تسبق الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما، مؤشرات متناقضة تجمع بين استمرار المسار الدبلوماسي وتصاعد الخروقات الميدانية. ففي وقت تتمسك واشنطن بـ«اتفاق الإطار»، يواجه الجيش اللبناني عوائق تحد من قدرته على استكمال انتشاره في الجنوب، وفق ما أعلن في بيان له الأحد؛ وذلك نتيجة مواصلة القصف الإسرائيلي وتجريف الأراضي وتدمير المنازل وإطلاق النار.
تُواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاتها وخروقاتها للتفاهمات القائمة والقوانين الدولية عبر التدمير الممنهج للمنازل وتجريفها، والقصف والتمشيط بالأسلحة الرشاشة في عدة مناطق جنوبية، من بينها: كفرتبنيت - النبطية، حداثا وكونين - بنت جبيل، نبع إبل السقي، الخيام، المنصوري وبيوت السياد... pic.twitter.com/y0jvMGQ1l2
— الجيش اللبناني (@LebarmyOfficial) July 26, 2026
وتسجل في الأيام الأخيرة خروقات متواصلة تتوسع في عدد من القرى، وشملت كفرتبنيت، وحداثا، وكونين، ونبع إبل السقي، والمنصوري، وبيوت السياد ومجدل زون، في حين فجّر الجيش الإسرائيلي مشروع مياه الليطاني في مركبا وأحرق بساتين في عيترون، بالتزامن مع استمرار الغارات والقصف على محيط النبطية وتلة علي الطاهر واندلاع الحرائق وتحليق المسيّرات.
وفي موازاة ذلك، كشفت صحيفة «معاريف» عن أن إسرائيل تفرض سيطرة على شريط بعمق 10 كيلومترات وصولاً إلى التلال الحاكمة ضمن منطقة أمنية عازلة.
وبين التصعيد الميداني واستمرار الاتصالات السياسية، يبرز التساؤل: هل تعكس هذه الخروقات تعثر المفاوضات أم أنها جزء من مسارها؟
الحل النهائي إقليمي
وعن هذا الواقع، قال سفير لبنان السابق في واشنطن، رياض طبارة، لـ«الشرق الأوسط»: إن استمرار المسار التفاوضي، رغم التصعيد الميداني والمواقف الإسرائيلية المتشددة، يبقى مؤشراً إيجابياً، عادَّاً أن الحل النهائي لن يتحدد على الساحة اللبنانية وحدها، بل سيظل مرتبطاً بمآلات العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.
وأوضح طبارة أن «استمرار المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية بحد ذاته مؤشر إيجابي؛ لأن البديل كان انهيارها بالكامل. التجارب السابقة تثبت أن استمرار التفاوض، حتى مع وجود توترات ميدانية، يفتح الباب أمام التوصل إلى تفاهمات في مراحل لاحقة».
كسب الوقت
وعدّ أن الحديث عن «المناطق التجريبية» يندرج في إطار إدارة المرحلة الانتقالية أكثر مما يعكس تحولاً حاسماً، قائلاً: «قد يكون الهدف منها كسب الوقت وترتيب المرحلة المقبلة، لكنها لا تعني أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود رغم التصعيد».

من جهته، يرى العميد المتقاعد الدكتور خليل الحلو، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن استمرار المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية بالتوازي مع الخروقات الميدانية لا يشكل تناقضاً، بل ينسجم مع طبيعة إدارة الصراعات، عادَّاً أن العمل العسكري والمسار الدبلوماسي يشكلان جزءاً من استراتيجية واحدة، في حين يبقى الهدف من الضغط الميداني تحسين شروط التفاوض.
استراتيجية واحدة
وقال الحلو: «الاستراتيجية لا تُجزَّأ إلى مسارات منفصلة، فلا توجد استراتيجية عسكرية مستقلة عن الدبلوماسية أو السياسة الخارجية، بل هناك استراتيجية واحدة تتكامل فيها كل هذه العناصر. لذلك؛ لا ينبغي الاستغراب من استمرار العمليات العسكرية والخروقات بالتوازي مع المفاوضات؛ لأن الضغط الميداني يُستخدم عادة لتحسين الموقع على طاولة التفاوض».
وأضاف أن مجرد استمرار المفاوضات يسهم في خفض مستوى التصعيد، وإن لم يوقفه بالكامل، موضحاً أن «المفاوضات لا تلغي التوتر، لكنها تخفف من حدته. ما يجري اليوم من خروقات يبقى أقل بكثير مما كان يحصل عندما كانت الغارات الإسرائيلية تطال بيروت ومختلف المناطق اللبنانية. أما إذا انهارت المفاوضات وتوقف هذا المسار، فلن تبقى هناك حدود للتصعيد الإسرائيلي».
