الخروقات الإسرائيلية في جنوب لبنان تختبر «مفاوضات روما»

هل تتسع الفجوة بين المسار الدبلوماسي والواقع الميداني؟

دبابة إسرائيلية تتحرك في بلدة زوطر الشرقية كما تُرى من زوطر الغربية بجنوب لبنان بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني في إحدى «المناطق التجريبية» الثلاث بعد انسحاب القوات الإسرائيلية بموجب تفاهم ترعاه الولايات المتحدة (رويترز)
دبابة إسرائيلية تتحرك في بلدة زوطر الشرقية كما تُرى من زوطر الغربية بجنوب لبنان بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني في إحدى «المناطق التجريبية» الثلاث بعد انسحاب القوات الإسرائيلية بموجب تفاهم ترعاه الولايات المتحدة (رويترز)
TT

الخروقات الإسرائيلية في جنوب لبنان تختبر «مفاوضات روما»

دبابة إسرائيلية تتحرك في بلدة زوطر الشرقية كما تُرى من زوطر الغربية بجنوب لبنان بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني في إحدى «المناطق التجريبية» الثلاث بعد انسحاب القوات الإسرائيلية بموجب تفاهم ترعاه الولايات المتحدة (رويترز)
دبابة إسرائيلية تتحرك في بلدة زوطر الشرقية كما تُرى من زوطر الغربية بجنوب لبنان بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني في إحدى «المناطق التجريبية» الثلاث بعد انسحاب القوات الإسرائيلية بموجب تفاهم ترعاه الولايات المتحدة (رويترز)

تسبق الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في روما، مؤشرات متناقضة تجمع بين استمرار المسار الدبلوماسي وتصاعد الخروقات الميدانية. ففي وقت تتمسك واشنطن بـ«اتفاق الإطار»، يواجه الجيش اللبناني عوائق تحد من قدرته على استكمال انتشاره في الجنوب، وفق ما أعلن في بيان له الأحد؛ وذلك نتيجة مواصلة القصف الإسرائيلي وتجريف الأراضي وتدمير المنازل وإطلاق النار.

وتسجل في الأيام الأخيرة خروقات متواصلة تتوسع في عدد من القرى، وشملت كفرتبنيت، وحداثا، وكونين، ونبع إبل السقي، والمنصوري، وبيوت السياد ومجدل زون، في حين فجّر الجيش الإسرائيلي مشروع مياه الليطاني في مركبا وأحرق بساتين في عيترون، بالتزامن مع استمرار الغارات والقصف على محيط النبطية وتلة علي الطاهر واندلاع الحرائق وتحليق المسيّرات.

وفي موازاة ذلك، كشفت صحيفة «معاريف» عن أن إسرائيل تفرض سيطرة على شريط بعمق 10 كيلومترات وصولاً إلى التلال الحاكمة ضمن منطقة أمنية عازلة.

وبين التصعيد الميداني واستمرار الاتصالات السياسية، يبرز التساؤل: هل تعكس هذه الخروقات تعثر المفاوضات أم أنها جزء من مسارها؟

الحل النهائي إقليمي

وعن هذا الواقع، قال سفير لبنان السابق في واشنطن، رياض طبارة، لـ«الشرق الأوسط»: إن استمرار المسار التفاوضي، رغم التصعيد الميداني والمواقف الإسرائيلية المتشددة، يبقى مؤشراً إيجابياً، عادَّاً أن الحل النهائي لن يتحدد على الساحة اللبنانية وحدها، بل سيظل مرتبطاً بمآلات العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.

وأوضح طبارة أن «استمرار المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية بحد ذاته مؤشر إيجابي؛ لأن البديل كان انهيارها بالكامل. التجارب السابقة تثبت أن استمرار التفاوض، حتى مع وجود توترات ميدانية، يفتح الباب أمام التوصل إلى تفاهمات في مراحل لاحقة».

