضهر البيدر قبل نحو شهر.

واستجوبت قاضية التحقيق العسكري الأول، غادة أبو علوان، الموقوفَين علي الكردي وهيثم أمهز اللذين كانا يقودان الشاحنة التي تحمل المتفجرات، وأصدرت مذكرتَي توقيف بحقهما، في حين ادُّعي على 11 شخصاً آخرين من «الحزب»، لا يزالون متوارين عن الأنظار.

وتداولت وسائل إعلام مؤخراً «تسوية غير معلنة» يقودها رئيس مجلس النواب نبيه بري؛ لاحتواء أزمة إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، تقوم على استمرار الملاحقات القضائية بحق المتورطين، مقابل تجنب الإحالة إلى المجلس العدلي التي يرفضها «حزب الله» تماماً.