وزير داخلية إيران إلى إسلام آباد وسط تحرك لإحياء الدبلوماسية

روبيو: واشنطن لا تزال منفتحة على حل دبلوماسي مع طهران

TT

وزير داخلية إيران إلى إسلام آباد وسط تحرك لإحياء الدبلوماسية

إيرانية تمر بجانب جدارية مناهضة للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة وسط طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تمر بجانب جدارية مناهضة للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة وسط طهران (إ.ب.أ)

يتوجه وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني، إلى إسلام آباد، الاثنين، لإجراء محادثات مع مسؤولين باكستانيين، في أحدث إشارة إلى تحرك دبلوماسي موازٍ للحرب، بينما أعلنت واشنطن وطهران أنهما لا تزالان منفتحتين على التفاوض رغم انهيار مذكرة التفاهم، واستمرار الضربات المتبادلة.

وقال مصدر في وزارة الداخلية الباكستانية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن مؤمني سيجري محادثات مع مسؤولين باكستانيين، من دون أن يكشف جدول أعمال الزيارة.

ونقلت «رويترز» لاحقاً عن مصدرين حكوميين باكستانيين أن مؤمني طلب من إسلام آباد استئناف دورها وسيطاً في النزاع بين إيران والولايات المتحدة. وقال المصدران إن الزيارة هي الثانية لوزير الداخلية الإيراني إلى باكستان خلال أقل من أسبوع.

وكانت تقارير قد ذكرت أن مؤمني سيحمل رسالة من الرئيس مسعود بزشكيان إلى رئيس الوزراء شهباز شريف. ولم يصدر تعليق رسمي إيراني أو باكستاني على مضمون الرسالة.

وسبق لمؤمني أن شارك في اتصالات مرتبطة بالوساطة، والتقى وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، الذي زار طهران أكثر من مرة.

وتأتي زيارته بعدما قالت باكستان الأسبوع الماضي، إنها ستواصل تشجيع الأطراف على وقف العنف، واستئناف المناقشات الفنية المنصوص عليها في مذكرة التفاهم التي وقعها الرئيسان الأميركي دونالد ترمب، ونظيره الإيراني بزشكيان في منتصف يونيو (حزيران).

إيرانية تمر بجانب جدارية مناهضة للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة وسط طهران (إ.ب.أ)

لكن الزيارة تجري هذه المرة في ظروف مختلفة جذرياً؛ فقد انهار وقف النار، واستأنفت الولايات المتحدة ضرباتها داخل إيران، وأعلنت طهران وقف تنفيذ التزاماتها بموجب المذكرة، فيما تبادل مسؤولون من الجانبين اتهامات بخرق الاتفاق الذي كان يفترض أن يمهد لتسوية دائمة خلال 60 يوماً.

ومع ذلك، أشارت تصريحات صدرت في واشنطن وطهران خلال الساعات الماضية، إلى استمرار قنوات الاتصال، واتجاه الطرفين نحو البحث عن صيغة تفاوضية جديدة قد تتجاوز مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو.

مقترحات عبر الوسطاء

قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، الاثنين، إن الوسطاء ما زالوا ينقلون رسائل ومقترحات بين طهران وواشنطن، وإن الجهاز الدبلوماسي الإيراني ظل نشطاً خلال الأيام الأخيرة بالتزامن مع العمليات العسكرية.

وأضاف خلال مؤتمر صحافي في طهران: «لقد أُبلغنا عبر وسطاء، وتلقينا رسائل، من دون الخوض في التفاصيل، لكن المهم أن الجهاز الدبلوماسي كان نشطاً في الأيام الأخيرة، وقد نُقلت إلينا أفكار عبر بعض الوسطاء».

ونقلت «رويترز» عن مسؤول إيراني كبير قوله إن الوسطاء قدموا إلى طهران مقترحاً لوقف الهجمات لمدة 10 أيام، بهدف تهدئة الحرب وإيجاد سبل لإحياء الاتفاق المؤقت الذي توصل إليه الجانبان الشهر الماضي. ولم يكشف المسؤول هوية الوسطاء أو تفاصيل المناقشات المرتبطة بالمقترح.

