فلول «الأسد» و«حزب الله»... لبنان لم يعد آمناً والعودة لسوريا «خيار مطروح»

يخشون أن يكونوا «ورقة تقارب أو تفاوض» بين دمشق وبيروت

فتية سوريون في مجمع الإمام علي السكني في الهرمل شمال شرقي لبنان حيث يقيم مئات من الشيعة اللبنانيين والسوريين النازحين من سوريا يناير 2026 (أ.ب)
فتية سوريون في مجمع الإمام علي السكني في الهرمل شمال شرقي لبنان حيث يقيم مئات من الشيعة اللبنانيين والسوريين النازحين من سوريا يناير 2026 (أ.ب)
TT

فلول «الأسد» و«حزب الله»... لبنان لم يعد آمناً والعودة لسوريا «خيار مطروح»

فتية سوريون في مجمع الإمام علي السكني في الهرمل شمال شرقي لبنان حيث يقيم مئات من الشيعة اللبنانيين والسوريين النازحين من سوريا يناير 2026 (أ.ب)
فتية سوريون في مجمع الإمام علي السكني في الهرمل شمال شرقي لبنان حيث يقيم مئات من الشيعة اللبنانيين والسوريين النازحين من سوريا يناير 2026 (أ.ب)

مدفوعين بمخاوف ونظرة متشائمة لتطورات الوضع الميداني، والسياسي، بدأ أفراد وضباط من نظام الأسد وعناصر «حزب الله» من السوريين الذين فروا إلى لبنان بعد سقوط النظام، البحث عن بدائل أكثر استقراراً بينما يجد آخرون في العودة إلى سوريا «خياراً متاحاً».

«ننام على سردية التدخل العسكري السوري، ونستيقظ على إمكانية التقارب بين (حزب الله) والدولة السورية. وأياً كان الخيار، فإننا الطرف الخاسر»، بهذه الكلمات يصف هادي، وهو أمني سابق في «حزب الله» يتحدر من ريف حمص الشمالي، وضع السوريين المحسوبين على الحزب في لبنان.

يثير الخطاب الودي، وتطوره في العلاقات السورية اللبنانية، مع ضبابية توجهات الإدارة السورية وقيادة «حزب الله»، مخاوف هذه الفئة من تقارب بين الطرفين، وسط تزايد الحديث حول إمكانية رفع الحماية عنهم، وتقييد أنشطتهم الأمنية.

دوريات الجيش السوري على طول الحدود السورية اللبنانية في ريف القصير أبريل 2026 وتمشيط الأنفاق التي يستخدمها «حزب الله» (أ.ف.ب)

وتخشى الشريحة السورية التي تحظى بحماية «حزب الله» في لبنان، خاصة الفقيرة منها، أن تتحول إلى «ورقة تقارب أو تفاوض» مع دمشق، حيث يجد كثير من هذه الفئة أنفسهم مدفوعين للبحث عن مسارات عودة آمنة إلى سوريا، أو اللجوء لدول أخرى، في ظل تراجع الاهتمام بهم، وتفاقم أوضاعهم المعيشية القاسية.

وهو ما بدأه هادي، مشيراً إلى أن «غالبية السوريين يستشعرون تراجع حدة النبرة العدائية بمواجهة الدولة السورية الجديدة، وما كان خطاً أحمر في استحسان أي موقف لـ(حكومة الجولاني) صار اليوم طبيعياً طالما أنه لا يمس الطائفة».

هادي طلب من أقاربه الموجودين في سوريا الاستفسار عن وضعه الأمني، وإن كانت هناك مذكرات اعتقال ودعاوى قضائية بحقه قد تعرضه للاعتقال حال عودته بسبب عمله مع الحزب منذ عام 2013 حتى سقوط نظام بشار.

ومما عمّق مخاوف هذه الفئة، الظهور الإعلامي الأخير لزعيم «حزب الله»، نعيم قاسم، الذي أثنى على «قرار القيادة السورية رفض المشاركة في (كماشة) مع إسرائيل عبر التدخل عسكرياً في لبنان».

جاء ذلك بعد تجديد الرئيس السوري أحمد الشرع موقفه الرافض للتدخل ضد «حزب الله»، ودعم لغة الحوار، ليؤكد وزير الخارجية أسعد الشيباني، خلال زيارته إلى بيروت، مطلع شهر يوليو (تموز) الجاري، إمكانية الجلوس مع الحزب «في حال اقتضت المصلحة».

