موسكو تنتقد تراجع واشنطن عن «تفاهمات ألاسكا»... والكرملين ينتظر مبعوثَي ترمب

القوات الروسية تتصدى لـ571 مسيّرة... وتقصف موانئ أوكرانية

لافروف لدى مشاركته في اجتماعات «آسيان» بمانيلا يوم 23 يوليو (رويترز)
لافروف لدى مشاركته في اجتماعات «آسيان» بمانيلا يوم 23 يوليو (رويترز)
TT

موسكو تنتقد تراجع واشنطن عن «تفاهمات ألاسكا»... والكرملين ينتظر مبعوثَي ترمب

لافروف لدى مشاركته في اجتماعات «آسيان» بمانيلا يوم 23 يوليو (رويترز)
لافروف لدى مشاركته في اجتماعات «آسيان» بمانيلا يوم 23 يوليو (رويترز)

وجّه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف انتقادات لاذعة إلى واشنطن بعد مرور يوم على جولة محادثات أجراها في مانيلا مع نظيره الأميركي ماركو روبيو. وأشار إلى تبدّل ملموس في نهج الإدارة الأميركية حيال التسوية الأوكرانية، واتّهم واشنطن بأنها تراجعت عن تفاهمات سابقة مع موسكو، و«باتت مواقفها تتفق مع تقييمات أوروبا وأوكرانيا».

وبدا أن اللقاء الأول بين الوزيرين، الذي انعقد الأربعاء على هامش قمة «آسيان» في مانيلا، فشل في تقريب وجهات النظر بين الطرفين. وكشفت تصريحات الوزيرين حجم التباعد في التعامل مع أسس التسوية المحتملة في أوكرانيا. ورداً على تصريحات روبيو حول الحاجة إلى «تفاهمات وأفكار جديدة» لدفع مسار التسوية، اتّهم الوزير الروسي الولايات المتحدة بالتّراجع عن تفاهمات تمّ التوصل إليها مع موسكو خلال القمة الوحيدة التي جمعت الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب في ألاسكا صيف العام الماضي. وقال لافروف إن واشنطن «غيّرت نظرتها إلى تفاهمات أنكوريج، واتفقت مع تقييمات أوروبا وأوكرانيا بأن صفحة اتفاقيات قمة ألاسكا قد طُويت».

الدعم العسكري الأميركي

انتقد لافروف بقوة تصريح روبيو بأن «مقترحات التسوية الأوكرانية التي طُرحت في القمة الروسية - الأميركية في ألاسكا قد فشلت»، وزاد أنه «من الضروري معرفة من هو الذي فشل بالتحديد». وقال: «إذا كانت لدينا مقترحات محددة، ووُجد اتفاق، فلا بد من وجود نتائج متفق عليها في أنكوريج، أليس كذلك؟ هو كذلك طبعاً. لن أفصح عن سرّ كبير إذا قلت إن الرئيس (الأميركي دونالد) ترمب صرّح مراراً بأن تفاهماتنا شكّلت حلّاً وسطاً إلى حدٍّ ما. لقد قبلنا بأنه حل وسط، فأي اتفاق لا بد أن يتضمن شيئاً من التنازلات المتبادلة».

جانب من لقاء الوفدين الروسي والأميركي برئاسة لافروف وروبيو في مانيلا يوم 23 يوليو (إ.ب.أ)

وتابع لافروف أن «(ترمب) أكد أن (الرئيس الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي سيُنفّذ ما اتفقنا عليه... لكن الأمر لم ينجح».

وأشار كبير الدبلوماسيين الروس إلى أن «هذا الرفض المتعجرف والمتعالي (من قبل كييف) للمقترح الأميركي يعود إلى درجة كبيرة لحقيقة أن زيلينسكي يتلقّى كميات هائلة من الأسلحة؛ إذ يُزوَّد بكميات ضخمة من الطائرات المسيّرة التي يستخدمها لتقويض استقرار روسيا من خلال مهاجمة المدنيين والأهداف المدنية».

وأضاف: «تشكّل المساعدة الأميركية جزءاً كبيراً من هذا الدعم لزيلينسكي، ليس فقط لأنهم يبيعون الأسلحة للاتحاد الأوروبي الذي يرسلها بدوره إلى أوكرانيا، بل أيضاً لأن الأميركيين يقدمون (لكييف) معلومات استخباراتية (...) وتقنيات عالية متطورة».

