شبكة طرق استيطانية لتغيير جغرافيا الضفة الغربية

تشق إسرائيل يومياً شوارع جديدة لتوسيع الفصل مع الفلسطينيين

طريق النفق الذي يوصل القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)
طريق النفق الذي يوصل القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)
TT

شبكة طرق استيطانية لتغيير جغرافيا الضفة الغربية

طريق النفق الذي يوصل القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)
طريق النفق الذي يوصل القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)

مع دفع إسرائيل مشروعات استيطانية غير مسبوقة في الضفة الغربية، في محاولة لتحويل قلب الدولة الفلسطينية المرجوة إلى دولة للمستوطنين، بدأ يتشكَّل واقع جغرافي جديد يقوم على شقِّ وبناء وتعبيد شبكة طرق استيطانية خاصة في الضفة؛ لاستخدام المستوطنين حصراً.

وقال «المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان»، في تقرير رسمي، السبت، إنَّ حكومة الاحتلال تعتمد شبكة طرق استيطانية أداةً فعالةً لإعادة تشكيل جغرافيا الضفة الغربية، وتكريس السيطرة على الأرض الفلسطينية.

أضاف: «هذه الطرق تُستخدم لربط المستوطنات والبؤر الاستيطانية وما تُسمى (المزارع الرعوية) بعضها بعضاً، في الوقت الذي تؤدي فيه إلى عزل التجمعات الفلسطينية وتحويلها إلى معازل منفصلة».

مستوطنة صانور قرب جنين بالضفة الغربية المحتلة في 9 مايو الماضي (رويترز)

ومنذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 دفعت إسرائيل بمشروعات استيطانية إضافية ضخمة في الضفة، وأطلقت يد المستوطنين للسيطرة على الجبال والتلال ومهاجمة الفلسطينيين، في حين نصبت مزيداً من الحواجز والبوابات التي وصل عددها إلى نحو 900 حاجز وبوابة، وراحت تُغيِّر معالم الطرق وتشق طرقاً فوق الأرض وتحت الأرض وتوجه الفلسطينيين إلى طرق بديلة.

ويعيش اليوم في الضفة الغربية 900 ألف مستوطن، مُوزَّعون على مستوطنات تجثم على 3 في المائة من مساحة الضفة، ويُخصَّص لها ما نسبته 40 في المائة من مجمل أراضي الضفة الغربية، بصفتها مناطق محمية، ومن أجل مشروعات البنية التحتية المرتبطة بها، مثل الجدار العنصري العازل، والحواجز، والقواعد العسكرية، والطرق الالتفافية الاستيطانية.

ويحظى المستوطنون بشوارع خاصة، يُمنَع على الفلسطينيين السير فيها، وأخرى مشتركة.

صورة من الجو لمستوطنة صانور قرب جنين بالضفة الغربية المحتلة في 9 مايو الماضي (د.ب.أ)

وتقول منظمة «بيتسيلم» إن الشوارع التي يحظر فيها تنقل الفلسطينيين هي «مكون إضافي في منظومة القيود».

وتشق إسرائيل يومياً شوارع جديدة في الضفة، في محاولة لتوسيع الفصل بين شوارع المستوطنين والفلسطينيين.

واتهم تقرير «المكتب الوطني» سلطات الاحتلال بتخصيص ميزانيات ضخمة لشق مئات الكيلومترات من الطرق الالتفافية والأمنية والفرعية المخصصة للمستعمرين؛ ما يؤدي إلى التهام مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية، والاستيلاء على أراضٍ إضافية بمحاذاة هذه الطرق، لإقامة ما وصفها بـ«مناطق أمنية عازلة»، في سياق سياسة الفصل، وتقطيع الأوصال، وعزل الفلسطينيين، وكحواجز جغرافية تمنع توسّع القرى والمدن الفلسطينية.

وأوضح التقرير أن «شبكة الطرق الاستعمارية تحاصر التَّجمُّعات الفلسطينية، وتجبر المواطنين على استخدام طرق فرعية وطويلة، في حين تتيح للمستعمرين حرية التنقل بسرعة وسهولة».