أعلام «حزب الله» في مدينة القصير على الحدود السورية اللبنانية يونيو 2013 (أ.ف.ب)

أما عبد الرزاق الذي انضم إلى القسم الأمني لـ«حزب الله» في منطقة السيدة زينب بريف دمشق، فقد اتخذ خطوته فعلاً بإعادة أسرته إلى سوريا مع بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان، فيما لا يزال موقفه متردداً «بانتظار الضوء الأخضر للحاق بهم، أو السفر إلى دولة أخرى».

ويعتبر عبد الرزاق أنه في حال إن كانت صحيفة المرء بيضاء، فإن «العودة إلى سوريا اليوم أفضل بكثير من العيش في حالة الفقر، والخوف الدائم من تسليمنا للدولة اللبنانية بحجة وجودنا غير القانوني، وهذا يعني ترحيلنا، وتقديمنا للمحاكمة في سوريا»، لافتاً إلى أن «كثيرين أجروا تسوية وعادوا لحياتهم الطبيعية».

ومهما كانت النتيجة بحسب عبد الرزاق «تفاهم، أو حرب ودخول القوات السورية كما يتردد، سنكون (كبش الفداء)، خاصة أن معظمنا يعيش هنا دون أوراق رسمية من أي جهة أممية، أو حكومية».

لاجئة سورية في مخيم أقامه «حزب الله» في الهرمل شرق لبنان (إ.ب.أ)

الوطن أكثر أمناً

من جهتها، رفضت زينب، من بلدة الزهراء بريف حلب، انتظار حصول زوجها على تطمينات، لتجبره على العودة فور بداية الحرب الإسرائيلية في لبنان، بسبب الحالة المعيشية الصعبة التي كانوا عليها في الضاحية الجنوبية، مشيرةً إلى الوضع الآمن الذي تشهده حلب، وغياب الأعمال الانتقامية.

كان زوج زينب ضابط هندسة عسكرية في إزالة مخلفات الحرب «لا علاقة له بالقتال، والأعمال العسكرية»، بحسب قولها، «بعد ثبوت عدم مشاركته في القتال مع جيش بشار، أجرى تسوية وضع في حلب دون تعرضه لأي إساءة».

زينب قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها استفسرت مرات عن الوضع الأمني لعدد من أقاربها ومعارفها الموجودين في لبنان، ومنهم والدها الذي عمل «مستخدم نظافة» في أحد مقرات «حزب الله» في السيدة زينب، وهرب بعد سقوط النظام خشية الانتقام.

اعتقال عنصر تابع لخلايا «حزب الله» في منطقة السيدة زينب قرب دمشق (الداخلية السورية)

لا انتقام جماعياً

مصادر في وزارة الداخلية السورية أكدت لـ«الشرق الأوسط» رفض الدولة السورية سياسة الانتقام الجماعي، إذ «لا يمكن إنهاء تداعيات الحرب التي عاشتها البلاد بتحميل الأطفال والنساء جريرة الجرائم التي ارتكبها الكبار».

غير أنها لفتت إلى أن العناصر ممن كانوا في منظومة النظام الأمنية أو العسكرية بحاجة إلى تسوية وضع فور دخولهم البلاد، لافتةً إلى أن «من يثبت تورطه بأذية أحد، أو مشاركته في أعمال أدت إلى إلحاق الأذى بالمدنيين، أو مطلوب لادعاء شخصي، مثل غصب أملاك، وسرقة، وغيرها، يتم توقيفه». مع الإشارة إلى أن «تسوية الوضع المقدمة لا تنفي أو تحمي صاحبها من الادعاءات الشخصية التالية مثل ثبوت تورطه بجرائم ضد المدنيين».

عناصر قوات الدفاع الوطني الموازية لقوات الأسد أحدهم يحمل علم «الحزب السوري القومي الاجتماعي» في بلدة معلولا شمال شرقي دمشق 13 يونيو 2015 (أ.ف.ب)

تركة الأسد

استبعد ضياء، وهو ضابط سابق في الأمن السياسي، أن يقوم «حزب الله» بتسليمه وعناصر آخرين للحكومة السورية، إلا أن الحزب قد يلجأ إلى أساليب أخرى مدفوعاً بحالة التململ في مناطق حاضنته التي تغص بالسوريين، بحسب قوله.

