ظاهرة جماهيرية اسمها «الأوديسة»

ارتفاع في مبيعات كتاب هوميروس ورواج للكتب الصوتية... مقابل انتقادات وهجوم من إيلون ماسك

مشهد لحصان طروادة من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)
مشهد لحصان طروادة من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)
TT

ظاهرة جماهيرية اسمها «الأوديسة»

مشهد لحصان طروادة من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)
مشهد لحصان طروادة من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)

مع بداية عرض فيلم «الأوديسة» للمخرج العالمي كريستوفر نولان بدأت موجة عالمية من الدعاية المكثفة، ونجح الفيلم بضخامته وحبكته وأبطاله في التحول إلى ظاهرة تحصد الاهتمام والنجاح، وقبل كل ذلك الإيرادات القياسية.

أصبح الفيلم حديث الناس في كل مكان؛ الكل يناقش الأساليب السينمائية التي استخدمها نولان، البعض يتحدث عن تصوير الفيلم بكاميرات آي ماكس، وآخرون يتحدثون عن الموسيقى التصويرية التي أُلِّفت باستخدام آلات تقترب من الآلات الموسيقية في التاريخ الإغريقي، هناك أيضاً من يتحدث عن التزام المخرج بتفاصيل الملحمة التي كتبها هوميروس. البودكاست التاريخي وَجد مادة ثرية للحديث، وتنافس مؤثرو وسائل التواصل من المهتمين بالتاريخ في الحديث عن تفاصيل قصة المحارب أوديسيوس ومعركة طروادة وغيابه عن موطنه في جزية إيثاكا وعن زوجته المخلصة بينيلوبي وابنهما تيليماخوس.

بينيلوبي وابنها تيليماخوس في فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)

انتعاشة للكتب والبودكاست

دفع الفيلم بالكتاب إلى مقدمة مبيعات الكتب في بريطانيا، فقد سجلت مبيعات النسخ الورقية من الكتاب ارتفاعاً بنسبة 700 في المائة، مقارنةً بنفس الفترة من العام الماضي، وبيعت 8000 نسخة خلال الأسبوع الماضي فقط. أغرى الفيلم الملحمي كثيرين بالعودة إلى الكتاب الأصلي وترجماته المختلفة وإن كانت الترجمة التي اعتمدها كريستوفر نولان للكاتبة إميلي ويلسون حظيت بالنصيب الأكبر من الإقبال، وهو أمر لم تستعدّ له المكتبات فيما يبدو، فحسب موقع «بي بي سي» وصفت سلسلة مكتبات «واترستونز» البريطانية الإقبال على شراء كتاب «الأوديسة» بأنه «استثنائي»، خصوصاً بالنسبة إلى ترجمة إميلي ويلسون التي حاولت المكتبات توفير نسخ منها للقراء، ولكن الإقبال كان أكبر من المعروض وهو ما أكدته كيت سكيبر، الرئيسة التنفيذية للعمليات في «واترستونز» في حديث مع المحطة الرابعة لـ«راديو بي بي سي»: «لقد وفّرنا مزيداً من النسخ ولكننا لم نكن نتوقع هذا القدر من الطلب خصوصاً على ترجمة إميلي ويلسون. ولهذا تصل إلينا شحنات بشكل يومي ولكن الكتب تنفَّذ فور عرضها في المكتبات».

ترجمة إميلي ويلسون لـ«الأوديسة» تنفد من المكتبات

وحظيت النسخ الصوتية من الكتاب أيضاً بإقبال كبير، فقد احتلت نسخة يرويها الممثل البريطاني ستيفن فراي مركزاً متقدماً في قائمة أكثر 10 كتب صوتية تحميلاً في منصة «سبوتيفاي» في بريطانيا، واحتلت نسخة بصوت الممثل المخضرم إيان ماكالان مركزاً مماثلاً في القائمة في الولايات المتحدة الأميركية.