مستوطنة صانور قرب جنين في الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (رويترز)

وأضاف: «هذه الشبكة تُمثِّل جزءاً من (عسكرة) المكان وتنظيم حركة المستعمرين بوصفها أولوية أمنية واستعمارية، إذ صُمِّمت لتجاوز مراكز التَّجمُّعات الفلسطينية ذات الكثافة السكانية العالية، وتوفير حركة آمنة وسريعة للمستعمرين بين المستعمرات والمدن الإسرائيلية».

وبحسب التقرير فإنَّ هذه الطرق تحظى ببنية تحتية متطوِّرة تشمل الإنارة وأنظمة الحراسة، في وقت تفتقر فيه غالبية شبكات الطرق الفلسطينية إلى مثل هذه الخدمات والتجهيزات.

وكانت الحكومة الإسرائيلية خصَّصت مبالغ طائلة لشق مئات الكيلومترات من الطرق الالتفافية الاستيطانية، في الضفة، بينها شبكة طرق شمال الضفة الغربية، وشبكة في وسط الضفة الغربية وأخرى في الجنوب.

صورة أرشيفية لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يتحدَّث حول توسيع المستوطنات في الضفة الغربية (أرشيفية - رويترز)

وقال التقرير إنَّ الحصيلة الإجمالية كانت 223 كيلومتراً من الشوارع والطرق الجديدة التي شُقَّت بالكامل لخدمة المستوطنات بهدف عزل كامل لجنوب الضفة الغربية عن وسطها وشمالها بأوامر عسكرية بلغت في العامين الأخيرين نحو 40 أمراً عسكرياً، تحت مسمى «طرق أمنية ومناطق عازلة» استولت من خلالها على آلاف الدونمات.

وشمل ذلك طرقاً مخصَّصة لخدمة المستوطنات والبؤر والمزارع الرعوية.

وبحسب أحدث تقارير حركة «السلام الآن»، أقام المستعمرون خلال عام 2025 وحدها ما يزيد على 60 بؤرة رعوية جديدة، رافقها شقُّ مئات الكيلومترات من الطرق الرابطة بتسهيل ودعم مالي رسمي من حكومة الاحتلال.

كما تمَّ رصد شبكة ممرات ترابية وأمنية جديدة تصل بين المستوطنات الكبرى وهذه البؤر.

ولا تزال إسرائيل تدفع لبناء مزيد من المستوطنات.

وأعلن وزير المالية الإسرائيلي المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، الأربعاء الماضي، أنَّ المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) وافق على مقترح له بإقامة مستوطنة جديدة بالقرب من مستوطنة صانور شمال الضفة الغربية.

جندي إسرائيلي في نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)

وقال سموتريتش إنَّ هذه المستوطنة التي تحمل الرقم 104 - في إشارة إلى عدد المستوطنات التي أنشأتها أو وافقت عليها الحكومة الحالية - جزء من «ثورة تاريخية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) ستمنع إقامة دولة إرهابية في قلب إسرائيل».

وأضاف متباهياً: «104 مستوطنات وأكثر من 160 مزرعة (بؤرة رعوية) ستُشكِّل جدار حماية (درعاً واقية) لرعنانا، وتل أبيب، وجفعاتيم، والقدس، ولدولة إسرائيل بأكملها».

وجاء إعلان سموتريتش عن المستوطنة الجديدة التي يخطط لها أن تتصل بصانور التي أُعيد بناؤها بعد إخلائها في أثناء خطة فك الارتباط عام 2005، بعد يوم على إعلان الحكومة الإسرائيلية أنَّها وافقت على رزمة مشروعات استيطانية في الضفة في إشارة إلى الحزمة التي شملت بناء 34 مستوطنة جديدة، في كل مناطق الضفة، وتمَّ الكشف عنها في وقت سابق.

وأكد سموتريتش أنَّ حكومته وافقت على ميزانية قدرها 1.3 مليار شيقل (434 ​مليون دولار) لإنشاء 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية.

وقالت وسائل إعلام إسرائيلية إن المستوطنات الجديدة ستغيِّر خريطة الاستيطان في الضفة.

قلق أوروبي

وتعارض غالبية دول العالم السياسة الاستيطانية في الضفة، وقد أبدى الاتحاد الأوروبي قلقاً عميقاً إزاء توجهات الحكومة الإسرائيلية الحالية لتخصيص اعتمادات مالية ضخمة وغير مسبوقة لدعم التَّوسُّع الاستيطاني في قلب الضفة الغربية.