من ذلك، والكلام لضياء «زيادة التضييق، وهذا يحدث بالفعل، إن كان عبر تراجع الدعم الغذائي، أو فرض الرقابة على تحركاتنا كضباط سابقين لم نكن في صفوف الحزب، أو قد يرفع حمايته عنا، وجعلنا هدفاً سهلاً للحملات الأمنية».

وبحسب ضياء، فإن العديد من فلول النظام «ما زالوا يحلمون باستعادة السلطة، وينشطون في المناطق الحدودية مع سوريا، وهي فئة محمية كونها مفيدة للحزب».

أما النسبة الكبرى من الهاربين، خاصة أرباب الأسر فقد صدموا بواقع الحياة في لبنان، لذلك يحاولون البحث عن طرق للعودة الآمنة، أو اللجوء إلى دول أخرى. وينتظر ضياء مثل كثيرين منحه تأشيرة مغادرة إلى إحدى الدول العربية، بينما ينتظر آخرون تجاوب المنظمات الأممية مع طلبات الهجرة إلى الدول الأوروبية، وأستراليا، ونيوزيلندا، باعتبارها الوجهات الأكثر أمناً، واستقراراً.

يتفق الخبير الأمني العميد عماد شحود مع فكرة عدم ثقة «حزب الله» بعناصر النظام البائد، حتى خلال مرحلة وجوده داخل الأراضي السورية، إذ «لم يكن يعتبر ميليشيات وجيش بشار الأسد قوات صديقة، وهو ما كشفته آلية عمله الأمنية والعسكرية هناك».

ومع ذلك، يستبعد العميد عماد شحود تفريط الحزب بالعناصر السورية المقاتلة باعتبارهم عامل ضغط ضد الحكومة السورية على المدى البعيد، وقوة احتياط ضخمة تزيد على 10 آلاف مقاتل يعيشون اليوم في مخيمات خاصة، مثل مخيم خامنئي، غالبيتهم يعارضون السلطة السورية الجديدة لأسباب عقائدية وآيديولوجية، تجعل منهم خط الدفاع الأول، ومحرك فوضى لضرب استقرار دمشق.


مقالات ذات صلة

تركيا تنفي عودة عناصر من «قسد» إليها بعد انتهاء دمجها

شؤون إقليمية عناصر من «قسد» خلال دورية في الحسكة بعد اندماجهم في صفوف الجيش السوري (أ.ب)

تركيا تنفي عودة عناصر من «قسد» إليها بعد انتهاء دمجها

نفت تركيا ادعاءات بشأن عودة عناصر أجنبية نشطت ضمن «قسد» إليها بعد إعلان حلها وانتهاء دمجها في مؤسسات الدولة السورية، مجددةً دعمها لدمشق في هذه المرحلة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي لبنانيون وسوريون يحتفلون في بيروت بسقوط النظام السوري ورئيسه بشار الأسد (أ.ف.ب)

دمشق طالبت لبنان بتسليم العشرات من فلول الأسد في قائمتين

مع الإعلان عن إحباط السلطات اللبنانية مخططاً أمنياً يستهدف الأمن في لبنان وسوريا، وتفكيك شبكة أمنية خطيرة تنشط بين البلدين وتتبع «حزب الله» وفلول النظام السوري

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مقاتلات «وحدات حماية المرأة» يشاركن في التدريبات العسكرية في الحسكة شمال شرقي سوريا - 22 أغسطس (رويترز)

مقاتلات كرديات يبحثن عن دور في سوريا الجديدة

قالت قائدة «وحدات حماية المرأة»، نوروز أحمد، إنها أُبلغت في اجتماعات مع الرئيس السوري أحمد الشرع، الأسبوع الماضي، في دمشق، بأن مقاتلاتها لا مكان لهن في الجيش.

