إسرائيل: الانتخابات «الجبهة التاسعة» في حروب نتنياهو

ضرب غزة والضفة وسوريا ولبنان وإيران والعراق واليمن

توتر رغم اللقاءات المتعددة بين ترمب ونتنياهو(رويترز)
توتر رغم اللقاءات المتعددة بين ترمب ونتنياهو(رويترز)
TT

إسرائيل: الانتخابات «الجبهة التاسعة» في حروب نتنياهو

توتر رغم اللقاءات المتعددة بين ترمب ونتنياهو(رويترز)
توتر رغم اللقاءات المتعددة بين ترمب ونتنياهو(رويترز)

ذات يوم، كانت الانتخابات البرلمانية في إسرائيل مهرجاناً احتفالياً، يُعتبر «عرساً ديمقراطياً». فيوم الاقتراع عطلة مدفوعة الأجر. ومَن يضطر لعمل يحصل على زيادة. وفيه يشعر المواطن أنه يختار قيادته. أيضاً ثمة عشرات ألوف النشطاء الذين يعملون في يوم الانتخابات، كأعضاء لجان في الصناديق، مقابل أجر. ومثلهم نشطاء في الأحزاب، غالبيتهم غير متطوعين. ولأنه يوم عطلة يستغله الناس أيضاً لرحلات الاستجمام. ولكن، بعد 77 سنة من إجراء أول انتخابات عام 1949، تبدو الانتخابات «حرباً». اليوم صارت «معركة الانتخابات»، حيث يتعصّب كل إسرائيلي لمعسكره ضد المعسكر الآخر. منسوب العداء والكراهية يرتفع إلى ذروة جديدة. ورئيس الدولة يجتمع مع رئيس المخابرات ورئيس لجنة الانتخابات، فيخبرانه بأن هناك خطر تدخل أجنبي لتغيير نتيجة الانتخابات من الخارج ولتزييف الانتخابات من الداخل. عدد من السياسيين وذوي الخبرة الأمنية يعربون عن فزعهم من عظم الشرخ الذي تعيشه الدولة العبرية عشية هذه الانتخابات. ويحذّرون من اغتيالات سياسية واعتداءات جسدية وعمليات ترهيب وتخويف للمواطنين بسبب موقفهم السياسي واختياراتهم الحزبية. باختصار، صار يوماً مخيفاً يصلي الناس لأن يمر بسلام، من دون مآسٍ وكوارث، فردية أو جمعية.

لأول وهلة، تبدو الحرب التي تخوضها إسرائيل مع إيران وأذرعها هي السبب في التوتر الحالي، لكن هذه ليست الانتخابات الأولى التي تجري في ظل الحرب. وليست الحرب الأولى التي يستغلها السياسيون من أجل الفوز بالحكم، أو بالأحرى من أجل عدم خسارة الحكم. فإسرائيل تعيش حروباً باستمرار، منذ وجودها؛ لذلك فمن الطبيعي أن تجري الانتخابات ارتباطاً بها.

لقد أُجريت انتخابات عام 1959 بعد فترة وجيزة من «حرب 1956» والانسحاب من المناطق التي احتلتها (سيناء وقطاع غزة). وانتخابات عامَي 1969 و1971 كانت في خضم «حرب الاستنزاف». وانتخابات عام 1974 كانت بُعيد «حرب أكتوبر/ تشرين الأول» ببضعة شهور. وانتخابات 1984 نُظّمت في ظل «حرب لبنان». وعام 1981 أمر مناحم بيغن بقصف المفاعل النووي في العراق، عشية الانتخابات التي بدا فيها أن حكمه سينهار. وحقاً، نجا بفارق 10 آلاف صوت. وعشية انتخابات 1996، قصف الجيش الإسرائيلي بأمر من شيمعون بيريز لبنان مرتكباً يومذاك «مجزرة قانا».

