توسع القاهرة اتصالاتها مع غرب ليبيا، في تحرك دبلوماسي واستخباراتي يعكس رغبتها في تعزيز دورها وسيطاً داعماً للتسوية السياسية، من دون التخلي عن شراكتها الاستراتيجية مع شرق البلاد.
وبرز هذا الدور خلال الشهرين الماضيين عبر لقاءين أجراهما رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، اللواء حسن رشاد، مع مسؤولين في حكومة «الوحدة» المؤقتة بطرابلس، بالتوازي مع تحركات دبلوماسية أكدت تمسك القاهرة بدعم وحدة ليبيا وتوحيد مؤسساتها والدفع نحو إجراء الانتخابات.

ومن منظور الخبير الأمني المصري خالد عكاشة، مدير مركز الفكر للدراسات الاستراتيجية، فإن هذا التحرك النشط يعكس «إدراكاً مصرياً بأن استقرار ليبيا واستعادة عافيتها كدولة يمثل مصلحة استراتيجية ترتبط مباشرة بالأمن القومي المصري، من خلال الحد من مخاطر الإرهاب والميليشيات والمرتزقة».
وشهدت الشراكة الأمنية بين القاهرة وطرابلس خلال الفترة الأخيرة، حسب حديث عكاشة لـ«الشرق الأوسط»، «تطوراً ملحوظاً، خصوصاً في مكافحة الإرهاب، وملاحقة العناصر الخارجة على القانون، ومنع استخدام أراضي البلدين ملاذاً للأنشطة المهددة للاستقرار»، مرجحاً أن يفتح قيام دولة ليبية موحدة المجال أمام تعاون أمني وعسكري أكثر فاعلية بين البلدين في مواجهة التحديات المشتركة.

وتجسَّد هذا المسار في لقاء عُقد في مصر منتصف يوليو (تموز) الحالي بين رشاد ووكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة»، الفريق عبد السلام الزوبي؛ لبحث التنسيق الأمني والمبادرة الأميركية.
وقبل ذلك، زار رشاد طرابلس في يونيو (حزيران) الماضي، والتقى رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة. كما التقى في أعقاب ذلك بالقاهرة صدام حفتر، ومسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية.
ولم يتوقف الأمر عند الصعيد الاستخباراتي، بل سار بموازاته تحرك دبلوماسي عبر اتصال أجراه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع بولس في وقت سابق من الشهر الحالي، مجدداً دعم مصر للجهود الأميركية والدولية لتوحيد المؤسسات الليبية وإنجاز الانتخابات.
تعزيز الثقة
وتؤكد القاهرة باستمرار أن تسوية الأزمة الليبية يجب أن تنطلق من «الحفاظ على وحدة البلاد وسلامة أراضيها، وتوحيد مؤسساتها، والوصول إلى حل سياسي ليبي - ليبي يفضي إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية».
وقال عكاشة إن السياسة المصرية اعتمدت خلال السنوات الأخيرة على التنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية والبعثة الأممية، إلى جانب التواصل مع مختلف القوى الليبية؛ «وهو ما عزز الثقة في الدور المصري لدى أطراف الشرق والغرب على السواء».

واستضافت القاهرة جولات للحوار بين الأفرقاء الليبيين بشأن القاعدة الدستورية، واجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، بجانب لقاء آخر جمع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة آنذاك خالد المشري، في إطار دعم العملية السياسية.
ويقول عكاشة إن هذه اللقاءات «وفَّرت مساحة للحوار وأسهمت في تقريب وجهات النظر، وعززت ثقة الأطراف الليبية كافة في مصر ورؤيتها بأن أي تسوية دائمة يجب أن تستند إلى توافق الليبيين أنفسهم».
ولسنوات، نظر جزء من القوى السياسية في غرب ليبيا بحساسية إلى دور مصر بسبب علاقاتها الوثيقة مع «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، قبل أن توسع اتصالاتها تدريجياً مع مختلف الأطراف الليبية، مؤكدة دعمها وحدة البلاد والحل السياسي الشامل.
ويرصد القيادي في حزب «ليبيا النماء»، حسام فنيش، «تزايد القبول بالانفتاح المصري في ظل الحاجة إلى دعم إقليمي يساعد على إنجاح مسار التسوية»؛ وقال إن غالبية القوى السياسية «باتت تنظر إلى القاهرة بصفتها طرفاً يمكن أن يسهم في تقريب وجهات النظر والدفع بالعملية السياسية، مستندة إلى ثقلها الإقليمي وعلاقاتها الدولية، فضلاً عن تمسكها المعلن بوحدة ليبيا».
وأضاف أن الزيارات والاتصالات المتبادلة، وفي مقدمتها زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى طرابلس، تعكس انتقال العلاقات من مرحلة الحذر إلى مرحلة الحوار والتنسيق، بما عزز الثقة بين القاهرة وعدد من القوى الفاعلة في غرب البلاد.
ومع ذلك، تستمر شخصيات وتيارات سياسية وإعلامية، خصوصاً المقربة من تنظيم «إخوان ليبيا» في التحفظ إزاء الدور المصري. وعزا فنيش هذا الأمر إلى «إرث الانقسام والصراع أو إلى اعتبارات سياسية وآيديولوجية»، ويرى أن تأثير ذلك تراجع مع انخفاض حدة الاستقطاب وتزايد الحاجة إلى توافقات داخلية مدعومة بتنسيق إقليمي ودولي، في وقت باتت فيه أولويات الليبيين تتركز على الاستقرار وتحسين الخدمات وإنهاء المراحل الانتقالية.
رسائل طمأنة
في المقابل، تذهب تقديرات محللين إلى أن الانفتاح المصري على غرب ليبيا يبعث برسائل طمأنة أيضاً إلى الشرق الليبي، في ضوء «الثقة التي تحظى بها المؤسسات السيادية المصرية».
هذه الرؤية تبناها الخبير الليبي المختص في شؤون الأمن القومي، فيصل أبو الرايقة، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن تعزيز تواصل القاهرة مع الغرب الليبي «يسهم في الحد من المخاطر الأمنية التي تهدد شرق ليبيا ومصر؛ كما يهيئ ظروفاً أفضل لدفع التسوية السياسية»، مؤكداً أن الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة والسلطات في شرق ليبيا ستظل قائمة في ظل مصفوفة تحديات مشتركة، تشمل تأمين الحدود، ومكافحة الجماعات المسلحة، وتهريب الأسلحة، فضلاً عن تداعيات الأوضاع في السودان ومنطقة الساحل.

وسبق أن جددت مصر، على لسان وزير الدفاع الفريق أشرف زاهر، دعمها الشعب الليبي ومؤسسته العسكرية، خلال استقباله صدام حفتر في القاهرة في مراسم تخريج دفعة من الضباط الليبيين في يونيو (حزيران) الماضي، قبل أيام من لقائه بولس بالعاصمة المصرية.
وتقضي المبادرة الأميركية، وفق تسريبات، بإسناد رئاسة مجلس رئاسي جديد إلى صدام حفتر، مع تولي الدبيبة رئاسة حكومة موحدة يجري العمل على تشكيلها، في إطار مساعٍ لإنهاء الانقسام السياسي في ليبيا.