كسب الوقت

وعدّ أن الحديث عن «المناطق التجريبية» يندرج في إطار إدارة المرحلة الانتقالية أكثر مما يعكس تحولاً حاسماً، قائلاً: «قد يكون الهدف منها كسب الوقت وترتيب المرحلة المقبلة، لكنها لا تعني أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود رغم التصعيد».

قذيفة هاون غير منفجرة وسط أنقاض مبنى متضرر في بلدة زوطر الغربية بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

من جهته، يرى العميد المتقاعد الدكتور خليل الحلو، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن استمرار المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية بالتوازي مع الخروقات الميدانية لا يشكل تناقضاً، بل ينسجم مع طبيعة إدارة الصراعات، عادَّاً أن العمل العسكري والمسار الدبلوماسي يشكلان جزءاً من استراتيجية واحدة، في حين يبقى الهدف من الضغط الميداني تحسين شروط التفاوض.

استراتيجية واحدة

وقال الحلو: «الاستراتيجية لا تُجزَّأ إلى مسارات منفصلة، فلا توجد استراتيجية عسكرية مستقلة عن الدبلوماسية أو السياسة الخارجية، بل هناك استراتيجية واحدة تتكامل فيها كل هذه العناصر. لذلك؛ لا ينبغي الاستغراب من استمرار العمليات العسكرية والخروقات بالتوازي مع المفاوضات؛ لأن الضغط الميداني يُستخدم عادة لتحسين الموقع على طاولة التفاوض».

وأضاف أن مجرد استمرار المفاوضات يسهم في خفض مستوى التصعيد، وإن لم يوقفه بالكامل، موضحاً أن «المفاوضات لا تلغي التوتر، لكنها تخفف من حدته. ما يجري اليوم من خروقات يبقى أقل بكثير مما كان يحصل عندما كانت الغارات الإسرائيلية تطال بيروت ومختلف المناطق اللبنانية. أما إذا انهارت المفاوضات وتوقف هذا المسار، فلن تبقى هناك حدود للتصعيد الإسرائيلي».

حماية الشمال

وفيما يتعلق بالموقف الإسرائيلي، رأى الحلو أن تل أبيب لم تُبدِ في أي مرحلة استعداداً للانسحاب الكامل، ولا سيما من المناطق الواقعة ضمن ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، قائلاً: «الإسرائيليون كانوا واضحين منذ البداية. فهم يرون أن هذا الشريط يوفر حماية لشمال إسرائيل من الصواريخ القصيرة المدى المضادة للدروع، وهي أسلحة لا تستطيع القبة الحديدية اعتراضها ولا توفر المدرعات حماية كاملة منها؛ لذلك لا يبدو أنهم مستعدون للتخلي عنه ما داموا يشعرون بوجود هذا التهديد».

ورأى أن ملف سلاح «حزب الله» لا يزال أحد أبرز الملفات المطروحة على طاولة التفاوض، مضيفاً: «الدولة اللبنانية تؤكد أنها تمتلك خطة لمعالجة هذا الملف، لكن التنفيذ مرتبط أيضاً باستكمال الانسحاب الإسرائيلي. وفي المقابل، أظهر «حزب الله» قبولاً بخلو المنطقة الواقعة جنوب الليطاني من السلاح، ولم يعترض على انتشار الجيش اللبناني في المناطق التي دخلها، سواء جنوب الليطاني أو في زوطر الغربية شماله، لكنه في الوقت نفسه لا يزال متمسكاً بسلاحه وبمنطق المقاومة».

وتابع الحلو: «في المقابل، تتمسك إسرائيل ببقائها ما دام أن الحزب لم يتخل عن سلاحه، في حين يربط الحزب بدوره أي تغيير في موقفه بانسحاب إسرائيل. لذلك؛ فإن المفاوضات تسير بالتوازي مع الخروقات العسكرية، لكنها تبقى عاملاً يحد من مستوى الاشتباك والتوتر، من دون أن تنهيه».