نتنياهو ليس «حالة استثنائية»

بناءً عليه، فإن رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ليس فريد عصره. فلا هو أول قائد إسرائيلي يستغل جيشه لأجل مصالحه الانتخابية، ولا هو أول من يفكر بجعل الحرب أداة سياسية حزبية. لكن ما يميّز عهد نتنياهو هو أنه - كما يؤكد خصومه، وكذلك عديد من الخبراء المحايدين، بل حتى بعض الحلفاء - يشن حرباً على إسرائيل أيضاً.

نتنياهو لم يكتفِ بالحرب على غزة، رداً على هجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2023، وعلى لبنان، رداً على «حرب الإسناد» التي أعلنها «حزب الله»، وعلى سوريا، منتهزاً فرصة سقوط نظام الأسد، وعلى إيران و«حزب الله - العراق» والحوثي في اليمن، في سياق استهداف الضفة الغربية.

«الحرب على إسرائيل»

«حرب نتنياهو على إسرائيل» بدأت في الواقع قبل «حروب» 7 أكتوبر. ولقد ارتدت لباس «خطة لإصلاح القضاء»، ما فتئ أن اتضحت معالمها كانقلاب شامل على منظومة الحكم برمّتها؛ إذ استهدفت إضعاف القضاء، وإرضاخ وسائل الإعلام، وتجيير المؤسسة الأكاديمية، وتحطيم الأسس الليبرالية والديمقراطية التي قامت عليها الدولة العبرية لصالح مواطنيها اليهود، وهو ما يعني تهشيم عظام «الدولة العميقة».

هذا العداء جاء أساساً بسبب «جرأة» الجهاز القضائي على محاسبة نتنياهو على إخفاقاته في الحكم؛ إذ حمّلته لجنة تحقيق مسؤولية الحريق في غابات جبل الكرمل عام 2010، الذي قضى فيه 44 مواطناً، ثم مأساة التدافع بين جمهور المتدينين اليهود على جبل ميرون (جبل الجرمق) التي قضى فيها 45 شخصاً عام 2021، ثم جرأة الشرطة والنيابة على محاكمة نتنياهو في ثلاث تهم فساد خطيرة عام 2020، وتشكيل لجنة تحقيق في قضية شراء الغوّاصات في السنة نفسها. ولكن عندما جاء هجوم «حماس» عام 2023، اعتُبر إخفاقاً «هو الأخطر على إسرائيل واليهود» منذ «الهولوكوست». وبالفعل، رد الجيش عليه بحرب وحشية رهيبة، تتغلب فيها دوافع الانتقام والثأر على الرؤية السياسية والاستراتيجية. واستغلها نتنياهو لينجو بجلده من الإدانة وما قد يتبعها من عقوبة السجن.

مَن يعرفون نتنياهو جيداً يقولون إن هذه المحاكمة أحدثت تغييراً جوهرياً في شخصية نتنياهو. فالرجل الذي كان نصيراً للقضاء، قرّر تحطيم القضاء. والرجل الذي كان نجم الإعلام الأول، شنّ حرباً ضروساً على الإعلام، وأسس نحو عشرة مواقع إعلامية، إذاعية وكتابية وتلفزيونية. وبعدما كان ضيفاً مرموقاً على معاهد الدراسات، خاض حرباً ضدها، وأسس عدة مراكز بحثية يمينية تعمل لخدمة أهوائه ومصالحه.

وأخيراً، بعدما كان يحرص على تشكيل حكومات تعبر عن وحدة الحركات والأحزاب الصهيونية من مختلف الاتجاهات، شكّل حكومة يمين صرف تحارب كل المعسكرات الأخرى.

عداء مع الخارج

وتعدى نتنياهو حدود إسرائيل في هذا الانقلاب. فدخل في عداء مع دول أوروبا وسائر الغرب، مع أن هذه الدول هي التي أسّست إسرائيل وناصرتها وزوّدتها بالدعم العسكري والسياسي والاقتصادي، وانضم إلى حلف مع اليمين المتطرف لإحداث انقلابات فيها.