وإلى جانب النص الأصلي لـ«الأوديسة» نالت روايات حديثة مستوحاة من «الأوديسة» نصيبها من الإقبال أيضاً، مثل رواية «سيرسي» للمؤلفة مادلين ميلر التي تروي فيها قصة الساحرة سيرسي التي حوَّلت جنود أوديسيوس إلى خنازير، وهي من أكثر الروايات تداولاً للمؤلفة. يُقبل القراء أيضاً على رواية الكاتبة مارغريت أتوود «بينيلوبياد» ورواية «إيثاكا» (أغاني بينيلوبي، الكتاب الأول) للكاتبة كلير نورث، عن بينلوبي زوجة أوديسيوس، التي انتظرت عودته بصبر لمدة عشرين عاماً، ونجحت في حماية ميراث ابنها تيليماخوس، وصدَّت 108 من الخُطَّاب طوال فترة غياب أوديسيوس، وذلك من خلال حيلة حياكة نسيج كل يوم ثم فك خيوطه لتعود لحياكته ثانية.

القائمة طويلة للروايات الحديثة التي تتناول بطلات وأبطال ملحمة هوميروس، ولا شك أن الفيلم قد أغرى كثيرين بالانغماس في معالجات معاصرة للملحمة الاسطورية. وتشير التقارير إلى رواج قراءة الملحمة والروايات المستمدَّة منها بين جيل الألفية بشكل كبير.

رواية «سيرسي» لمادلين ميلر

انتقادات وتعليقات

غير أن الفيلم أيضاً فتح باباً كبيراً للنقاش عن القصة وأحداثها وما التزم به المخرج وما لم يلتزم به. بالنسبة إلى كريستوفر نولان كان هناك خيط محدد بدا كأنه تعليق على عالمنا المعاصر، وهو «قانون زيوس» الذي نسمع أبطال الفيلم يتحدثون عنه في مختلف المواقف. قانون زيوس في الملاحم الإغريقية يتعلق بضيافة واستقبال الغريب؛ أنْ تعامل الناس كما تحب أن تعامَل. في الفيلم تعاقب الآلهة أوديسيوس على خداع أهالي مدينة طروادة بالدخول مع جنوده مختبئين داخل الحصان الخشبي الضخم الذي قُدِّم لأهل المدينة على أنه هدية، ولكن البطل وجنوده استخدموه للهجوم على المدينة وفتح أبوابها للمحاربين. لقد خالف أوديسيوس القانون المقدس للضيافة المتبادلة بين الضيوف والمضيفين والذي يطالب الناس بالرأفة بعضهم ببعض، وأن يرحبوا بالغريب في بيوتهم، بشكل ما يومئ نولان ببراعة إلى الحروب المعاصرة ومعاملة اللاجئين.

بالنسبة إلى الكاتبة إميلي ويلسون، صاحبة ترجمة ملحمة هوميروس التي اعتمدها نولان في كتابة السيناريو، افتقر الفيلم لبعض الخيوط الرئيسية في الملحمة، وقالت في حديث لوكالة «أسوشيتد برس»: «أريد الاحتفاء بحقيقة أن هناك كثيرين ممن عادوا إلى الملحمة، ولكن في الوقت نفسه أشعر بأن نولان كان يحاول حشر كل شيء، بينما أغفلَ في المقابل موضوعاتٍ جوهريةً في القصيدة»، أما المؤرخة ماري بيرد فقد علَّقت بأن نولان أغفل كل النكات والمواقف المضحكة في الملحمة.

مات دايمون في دور أوديسيوس في فيلم «الأوديسة» (آي إم دي بي)

وعلى الجانب الآخر من النقد التاريخي كان هناك النقد المبنيّ على مواقف سياسية؛ مثل نقد إيلون ماسك لكريستوفر نولان بأنه لم يستخدم ممثلين من أصول يونانية أو أنه استخدم ممثلة سوداء لتمثيل شخصية «هيلين» المعروفة بجمالها، وقال على موقع «إكس» إنه سيقوم بصنع فيلم عن الأوديسة عبر برنامج «غروك» للذكاء الاصطناعي يكون «صحيحاً من الناحية التاريخية»، وهو ما أثار السخرية من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذين أشاروا إلى أن ماسك لا يعرف أن قصة الأوديسة كلها من صنع الخيال بما تضمه من آلهة ووحوش أسطورية وحتى هوميروس يعتقد كثيرون أنه شخص خيالي.