وأشار لافروف إلى أن روسيا تُفضّل حلاً سياسياً، لكنها «عاجزة عن فعل أي شيء إذا ما غيرت الولايات المتحدة نهجها، وقد اتفقت مع تقييم القادة الأوروبيين وأوكرانيا بأن اتفاقيات قمة أنكوريج قد دُفنت»، مؤكداً مع ذلك أن روسيا سوف «تحقق أهدافها على أي حال».

مواصلة الحوار

وفي مقابل نقد لافروف الحاد، سعى الكرملين إلى تخفيف لهجته. وقال الناطق باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف إن «الحوار مع الولايات المتحدة بشأن تسوية النزاع في أوكرانيا مستمر». وزاد أن الجانب الروسي «ما زال ينتظر زيارة وفدها إلى موسكو»، في إشارة إلى حديث سابق عن زيارة محتملة تم تأجيل موعدها أكثر من مرة لمبعوثَي الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو.

روبيو لدى مشاركته في لقاء مع لافروف بمانيلا يوم 23 يوليو (إ.ب.أ)

وقال بيسكوف: «لا أريد أن أبالغ في التفاؤل بشأن تقدم المفاوضات. هناك اتصالات مع الجانب الأميركي، وهذا أمر إيجابي بحد ذاته. ولكن لا يمكن الحديث عن أي تقدم أو ديناميكية ملحوظة. نحن نواصل الحوار عبر القنوات مع الأميركيين، ونأمل أن يتمكن الجانب الأميركي، حين تسمح له الظروف، أن يزور موسكو ونواصل المفاوضات».

وكانت «الخارجية الروسية» أفادت بعد لقاء لافروف وروبيو بأنه «خلال بحث القضية الأوكرانية، أطلع لافروف نظيره الأميركي على الوضع الراهن على طول خط التماس، وأكد على الرفض القاطع لمزيد من ضخ الأسلحة إلى نظام كييف والسياسات المزعزعة للاستقرار التي تنتهجها الدول الأوروبية، والتي تسعى جاهدة لإلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا». وأضافت: «أكد لافروف مجدداً استعداد روسيا لتسوية سياسية ودبلوماسية للنزاع، والتزامها بالمقترحات التي طرحها الجانب الأميركي في أنكوريج، والتي وافق عليها الرئيس الروسي».

منظومة إنتاج «باتريوت»

لكن تقييم روبيو بدا مغايراً تماماً، وأعلن بعد اللقاء أن واشنطن «تعتزم مواصلة البحث» عن مسار لإنهاء النزاع في أوكرانيا، و«ثمة حاجة» إلى أفكار ومقترحات جديدة لتسوية النزاع الأوكراني.

وزاد عقب الاجتماع: «أعتقد أن كلا الطرفين بحاجة إلى حوافز لإنهاء النزاع (في أوكرانيا). وتكمن الصعوبات في إيجاد مسار مقبول للطرفين. وقد حاولنا، وسنواصل المحاولة، فهم ما إذا كنا قادرين على إيجاد حل وسط يفضي إلى ذلك. ونحن مستعدون للاضطلاع بدور في هذا الشأن».

صورة أرشيفية للرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتصافحان في أنكوريج بولاية ألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (رويترز)

على صعيد آخر، اقترحت بولندا على الولايات المتحدة إنشاء مشروع مشترك مع أوكرانيا لإنتاج صواريخ منظومات الدفاع الجوي «باتريوت» على الأراضي البولندية.

ونقلت وكالة الأنباء البولندية (PAP) عن نائبة وزير الدفاع البولندي، ماغدالينا سوبكوفيك-تشارنيتسكا، قولها خلال زيارة إلى واشنطن إنها طرحت هذه المبادرة خلال اجتماعات مع مسؤولين في وزارتَي الدفاع والخارجية. وقالت: «اقترحنا تعاوناً ثلاثياً بين الولايات المتحدة وأوكرانيا وبولندا. الهدف هو ضمان أمن عملية الإنتاج وإقامتها في مكان آمن».

وأوضحت أن هذا المقترح جاء رداً على تصريح للرئيس الأميركي خلال قمة حلف «الناتو» حول إمكانية إنتاج مكونات منظومات «باتريوت» بالتعاون مع أوكرانيا.

اللافت أن ألمانيا كانت لمّحت في وقت سابق إلى استعدادها للتعاون مع واشنطن وكييف في تجميع الصواريخ الأميركية المخصصة لأوكرانيا على أراضيها.