امرأة لبنانية تزيل الركام من منزلها المدمّر في بلدة زوطر الغربية بجنوب لبنان عقب الانسحاب الإسرائيلي ضمن التفاهم الذي ترعاه الولايات المتحدة (أ.ب)

من جهته، قال الأستاذ الجامعي والمحامي الدكتور علي مراد، لـ«الشرق الأوسط» إن الفجوة بين المسار الدبلوماسي والواقع الميداني قائمة منذ انطلاق المفاوضات، مشيراً إلى أن لبنان دخل هذا المسار من موقع غير متكافئ، نتيجة الخيارات التي اتخذها «حزب الله» وإيران خلال السنوات الثلاث الماضية وما ترتب عليها من تداعيات سياسية وأمنية.

ما هي البدائل؟

وأوضح مراد أن «المسار التفاوضي، بموازينه الحالية، ليس لمصلحة لبنان بشكل كامل، وهو نتيجة مباشرة للخيارات التي سبقت انطلاقه؛ ولذلك يجب أن ينطلق أي تقييم للواقع الراهن من هذه الحقيقة الأساسية».

وأكد أن «إسرائيل هي الطرف الذي لا يلتزم بالاتفاق، كما أنها لا تبدو راغبة في الالتزام به». لكنه تساءل في المقابل عن البدائل المتاحة أمام الدولة اللبنانية، قائلاً: «ما الخيارات التي تملكها الدولة غير الاستمرار في المسار التفاوضي، في ظل غياب أي توازن في موازين القوة وانعدام الوسائل الأخرى القادرة على فرض حل مختلف؟».

وأشار مراد إلى أن بيان الجيش اللبناني ومواقف مصادر سياسية متعددة تؤكد أن الدولة اللبنانية تدخل المفاوضات وهي تدرك تماماً أن إسرائيل لا تلتزم بالتفاهمات، مضيفاً: «الدولة ليست مخدوعة، وهي تعلم علم اليقين أن إسرائيل لا تحترم التزاماتها، حتى في ظل وجود مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية».

ورأى أن المنطقة مقبلة على مسار طويل من التحولات، في ظل تشكل نظام إقليمي جديد وانتهاء مفاعيل مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران وعودة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة.

مسار واشنطن

وقال: «الحفاظ على مسار واشنطن يهدف، في جانب أساسي منه، إلى لجم الاندفاعة الإسرائيلية والحد من التصعيد، بالتوازي مع الاتكال على الدعم العربي والضغط الأميركي؛ لأن لبنان لا يملك في الوقت الراهن وسائل أخرى يمكنه استخدامها».

وأضاف: «الحفاظ على مسار التفاوض يتيح استمرار الضغط الأميركي الهادف إلى كبح جماح إسرائيل، خصوصاً في المرحلة التي تسبق الانتخابات الإسرائيلية، في وقت قد تسعى فيه تل أبيب إلى استكمال حربها وتوسيعها باتجاه لبنان». وأكد مراد أن الهدف من استمرار المسار التفاوضي لا يقتصر على إدارة الخلافات اللبنانية - الإسرائيلية، بل يرتبط أيضاً بمحاولة وقف الحرب ومنع توسعها، بعد سقوط التفاهم الأميركي - الإيراني وعودة التصعيد بين الطرفين.


مقالات ذات صلة

لماذا يرفض «حزب الله» الخروج من الحكومة ويتفادى إسقاطها؟

المشرق العربي مناصرات لـ«حزب الله» خلال تحرك احتجاجي على الأوضاع في الجنوب (أ.ب)

لماذا يرفض «حزب الله» الخروج من الحكومة ويتفادى إسقاطها؟

عندما حانت لحظة الاختبار داخل مجلس النواب اللبناني، لم يصوّت «حزب الله» لسحب الثقة منها ولإسقاطها، بل اختار نوابه الانسحاب من القاعة.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو للإفراج عن قانون «العفو العام» (المركزية)

سجناء لبنان مستمرون في إضرابهم اعتراضاً على الطعن بـ«العفو العام»

دخل إضراب نزلاء المبنى «ب» في سجن رومية المركزي، الاثنين، يومه التاسع، متخذاً منحى تصاعدياً ينذر بتحويل أزمة السجون انفجاراً إنسانياً واجتماعياً.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي «حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)