وامتنع بقائي عن الكشف عن مضمون المقترحات، أو توضيح ما إذا كانت طهران قد ردت عليها، لكنه قال إن الوسطاء يعملون لمنع مزيد من التصعيد.

وأضاف أن القوات الإيرانية ستواصل ما وصفها بـ«العمليات العسكرية الدفاعية» ما دامت الهجمات الأميركية مستمرة.

بزشكيان يستقبل الوفد الباكستاني برئاسة وزير الداخلية محسن نقوي في طهران يونيو الماضي (الرئاسة الإيرانية)

وتؤدي قطر وباكستان دوراً رئيسياً في نقل الرسائل بين إيران والولايات المتحدة، في حين تتمسك الصين أيضاً بالدعوة إلى وقف التصعيد واستئناف المفاوضات.

وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، قد زار قطر أخيراً، وأفادت تقارير بأنه التقى نظيره القطري خلال الزيارة.

ورفض بقائي الفصل بين الحرب والدبلوماسية باعتبارهما خيارين متعارضين، قائلاً: «أرفض ثنائية إما الحرب أو الدبلوماسية؛ فالدبلوماسية أداة نسعى من خلالها إلى تحقيق مصالحنا الوطنية، شأنها شأن الحرب».

وأضاف أن الجهاز الدبلوماسي يعمل بالتنسيق مع القوات المسلحة، في صياغة تعكس محاولة الحكومة الإيرانية إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، من دون أن يبدو ذلك تراجعاً تحت ضغط الضربات الأميركية.

مذكرة يونيو

لكن بقائي أوضح أن استمرار الاتصالات لا يعني استعداد إيران للعودة إلى الاتفاق السابق. وقال إن طهران لن تنفذ مذكرة التفاهم الموقعة الشهر الماضي، متهماً واشنطن بانتهاك نصها وروحها.

وأضاف: «الطرف الآخر لم يفشل في تنفيذها فحسب؛ بل انتهكها وتصرف بما يخالف نصها وروحها»، وتابع: «أعلنا، من جانبنا، أننا لن ننفذها. وهذا أمر واضح تماماً».

وقال إن الاتفاق تضمن التزامات متبادلة، وإن تنفيذه من جانب طهران أصبح «مستحيلاً عملياً» بعدما أخلّت الولايات المتحدة، بحسب الرواية الإيرانية، بتعهداتها.

وكان كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية، قد أعلن السبت، أن طهران أوقفت جميع التزاماتها بموجب المذكرة، وأنها لا تطبق حالياً أياً من بنودها.

ولم تعلن الولايات المتحدة رسمياً الانسحاب من الوثيقة، لكن ترمب أعلن انتهاء وقف إطلاق النار، وتتعامل إدارته منذ ذلك الحين مع المذكرة باعتبارها اتفاقاً انتهكته إيران وفقد الأساس الذي استند إليه.

ورغم ذلك، لم يستبعد بقائي إجراء محادثات جديدة. وقال إن المفاوضات، مثل الحرب، وسيلة تستخدمها إيران لصون مصالحها، من دون أن يحدد الشروط التي قد تدفع طهران إلى الانتقال من تبادل الرسائل إلى مفاوضات فعلية.

وفي الجانب الأميركي، قال وزير الخارجية ماركو روبيو، إن واشنطن «لا تزال منفتحة» على المفاوضات، في الوقت الذي كان فيه الجيش الأميركي يبدأ الليلة التاسعة من ضرباته على إيران.

وقال روبيو إن المسؤولين الأميركيين «سيواصلون المحاولة» للدفع نحو سلام طويل الأمد مع طهران، مضيفاً أن إدارة ترمب ما زالت منفتحة على حل دبلوماسي.

وأضاف للصحافيين: «يواصل المسؤولون الإيرانيون إرسال إشارات تفيد بأنهم يريدون التحدث والتفاوض، لكن سلوكهم هو ما نرد عليه»، حسبما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وعندما سُئل عما إذا كانت طهران مستعدة للدخول في محادثات، قال إنه تلقى إشارات «مباشرة»، وأخرى «عبر قنوات متعددة من دول أخرى».