«الشرق الأوسط» (القامشلي (سوريا))
المشرق العربي ضابط في «بيشمركة روج» التابعة للمجلس الوطني الكردي السوري

مسؤول سوري ينفي وجود مباحثات لدمج «بيشمركة روج» بالجيش

نفى نائب محافظ الحسكة ما ورد في تقارير صحافية عن مقترح من الحكومة السورية يقضي بدمج قوات «بيشمركة روج» السورية الكردية الموجودة حالياً في إقليم كردستان العراق

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي رجل أمن عراقي مع مشتبه فيه بالانتماء إلى «داعش» في سجن الكرخ ببغداد (أ.ب)

العراق يستكمل التحقيق مع سجناء «داعش» المنقولين من سوريا

الملف يضم أشخاصاً من 67 جنسية، من بينها 16 جنسية عربية، و19 جنسية من دول الاتحاد الأوروبي، و32 جنسية أجنبية أخرى، وبلغ عدد العراقيين 474، وعدد السوريين 3497.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

دعم الجيش يتقدم في الحسابات اللبنانية... و«مفاوضات روما» في مسار مستقل

جانب من إحدى جلسات المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)
جانب من إحدى جلسات المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

دعم الجيش يتقدم في الحسابات اللبنانية... و«مفاوضات روما» في مسار مستقل

جانب من إحدى جلسات المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)
جانب من إحدى جلسات المفاوضات بين إسرائيل ولبنان برعاية الولايات المتحدة في مقر وزارة الخارجية الأميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)

يتقدم ملف دعم الجيش اللبناني إلى واجهة الاستحقاقات المرتبطة بالجنوب، مع اقتراب الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي في 16 و17 أيلول (سبتمبر)، في حين لا يزال موعد الجولة المقبلة من المفاوضات في روما غير محسوم، وسط نقاش حول العلاقة بين المسارين وحدود تأثير تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية على الموقف اللبناني في المفاوضات.

وبينما ينفي مصدر وزاري لبناني وجود أي ارتباط بين موعدَي الاستحقاقين، تجمع المواقف على أن أهمية دعم الجيش تتجاوز المؤتمر بحد ذاته، لتلامس قدرته على تنفيذ أي مهمات إضافية قد تترتب على المرحلة المقبلة في الجنوب.

مقر سفارة الولايات المتحدة في روما بإيطاليا حيث عُقدت الجولة الـ7 من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ب)

لا ارتباط بين الموعدين

وأكد مصدر وزاري لبناني لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يوجد أي ارتباط بين الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وبين الجولة المقبلة من المفاوضات في روما»، موضحاً أن «الاجتماع التحضيري محدد في 16 و17 من الشهر الحالي، وهو مقرر بصورة مستقلة عن المسار التفاوضي».

وقال المصدر إن «موعد مؤتمر روما لم يُحدد حتى الآن، وإذا تقرر عقده بعد الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش، فإن ذلك سيكون لإتاحة المجال أمام رئيس الجمهورية لمتابعة الاجتماع التحضيري ومسار المفاوضات معاً، وليس نتيجة وجود أي ارتباط بين الحدثين».

آليات للجيش اللبناني تفصل بين مواقع وجود الجيش الإسرائيلي في بلدة زوطر الشرقية والمدنيين العائدين إلى بلدة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية بجنوب لبنان (الشرق الأوسط)

الجيش أمام مسؤوليات أكبر

وفي هذا الإطار، قال رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان اللبناني النائب فادي علامة لـ«الشرق الأوسط» إن «دعم الجيش اللبناني بات أولوية ملحّة، خصوصاً في ظل الحديث عن انتهاء مهام قوات (يونيفيل) وما قد يتركه ذلك من فراغ في الجنوب؛ إذ لا توجد مؤسسة قادرة على تحمّل هذه المسؤوليات سوى الجيش اللبناني».

وأضاف أن «لبنان يطالب أساساً ببقاء (يونيفيل) وتفعيل دورها، لكن إذا كان هناك توجه دولي نحو تقليص دورها أو إنهاء مهامها، فتجب معرفة البدائل المطروحة وتوفير دعم جدي وكبير للجيش كي يتمكن من الاضطلاع بالمسؤوليات المطلوبة منه».

وشدَّد علامة على أن «التعويل على الجيش يجب أن يقترن بدعم فعلي وملموس»، موضحاً: «نسمع عن لقاءات ومبادرات ومؤتمرات مخصصة لدعم الجيش، لكن المطلوب أن يتحول ذلك سريعاً خطواتٍ عملية وإمكانات حقيقية، بحيث لا يتم تحميله مسؤوليات إضافية من دون توفير ما يحتاج إليه لتنفيذها».