مقالات ذات صلة

هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

سينما «الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)

هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

في 30 أغسطس (آب) الحالي، تكون قد مضت 20 سنة على وفاة نجيب محفوظ. عاش اسماً كبيراً ورحل محتفظاً بمكانته الرفيعة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
سينما لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)

شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

«بعيداً عن الأشجار» فيلم مهرجانات على نحو مؤكد. نعم، سيُعرض في صالات منتقاة في أوروبا، وربما في بعض دول أميركا اللاتينية، غير أن هذا لن يعني انتشاره

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
يوميات الشرق عُرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)

ماري - إلسا سغوالدو: «الثورة الصامتة» يبرز بطولات نسائية خلال الحرب العالمية

ترى سغوالدو أن قوة الفيلم تكمن في التفاصيل الصغيرة والحياة اليومية، وفي ما يبدو عادياً لأول وهلة، لكنه يكشف عن حجم القيود التي كانت تواجهها النساء...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يسرا تتوسط البطلات دُرة وياسمين رئيس ودنيا سامي في لقطة من الفيلم (الشركة المنتجة)

«الست لما»... مغامرة سينمائية جديدة ليسرا تجلب انتقادات بمصر

تعرض فيلم «الست لما» للفنانة المصرية يُسرا إلى انتقادات لاذعة بعد عرضه للمرة الأولى مساء الأربعاء في القاهرة.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق صور الفيلم في وقت قصير بسبب مشكلات التمويل (مهرجان لوكارنو)

محمد شيخ: عرض «بارني» في قريتي بالصومال لحظة استثنائية

قال المخرج الصومالي، محمد شيخ، إن فكرة فيلمه الروائي الأول «بارني» (Barni) انطلقت من رغبته في تقديم حكاية عن الشباب الذين ينتقلون من القرية إلى المدينة.

أحمد عدلي (القاهرة)

«شبح لوكربي» يعود عبر «نتفليكس»

مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)
مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)
TT

«شبح لوكربي» يعود عبر «نتفليكس»

مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)
مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)

أعاد عرض المسلسل «The Bombing of Pan Am 103» المُنْتَج بالتعاون بين هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ومنصة «نتفليكس»، شبح تفجير طائرة «بان إم» فوق بلدة لوكربي أواخر عام 1988.

وسلّط المسلسل الذي ركَّز على تفاصيل التحقيقات المشتركة بين الاسكوتلنديين والأميركيين، الضوء على فرضية «الخيط الإيراني - الفلسطيني»؛ حيث ظهرت الإشارة إلى مروان خريسات في سياق «العثور على شظايا الراديو المفخخ» ومقارنتها بالقنابل التي صمَّمها خريسات وصودرت في ألمانيا. وأعاد هذا الطرح الجدل القديم إلى نقطة الصفر: هل كان خريسات هو الصانع الحقيقي للقنبلة التي انفجرت فوق اسكوتلندا؟

وظلَّ خريسات، الذي وُصف في أدبيات الاستخبارات الغربية بـ«صانع القنابل البارع» لصالح «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة» بقيادة أحمد جبريل، لغزاً متحركاً لعقود؛ إذ اعتقلته ألمانيا الغربية ثم أطلقت سراحه، وطارده «الموساد» الإسرائيلي، قبل أن ينتهي به المطاف مكفَّناً بأسراره في العاصمة الأردنية، حيث تُوفي عن عمر ناهز الـ70 عاماً. وبعد وفاته، نفت ابنته تورطه في العملية.


«زوبعة» خريطة «إذاعة الأغاني» تؤكد تعلُّق مصريين بنجوم الطرب القدامى

خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)
خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)
TT

«زوبعة» خريطة «إذاعة الأغاني» تؤكد تعلُّق مصريين بنجوم الطرب القدامى

خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)
خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)

تراجعت «إذاعة الأغاني» المصرية عن تعديل بعض فقرات خريطة بثها اليومي بعد انتقادات «سوشيالية»، كان أبرزها تعديل مواعيد الفقرات الغنائية لأم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وإذاعتها في مواعيد مغايرة لما اعتاده المستمع.

وأكدت «زوبعة» خريطة الإذاعة الجديدة، التي أُعلن عنها قبل أيام، تعلُّق عدد كبير من الجمهور المصري بنجوم الطرب القدامى، مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وشادية ومحمد عبد الوهاب ومحمد فوزي وغيرهم، والرغبة في الاستماع إليهم بشكل منتظم، من دون المساس بفقراتهم الغنائية اليومية، وفق نقاد.

ومن بين الانتقادات التي سلَّطت الضوء على الخريطة الجديدة، التي أثارت الجدل، منشورٌ للكاتب خالد منتصر عبر موقع «إكس» قبل يومين، وصف خلاله تغيير موعد فقرة أم كلثوم بأنه «عكننة» للسمّيعة، متذوقي صوت «الست».