آليات إسرائيلية تجرف الأرض تمهيداً لبناء مستوطنات قرب جنين بالضفة الغربية المحتلة في 23 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)

وأوضح الاتحاد، في بيان رسمي، أنَّ هذه الخطوات ستؤدي حتماً إلى ترسيخ الوجود الاستيطاني في مناطق توصف بأنَّها حساسة للغاية من الناحية الجيوسياسية، مما يهدِّد أي فرص مستقبلية للسلام.

كما أعلن الاتحاد الأوروبي رفضه القاطع لقرار تحويل مستعمرة «جفعات زئيف»، المقامة على أراضٍ فلسطينية شمال غربي القدس، إلى بلدية إسرائيلية رسمية.

وجدَّد الاتحاد تأكيده على عدم الاعتراف بأي سيادة إسرائيلية على الأراضي التي احتُلت عام 1967، مشدداً على أنَّ هذه الإجراءات تخالف قرارات مجلس الأمن الدولي والقانون الدولي.


مقالات ذات صلة

اجتماع المانحين يقر دعماً بنحو مليار دولار لغزة والموازنة الفلسطينية

المشرق العربي صورة جماعية بعد حفل توقيع في اجتماع مجموعة المانحين للشعب الفلسطيني بمقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم 13 يوليو 2026 (أ.ب)

اجتماع المانحين يقر دعماً بنحو مليار دولار لغزة والموازنة الفلسطينية

أسفر اجتماع المانحين في بروكسل عن تعهدات تقارب مليار دولار لدعم غزة والموازنة الفلسطينية، مع تأكيد دعم الحكومة الفلسطينية والدعوة إلى وقف الحرب.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جرافة إسرائيلية تجهز طريقاً في مستوطنة صانور بالقرب من مدينة جنين بالضفة الغربية فبراير الماضي (إ.ب.أ) p-circle

إسرائيل تدفع بأكبر «سلسلة استيطانية» في الضفة الغربية المحتلة

أظهرت المواقع المختارة لبناء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية خطة إسرائيلية لتحويل المستوطنات القائمة والجديدة إلى أحزمة استيطانية متصلة، بهدف توسيعها.

كفاح زبون (رام الله)
خاص القيادي في حركة «فتح» مروان البرغوثي أمام محكمة في القدس (أ.ب - أرشيفية) p-circle

خاص نجل مروان البرغوثي لـ«الشرق الأوسط»: أصابوا والدي بالرصاص ولم يعالجوه... والتحريض متواصل

أكد عرب البرغوثي، نجل القيادي الفلسطيني البارز مروان البرغوثي (67 عاماً)، أن سجاناً إسرائيلياً أطلق رصاصة مطاطية على والده في حادثة وقعت الأسبوع الماضي.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

سموتريتش يتراجع ويمدد العلاقة مع البنوك الفلسطينية

أخذت الحكومة الإسرائيلية المصغرة قراراً بتمديد العلاقة مع البنوك الفلسطينية في اقتراح مثير قدمه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ويمثل تراجعاً عن دعواته السابقة.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي أحد عناصر القوات الإسرائيلية يتحدث إلى فلسطيني بينما يصوب سلاحاً باتجاهه في قرية المغير قرب رام الله (رويترز)

قوات إسرائيلية تقتل فلسطينياً حاول دخول القدس عبر «الجدار الفاصل»

قتلت القوات الإسرائيلية فلسطينياً خلال محاولته دخول القدس عن طريق تسلق الجدار الفاصل بين إسرائيل والضفة الغربية...

«الشرق الأوسط» (رام الله)

عون في واشنطن سعياً لتثبيت الاستقرار والأمن في لبنان

الرئيس اللبناني جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
TT

عون في واشنطن سعياً لتثبيت الاستقرار والأمن في لبنان

الرئيس اللبناني جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

غادر رئيس الجمهورية جوزيف عون، السبت، إلى واشنطن في زيارة رسمية هي الأولى لرئيس لبناني إلى الولايات المتحدة منذ عام 2009، تلبية لدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في محطة دبلوماسية يراهن عليها لبنان لدفع مسار تنفيذ «اتفاق الإطار» مع إسرائيل، وتثبيت وقف إطلاق النار، وتأمين انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي لا تزال تحتلها في جنوب البلاد.