وعن مفاوضات روما، أشار علامة إلى أن «مسار مفاوضات روما لم يُظهر حتى الآن نتائج إيجابية أو تقدماً واضحاً»، مرجحاً أن يكون التأخير «مرتبطاً باستحقاقات أو تطورات في المنطقة».

الدعم رافعة تفاوضية

وإذا كان المساران منفصلين من حيث المواعيد، فإن مصدراً سياسياً مطلعاً على سير المفاوضات يرى أن نتائج مسار دعم الجيش يمكن أن تنعكس عملياً على قوة الموقف اللبناني عندما يحين موعد الجولة المقبلة.

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن «ملف دعم الجيش اللبناني يرتبط بصورة مباشرة بقدرته على تنفيذ المهمات المطلوبة منه في الجنوب؛ ولذلك فإن تحديد حجم الدعم والإمكانات التي ستوضع بتصرفه يشكل عنصراً أساسياً في مقاربة لبنان للمرحلة المقبلة».

وأوضح أن «المنطق الذي يقدمه لبنان يقوم على أن الجيش مستعد لتنفيذ مهمته والقيام بما هو مطلوب منه، لكنه يحتاج في المقابل إلى امتلاك الإمكانات اللازمة التي تتيح له ذلك»، مشيراً إلى أن «ما سيُقدَّم للجيش من دعم سينعكس على قدرته على تنفيذ الالتزامات والمهمات المطروحة في إطار المسار التفاوضي».

ورأى المصدر أن «عقد مؤتمر دعم الجيش قبل مؤتمر روما يبقى أمراً منطقياً ومرجحاً؛ لأنه يمكن أن يشكل رافعة للموقف اللبناني في المفاوضات»، موضحاً أن «دخول لبنان إلى مؤتمر روما بعدما تكون صورة الدعم المخصص للجيش وقدراته قد اتضحت، من شأنه أن يعزز حجته وموقفه حيال ما يستطيع الجيش تنفيذه في الجنوب».

جنود ينتظرون عند مدخل قرية زوطر الغربية جنوب لبنان مع انتشار الجيش اللبناني في المنطقة عقب انسحاب القوات الإسرائيلية 21 يوليو الماضي (رويترز)

التقاطع عند التنفيذ

أما أُستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس، الدكتور محيي الدين الشحيمي، فيضع العلاقة بين المسارين في إطار يتجاوز ترتيب المواعيد، ويربطها بقدرة لبنان على الانتقال من التفاوض على المبادئ إلى تنفيذ الالتزامات.

وقال الشحيمي لـ«الشرق الأوسط» إن «الإشكالية ليست في أيّ من الاستحقاقين يسبق الآخر، سواء الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش والمؤسسات الأمنية في باريس، أو الجولة الثامنة المرتقبة من المفاوضات في روما، بل في مدى توافر القدرة التنفيذية اللبنانية والمظلة الدولية للانتقال إلى مراحل متقدمة استناداً إلى الوقائع على الأرض».

وأوضح أن «الأدق هو الحديث عن مسار تشارك فيه روما وباريس وغيرهما من العواصم المنخرطة في البحث عن حلول للأزمة اللبنانية، لا عن عدِّ الجيش بوابة للجولة الثامنة. فالجيش هو المؤسسة العسكرية والأمنية الشرعية، لكنه ليس سلطة سياسية، بل أداة تابعة للسلطة التنفيذية التي تتخذ القرارات ويتولى هو تنفيذها».

ورأى الشحيمي أن «المرحلة المقبلة تتجاوز دعم الجيش بالمفهوم العسكري التقليدي إلى بناء معادلة تنفيذية مرتبطة بالانتقال من التفاوض على المبادئ إلى التفاوض على التنفيذ، ولا سيما في الجنوب، حيث تبرز ملفات آلية التحقق، والمناطق التجريبية، وانتشار الجيش، وحدود دوره».

وأضاف أن «الدول المعنية تريد معرفة ثلاثة أمور أساسية: قدرة الجيش على المراقبة وضبط الحدود والتحرك، وطبيعة المهمة المطلوبة منه، وخصوصاً منع وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة وتأمين مناطق محددة، ثم الثمن السياسي؛ إذ إن ارتفاع مستوى الدعم الدولي يرفع في المقابل مستوى التوقعات من الجيش والدولة».

