«اقتصاد ترمب» يواجه تحديات عالمية معاكسة ويتعثر في تحقيق الوعود

مكاسب الأسواق تصطدم بضغوط التضخم والرسوم والحرب

دونالد ترمب يحيّي مؤيديه خلال تجمع انتخابي في مدرسة ويلر الثانوية... يوليو 2026 (د.ب.أ)
دونالد ترمب يحيّي مؤيديه خلال تجمع انتخابي في مدرسة ويلر الثانوية... يوليو 2026 (د.ب.أ)
TT

«اقتصاد ترمب» يواجه تحديات عالمية معاكسة ويتعثر في تحقيق الوعود

دونالد ترمب يحيّي مؤيديه خلال تجمع انتخابي في مدرسة ويلر الثانوية... يوليو 2026 (د.ب.أ)
دونالد ترمب يحيّي مؤيديه خلال تجمع انتخابي في مدرسة ويلر الثانوية... يوليو 2026 (د.ب.أ)

شهدت الأشهر الثمانية عشر الأولى من الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب سلسلة من الصدمات الاقتصادية الناتجة عن سياساته، في مقدمتها حملة تشديد الهجرة ورفع الرسوم الجمركية التي تعهد بها خلال حملته الانتخابية لعام 2024، بالإضافة إلى الحرب غير المتوقعة مع إيران التي رفعت أسعار النفط وهددت سلاسل الإمداد العالمية.

ورغم أن الاقتصاد الأميركي أظهر مرونة أمام هذه التغيرات والحرب في الشرق الأوسط، فإن وعود ترمب بخفض الأسعار، وزيادة وظائف التصنيع، وتحسين مستوى معيشة الطبقة الوسطى لم تتحقق بعد، قبل أشهر قليلة من انتخابات التجديد النصفي. كما تباطأ الأداء في عدد من القطاعات التي راهن عليها ترمب لتحقيق طفرة اقتصادية عبر تشديد سياسات الهجرة ورفع الرسوم الجمركية، في وقت زادت فيه الحرب من حدة المخاطر الاقتصادية، وفقاً لـ«رويترز».

سوق العمل تفقد زخمها

يُعد مسح الأسر الصادر عن مكتب إحصاءات العمل الأميركي أوسع مقياس للتوظيف. وأدت التعديلات على إحصاءات السكان مطلع عام 2026 إلى صعوبة مقارنة البيانات بالسنوات السابقة، بعدما أظهرت تراجعاً حاداً في التوظيف وعدد الباحثين عن عمل خلال يناير (كانون الثاني). إلا أن سلسلة تجريبية أكثر اتساقاً، تعتمد تقديرات سكانية محدثة، تُظهر أيضاً انخفاضاً في حجم قوة العمل وعدد العاملين منذ عودة ترمب إلى السلطة، في ظل تشديد سياسات الهجرة وزيادة عمليات الترحيل، إلى جانب شيخوخة السكان، مما قلّص عدد الأشخاص المتاحين لشغل الوظائف.

وظائف التصنيع تتراجع

تعهّد ترمب بإحياء قطاع التصنيع وزيادة الوظائف، لكن نتائج سياساته جاءت متفاوتة. فقد شهدت الولايات المتحدة طفرة استثمارية قادها الذكاء الاصطناعي، لا سيما في مراكز البيانات، وأسهمت في دعم التوظيف بقطاع البناء، إلا أن أثرها على الإنتاج ووظائف التصنيع لا يزال محدوداً. وتُظهر البيانات أن عدد العاملين في التصنيع لا يزال أقل من مستواه عند نهاية إدارة جو بايدن في يناير 2025. كما تعكس سوق العمل بعض أولويات ترمب، مثل تراجع وظائف القطاع الحكومي، غير أن اعتماد الاقتصاد على قطاع الخدمات وشيخوخة السكان يواصلان إعادة تشكيل أنماط التوظيف.

دونالد ترمب يحمل مخططاً إلى جانب وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك خلال كلمة ألقاها بشأن الرسوم في حديقة الورود بالبيت الأبيض (رويترز)

التضخم يعرقل وعود ترمب

شكّل التضخم أحد أبرز محاور حملة ترمب الانتخابية عام 2024، في ظل استمرار استياء الأميركيين من موجة ارتفاع الأسعار التي أعقبت جائحة كورونا، رغم تراجع الضغوط التضخمية بفعل رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة.

لكن وعد ترمب بخفض الأسعار لم يكن واقعياً، إذ إن الأسعار نادراً ما تنخفض على نطاق واسع إلا خلال فترات الركود الاقتصادي الحاد. ورغم تراجع التضخم نسبياً، ظل فوق هدف «الفيدرالي» البالغ 2 في المائة. وأسهمت الرسوم وارتفاع أسعار النفط إلى نحو 100 دولار للبرميل، إلى جانب الإنفاق الكبير على مشروعات الذكاء الاصطناعي، في زيادة الضغوط على الأسعار. ويرى بعض مسؤولي «الاحتياطي الفيدرالي» أن اتساع نطاق زيادات الأسعار قد يحولها إلى تضخم عام يصعب احتواؤه.