وأعلن حساب «إذاعة الأغاني» على موقع «فيسبوك» مواعيدها الجديدة، التي ستبدأ الخميس، استجابة وتلبية لرغبة عدد كبير من مستمعي الإذاعة. وحسب البيان، فقد تقرر مدُّ فترة أم كلثوم حتى منتصف الليل، على أن تبدأ حفلتها الساعة 11 مساءً، وهو الموعد المحدد الذي اعتاده المستمع طوال السنوات السابقة، إلى جانب وجود فقرات لفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ومحمد فوزي، ستُذاع في مواعيدها السابقة ضمن «فترة أم كلثوم»، التي تبدأ من الساعة الخامسة مساءً.

ويرى الناقد الفني عماد يسري أن تراجع «إذاعة الأغاني» عن تعديل مواعيد فقرات نجوم الطرب القدامى، بعد الانتقادات، دليلٌ على الانتشار الواسع للإذاعة بين الجمهور المصري، الذي يتفاعل معها بشكل بارز؛ لأنها صاحبة أثر، ولأن بينها وبين المستمع ثقةً متبادلةً منذ سنوات طويلة.

«كوكب الشرق» أم كلثوم (إذاعة الأغاني على موقع «فيسبوك»)

وأوضح عماد يسري لـ«الشرق الأوسط» أن «استجابة الإذاعة لطلبات المستمعين تشير إلى أنها تسير وفق رغباتهم، وأنها ما زالت راسخة، ولها دور مؤثر وفعّال في وجدان الناس على اختلاف مراحلهم العمرية»، مضيفاً: «كل شيء عُرضة للتغيير، ولكن لا بد من وضع التفاعل وآراء الناس في الحسبان».

وتعليقاً على المواعيد الجديدة، أكدت تعليقات «سوشيالية» أن أغاني «الزمن الجميل والذكريات» لا يناسبها ضجيج النهار والانشغال بالعمل، بل تتطلب الهدوء. وأشارت تعليقات أخرى إلى أن «عودة بث أغاني أم كلثوم في الخامسة أعادتهم إلى ذكريات سبعينات القرن الماضي».

وأُنشئت «إذاعة الأغاني» مطلع الألفية الجديدة، وتحتفي بشكل خاص بنجوم الطرب القدامى، عبر إذاعة أغانيهم في مواعيد وفقرات محددة يومياً، إلى جانب وجود فترة ثابتة لأغاني أم كلثوم وحفلاتها النادرة.

مبنى الإذاعة والتلفزيون (ماسبيرو) المصري (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ويؤكد الإذاعي شريف عبد الوهاب، وكيل وزارة الإعلام ورئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، أن «إذاعة الأغاني» من أهم المحطات، حتى إنها أصبحت الملاذ الوحيد بعد اختفاء محطة «أم كلثوم» مؤخراً، لافتاً إلى أن تغيير المواعيد صدم الجمهور في بادئ الأمر؛ نظراً إلى ارتباطه بأصوات طربية في مواعيد بعينها.

وكشف شريف عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط» أن تثبيت فترة أغاني أم كلثوم من الساعة الخامسة حتى ما بعد منتصف الليل هو محاولة من «إذاعة الأغاني» لإحياء برنامج «إذاعة أم كلثوم» القديم، حسب الترتيب الذي اعتاده الناس، موضحاً أن «تثبيت البرنامج الغنائي اليومي أمر ضروري؛ لأنها محطة متخصصة، ولا بد أن تكون خريطتها اليومية معروفة مسبقاً للناس».


مروحة صغيرة حول رقبتك قد تُخفّف الحاجة إلى التكييف

قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)
قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)
TT

مروحة صغيرة حول رقبتك قد تُخفّف الحاجة إلى التكييف

قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)
قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة كونكورديا الكندية عن أنّ المراوح الصغيرة القابلة للارتداء، التي تُبرّد الوجه والرقبة، توفر راحة تضاهي تقريباً مراوح المكاتب التقليدية. وإلى جانب صغر حجمها، تستهلك هذه البدائل خفيفة الوزن طاقة أقل، وتتجنّب تيارات الهواء غير المرغوب فيها التي قد تزعج زملاء العمل القريبين.