وحتى في الولايات المتحدة، الحليف الأكبر، اختار الحرب. فإسرائيل، التي حرصت كل حكوماتها على بناء علاقات ودية عميقة مع الحزبين الحاكمين، الجمهوري والديمقراطي، رسم لها نتنياهو معالم سياسة جديدة. فحارب بنعومة إدارة بيل كلينتون، ثم بشراسة حارب إدارة الرئيس باراك أوباما، ثم إدارة جو بايدن. ووضع كل ثقله في حضن الرئيس دونالد ترمب، الذي بدأ هو أيضاً يملّ أسلوب نتنياهو، ويتهمه بالتآمر عليه داخل الولايات المتحدة.

الصحافي باراك رافيد، الذي يتّصل به الرئيس ترمب مرتين على الأقل في الأسبوع، وهو مراسل «القناة 12» الإسرائيلية وموقع «أكسيوس» الأميركي، ويعمل معلّقاً سياسياً في «سي إن إن»، يتكلم الآن عن «انكسار» في العلاقات الشخصية مع ترمب. ويضيف: «إن العلاقات الاستراتيجية بين البلدين تتعرّض للضرر بشكل ملموس. لكن، في إسرائيل هناك (حالة إنكار)، وربما قطيعة مع الواقع، ترفض إدراك هذا الخطر. لا يفهمون ببساطة أنه خطر كبير. ولا أقصد بذلك فقط القيادة السياسية الهزيلة عندنا، بل أيضاً القيادة العسكرية والأمنية لا تفهم».

رافيد، قال أمام «مؤتمر الحصانة القومية» في مدينة هرتسليا: «أستطيع أن أقول لكم، من مصدر أول، إن هناك خللاً عميقاً. نحن نتكلم اليوم عن قيادة جمهورية برئاسة الصديق ترمب، ومع ذلك أنا أسمع منهم أموراً فظيعة. وليس هم فقط، بل أيضاً القيادات من الدرجات الوسطى والدنيا، في البيت الأبيض وفي وزارة الخارجية و(البنتاغون) والمخابرات. نظرتهم إلى إسرائيل اليوم سلبية جداً. إنهم ينظرون نظرة دونية إلى الحكومة، ويعتبرونها مهزوزة وغير مستقرة في قراراتها. حكومة غير متوقعة التصرفات. لديها أطماع توسعية وعدوانية. لم أصدق في أي يوم أن أسمع تفوّهات كهذه. أناس مهمون جداً يقولون إن لديهم شعوراً بالقرف من حكومة إسرائيل الحالية في بعض الأحيان. وأذكّركم بأننا نتكلّم عن إدارة جمهورية. وإن وتيرة ازدياد أولئك عالية جداً».

المعركة الانتخابية «الجبهة التاسعة»

إزاء كل هذه الممارسات، التي يسمّيها خصومه «موبقات»، يخوض نتنياهو الانتخابات كمعركة أخرى، فيها حسابات شخصية كثيرة، وتعتبر ليس فقط «جبهة تاسعة»، بل الجبهة الأساسية. إنها حرب وجودية، ومسألة حياة وموت سياسياً. في اعتقاده أن خصومه لا يريدون فقط إسقاطه عن الحكم، بل إدخاله إلى السجن. وإذا نجحوا في إسقاطه، فسيشكّلون «لجنة تحقيق» رسمية تحكم بتحميله المسؤولية الكبرى عن إخفاقات 7 أكتوبر، وربما يورّطونه في إدانة أخرى في قضية الغواصات... فلا يُحكم عليه بالسجن سنتين أو ثلاثاً، كما يُتوقع من محاكمة الفساد، بل يبقى في السجن طول حياته.

من هنا تأتي شراسة المعركة الانتخابية، هذه المرة، أكثر من أية مرة سابقة. وما يخنق نتنياهو تماماً، هو أن خطته لمواجهة خصومه في إسرائيل تنهار مدماكاً وراء الآخر.