الإنفاق الأميركي يقاوم الصدمات

وبعيداً عن الجدل حول عدالة أو استدامة توزيع الدخل الذي تستفيد فيه الشرائح الأكثر ثراءً بدرجة أكبر من غيرها، فإن إنفاق المستهلكين ظل صامداً رغم الصدمات التي شهدها الاقتصاد في عهد ترمب. لكن من غير الواضح إلى متى يمكن أن يستمر هذا الاتجاه، في ظل تباطؤ بل تراجع الدخل الشخصي المتاح للإنفاق بعد احتساب التضخم.

ضغوط تكاليف المعيشة

تراجع ترمب عن تركيزه على خفض تكلفة المعيشة؛ إذ وصف مشروع قانون لتحسين القدرة على شراء المساكن بأنه «لا يستحق الاهتمام»، ورفض التوقيع عليه.

وتبقى أزمة الإسكان من أكثر التحديات تعقيداً في الولايات المتحدة، بعدما أدى تشديد معايير الإقراض وارتفاع أسعار المنازل خلال الجائحة، ثم رفع أسعار الفائدة، إلى زيادة صعوبة تملك المساكن. كما لا تزال معدلات الرهن العقاري وأقساط التأمين مرتفعة، في حين تظل قدرة الحكومة الفيدرالية على معالجة نقص المعروض السكني محدودة بسبب خضوع القطاع لسياسات الحكومات المحلية وقوانين استخدام الأراضي، مما يُبقي تكاليف السكن عبئاً كبيراً على الأسر الأميركية.

اختبار سوق الأسهم

لطالما عدّ ترمب أداء سوق الأسهم الأميركية مقياساً لنجاح سياساته الاقتصادية، مستشهداً بوصول المؤشرات إلى مستويات قياسية. إلا أن أسواق الأسهم حققت مكاسب مماثلة في عهود معظم الرؤساء الأميركيين. ومنذ يناير 2025، جاء أداء السوق في عهد ترمب ضمن المعدلات التاريخية؛ إذ ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنحو 25 في المائة خلال أول 18 شهراً من ولايته الثانية، مقارنة بمتوسط يقارب 24 في المائة للفترة نفسها منذ عام 1981، وهو أداء يتماشى مع الاتجاه التاريخي للأسهم الأميركية.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

طفرة سندات الذكاء الاصطناعي

شكّل الذكاء الاصطناعي المحرك الرئيسي لمكاسب الأسواق منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، ولم يقتصر تأثيره على الأسهم، بل امتد إلى سوق السندات، حيث أصبح أبرز محركات استثمارات الشركات الداعمة للنمو الاقتصادي. وبلغ إصدار سندات الشركات منذ بداية العام وحتى نهاية يونيو (حزيران) نحو 1.52 تريليون دولار، خُصص جزء كبير منها لتمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي، وهو مستوى قياسي يفوق حتى طفرة ما بعد جائحة كورونا في عام 2020. كما تعكس قوة الإصدارات وارتفاع الطلب متانة الاقتصاد الأميركي وقوة الميزانيات العمومية للشركات.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

تصعيد الضغوط الأميركية لتفكيك «الجنائية الدولية»

الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)

تصعيد الضغوط الأميركية لتفكيك «الجنائية الدولية»

دعا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى تفكيك المحكمة الجنائية الدولية التي شهدت موجة انسحابات من 5 دول، في ظل البحث عن بديل للمدعي العام المقال كريم خان.

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية  ترمب يستقبل نتنياهو خلال لقاء سابق في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (د.ب.أ) p-circle

نتنياهو يضع إيران في صدارة لقاء ترمب

غادر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الاثنين، إلى واشنطن، قائلاً إن إيران ستتصدر جدول أعمال أول محادثات مباشرة يجريها مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - د.ب.أ)

نتنياهو يغادر إلى واشنطن وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة

غادر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الاثنين، إلى العاصمة الأميركية واشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وسط إجراءات أمنية وسرية غير مسبوقة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية سفن بمضيق هرمز كما تُرى من مسندم في عُمان (رويترز) p-circle 00:25

ما الذي تريده إيران من «محادثات هرمز»؟

قالت إيران، الاثنين، إن الولايات المتحدة غير معنية بالمباحثات التي تُجريها مع سلطنة عُمان بشأن إدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

إيران تتصدر «سلة مطالب» نتنياهو في واشنطن

يتوّجه نتنياهو إلى واشنطن حاملاً قائمة طويلة من المطالب، منها مقترحات يرى أنها كفيلة بإنجاح الحرب على إيران، لكن مصادر تقول إن نتنياهو لا يدرك أن الظروف تغيّرت.

نظير مجلي (تل أبيب)