حماية الشمال
وفيما يتعلق بالموقف الإسرائيلي، رأى الحلو أن تل أبيب لم تُبدِ في أي مرحلة استعداداً للانسحاب الكامل، ولا سيما من المناطق الواقعة ضمن ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، قائلاً: «الإسرائيليون كانوا واضحين منذ البداية. فهم يرون أن هذا الشريط يوفر حماية لشمال إسرائيل من الصواريخ القصيرة المدى المضادة للدروع، وهي أسلحة لا تستطيع القبة الحديدية اعتراضها ولا توفر المدرعات حماية كاملة منها؛ لذلك لا يبدو أنهم مستعدون للتخلي عنه ما داموا يشعرون بوجود هذا التهديد».
ورأى أن ملف سلاح «حزب الله» لا يزال أحد أبرز الملفات المطروحة على طاولة التفاوض، مضيفاً: «الدولة اللبنانية تؤكد أنها تمتلك خطة لمعالجة هذا الملف، لكن التنفيذ مرتبط أيضاً باستكمال الانسحاب الإسرائيلي. وفي المقابل، أظهر «حزب الله» قبولاً بخلو المنطقة الواقعة جنوب الليطاني من السلاح، ولم يعترض على انتشار الجيش اللبناني في المناطق التي دخلها، سواء جنوب الليطاني أو في زوطر الغربية شماله، لكنه في الوقت نفسه لا يزال متمسكاً بسلاحه وبمنطق المقاومة».
وتابع الحلو: «في المقابل، تتمسك إسرائيل ببقائها ما دام أن الحزب لم يتخل عن سلاحه، في حين يربط الحزب بدوره أي تغيير في موقفه بانسحاب إسرائيل. لذلك؛ فإن المفاوضات تسير بالتوازي مع الخروقات العسكرية، لكنها تبقى عاملاً يحد من مستوى الاشتباك والتوتر، من دون أن تنهيه».

من جهته، قال الأستاذ الجامعي والمحامي الدكتور علي مراد، لـ«الشرق الأوسط» إن الفجوة بين المسار الدبلوماسي والواقع الميداني قائمة منذ انطلاق المفاوضات، مشيراً إلى أن لبنان دخل هذا المسار من موقع غير متكافئ، نتيجة الخيارات التي اتخذها «حزب الله» وإيران خلال السنوات الثلاث الماضية وما ترتب عليها من تداعيات سياسية وأمنية.
ما هي البدائل؟
وأوضح مراد أن «المسار التفاوضي، بموازينه الحالية، ليس لمصلحة لبنان بشكل كامل، وهو نتيجة مباشرة للخيارات التي سبقت انطلاقه؛ ولذلك يجب أن ينطلق أي تقييم للواقع الراهن من هذه الحقيقة الأساسية».
وأكد أن «إسرائيل هي الطرف الذي لا يلتزم بالاتفاق، كما أنها لا تبدو راغبة في الالتزام به». لكنه تساءل في المقابل عن البدائل المتاحة أمام الدولة اللبنانية، قائلاً: «ما الخيارات التي تملكها الدولة غير الاستمرار في المسار التفاوضي، في ظل غياب أي توازن في موازين القوة وانعدام الوسائل الأخرى القادرة على فرض حل مختلف؟».
وأشار مراد إلى أن بيان الجيش اللبناني ومواقف مصادر سياسية متعددة تؤكد أن الدولة اللبنانية تدخل المفاوضات وهي تدرك تماماً أن إسرائيل لا تلتزم بالتفاهمات، مضيفاً: «الدولة ليست مخدوعة، وهي تعلم علم اليقين أن إسرائيل لا تحترم التزاماتها، حتى في ظل وجود مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية».
ورأى أن المنطقة مقبلة على مسار طويل من التحولات، في ظل تشكل نظام إقليمي جديد وانتهاء مفاعيل مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران وعودة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة.
مسار واشنطن
وقال: «الحفاظ على مسار واشنطن يهدف، في جانب أساسي منه، إلى لجم الاندفاعة الإسرائيلية والحد من التصعيد، بالتوازي مع الاتكال على الدعم العربي والضغط الأميركي؛ لأن لبنان لا يملك في الوقت الراهن وسائل أخرى يمكنه استخدامها».
وأضاف: «الحفاظ على مسار التفاوض يتيح استمرار الضغط الأميركي الهادف إلى كبح جماح إسرائيل، خصوصاً في المرحلة التي تسبق الانتخابات الإسرائيلية، في وقت قد تسعى فيه تل أبيب إلى استكمال حربها وتوسيعها باتجاه لبنان». وأكد مراد أن الهدف من استمرار المسار التفاوضي لا يقتصر على إدارة الخلافات اللبنانية - الإسرائيلية، بل يرتبط أيضاً بمحاولة وقف الحرب ومنع توسعها، بعد سقوط التفاهم الأميركي - الإيراني وعودة التصعيد بين الطرفين.