واشترط روبيو أن يكون أي مسار دبلوماسي «حقيقياً»، وأن يقود إلى اتفاق تكون إيران مستعدة للالتزام به. وقال: «حاولنا عدة مرات مع إيران، وسنواصل المحاولة».

شروط أكثر تشدداً

كان محسن رضائي، القائد السابق لـ«الحرس الثوري» والمستشار العسكري للمرشد الإيراني، قد قال السبت، إن العودة إلى مذكرة يونيو (حزيران) لم تعد ممكنة، وإن أي مفاوضات مقبلة ستتطلب صياغة وثيقة جديدة بسبب تغير الظروف.

وأضاف أن المطالب الإيرانية لم تعد تقتصر على الالتزامات الواردة في المذكرة؛ بل باتت تشمل التعويض عن الخسائر وما وصفه بـ«الانتقام». وقال إن الولايات المتحدة استخدمت الجمع بين الضغط والتفاوض لدفع إيران إلى تقديم مزيد من التنازلات.

وتابع رضائي أن سياسة «الحرب والتفاوض معاً» انتهت، وحذر من أن استمرار الضربات الأميركية يومين أو 3 إضافية، سيدفع إيران إلى الانتقال من الردود المحدودة إلى ما سماها «مرحلة الهجوم والانهدام الكامل».

لوحة دعائية في أحد شوارع طهران تتوعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي وزعماء غربيين وكتب عليها: «ستغرقون في بحر انتقام الشعب الإيراني » (إ.ب.أ)

وزعم أن إيران قادرة على إطلاق ألف صاروخ وألفي طائرة مسيّرة خلال يوم واحد، وأنها لم تستخدم بعد جميع قدراتها. كما حذر من رد أشد إذا نفذت الولايات المتحدة عملية برية، وقال إن طهران قد تلجأ إلى القوات البرية ووسائل عسكرية أخرى.

وفي مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي»، قال وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف، إن الولايات المتحدة لا تستطيع القضاء على الحكومة الإيرانية، وإن إنهاء الحرب يتطلب اتفاق سلام وإطاراً أمنياً جديداً تصوغه دول المنطقة.

وكتب ظريف أن الاتفاق المؤقت لم يكن قادراً على الصمود أمام الخلافات التي ظهرت بعد توقيعه، مقدماً مساراً إقليمياً للتسوية بدلاً من الرهان على حسم عسكري أو تفاهم ثنائي محدود بين واشنطن وطهران.


مقالات ذات صلة

الدوحة تفنّد مزاعم إيرانية: هجماتكم استهدفت أعياناً مدنية

الخليج قطر أكدت أن الحوار والوسائل السلمية يبقيان الطريق الأمثل لحل الخلافات (قنا)

الدوحة تفنّد مزاعم إيرانية: هجماتكم استهدفت أعياناً مدنية

ردّت الحكومة القطرية، على مزاعم إيرانية بأن الضربات التي وجهتها طهران ضد الأراضي القطرية استهدفت مواقع عسكرية ولم تطل أعياناً مدنية.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
شؤون إقليمية متسوقون في البازار الكبير بطهران 23 أغسطس 2026 (رويترز)

طهران تعترف بوطأة العقوبات والحرب

أقرت الحكومة الإيرانية، الجمعة، بأن العقوبات الأميركية والحرب تفرضان ضغوطاً متزايدة على الاقتصاد ومعيشة السكان، ويواصل الريال الإيراني التراجع إلى مستوى قياسي.

شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الخميس (الحكومة المصرية)

مخاوف مصرية من تداعيات اقتصادية مع التحسّب لـ«حرب ممتدة» في المنطقة

وسط مخاوف من التداعيات الاقتصادية، تتحسب مصر لـ«حرب ممتدة» بالمنطقة، عبر سيناريو حكومي توقع استمرار النزاع حتى عام 2030.

