رقصت الأبواق طرباً وفرحاً، كما رقصت حشود الحاضرين على مدرجات الواجهة البحرية في أنطلياس مساء السبت، خلال حفل الموسيقي اللبناني - الفرنسي إبراهيم معلوف، ضمن مهرجانات «أعياد بيروت». أكثر من 15 بوقاً ظلّت تتحاور وتتناغم وتتآلف على المسرح، ناشرةً الطرب في نفوس جمهور جاء من مختلف المناطق للقاء فنانه المحبب، الذي جال بهذا الحفل في 47 مدينة حول العالم قبل أن يحط رحاله في مسقط رأسه من جديد، إذ يرى أن للعزف على أرض الوطن الأول طعماً مختلفاً. وإلى جانب عازفي الأبواق، حضرت آلات الغيتار والدرامز والساكسفون لتضفي إيقاعات راقصة وشجناً دافئاً، قبل أن تدخل الطبلة لتمنح العرض نكهة فولكلورية لبنانية تنسجم مع أسلوب معلوف المعهود.

دخل إبراهيم معلوف مع فرقته، مفتتحاً الحفل بحيوية وإيقاعٍ عاليين وحماسة مرحة، مقدماً للحضور عرساً فنياً لليلة واحدة، ورقصاً لا يتوقف. وقال مخاطباً جمهوره: «الأسوأ نعرفه، لكن الأفضل نأمله ونعمل لأجله، وسنقضي أمسية سعيدة معاً كما لو أننا نحيي حفل زفاف». وبرشاقة وشغف، استطاع معلوف، صاحب الشهرة العالمية، أن يبقي جمهوره يقظاً ومتفاعلاً مع النغم والموسيقى، من دون أن يترك له لحظة استراحة.
هو موسيقي وعازف ومؤلف موهوب، تجتمع لحفلاته آلاف الجماهير، ويملأ أكبر الصالات العالمية. وهو الابن الذي جعل من البوق الذي ابتكره والده، نسيم معلوف، في ستينات القرن الماضي بإضافة ربع صوت، من أجل نشر الموسيقى الشرقية عالمياً، قضيته التي يجوب المسارح محتفلاً بها.
وفي أنطلياس، استعاد قصة والده الذي هاجر إلى فرنسا، آملاً أن يجعل من هذا البوق المطوَّر آلة قادرة على إصدار النغم الشرقي ونشره في كل مكان. لكن هذا الحلم لم يتحقق آنذاك، ليأتي إبراهيم معلوف ويصعد سلّم الشهرة حاملاً بوق والده، ويزوده بأنغامه هو، التي تمزج بين الجاز العصري والموسيقى العربية والفانك والإيقاعات اللاتينية، من دون أن يشعر المستمع بأي تناقض بين هذه العوالم الموسيقية، بل إن النغم الشرقي يندغم في التأثيرات البرازيلية والأفرو-كوبية، بسلاسة ممتعة.

ويأتي الحفل اللبناني بعد صدور ألبوم معلوف الجديد «مايكل أنجلو - الجزء الثاني»، الذي يضم 9 مقطوعات تمتزج فيها الأنماط الموسيقية المختلفة ببراعة كأنها احتفال بانتصار بوق الربع صوت، الذي بدأ يُصبح مطلباً لعشرات الآلاف الذين يتجمهرون في كل مرة لسماع أنغامه.
انتصر إبراهيم معلوف لبوق والده، وكان حفله في لبنان إحدى محطات هذا الإنجاز، الذي تشاركه فيه فرقة «أبواق مايكل أنجلو»، المؤلفة من عازفين شباب يرافقونه على المسرح. ففرقة الأبواق هذه التي تحمل اسم الرسام الإيطالي الشهير، هي لبنانية، تتبع «المعهد الوطني الموسيقي»، وتعتمد الآلة الفريدة التي يسعى معلوف إلى أن تنال المكانة التي تستحقها، وإن جاء الاعتراف بها متأخراً.
ومن أبرز مؤشرات نجاح معلوف أنه يجمع في حفلاته مختلف الأجيال، رغم أن ما يقدمه هو لقاء موسيقي بحت. فقد حضر كبار في السن وشباب، وجدوا في هذه الموسيقى، التي تعكس روح المهاجرين اللبنانيين في مزجهم ما حملوه من وطنهم بما تعلموه في أصقاع الأرض، ما يزرع الأمل في النفوس ويمنحها القدرة على مواجهة الألم.

وخلال الحفل، وجّه معلوف التحية إلى زوجته الفنانة هبة طوجي، التي كانت تجلس في مقدمة الجمهور إلى جانب الموسيقي أسامة الرحباني، احتفالاً بمرور 6 سنوات على زواجهما. كما حيّا طفليه، آية ونائل، وطلب منهما في ختام الأمسية الصعود إلى المسرح ومشاركته العزف بآلات رمزية، ليتعرَّفا إلى أجواء الحفل عن قرب. ولم يُختتم الحفل قبل أن تلوِّح الحشود بالأعلام اللبنانية، وتُضيء هواتفها المحمولة.
ولعل واحدة من أكثر لحظات الحفل تحدياً للموسيقيين جاءت في ختامه، حين قرر معلوف أن ينتهي هذا العرس بالدبكة. وبمؤازرة طبلة إضافية، وبرشاقة لافتة في توظيف الأبواق، عزف الموسيقيون «يا عين موليتين» بأسلوبهم الخاص، ولم تَغِب فيروز عن الأمسية، مع عزف «سألوني الناس عنك يا حبيبي». عندها، تحرك الجمهور بالفعل ورقص الدبكة، في إشارة إلى تطويع ناجح للأبواق وإنطاقها بأصعب الأغنيات الشرقية، لا بل وإقناع الحاضرين بالرقص على أنغامها.
ولمن يرغب، يحتفل إبراهيم معلوف بمرور 20 عاماً على انطلاق مسيرته فناناً مستقلاً، عبر حفل ضخم يُقدِّمه في 10 أبريل (نيسان) المقبل في فرنسا، على مسرح «لا بلينيتود أرينا»، في أمسية استثنائية تستضيفها أكبر قاعة مغلقة في أوروبا.