ماذا بقي من «حزب الله» بعد عامين على الحرب؟

فرضت حرب 2024 وما أعقبها من مواجهات وتحولات ميدانية واقعاً جديداً على «حزب الله»، بعدما أصابت الخسائر مستويات قيادية متقدمة في بنيته، وتراجعت قدراته العسكرية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون لدى وصوله إلى البيت الأبيض يوم 21 يوليو 2026 (أرشيفية- أ.ب)

ترمب يشيد بقيادة عون للبنان في هذه المرحلة

أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقيادة الرئيس اللبناني جوزيف عون للبنان في هذه المرحلة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي آلية عسكرية إسرائيلية تعبر بين الدمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، إلى بلدة دير ميماس التي تسكنها أغلبية مسيحية في جنوب لبنان، في ثاني عملية من هذا النوع خلال يومين.

نذير رضا (بيروت)

العراق سينفّذ حظر شركات الطيران الإيرانية امتثالاً للعقوبات الأميركية

طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية في مطار أربيل الدولي بالعراق (رويترز - أرشيفية)
طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية في مطار أربيل الدولي بالعراق (رويترز - أرشيفية)
TT

العراق سينفّذ حظر شركات الطيران الإيرانية امتثالاً للعقوبات الأميركية

طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية في مطار أربيل الدولي بالعراق (رويترز - أرشيفية)
طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية في مطار أربيل الدولي بالعراق (رويترز - أرشيفية)

أفاد مصدران حكوميان «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين، بأن العراق سيعلّق رحلات شركات الطيران الإيرانية، وذلك بُعيد إعلان واشنطن وقف هذه الشركات لخدماتها في الساعات المقبلة بسبب العقوبات الأميركية عليها.

وقال مصدر حكومي عراقي إن «العراق سينفّذ حظر شركات الطيران الإيرانية امتثالاً لقرار الخزانة الأميركية، ابتداء من فجر الثلاثاء»، مشيراً إلى أن «الدول التي لا تنفّذ القرار ستتعرّض لعقوبات مماثلة».

وأكد مصدر ثانٍ امتثال العراق للقرار.


فرضيات حول تكرار انفجار مستودعات الأسلحة في سوريا

ضابط شرطة عسكرية يقف على طريق عقب انفجار في مستودع أسلحة في منطقة العيس بريف حلب الجنوبي (رويترز)
ضابط شرطة عسكرية يقف على طريق عقب انفجار في مستودع أسلحة في منطقة العيس بريف حلب الجنوبي (رويترز)
TT

فرضيات حول تكرار انفجار مستودعات الأسلحة في سوريا

ضابط شرطة عسكرية يقف على طريق عقب انفجار في مستودع أسلحة في منطقة العيس بريف حلب الجنوبي (رويترز)
ضابط شرطة عسكرية يقف على طريق عقب انفجار في مستودع أسلحة في منطقة العيس بريف حلب الجنوبي (رويترز)

عززت الانفجارات التي شهدها موقع العيس العسكري جنوب حلب، فجر الاثنين، احتمال وجود عمل تخريبي يستهدف مستودعات الأسلحة في سوريا، وفق ما قالته مصادر بدمشق، وذلك ضمن سلسلة حوادث مشابهة وقعت خلال الشهر الجاري في ريف دمشق، ودير الزور، وحلب، وإدلب، واستهدف مخازن كبيرة للأسلحة تحوي ذخائر حرب كانت سابقاً ضمن مناطق النفوذ الإيراني، بينما لا تزال الدلائل بحسب محللين عسكريين تؤكد أن أسباب هذه الحوادث تعود إلى سوء في التخزين، وضعف الخبرة.