عصام فضل (القاهرة)
شؤون إقليمية بيسنت يصل إلى اجتماع مالي لمجموعة العشرين في كارولاينا الشمالية أمس (أ.ف.ب)

واشنطن توسِّع عقوبات إيران إلى كيانات تركية

وسّعت الولايات المتحدة، الجمعة، حملتها الاقتصادية على إيران بفرض عقوبات على كيانات مقرها تركيا، في أحدث خطوة ضمن مسعى لتشديد الخناق على شبكات طهران المالية.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية شعار الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقر المنظمة بفيينا في النمسا (رويترز) p-circle

تحرك غربي لإحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن

قال دبلوماسيون، الجمعة، إن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا تضغط على مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتمرير قرار يُحيل إيران إلى مجلس الأمن.

«الشرق الأوسط» (لندن)

رئيسة كوستاريكا: لم يُتخذ قرار بعد بشأن ترقية مكتب القدس إلى سفارة

صورة جوية لقبة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس (د.ب.أ)
صورة جوية لقبة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس (د.ب.أ)
TT

رئيسة كوستاريكا: لم يُتخذ قرار بعد بشأن ترقية مكتب القدس إلى سفارة

صورة جوية لقبة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس (د.ب.أ)
صورة جوية لقبة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس (د.ب.أ)

قالت رئيسة كوستاريكا، ​لورا فرنانديز، اليوم (الجمعة)، إن مسألة ترقية المكتب التابع للدولة الواقعة في ‌أميركا ‌الوسطى ​في مدينة ‌القدس إلى ​سفارة لم يتخذ قرار بشأنها بعد، وإن الأمر لا يزال قيد الدرس، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأعلنت جمهورية الكونغو الديمقراطية، أمس (الخميس)، أنها ستنقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس، لتنضم إلى دول، منها الولايات المتحدة، اتخذت هذه الخطوة الرمزية الداعمة للسيادة الإسرائيلية على المدينة المتنازع عليها.

وعقب زيارة قام بها الرئيس فيليكس - أنطوان تشيسيكيدي، أعلن الجانبان في بيان أنهما سيتخذان خطوات من أجل «نقل سفارة جمهورية الكونغو الديمقراطية من تل أبيب إلى القدس»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».


كوميدي تركي يواجه السجن لأكثر من 9 سنوات بتهمة «إهانة» إردوغان

ناشط يحمل صورة الكوميدي التركي دينيز غوكتاش أمام محكمة تركية (أ.ف.ب)
ناشط يحمل صورة الكوميدي التركي دينيز غوكتاش أمام محكمة تركية (أ.ف.ب)
TT

كوميدي تركي يواجه السجن لأكثر من 9 سنوات بتهمة «إهانة» إردوغان

ناشط يحمل صورة الكوميدي التركي دينيز غوكتاش أمام محكمة تركية (أ.ف.ب)
ناشط يحمل صورة الكوميدي التركي دينيز غوكتاش أمام محكمة تركية (أ.ف.ب)

قبلت محكمة في إسطنبول لائحة اتهام بحق الكوميدي التركي دينيز غوكتاش، وتطالب بسجنه مدة تصل إلى 9 سنوات و8 أشهر بسبب نكات ألقاها خلال عرض كوميدي حظي بانتشار واسع، حسبما أفادت وكالة «الأناضول» الرسمية، اليوم الجمعة.

وتتهم لائحة الاتهام، التي أعدها مكتب المدعي العام الرئيسي في إسطنبول، غوكتاش بإهانة الرئيس رجب طيب إردوغان، والتحريض على الكراهية والعداء بين أفراد المجتمع، وتمجيد الجريمة والمجرمين، بسبب تصريحات أدلى بها في عرضه الخاص المنشور على موقع «يوتيوب» في 24 يونيو (حزيران).

وقال المدعون إن التعليقات المتعلقة بإردوغان في العرض «تجاوزت حدود النقد»، و«ألحقت ضرراً بشرف الرئيس وكرامته» في نظر الجمهور.