وشدَّد على أن «نجاح المرحلة التالية يفترض مؤسسات لبنانية قادرة على تنفيذ التزاماتها، بالتوازي مع ثلاثة عناصر مترابطة في الجنوب: انسحاب إسرائيل من القرى والبلدات المحتلة، وانتشار الجيش حتى الحدود الدولية، وإطلاق عملية إعادة الإعمار».


بعد تصريحات العامري بخصوص «فتنة» تشرين... المالكي ينهي «سردية» حصر السلاح بيد الدولة

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقية يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقية يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

بعد تصريحات العامري بخصوص «فتنة» تشرين... المالكي ينهي «سردية» حصر السلاح بيد الدولة

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقية يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقية يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

نسفت تصريحات أدلى بها زعيم «ائتلاف دولة القانون» نوري المالكي -ودعا فيها إلى «تنظيم السلاح لا نزعه»- سردية حصره بيد الدولة التي وضعها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ضمن أولويات برنامجه الحكومي الذي صوت عليه البرلمان العراقي بالإجماع.

فبعد أقل من شهر على اجتماع لـ«ائتلاف إدارة الدولة» الذي يضم القوى الشيعية، والسنية، والكردية، والذي منح رئيس الوزراء صلاحية كاملة في كيفية التعامل مع آلية حصر السلاح بيد الدولة بعد نهاية المهلة المقررة في الثلاثين من شهر سبتمبر (أيلول) الحالي، موعد انسحاب آخر ما تبقى من الجنود الأميركيين من العراق، أعلن عدد من الفصائل المسلحة -وفي مقدمتها «كتائب حزب الله» و«النجباء»- عدم الاعتراف بموعد تسليم السلاح، باعتبار أنه «سلاح عقائدي» مرتبط بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران... وانضم المالكي إلى الركب، وأعلن عبر تصريحات متلفزة مساء الأربعاء -فاجأت جميع الأوساط الحكومية والسياسية على حد سواء- أنه «لا تسليم للسلاح بعد نهاية مهلة الثلاثين من الشهر الحالي».

نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)

وقال إن «مفردة النزع غير مستخدمة، لأن الطرف الآخر يصبح عنوانه منزوع السلاح، وهذا له أثر نفسي وعملي، لذلك (الأفضل) استخدام مفردة تنظيم واحتواء السلاح بطريقة لا تزال نبحث عنها... ثم هناك تمييز بين السلاح الثقيل، والمتوسط، والخفيف».

وأشار إلى أن «التمييز بين السلاح هو واحد من الأمور المطروحة، فهل حفظ أو احتواء أو سحب، أو أي تسمية أخرى للعملية، يشمل كل سلاح، أم يشمل فقط نوعاً من السلاح الذي يعتبر سلاح استهداف داخلي، وخارجي، وهذه سوف تحلها اللجنة المشكلة مع الفصائل».

وكان المالكي قد شدد في 26 أغسطس (آب) الماضي على ضرورة معالجة ملف حصر السلاح بيد الدولة «بعيداً عن التصعيد، أو المواجهة»، محذراً من «أن تحول هذا الملف إلى صدام بين الدولة والفصائل سيكون بالغ الخطورة، وقد يهدد استقرار العراق، ويفتح الباب أمام مواقف سياسية متباينة».

وأكد المالكي في بيان صدر عن مكتبه آنذاك أن أي مواجهة داخلية ستكون «خسارة للعراق بأكمله»، وليس لطرف أو مكون بعينه، معتبراً أن «من يتصور أن أي صراع محتمل سيكون شيعياً-شيعياً هو واهم، لأن تداعياته ستطال الدولة، والمجتمع، وجميع المكونات» العراقية.

وتصريحات المالكي جاءت، (أيضاً)، برغم أن «ائتلاف إدارة الدولة»، الذي يضم أبرز القوى السياسية الشيعية، والسنية، والكردية في العراق، قد حذر من «أن أي نشاط مسلح خارج إطار الدولة بعد 30 سبتمبر سيجري التعامل معه وفق قانون مكافحة الإرهاب»...