احتمال وجود عمل تخريبي لا يمكن قراءاته دون ربطه بتسلسل عدة حوادث مع عملية استطلاع واسعة نفذها الطيران الإسرائيلي لجمع الأهداف في سوريا، ولبنان، وكان ذلك في الثامن من الشهر الجاري، بحسب الخبير العسكري عماد شحود، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إنه في اليوم التالي للاستطلاع وقع انفجار في سرمدا، تلاه الضمير بريف دمشق، وعياش في دير دير الزور.

جنود سوريون يهرعون إلى موقع انفجار مستودع أسلحة في إدلب مخلّفاً 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (إ.ب.أ)

وأضاف أنه لا يمكن أن تأتي تلك الحوادث «مصادفة»، ولا تنتج فقط عن سوء تخزين السلاح، دون استبعاد ذلك. وبحسب تحليله، فإن هذا النوع من العمليات قد يحصل عن طريق عملاء على الأرض، مشيراً إلى وجود خطأ تنظيمي وإداري في وزارة الدفاع السورية.

وبالنظر إلى المعطيات المتوفرة هناك ثلاث فرضيات تتعلق بأسباب تكرار حوادث الانفجارات في مخازن الأسلحة، بحسب الباحث العسكري في مركز الدراسات جسور رشيد حوراني لـ«الشرق الأوسط»؛ الأولى هي أن بعض الانفجارات وقعت في مستودعات -وخاصة مستودع العيس جنوبي حلب- كانت من ضمن المستودعات التابعة لإيران عندما كانت ميليشياتها تسيطر على المنطقة، واحتمال أن تفجيره يعود لأحد المتعاملين معها «بطريقة ما». وذلك بناء على محاولات إيران المستمرة زعزعة الداخل السوري.

حطام ذخيرة على الأرض إثر سلسلة انفجارات في موقع للجيش السوري في محيط بلدة العيس في 21 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

الفرضية الثانية، وفق حوراني، أن تكون إسرائيل وراء استهداف مستودعات خلفتها إيران، وباتت تحت سيطرة الحكومة السورية، لشكوك وجود أسلحة (قذائف مدفعية) وصل مدى بعضها في الانفجار إلى 15 كلم، وذلك لسعي إسرائيل إلى منع استفادة الحكومة السورية منها. أما الفرضية الثالثة فهي «الاختراق الأمني» من خلال ضم بعض العناصر ممن عمل مع النظام السابق، ولا تزال له ارتباطات.

وتعد الانفجارات التي وقعت في منطقة العيس بريف حلب خامس حادث من نوعه تشهده سوريا في أقل من شهر، وقتل يوم الجمعة الماضي 11 عنصراً في الجيش بانفجار مجهول المصدر في موقع عسكري بمنطقة عياش، غرب دير الزور.

وسبق أن شهدت مستودعات أسلحة في سوريا انفجارات مجهولة المصدر؛ بينها انفجار وقع في شمال غربي البلاد، في التاسع من سبتمبر (أيلول) الحالي، وأسفر عن مقتل 14 شخصاً. وقبل ذلك بعشرة أيام، أسفر انفجار سيارة محمّلة بالذخيرة عن مقتل خمسة أشخاص، على الأقل، في المنطقة نفسها.

وبحسب إحصاء لـ«رويترز»، وقع ما لا يقل عن 16 انفجاراً مماثلاً في منشآت تخزين الأسلحة منذ الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024.

يشار إلى أن النظام السابق سيطر على تل العيس الاستراتيجي 35كلم جنوب حلب عام 2020 بدعم جوي روسي، ودعم بري مكثف من الحرس الثوري الإيراني، والميليشيات التابعة له. وحول الموقع إلى مربع أمني يضم مستودعاً ضخماً لجمع وتخزين الذخيرة، والعتاد الثقيل في موقع يشرف بشكل مباشر على طريق (M5) الذي يربط شمال البلاد بجنوبها.