وتشير نتائج الدراسة، المنشورة في دورية «ساينس إنجين»، إلى أنّ التبريد الموجّه لمنطقة التنفُّس يمكن أن يوفر راحة لكامل الجسم تضاهي التبريد الناتج عن المراوح التقليدية، ما يقدّم حلاً عملياً وموفراً للطاقة في المكاتب ذات المساحات المفتوحة من دون التأثير على شاغليها.

وقال الأستاذ المشارك في قسم هندسة المباني والهندسة المدنية والبيئية بجامعة كونكورديا، والمشارك في إعداد الدراسة، محمد عوف، في بيان، الأربعاء: «تتيح هذه المراوح تشغيل نظام التكييف المركزي مع استهلاك طاقة أقل. ويُعدّ التبريد الموجَّه مفيداً بشكل خاص في الأماكن التي يشغل فيها عدد قليل من الأشخاص مساحة واسعة، كما هي الحال في الأماكن التي تعتمد أنظمة العمل الهجينة».

تبريد الوجه والرقبة

رغم أنّ الوجه والرقبة لا يمثلان سوى نحو 5.5 في المائة من سطح الجسم، فإنهما شديدا الحساسية لدرجة الحرارة.

وقارن الباحثون نوعين من أجهزة التبريد الشخصية القابلة للارتداء، هما مروحة للوجه وأخرى للرقبة، بمراوح مكتبية ذات شفرات وأخرى من دون شفرات. ووجد الفريق أنّ توجيه تدفق الهواء إلى منطقتَي الوجه والرقبة يحقّق تحسّناً في الراحة الحرارية العامة يضاهي تقريباً ما توفّره مراوح المكتب.

واختبر الباحثون الأجهزة الأربعة في بيئة مكتبية مضبوطة على درجة حرارة 25 درجة مئوية، باستخدام نموذج تشريحي متطور يحاكي كيفية تنظيم الجسم البشري للحرارة.

وقاس النموذج، المكوَّن من 23 جزءاً، التغيرات في درجة حرارة الجلد وفقدان الحرارة والراحة الحرارية العامة، في أثناء تشغيل كلّ مروحة بسرعات مختلفة.

وكما كان متوقَّعاً، وفّرت مروحة المكتب ذات الشفرات أقوى تبريد. لكن مروحتَي الوجه والرقبة القابلتين للارتداء اقتربتا كثيراً من أداء مروحة المكتب من دون شفرات، ووفّرتا راحة مماثلة لما توفره مروحة ذات شفرات تعمل بسرعة منخفضة.

وأنتجت مروحة الوجه أكبر قدر من التبريد الموضعي، إذ زادت فقدان الحرارة من الوجه بما يصل إلى 7 واط، بينما برَّد كلا الجهازين القابلين للارتداء المستخدمين بما يكفي لإعادة الراحة الحرارية إلى النطاق الطبيعي.

ووفق الباحثين، حقَّق جهاز التبريد الأمامي ذو الشفرات غير القابل للارتداء أكبر تحسُّن في الراحة الحرارية، نظراً إلى أنّ تدفق الهواء القوي الناتج عنه يزيد فقدان الحرارة بالحمل الحراري حول منطقة التنفُّس والجذع. ورغم فاعليته عند السرعات المنخفضة، فإنّ مساحة التبريد الواسعة تزيد خطر التبريد الزائد عند السرعات العالية، ما قد يؤدّي إلى انتقال تأثير التبريد إلى محطات العمل المجاورة.

وأضاف الباحثون أنه، في المقابل، يبرّد جهازا التبريد الأمامي والخلفي القابلان للارتداء مساحة أصغر، ومع ذلك كان التحسُّن في الراحة الحرارية مماثلاً لما حققه جهاز التبريد الأمامي غير القابل للارتداء من دون شفرات.

ويتوافق ذلك مع نتائج سابقة تشير إلى أنّ الوجه والرقبة منطقتان شديدتا الحساسية للحرارة، إذ يؤدّي التبريد الموضعي البسيط إلى تحسينات كبيرة في الراحة الحرارية للجسم بأكمله.

وتشير نتائج الدراسة إلى أنّ المراوح القابلة للارتداء قد تصبح أداة عملية لتقليل استهلاك الطاقة المرتبط بتكييف الهواء في مكاتب العمل، خصوصاً عندما يشغل عدد قليل من الأشخاص مساحة كبيرة.