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال حضوره اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

تبادل أدوار

وفي خضم الجدل بشأن الطريقة التي «يجب أن يتم فيها حصر السلاح بيد الدولة»، جاءت زيارة رئيس «مجلس الشورى» الإيراني محمد باقر قاليباف إلى العراق، الأمر الذي أعاد العملية إلى المربع الأول، عندما بدا أن طهران «غير راغبة» في أن تسلم كل الفصائل أسلحتها... وذلك دفع الحكومة إلى «نوع من التراجع» عندما قبلت بتشكيل لجنة من «الإطار التنسيقي» الشيعي لكي تبدأ عملها بعد الثلاثين من سبتمبر مع الفصائل المسلحة «لإقناعها بوضع آلية يتم من خلالها تنظيم السلاح لا نزعه»، على حد تعبير المالكي.

والمالكي عضو في تلك اللجنة الثلاثية الخاصة بالتفاوض مع الفصائل المسلحة، والتي تضم بالإضافة إليه: رئيس الوزراء السابق محمد شيّاع السوداني، وزعيم «منظمة بدر» هادي العامري.

وفيما لم يدلِ السوداني بأي تصريح بشأن تسليم السلاح، فإن العامري والمالكي تبادلا الأدوار بشأنه، وبشأن كيفية التعامل مع الوضع الذي يمر به النظام السياسي الحالي في العراق، في ظلّ التأييد الأميركي القوي لحكومة الزيدي، مع نحت المزيد من المصطلحات الهادفة إلى تمييع العملية، مثل «تنظيم» السلاح، أو «تجميد» السلاح، أو «تأجيله»، بدلاً من مفردة «نزعه».

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في بغداد يوم 19 أغسطس 2026 (إعلام حكومي)

وتأتي تصريحات المالكي بشأن رفض نزع السلاح أو تسليمه طبقاً لما تريده الحكومة بعد يومين من تصريحات أطلقها زعيم «منظمة بدر» هادي العامري، ووصف فيها «مظاهرات تشرين» عام 2019، بأنها «فتنة» كان هدفها إسقاط النظام السياسي الشيعي... ولم يكتفِ بذلك، بل كشف أن «المقاومة» هي ما كان قد سمي «الطرف الثالث» الذي مارس عمليات القتل ضد المتظاهرين التي أوقعت آلاف القتلى والجرحى، ومعظمهم من الأحياء الشيعية الفقيرة في بغداد، وبعض المحافظات الوسطى، والجنوبية.

ومع أن تصريحات العامري أثارت غضباً شعبياً واسعاً، ولم يرد عليها، لكنها كانت مقصودة طبقاً للمراقبين السياسيين، لجهة القول «إن الفصائل المسلحة كانت، ولا تزال، هي التي تحمي النظام السياسي في حال تعرضه للخطر».

خرق القواعد



تصريحات المالكي المتلفزة التي خرقت القواعد والأسس التي جرى الاتفاق عليها بين كل القوى السياسية في البلاد، ترافقت أيضاً مع قول أمين «حركة النجباء» أكرم الكعبي إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب «واهم إن تصور أنه سيحصل على نصر في العراق، بعد أن عجز عن تحقيقه في إيران، بل لن نسمح بحصول ذلك حتى على النحو الشكلي في الإعلام، خصوصاً مع كونه شخصاً يبحث عن انتصارات إعلامية».

فصائل عراقية تضع شروطاً لحصر السلاح (منصة إكس)

واستمرت الحكومة، في المقابل -سواء عبر تصريحات أدلى بها رئيسها الزيدي نفسه -أو من خلال الناطق باسمها- مرة، والقائد العام للقوات المسلحة مرة أخرى- في التأكيد على «أن الموعد النهائي لتسليم السلاح بالتزامن مع خروج الأميركيين قائم، ولن يتغير»، بما في ذلك العمل «على إجبار قوى السلاح على تسليمه طالما لن يعود هناك مبرر لحمله مع انتهاء الوجود الأميركي تطبيقاً للاتفاق الذي وقعه رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني لدى زيارته إلى الولايات المتحدة الأميركية خلال شهر أبريل (نيسان) عام 2024، على أن تتم عملية الانسحاب نهاية الشهر التاسع من عام 2026، وهو ما يلتزم به الأميركيون بالفعل... وقد أخلوا بموجبه قاعدة الحبانية في محافظة الأنبار غربي العراق، وبدأوا بإخلاء قاعدة حرير في أربيل في إقليم كردستان».