ميدانياً، تواصل التصعيد المتبادل بين موسكو وكييف، وشهدت الليلة الماضية هجمات عنيفة على طرفَي خطوط التماس. وأعلنت موسكو أنها تصدت لـ571 مسيّرة أوكرانية استهدفت سان بطرسبرغ ومحيطها ومواقع في عدد من المدن الروسية الأخرى.

لافروف لدى مشاركته في لقاء مع روبيو بمانيلا يوم 23 يوليو (أ.ف.ب)

في المقابل، أفاد بيان لوزارة الدفاع الروسية بأن قواتها واصلت تنفيذ ضربات شاملة باستخدام أسلحة دقيقة تطلق من الجو وطائرات مسيّرة هجومية، واستهدفت منشآت بنية تحتية عسكرية في 3 موانئ أوكرانية.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: روسيا هاجمت قطاع الطاقة الأوكراني 76 مرة في أسبوع

أوروبا موقع المنازل التي تضررت بسبب غارة جوية روسية في مدينة سلوفيانسك على الخطوط الأمامية الأوكرانية (رويترز) p-circle

زيلينسكي: روسيا هاجمت قطاع الطاقة الأوكراني 76 مرة في أسبوع

قال الرئيس الأوكراني زيلينسكي، الأحد، إن روسيا شنّت عشرات الهجمات على منشآت الكهرباء والنفط والغاز في بلاده خلال الأسبوع الذي تلا إعلان الرئيس ترمب وقف الهجمات.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا ملصق أصفر يحمل كلمة «مخبأ» عند مدخل قبوٍ مخصص ليكون ملجأ للسكان في حال حدوث خطر وذلك في حي فابيونيشكيس السكني في فيلنيوس بليتوانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

ليتوانيا تطلب من سكانها التوجه إلى الملاجئ بعد رصد جسم طائر

أصدرت السلطات في ليتوانيا تعليمات لسكان المناطق الوسطى والشمالية بالتوجه إلى الملاجئ لمدة ساعة تقريباً، بسبب رصد جسم طائر غير معروف.

«الشرق الأوسط» (فيلنيوس )
أوروبا أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب) p-circle

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

موسكو ترحب بتعليق الرسوم الجمركية الجديدة المرتبطة بالحرب على أوكرانيا، ووصفت هذه الخطوة بأنها «لحظة مهمة وتاريخية بحق».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب) p-circle

إلى أين سيقود الخلاف بين ترمب وزيلينسكي؟ وهل يهدد الدعم الحيوي لكييف برمته؟

الخلاف بين ترمب وزيلينسكي يهدد الدعم الحيوي لكييف... المحلل كليمنس فيشر: أوكرانيا تمر بـ«أحلك لحظاتها» في الحرب بعد وقف الدعم الأمريكي

«الشرق الأوسط» (واشنطن - برلين - كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: أميركا سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا

رأى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (السبت)، أن الولايات المتحدة سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا، غداة تعليق الرئيس دونالد ترمب العمل ببعضها.

«الشرق الأوسط» (كييف)

البابا يخاطب حشوداً في الفاتيكان بعد خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني

البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
TT

البابا يخاطب حشوداً في الفاتيكان بعد خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني

البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)

خاطب البابا ليو الرابع عشر آلاف الذين احتشدوا في ساحة القديس بطرس، الأحد، وذلك في أول صلاة أسبوعية له منذ خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني في الرئة.

وغادر رأس الكنيسة الكاثوليكية التي تضم 1.4 مليار شخص في العالم، المستشفى، في روما، السبت، بعد فترة نقاهة أمضاها فيه عقب خضوعه لجراحة الثلاثاء، تمَّ خلالها استئصال ورم سرطاني وجزء من رئته اليمنى.

وأطل البابا البالغ 71 عاماً من نافذة الشقة البابوية، وبدا في حالة جيدة، وتحدث بطريقة طبيعية ودون صعوبة.

وشكر البابا من صلُّوا لأجله، قائلاً: «بعد تجاوز هذه المرحلة الدقيقة -كما تعلمون- سأستأنف الآن أنشطتي تدريجياً»، وذلك على وقع هتافات: «يعيش البابا!» في الساحة.

وأُدخل ليو الرابع عشر الثلاثاء إلى مستشفى «جيميلي» في روما، الواقع شمال الفاتيكان؛ حيث خضع للعملية. وعاد إلى الفاتيكان السبت؛ إذ اعتبر طبيباه أنه «بات مؤهلاً لمغادرة المستشفى».

وقد ألغى ليو الرابع عشر كل استقبالاته حتى 20 أكتوبر (تشرين الأول).