وقال غوكتاش في عرضه: «لم أحب رجب طيب إردوغان قط، ولو لدقيقة واحدة في حياتي»، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويواجه غوكتاش، المحتجز على ذمة المحاكمة منذ 3 يوليو (تموز)، اتهامات أيضاً بسبب نكات تناولت نساء يسبحن في البحر مرتديات ملابس سباحة محتشمة. وقالت لائحة الاتهام، في تهمة منفصلة، إن غوكتاش استخدم عبارات تمجّد جماعة إجرامية. ونفى الكوميدي التركي جميع التهم الموجهة إليه.

وأمرت المحكمة بإبقاء غوكتاش، (32 عاماً)، قيد الاحتجاز وحددت 28 سبتمبر (أيلول) موعداً للجلسة الأولى.

وحصد عرضه الخاص على موقع «يوتيوب» 14 مليون مشاهدة.

وأثار العرض، الذي تضمن أيضاً نكاتاً عن الدين وقضايا اجتماعية وسياسية أخرى، انتقادات حادة من شخصيات مؤيدة للحكومة. وأثارت قضيته احتجاجات من جماعات حقوقية أدانت ما اعتبرته استهدافاً لحرية التعبير واستخدام القضية لقمع المعارضة.


طهران تعترف بوطأة العقوبات والحرب

متسوقون في البازار الكبير بطهران 23 أغسطس 2026 (رويترز)
متسوقون في البازار الكبير بطهران 23 أغسطس 2026 (رويترز)
TT

طهران تعترف بوطأة العقوبات والحرب

متسوقون في البازار الكبير بطهران 23 أغسطس 2026 (رويترز)
متسوقون في البازار الكبير بطهران 23 أغسطس 2026 (رويترز)

أقرت الحكومة الإيرانية، الجمعة، بأن العقوبات الأميركية والحرب تفرضان ضغوطاً متزايدة على الاقتصاد ومعيشة السكان، ويواصل الريال الإيراني التراجع إلى مستوى قياسي متدنٍ، فيما تعهد البنك المركزي بالتدخل في سوق الصرف لاحتواء «تقلبات غير طبيعية».

وقالت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني إن السلطات «لا تنكر الضغوط الاقتصادية على الناس ولا حالات النقص»، مشيرة إلى أن العقوبات الأميركية أثرت في تمويل مشروعات البنية التحتية وتنفيذها في أنحاء البلاد.

وقالت مهاجراني إن التأخر في إنجاز المشروعات «لا ينبغي أن يُنسب إلى عدم كفاءة المديرين؛ لأن العقوبات الشديدة أثرت في عملية تأمين الموارد وتنفيذ المشروعات». وأضافت أن الحكومة ستواصل العمل على استكمال المشروعات غير المنجزة رغم القيود القائمة، وفق وكالة «إرنا» الرسمية.

متعامل بالعملات يحمل أوراقاً من فئة 100 دولار في طهران 2 مايو 2026 (رويترز)

الريال يتهاوى

وجاء الاعتراف الحكومي فيما واصل الريال تراجعه في السوق الحرة، ليبلغ نحو 2.2 مليون ريال للدولار، وهو أدنى مستوى له على الإطلاق، تحت وطأة تشديد العقوبات الأميركية والحصار المفروض على صادرات النفط واضطراب التجارة الخارجية.

وفي المقابل، ظل السعر الرسمي الذي تحدده الحكومة عند نحو 42 ألف ريال للدولار، ما أبقى فجوة واسعة بين السعر الرسمي وذلك المتداول في السوق التي يعتمد عليها معظم الإيرانيين للحصول على العملات الأجنبية.

ومع تصاعد الضغوط على سوق الصرف، تعهد محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي بالتدخل «في الوقت المناسب وبقوة» إذا ابتعدت أسعار العملات عما سماه «الحقائق الأساسية للاقتصاد».

وقال همتي للتلفزيون الرسمي إن الحرب مع الولايات المتحدة تسببت في «تقلبات غير طبيعية في السوق»، من دون أن يعلن إجراءات محددة لوقف تراجع العملة.

وأضاف: «كلما ابتعدت الأسعار عن الحقائق الاقتصادية، سيحدث التدخل حتى لا يعتبر المتعاملون في السوق أن التحركات تسير في اتجاه واحد».