وفي هذا السياق يقول رئيس «حركة وعي» صالح العرباوي لـ«الشرق الأوسط»: «لا أعتقد أنه سيتم فعلياً حصر للسلاح، بل قد يجري الالتفاف عليه، أو تحصل عملية تسليم شكلية». وأضاف أن «الجماعات التي تحمل السلاح تتبع عقيدة وقيادة عابرة للحدود، ولم يصدر لها أمر بالتخلي عن السلاح إلى هذه اللحظة، بل إن الحرب الجارية تستدعي التشديد، وتوسعة المحاور، وليس العكس».

ويرى العرباوي أن «الحكومة أمام خيارين: المواجهة، والصدام، وهذا لن يخدم الدولة، والنظام، أو الحوار والتسوية، وهذا يحتاج إلى مدد قد تستغرق عمر هذه الحكومة»، مبيناً أن «الأمر منوط أيضاً بالحرب، أو التفاوض الأميركي الإيراني، فكلما توسعت رقعة المعركة زادت مسألة حصر السلاح تعقيداً، والعكس صحيح أيضاً».


بيروت تتسلّم معتقلاً لدى إسرائيل... ونتنياهو: سنفرج عن 5 لبنانيين

صورة ملتقَطة من منطقة على مشارف مدينة صور جنوب لبنان تُظهر دخاناً يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت منطقة المنصوري المجاورة أمس (أ.ف.ب)
صورة ملتقَطة من منطقة على مشارف مدينة صور جنوب لبنان تُظهر دخاناً يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت منطقة المنصوري المجاورة أمس (أ.ف.ب)
TT

بيروت تتسلّم معتقلاً لدى إسرائيل... ونتنياهو: سنفرج عن 5 لبنانيين

صورة ملتقَطة من منطقة على مشارف مدينة صور جنوب لبنان تُظهر دخاناً يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت منطقة المنصوري المجاورة أمس (أ.ف.ب)
صورة ملتقَطة من منطقة على مشارف مدينة صور جنوب لبنان تُظهر دخاناً يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت منطقة المنصوري المجاورة أمس (أ.ف.ب)

أعلنت إسرائيل، الخميس، عزمها الإفراج عن 5 مدنيين لبنانيين كانت اعتقلتهم قواتها في خضم المواجهات مع «حزب الله» في جنوب لبنان، وفق ما أفاد مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

وكان مصدر عسكري لبناني أكد لوكالة الصحافة الفرنسية تسلّم بلاده عبر «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» مواطناً كانت إسرائيل اعتقلته واقتادته إلى الدولة العبرية. وقال مكتب نتنياهو، في بيان: «تقرّر الإفراج عن 5 مدنيين لبنانيين أُوقفوا في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان». وأضاف: «بعد الانتهاء من استجوابهم، تبيّن أنهم مدنيون ليسوا أعضاء في أي منظمة إرهابية، ولم يشاركوا في أعمال إرهابية، ولا يوجد سبب لمواصلة احتجازهم في إسرائيل».

وكان لبنان طالب خلال آخر جولة من المفاوضات مع إسرائيل في أغسطس (آب)، بالإفراج عن دفعة أولى من الأشخاص الذين اعتقلوا من الأراضي اللبنانية منذ اندلاع الحرب عام 2024 بين إسرائيل و«حزب الله»، وفق ما أفاد مسؤول لبناني لوكالة الصحافة الفرنسية في حينه.

ولم تحدّد السلطات اللبنانية عدد مواطنيها المحتجزين لدى إسرائيل، لكن عائلاتهم ولجنة تُعنى بشؤونهم وثّقت أسماء 33 شخصاً على الأقل، تم احتجازهم منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024. وقال مكتب نتنياهو إن قرار الإفراج عن المحتجزين الخمسة جاء في أعقاب جهود إسرائيلية ولبنانية للعثور على جثامين قادة من الطائفة اليهودية في لبنان وإعادتها، بعدما اختُطفوا وقُتلوا في منتصف الثمانينات، إبان الحرب الأهلية في لبنان.