استطلاعات الرأي تُجمع على أنه سيخسر ربع قوته وأكثر. والجمهور في غالبيته مقتنع بأنه فشل في إدارة الحرب، ولم يحقق أياً من أهدافها. وبعدما كانت المعارضة تبدو تعيسة وضعيفة، بدأ الجمهور يُعجب بالجنرال غادي آيزنكوت، ويرى أنه أكثر ملاءمة من نتنياهو في منصب رئيس الحكومة.

وحتى الرئيس ترمب، الذي كان يروّج لنتنياهو كـ«البطل القومي الذي أدار الحرب بشكل ممتاز»، صار يتهرّب من مقابلته، ويطعن في صداقته، بل يتهمه بإدارة حملة ضده داخل الولايات المتحدة، يدفع فيها الملايين، ويفتح قنوات اتصال مع خصومه.

الناخبون العرب والبدائل المحتملة

من جهة أخرى، يحذّر المراقبون نتنياهو من مواصلة إدارة معركته الانتخابية بالطريقة الحالية. ويرون أن أساليب العنف و«العربدة» التي ينتهجها ستنقلب ضده، كما حصل هذا الأسبوع مع شريط الفيديو الذي روّجه ضد آيزنكوت؛ إذ استخدم نتنياهو شخص نجل آيزنكوت، الذي قُتل في الحرب، لكي يُظهر أنه يفضّل منصور عباس عليه. لكن غالبية الذين شاهدوا الفيديو اتخذوا موقفاً سلبياً من نتنياهو، وعملياً انقلبوا ضده.

لقد أراد نتنياهو أن يجعل موضوع تشكيل حكومة بمشاركة سياسيين عرب، مثل منصور عباس، «تهمة خطيرة»؛ لأنه يعرف أن غالبية الإسرائيليين لا يريدون عرباً في الحكومة. لكن هذا التوجّه العنصري أظهر نتنياهو لدى كثرة من الإسرائيليين قائداً بلا رحمة ولا أخلاق، وساءهم المساس هكذا بجنرال في الجيش الإسرائيلي بقامة آيزنكوت.

أيضاً أثار الفيديو من جديد نقاشاً حول مشاركة العرب في الائتلاف؛ إذ قال 44 في المائة من ناخبي المعارضة، و18 في المائة من ناخبي الائتلاف، إنهم لا يرون غضاضة في مشاركة كهذه. واعتبر عباس هذه النتيجة بداية تغيير للأفضل، بل كشفت مصادر مقربة من عباس أنه ينوي المجيء باقتراح «سيزلزل الحلبة السياسية»؛ إذ إنه سيسعى لتحويل قائمته «العربية الموحدة»، والتابعة للحركة الإسلامية، إلى قائمة عربية يهودية يضم إليها عدداً من الشخصيات المعتدلة التي تؤمن بالمساواة. وذكر في هذا السياق، نائب الوزير السابق، يوآف سيجالوفيتش، وهو لواء سابق في الجيش وفي الشرطة الإسرائيلية، كان قد تولى في الحكومة السابقة مهمة مكافحة العنف والجريمة المنظمة في المجتمع العربي، وخلال سنة ونصف السنة حقق نجاحاً نسبياً بتخفيض جرائم القتل بنسبة 16 في المائة.

إذا نجحت فكرة كهذه فقد تقلب الحسابات، وتدخل الحكومة بلا مشكلة، وتضمن غالبية مطلقة للمعسكر المناوئ لنتنياهو برئاسة آيزنكوت؛ من 63 إلى 65 مقعداً (من مجموع 120 مقعداً). وبما أن آيزنكوت تعهد بأن تكون أول خطوة يقوم بها في حال فوزه برئاسة الحكومة، هي إعادة الحميمية والثقة للعلاقات مع الإدارة الأميركية، فإن نتنياهو يرتعب ويشعر أنه خسر سنده الأول؛ الرئيس ترمب.