تصاعد النيران والدخان بعد سلسلة انفجارات في موقع للجيش السوري بمحيط بلدة العيس في وقت مبكر من يوم الاثنين حيث أصيب أربعة أشخاص على الأقل (أ.ف.ب)

الباحث في الشؤون الأمنية نوار شعبان قباقيبو، تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن مؤشرات ودلائل لتكرار حوادث انفجار مخازن الأسلحة، وقال هناك مؤشر إلى وجود عمل تخريبي، لكن لا يمكن الجزم به، ونحن بانتظار البيان الرسمي الذي يوضح الكثير من الأمور. في حين أن هناك دلائل تؤكد وجود مستودعات تحوي «ذخائر حرب»، بمعنى إما أنها كانت مخزنة لمدة طويلة في مستودعات تتبع النظام السابق، دون معرفة تفاصيلها اللوجستية، والفنية، وقد تكون هذه الذخائر غنائم معارك تم نقلها من مكان إلى آخر، وربما نقلت بشكل عشوائي، وخزنت بشكل سيئ أفقدها بعضاً من المواصفات الفنية.

إضافة إلى إمكانية وجود كمية كبيرة من الذخائر هي بالأساس تالفة، ويجب إتلافها. وأضاف قباقيبو أن ما يجب القيام به هو «تدريب خبرات للتعامل مع هذه الذخائر في قسم التسليح في وزارة الدفاع، وكيفية تقييمها، وتخزينها، وفصل الذخائر الصالحة عن التالفة، والأهم إعادة تقييم المنشآت العسكرية».


أطفال غزة يعودون إلى فصولهم للمرة الأولى منذ 3 سنوات

طلاب فلسطينيون يحضرون اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تابعة للأونروا في النصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)
طلاب فلسطينيون يحضرون اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تابعة للأونروا في النصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)
TT

أطفال غزة يعودون إلى فصولهم للمرة الأولى منذ 3 سنوات

طلاب فلسطينيون يحضرون اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تابعة للأونروا في النصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)
طلاب فلسطينيون يحضرون اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تابعة للأونروا في النصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)

عاد مئات الآلاف من الأطفال في ​غزة، السبت، إلى الدراسة الحضورية للمرة الأولى منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، وإن كان في مبانٍ مدرسية متهدمة أو مؤقتة أو في خيام، ورغم أسعار الزي المدرسي والدفاتر والأقلام التي لا تستطيع الكثير من الأسر تحملها.

وتقول منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إن 98 في المائة من المدارس في غزة دُمرت أو تضررت خلال الحرب. ويقول مسؤولو التعليم في غزة إن نحو 660 ألف طالب حرموا من التعلم الحضوري والمشاركة المنتظمة في التعليم.

وقال إبراهيم رمضان، مدير التربية والتعليم بشرق خان يونس، إن إعادة فتح المدارس تمثل محطة فارقة في غزة بعد أن أودت الحرب الإسرائيلية على القطاع بحياة نحو 22 ألف طالب وطالبة وأكثر من 770 من العاملين في مجال التعليم، منهم 532 ‌معلماً ومعلمة.

وقال مؤيد ‌أبو مصطفى في خان يونس: «آخر فترة مرقت (مررت) فيها بالمدرسة منذ ثلاث ​سنوات. ‌والآن ⁠بدأ العام ​الدراسي ⁠الجديد. عام من الفرح، عام من السرور، عام من النجاح».

وأضاف: «رغم إن احنا نقرأ في خيم، ولا تهوية ولا أي شيء ولا مقاعد، على الفرش بنقعد، وعام فقدنا فيه أصحابنا... مفيش ولا دفاتر ولا أقلام.. رغم هيك هنقرأ، وهنقرأ في خيمة».

كما تعود إلى الدراسة الحضورية الطالبة النازحة سمر أبو سلمى، البالغة من العمر 15 عاماً، والتي تعيش مع أسرتها بإحدى الخيام.

وقالت، وهي تقف في فناء مدرستها المؤقتة الجديدة: «قبل الحرب كنا ندرس والحين بدنا نحقق حلمنا... وإن شاء الله بنطلع أكثر لفوق. شوفنا الأبلات (المعلمات)... كنا بنقرأ على الجوالات (الهواتف المحمولة)... الحين إحنا رجعنا نحقق حلمنا من خيمة ⁠لخيمة».