وكان البابا قد تولى بنفسه في 11 أكتوبر إبلاغ الجمهور المحتشد في ساحة القديس بطرس أنه سيخضع «في الأيام المقبلة» لعملية جراحية لإزالة ورم اكتُشف «في مرحلة مبكرة جداً»؛ مشيراً إلى أن «الأطباء يرون أن التدخل الجراحي هو الخيار الأنسب».

ولا تزال نتائج الفحوص الرامية إلى تحديد ما إذا كان السرطان قد انتشر قيد الانتظار.

واستأنف البابا بعضاً من أنشطته في المستشفى؛ إذ أجرى اتصالاً الجمعة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حثَّه فيه على وقف إطلاق النار في مدينة أوليشكي الأوكرانية التي تحتلها موسكو.


زيلينسكي: روسيا هاجمت قطاع الطاقة الأوكراني 76 مرة في أسبوع

موقع المنازل التي تضررت بسبب غارة جوية روسية في مدينة سلوفيانسك على الخطوط الأمامية الأوكرانية (رويترز)
موقع المنازل التي تضررت بسبب غارة جوية روسية في مدينة سلوفيانسك على الخطوط الأمامية الأوكرانية (رويترز)
TT

زيلينسكي: روسيا هاجمت قطاع الطاقة الأوكراني 76 مرة في أسبوع

موقع المنازل التي تضررت بسبب غارة جوية روسية في مدينة سلوفيانسك على الخطوط الأمامية الأوكرانية (رويترز)
موقع المنازل التي تضررت بسبب غارة جوية روسية في مدينة سلوفيانسك على الخطوط الأمامية الأوكرانية (رويترز)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (الأحد)، إن روسيا شنَّت عشرات الهجمات على منشآت الكهرباء والنفط والغاز في بلاده خلال الأسبوع الذي تلا إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقف الهجمات على البنية التحتية للطاقة.

وكتب على «إكس»: «منذ أن أعلن الرئيس الأميركي وقف إطلاق النار على منشآت الطاقة قبل أسبوع، شنَّت روسيا هجمات متعمَدة على قطاعات الكهرباء والنفط والغاز في أوكرانيا 76 مرة»، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف زيلينسكي أن الهجمات الأخيرة استهدفت محطات فرعية في مناطق فينيتسا وجيتومير وخميلنيتسكي وأوديسا.

ولم تؤكد كييف ولا موسكو وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترمب.


توقيف 1200 شخص وإصابة 150 شرطياً... فرنسا تعاين أضرارها غداة الاحتجاجات

رجل يصلح نافذة متجر «سالومون» (Salomon) تضرر خلال اشتباكات وقعت في اليوم التالي لمظاهرات وطنية احتجاجاً على غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود في باريس (رويترز)
رجل يصلح نافذة متجر «سالومون» (Salomon) تضرر خلال اشتباكات وقعت في اليوم التالي لمظاهرات وطنية احتجاجاً على غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود في باريس (رويترز)
TT

توقيف 1200 شخص وإصابة 150 شرطياً... فرنسا تعاين أضرارها غداة الاحتجاجات

رجل يصلح نافذة متجر «سالومون» (Salomon) تضرر خلال اشتباكات وقعت في اليوم التالي لمظاهرات وطنية احتجاجاً على غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود في باريس (رويترز)
رجل يصلح نافذة متجر «سالومون» (Salomon) تضرر خلال اشتباكات وقعت في اليوم التالي لمظاهرات وطنية احتجاجاً على غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود في باريس (رويترز)

تُعاين فرنسا، الأحد، حجم الأضرار التي أصابتها بعد يوم من أعمال عنف ونهب وفوضى غطَّت على مشهد احتجاجي شارك فيه مئات الآلاف تنديداً بغلاء المعيشة، وذلك قبل 6 أشهر من الانتخابات الرئاسية.

وفي مواجهة توتر اجتماعي متصاعد، وفي ظلِّ حالة من العجز الحكومي بسبب الافتقار لغالبية برلمانية، تعهدت الحكومة بالتعامل بحزم مع مثيري الشغب.

رجل يمر بدراجته بجوار سيارة محترقة في أحد شوارع باريس (رويترز)

وكانت أعمال الشغب أشد مما كانت عليه في احتجاجات عام 2023 واحتجاجات «السترات الصفراء» عامي 2018 و2019، وفق ما لاحظ مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية».