بالتالي، يقول البروفسور بوعز غنور، رئيس جامعة رائخمان في هرتسليا ومدير مدرسة مكافحة الإرهاب، إن المعركة الانتخابية في إسرائيل ستكون هذه المرة «مصيرية بكل معنى الكلمة» إذا عرفت المعارضة كيف تطرح مواقفها للجمهور المتعطش للتغيير. ويضيف: «علينا أن نستعد بشكل مختلف للحرب التالية، القادمة حتماً، مع إيران. سيكون علينا أن نأخذ في الاعتبار أن إيران ستكون نووية أو على حافة النووي. ويجب أن نوقف سياسة الضبابية في الموضوع النووي، حتى لو دخلنا في صدام مع واشنطن. ويجب أن نحدد سياسة الردع ونوجّه ضربات حربية سريعة وموجعة، كما يفعل (الموساد)، وبالأحابيل تُصنع الحرب. علينا أن نسرع عملية إنتاج الصواريخ بالليزر، كهدف قومي. علينا أن نعزّز قوة إسرائيل الدفاعية لمواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ. ولكن الأهم هو أن نعزّز قوة الصمود في أرض الوطن لفترة طويلة».

ويتابع غنور: «على الجبهة الداخلية يجب الاستعداد لحالات الحرب الطويلة بشكل مختلف، نرى فيه ضمان احتياطي ضخم من الماء والغذاء والدواء والذخيرة. على إسرائيل أن تعزّز تحالفاتها الإقليمية من خلال صد المحاولات الإيرانية للمساس بالاتفاقيات الإبراهيمية، والسعي إلى إقامة حلف إقليمي بمشاركة الدول العربية المعتدلة، حتى لو كان ثمن ذلك تقديم مبادرات حسنة في الحلبة الفلسطينية».

ويستطرد: «على إسرائيل العمل على تحسين مكانتها الدولية من خلال مبادرات تلقى قبولاً لدى الجماهير الشابة في العالم. والمبادرة إلى وحدة الصف الوطنية، وتعزيز الحصانة، والامتناع عما يفسخ المجتمع. ولكن فوق كل هذا، وأهم منه، على إسرائيل أن تتخلى عن ثقافة الغرور والغطرسة، وتعترف بمحدودية القوة العسكرية، وبلوَرة أفق سياسي وتفكير استراتيجي بعيد النظر. إذا لم نفعل ذلك كله، فستجد إسرائيل نفسها إزاء تحقيق بعض المكاسب التكتيكية، لكنها ستُهزم في المعركة الاستراتيجية بشكل قد يهدّد وجودها. هذه هي الرسالة التي يجب أن نطرحها في هذه الانتخابات، كي يعرف الإسرائيليون أن ثمة أملاً، وأن هناك قادة جدداً يمتلكون الفكر والأدوات للتخلص من القيادة الحالية، والتوجّه إلى قيادة تغيير حقيقي».


مقالات ذات صلة

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

حصاد الأسبوع صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي

حصاد الأسبوع عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع الملك عبدالله الثاني، وبجواره إلى الشمال رئيس الوزراء جعفر حسان ومهند شحادة، وإلى اليمين وليد المصري وعزمي محافظة (الديوان الملكي الأردني)

الأردن: توتر العلاقة بين الحكومة والنواب وصيف ساخن

حالة من الارتباك تعيشها السلطتان الأكثر اشتباكاً (التنفيذية والتشريعية) في الأردن؛ إذ دخلت البلاد في حالة من الترقب وسط مخاوف من تنامي حالة «انعدام الثقة»

محمد خير الرواشدة (عمّان)
حصاد الأسبوع صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

شهدت الحدود اللبنانية - الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين تحوّلاً جذرياً في طبيعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله». فما أفرزته حرب يوليو (تموز) 2006

«الشرق الأوسط» (بيروت)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».