لم يكن تتويج منتخب إسبانيا بلقب كأس العالم 2026 مجرد إنجاز جديد في تاريخ «لا روخا»، بل حمل أيضاً مؤشرات واضحة على بداية حقبة ذهبية جديدة لكرة القدم الإسبانية، تشبه إلى حد كبير تلك التي صنعت أمجاد المنتخب بين عامي 2008 و2012، عندما حصد لقبين في كأس أمم أوروبا ولقب كأس العالم 2010.
وكان القاسم المشترك بين الجيلين هو برشلونة، الذي فرض حضوره بقوة داخل المنتخب الإسباني، سواء من خلال عدد اللاعبين أو أسلوب اللعب الذي أصبح السمة المميزة لأبطال العالم. وضم المنتخب الإسباني الفائز بالمونديال ثمانية لاعبين من برشلونة، وهو أكبر تمثيل لنادٍ واحد في منتخب بطل للعالم منذ أن ساهم نادي بينيارول بتسعة لاعبين في تتويج أوروغواي بلقب 1950، كما أنه رابع أعلى رقم في تاريخ البطولة.
ويبرز في مقدمة هذا الجيل الثنائي الشاب لامين يامال وباو كوبارسي، البالغان من العمر 19 عاماً، واللذان تدرجا معاً في أكاديمية لاماسيا قبل أن يصبحا من أبرز نجوم المنتخب الإسباني. كما ضم نهائي كأس العالم لاعبين آخرين تخرجا من الأكاديمية نفسها، هما الظهير الأيسر مارك كوكوريا، الذي أعلن انتقاله إلى ريال مدريد، إضافة إلى قائد الأرجنتين ليونيل ميسي، أشهر خريجي لاماسيا عبر التاريخ. أما صاحب هدف الفوز فيران توريس، فرغم تخرجه في فالنسيا، فإنه يرتدي قميص برشلونة منذ عام 2021.
ولا يبدو أن نفوذ برشلونة داخل المنتخب الإسباني سيتراجع قريباً؛ إذ ينتظر أن ينضم إلى المنتخب الأول خلال السنوات المقبلة عدد من المواهب الصاعدة، مثل فيرمين لوبيز، الذي غاب عن كأس العالم بسبب الإصابة، إضافة إلى مارك برنال، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز نجوم المستقبل. لكن تأثير برشلونة لا يتوقف عند عدد اللاعبين، بل يمتد إلى هوية المنتخب وأسلوبه داخل الملعب.
وقال أحد المسؤولين في أكاديمية لاماسيا، فضّل عدم الكشف عن هويته، لشبكة «The Athletic»: «هدف برشلونة ليس تزويد المنتخب الإسباني باللاعبين، بل إعداد لاعبين للفريق الأول يفهمون فلسفة النادي بالكامل. لكن ما حدث طبيعي؛ لأن إسبانيا تبنت خلال العقود الأخيرة أسلوباً قريباً جداً من فلسفة برشلونة، كما أن النادي يمنح لاعبي الأكاديمية فرصاً حقيقية مع الفريق الأول، وهو أمر لا يحدث في جميع الأندية الإسبانية».
ولم يكن الحال كذلك دائماً؛ إذ كان المنتخب الإسباني حتى مطلع الألفية الجديدة يعتمد على أسلوب عُرف باسم «الغضب الإسباني»، الذي يقوم على القوة البدنية والاندفاع واللعب المباشر. لكن كل شيء تغير مع تولي لويس أراغونيس تدريب المنتخب عام 2004، بعدما قرر بناء الفريق حول لاعبين يمتلكون جودة فنية عالية، واستبعد قائد ريال مدريد آنذاك راؤول غونزاليس، ومنح مفاتيح اللعب إلى نجم برشلونة تشافي هيرنانديز، الذي قاد منظومة تعتمد على الاستحواذ والتمريرات القصيرة، إلى جانب لاعبين مثل أندريس إنييستا وسيسك فابريغاس ودافيد سيلفا.
وسرعان ما أثمرت هذه الفلسفة عن تتويج إسبانيا بكأس أمم أوروبا 2008، ثم كأس العالم 2010، قبل الاحتفاظ بلقب اليورو عام 2012 تحت قيادة فيسنتي ديل بوسكي. وفي مونديال 2010، ضم المنتخب الإسباني سبعة لاعبين من برشلونة، وهو الرقم الأعلى بين جميع الأندية آنذاك، في صورة تعكس التأثير الكبير للنادي الكاتالوني على المنتخب الوطني. وأثر ذلك النجاح حتى على سياسة التعاقدات في ريال مدريد؛ إذ اتجه رئيس النادي فلورنتينو بيريز بعد سنوات من الاعتماد على النجوم الأجانب إلى ضم أبرز المواهب الإسبانية الشابة، فتعاقد مع لاعبين مثل إيسكو وآسيير إيارامندي وماركو أسينسيو وخيسوس باييخو وألفارو أودريوزولا وداني سيبايوس، وجميعهم كانوا من أبرز عناصر منتخبات إسبانيا السنية. لكن معظم هؤلاء لم ينجحوا في فرض أنفسهم داخل ريال مدريد أو في قيادة المنتخب الأول، رغم أن ذلك لم يمنع النادي الملكي من مواصلة نجاحاته الأوروبية، بعدما توج بستة ألقاب في دوري أبطال أوروبا منذ عام 2014.
في المقابل، تراجع تأثير ريال مدريد داخل المنتخب الإسباني بصورة غير مسبوقة؛ إذ شهدت قائمة كأس العالم 2026 غياب أي لاعب من النادي الملكي للمرة الأولى في التاريخ، قبل أن يصبح انتقال كوكوريا إلى مدريد رسمياً خلال البطولة. ولا يعود ذلك إلى غياب المواهب الإسبانية عن ريال مدريد، فهناك أسماء مثل دين هويسين وألفارو كاريراس، اللذين ينتظران فرصة أكبر لإثبات نفسيهما، لكن الواقع يشير إلى أن شباب برشلونة وجدوا مساحة أكبر للتطور والتألق مع الفريق الأول.
وساعدت الأزمة المالية التي عاشها برشلونة خلال السنوات الأخيرة على منح الفرصة سريعاً لمواهب مثل لامين يامال وباو كوبارسي ومارك برنال وفيرمين لوبيز ومارك كاسادو وجيرارد مارتين، الذين نجحوا في الوصول إلى المنتخب الأول أو منتخب تحت 21 عاماً.
وربما لم يكن برشلونة ليدفع بهذا العدد الكبير من خريجي لاماسيا لو كان يمتلك القدرة المالية على التعاقد مع نجوم عالميين، لكن الظروف صنعت جيلاً استثنائياً استفاد منه النادي، ويبدو أن المنتخب الإسباني سيكون أكبر الرابحين منه خلال السنوات المقبلة، في ظل استمرار تدفق المواهب من أكاديمية لاماسيا إلى صفوف أبطال العالم.