في باريس، كما في شوارع المدن الكبرى، استُهدفت مئات المؤسسات والمتاجر، وغطى الحطام وهياكل الدراجات النارية المحترقة شوارع بأكملها. وقالت السلطات المحلية إن «شوارع بأكملها خُربت بشل منهجي».

عامل في البلدية ينظف الشارع في اليوم التالي لاندلاع اشتباكات خلال يوم وطني من المظاهرات المنددة بتكلفة المعيشة وارتفاع أسعار الوقود في مدينة مرسيليا بفرنسا (رويترز)

وأفاد مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية» في باريس بأن مجموعات صغيرة من الشبان كانت تنفِّذ عمليات النهب بطريقة منظمة، إذ عمد أفرادها، وهم يضعون أقنعة وقفازات، إلى تعطيل كاميرات المراقبة قبل تحطيم الواجهات الزجاجية للمتاجر واقتحامها.

رجل يجلس في منتصف الشارع بجوار نفايات خلّفها مثيرو الشغب في باريس (رويترز)

في مرسيليا (جنوب) وليل (شمال) وبوردو (جنوبي غرب)، اقتحم متظاهرون مباني للبلديات والمحافظات وخربوها. أما في ليموج (وسط)، فقد أتى حريق على جزء كبير من مبنى البلدية، وهو صرح ضخم يعود إلى القرن التاسع عشر، وفق السلطات المحلية.

وتعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عبر منصة «إكس»، بملاحقة ومعاقبة «كل من ارتكب أعمال تخريب أو اعتدى على مؤسسات أو شركات أو شارك في أعمال نهب».

حريق يلتهم مبنى البلدية بعد أن اقتحمته مجموعة من الأفراد خلال احتجاجات ضد «ارتفاع تكاليف المعيشة» في مدينة ليموج بوسط فرنسا (أ.ف.ب)

وقالت السلطات إنها أوقفت 1200 شخص السبت، وإن 150 عنصر أمن أُصيبوا في المواجهات مع المتظاهرين.

وأُصيب عدد من المتظاهرين أيضاً، بعضهم بجروح خطرة، لا سيما في سانت إتيان (وسط)، حيث بُترت يد شاب في الـ17 من العمر، بسبب قنبلة ألقتها الشرطة.

سيارة تحترق بمحاذاة قناة «سان مارتان» في باريس وذلك خلال احتجاجات جرت أمس ضد «ارتفاع تكاليف المعيشة» (أ.ف.ب)

وقال رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، بعد زيارة ليلية لقوات الأمن: «معجزة ألا تكون الحصيلة أكبر هذا المساء».

«تكلفة باهظة»

ناهز عدد المتظاهرين 550 ألفاً بحسب تقديرات وزارة الداخلية، لكن المنظمين يتحدثون عن 800 ألف.

وقالت ريجين مونفروا، وهي مرشدة اجتماعية كانت في صفوف المتظاهرين: «أتيت للاحتجاج على غلاء المعيشة، ولأقول إننا سئمنا الكدح مقابل أجور زهيدة بينما بدلات الإيجار ترتفع باستمرار».

عناصر من الشرطة يتقدمون في «ساحة الجمهورية» خلال مظاهرة احتجاجاً على «ارتفاع تكاليف المعيشة» في باريس (أ.ف.ب)

وأثارت الاحتجاجات وما رافقها من أعمال شغب مواقف متباينة بين الأحزاب السياسية. فبينما شارك رئيس حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي جان لوك ميلانشون في مظاهرة في باريس داعياً للابتعاد عن أعمال العنف والتخريب، أكدت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان، والتي تتصدر الاستطلاعات، أن حزبها «التجمع الوطني» يقف في صفِّ الشرطة، عادة أن موقف اليسار «يُضفي الشرعية على العنف» ويدفع البلاد نحو الفوضى.

متظاهر يركل حواجز وسط سحب من الغاز المسيل للدموع أمام مكتب السياحة في مدينة ليون جنوب شرقي فرنسا (أ.ف.ب)

وقبل 6 أشهر من الانتخابات الرئاسية، ترتفع حدة المواجهة السياسية بين ميلانشون ولوبان، اللذين تشير استطلاعات رأي عدة إلى احتمال أن يتواجها في الدورة الثانية.

ومع استمرار أعمال العنف حتى وقت متأخر من المساء، خصوصاً في باريس، حذَّر لوكورنو من أن «التكلفة المالية للأضرار ستكون باهظة».

وقال رئيس اتحاد التجارة والتوزيع، ألكسندر بومبار، إنه يتوقع «عواقب اقتصادية ومالية كبيرة».