وتفتقر سمر أيضاً إلى الكثير من اللوازم الأساسية التي أصبحت أسرتها لا تستطيع ‌تحمل تكلفتها.

وقالت سمر: «قبل الحرب، كان كل إشي متوفر إلنا، من ‌دفاتر، لأقلام، لأغراض، للبس، لطلعات (نزهات)، لأشياء نجيبها رخيصة».

مراتب وسبورة

على الرغم ​من الدمار الذي لحق بالمنطقة المحاصرة، بدأت وزارة التعليم ‌العام الدراسي 2026-2027، بدعم من المنظمات الدولية والمحلية؛ إذ أنشأت عشرات المواقع التعليمية المؤقتة، ومنها خيام ومبانٍ معدنية ‌أو خشبية، لاستيعاب التلاميذ.

أطفال فلسطينيون نازحون يحضرون درساً في مدرسة مؤقتة في خان يونس بجنوب قطاع غزة أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)

وبُنيت بعض هذه المدارس على أراضٍ رملية بينما لا يوجد ببعض الفصول الدراسية الأخرى التي يتكدس بها الطلبة سوى فُرش (مراتب) ولوح أسود (سبورة). ولا تزال مدارس أخرى تؤوي عشرات الأسر النازحة.

ويدرس يامن أبو سمرة، البالغ من العمر 14 عاماً، في مدرسة أخرى.

وقال: «قبل (الحرب) كنا نصحى مبسوطين نروح على المدرسة... الحين نيجي على المدرسة نكون خايفين من الطلق الطايش (الرصاص ‌الطائش)، من الصاروخ، من القذائف».

وأضاف: «الحين مفيش كهرباء، مفيش مولدات الطاقة، مفيش ألواح طاقة. الآن قاعدين في خيمة مفيش فيها ولا إشي، مفيش فيها غير الشمس والشوب (الحرارة)».

وقال ⁠مسؤولو التعليم إن من ⁠المتوقع أن يلتحق ما لا يقل عن 540 ألف طالب هذا العام بالدراسة الحضورية في مدارس خاصة ومراكز ومواقع تعليمية مؤقتة بدعم من «يونيسف»، وأن يستمر التعلم عبر الإنترنت لأولئك الذين لا يستطيعون حضور الدروس أو الذين غادروا غزة في أثناء الحرب.

فلسطينيون خارج فصل دراسي يحترق عقب قصف إسرائيلي على مدرسة تديرها وكالة «أونروا» في جباليا شمال قطاع غزة يونيو 2025 (أ.ف.ب)

ولا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على أكثر من 60 في المائة من غزة على الرغم من وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه العام الماضي، والذي أوقف الأعمال القتالية الرئيسية لكنه لم يُنهِ الصراع.

وتقول السلطات الفلسطينية إن أكثر من 73 ألفاً قُتلوا خلال الهجمات الإسرائيلية على غزة في أعقاب هجوم شنه مقاتلون بقيادة حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) أودى بحياة نحو 1200 شخص في جنوب إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

نقص اللوازم المدرسية

وقال خالد عليان (30 عاماً)، وهو تاجر أدوات مكتبية، إن القيود الإسرائيلية على الاستيراد أدت إلى نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار.

وقال: «على سبيل المثال، الدفتر هذا حقه ثلاثة شواقل، اليوم أصبح 15 شيقلاً. جميع أصناف القرطاسية (اللوازم المكتبية والدراسية) غالية».

طفل فلسطيني ينظر عبر بوابة مدرسة تابعة لوكالة «الأونروا» في منطقة المغازي وسط قطاع غزة مايو 2026 (رويترز)

ولم ​ترد وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي ​الوكالة العسكرية الإسرائيلية التي تتحكم في الوصول إلى غزة، على طلب من «رويترز» للتعليق على القيود المفروضة على الإمدادات والغارات على المدارس. واتهمت إسرائيل «حماس» مراراً باستخدام المدارس لأغراض عسكرية، وهو ما تنفيه «حماس».