ونفى همتي وجود نقص حاد في العملات الأجنبية المخصصة للاستيراد، وقال إن حجم العملة التي وفرها البنك المركزي للواردات منذ بداية العام تراجع 15 في المائة فقط مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، رغم الحرب والقيود الخارجية واضطراب التجارة.

وبحسب محافظ البنك المركزي، عزز المصرف احتياطياته، ولا تزال الموارد المتاحة «كافية لاستمرار تغطية الاحتياجات التجارية في السيناريوهات المقبلة». وقال أيضاً إن البنك أعد أدوات للتحوط والحفاظ على قيمة الأصول، لتقليص انتقال الطلب الاحتياطي والمضاربي إلى سوق العملات النقدية.

شاشة تعرض أسعار صرف العملات في البازار الكبير بطهران 17 أغسطس 2026 (رويترز)

ضيق قنوات التمويل

وتتطابق تصريحات المسؤولين الإيرانيين مع صورة أكثر صعوبة رسمتها ثلاثة مصادر إيرانية رفيعة المستوى تحدثت إلى «رويترز» عن آثار الحملة الاقتصادية الأميركية.

وقالت المصادر إن أحدث الإجراءات الأميركية أصبحت أشد وطأة على طهران، بعدما تقلص عدد القنوات المتاحة لتأمين العملات الأجنبية وشراء السلع.

وأضافت أن مساعي واشنطن لحرمان إيران من الوصول إلى شبكات التمويل الدولية في دول أخرى باتت تمثل تهديداً «حقيقياً وملحاً»، بعدما اعتمدت طهران على هذه الشبكات لسنوات للحفاظ على تدفق الأموال وتمويل التجارة.

وباتت الضغوط المالية نفسها، بحسب المصادر، تعرقل قدرة إيران على الالتفاف على العقوبات؛ إذ انخفضت السيولة المتاحة لدفع العلاوات المرتفعة التي تتطلبها شركات الواجهة وناقلات النفط غير المسجلة ومسارات التهريب.

وقال أحد المصادر إن البلاد لا تملك سوى مخزونات من البنزين تكفي لنحو شهرين إضافيين. وتضطر إيران إلى استيراد الوقود رغم إنتاجها النفط الخام بسبب محدودية طاقتها التكريرية.

وتدرك القيادة الإيرانية مخاطر تفاقم الأزمة الاقتصادية وإمكان تجدد الاحتجاجات التي اجتاحت البلاد في يناير (كانون الثاني)، وقمعتها السلطات، ما أدى إلى مقتل آلاف المتظاهرين.

وقال مسؤول إيراني رفيع إن طهران تراهن على أن تدفع مخاطر التضخم إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى توخي الحذر قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني)، بينما ترى السلطات الإيرانية أن واشنطن تسعى إلى زيادة الضغوط الداخلية عليها.

لوحة دعائية في وسط طهران تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب داخل حاوية تموين الخميس (رويترز)

انهيار صادرات النفط

ويشكل تراجع مبيعات النفط أحد أبرز مؤشرات الضغوط الجديدة. وأظهرت بيانات شركة «كبلر» أن شحنات الخام الإيراني هبطت هذا الشهر إلى نحو 260 ألف برميل يومياً، مقارنة بنحو 1.7 مليون برميل يومياً قبل عام.

ولم تعد تغادر الموانئ الإيرانية سوى كميات محدودة، فيما تنقل شحنات أخرى بالشاحنات أو القطارات أو القوارب الصغيرة عبر بحر قزوين.

وقال أحد المصادر إن طهران لا تزال تملك عشرات الملايين من البراميل المخزنة على متن ناقلات خارج منطقة الحصار ويمكنها بيعها، لكن العقوبات الجديدة قد تدفع الوسطاء إلى الانسحاب أو المطالبة بعلاوات أكبر مقابل إتمام الصفقات.

وفي مؤشر آخر على انكماش النشاط التجاري، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن إجمالي حجم التجارة تراجع بما يتراوح بين 25 و35 في المائة، وإن الواردات تضررت بوتيرة أكبر من الصادرات.

وزادت الضغوط بعد إعلان الإمارات في 19 أغسطس (آب) تعليق جميع المبادلات التجارية والمعاملات المالية مع طهران حتى إشعار آخر، ما عطل إحدى القنوات الرئيسية التي اعتمدت عليها التجارة الإيرانية.

وقال تاجر إيراني يعمل في استيراد السلع إن بقاء هذه القنوات مغلقة يدفع الموردين إلى طلب الدفع نقداً، ويجبر التجار على تمرير الصفقات عبر دول أخرى، ما يؤخر وصول الشحنات ويرفع تكلفتها.

تضخم يضغط على المعيشة

وتنعكس الأزمة مباشرة على مستويات المعيشة. وتشير البيانات الرسمية إلى أن متوسط التضخم خلال الاثني عشر شهراً الماضية بلغ 69.9 في المائة، بينما ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات والتبغ بمعدل يقارب مثلي هذه النسبة.

وارتفع معدل البطالة الرسمي إلى 9.1 في المائة في الربيع، فيما انخفض عدد العاملين بنحو 450 ألف شخص مقارنة بالعام السابق، بالتزامن مع تراجع أوسع في معدل المشاركة في سوق العمل.

ولا يكفي متوسط الراتب الشهري، البالغ نحو 125 دولاراً، لتغطية الاحتياجات الأساسية لأسرة، التي تقدر بنحو 450 دولاراً شهرياً، وفق البيانات الرسمية.

وكان الاقتصاد الإيراني يعاني أصلاً من ضعف العملة وارتفاع التضخم قبل الحرب، قبل أن تضيف أشهر القصف أعباء إعادة بناء منشآت صناعية وبنية تحتية متضررة.

عارف يتوعد واشنطن

وفي موازاة اعتراف الحكومة بالضغوط الداخلية، قال النائب الأول للرئيس محمد رضا عارف إن الهجمات الأميركية الأخيرة غيرت حسابات طهران الأمنية وعقيدتها الدفاعية.

وكتب عارف على منصة «إكس» أن الرد الإيراني سيكون من الآن فصاعداً «غير متكافئ ومتعدد الطبقات ويسلب المعتدي أمنه».

كما وجه تحذيراً اقتصادياً إلى الولايات المتحدة قائلاً: «على الأميركيين التفكير في تخزين البنزين والوقود؛ أشهر سوداء تنتظر الاقتصاد الأميركي».

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ونائبه الأول محمد رضا عارف خلال حضورهما اجتماعاً أسبوعياً للحكومة (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)

وجاءت تصريحاته في وقت تواجه فيه إيران نفسها ضغوطاً في سوق الوقود، مع ظهور طوابير أمام محطات البنزين، خصوصاً للشاحنات، واستمرار النقاش الداخلي بشأن احتمال رفع أسعار الوقود.

وأثارت مواقف عارف انتقادات في بعض وسائل الإعلام الإيرانية، التي دعته إلى التركيز على التضخم واضطراب الأسواق وإدارة الملف الاقتصادي بدلاً من التحذير من تداعيات اقتصادية على الولايات المتحدة.

عقوبات وحصار

وصعّدت واشنطن خلال الأسابيع الأخيرة العقوبات الثانوية على المؤسسات والبنوك والشركات التي تتعامل مع إيران، بالتوازي مع الحصار المفروض على صادرات النفط، في محاولة لتقليص قدرة طهران على استخدام الدولار وتمويل وارداتها الحيوية.

وترى الإدارة الأميركية أن تشديد الضغط الاقتصادي قد ينتزع تنازلات لم تحققها ستة أشهر من القتال، بينما حذرت طهران من أنها قد تقابل الضغوط بمزيد من التصعيد العسكري.

ومع تقلص إيرادات النفط وصعوبة الوصول إلى العملات الأجنبية، تواجه الحكومة الإيرانية في الوقت نفسه كلفة تمويل الواردات، وتشغيل شبكات الالتفاف على العقوبات، وتمويل الإنفاق الداخلي، وإعادة بناء الأضرار التي خلفتها الحرب.