وأعلنت الرئاسة اللبنانية، صباح السبت، في بيان لها، أن الرئيس عون واللبنانية الأولى السيدة نعمت عون، غادرا إلى واشنطن تلبية لدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولفتت إلى أنه «ستعقد قمة لبنانية - أميركية في البيت الأبيض، كما سيجري الرئيس عون لقاءات ومشاورات مع عدد من المسؤولين الأميركيين تتناول الوضع في لبنان والسبل الآيلة إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة الأمن والاستقرار إلى لبنان عموماً، والجنوب خصوصاً، وانسحاب إسرائيل من المناطق اللبنانية التي تحتلها، وبسط سلطة الدولة على كافة المناطق».

ومن المقرر أن يعقد عون قمة مع ترمب في البيت الأبيض، الثلاثاء، على أن يلتقي قبيلها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إضافة إلى عدد من كبار المسؤولين الأميركيين.

وتكتسب الزيارة أهمية خاصة بعدما دخل لبنان وإسرائيل، للمرة الأولى منذ عقود، في مفاوضات مباشرة برعاية أميركية أفضت في السادس والعشرين من يونيو (حزيران) إلى «اتفاق الإطار»، الذي ينص على تنفيذ مراحل متبادلة تشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً، وانتشار الجيش اللبناني في مناطق جنوبية، والشروع في تطبيق ما يعرف بـ«المناطق التجريبية». وخلال الجولة الأخيرة من المفاوضات في روما، اتفق الطرفان على استكمال الهيكلية التنفيذية لهذه المناطق والبدء بتطبيقها خلال أيام، في محاولة لاختبار آلية تنفيذ الاتفاق قبل توسيعها.

مبنى السفارة الأميركية في روما حيث عُقدت الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية الأربعاء الماضي (أ.ب)

إلا أن هذا المسار لا يزال يصطدم بعقبات ميدانية وسياسية، لا سيما أن إسرائيل تربط انسحابها الكامل بضمان نزع سلاح «حزب الله»، فيما لا يتضمن الاتفاق جدولاً زمنياً واضحاً للانسحاب، الأمر الذي يثير شكوكاً داخل لبنان بشأن إمكان التزام تل أبيب بتعهداتها.

«حزب الله» و«حركة أمل» يهاجمان «اتفاق الإطار»

وفي مقابل الحراك الرسمي والتعويل على جهود الدولة اللبنانية لإنهاء الحرب على لبنان، واصل «حزب الله» وحركة «أمل» تصعيدهما السياسي ضد «اتفاق الإطار». وخلال وقفة احتجاجية في مدينة صور تحت شعار «نقاوم ولا نساوم»، اعتبر الطرفان أن الاتفاق يمنح إسرائيل مكاسب سياسية وأمنية، ويكرس استمرار احتلالها لأجزاء من الجنوب، محملين السلطة اللبنانية مسؤولية السير في مسار تفاوضي «يخدم الأهداف الإسرائيلية»، بحسب تعبيرهما.

مشيعون يحملون نعش مقاتل من «حزب الله» قُتل في الحرب مع إسرائيل وذلك خلال جنازة جماعية في قرية مجدل سلم بجنوب لبنان في 18 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وقال عضو كتلة «حزب الله» النائب حسن عز الدين إن الاتفاق «يغطي جرائم العدو ويستدعي الاحتلال للبقاء»، معتبراً أنه يستبدل بالانسحاب الإسرائيلي مفهوم «إعادة الانتشار»، ويربط ذلك بنزع سلاح المقاومة، ومتهماً السلطة اللبنانية بتقديم «تنازلات مجانية»، والسير في خيارات تحقق أهداف إسرائيل والولايات المتحدة. وجدد التأكيد أن الحزب يرفض أي مسار يؤدي إلى التخلي عن سلاحه أو التفاوض المباشر مع إسرائيل.

بدوره، أعلن النائب علي خريس رفض حركة «أمل» المطلق للاتفاق، ولأي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، مؤكداً أن المطلوب هو انسحاب إسرائيلي كامل وغير مشروط من الأراضي اللبنانية، لا القبول بما يسمى «المناطق التجريبية». كما دعا الدولة إلى عدم الذهاب نحو «خيارات خاسرة»، معتبراً أن إسرائيل لا تلتزم بأي اتفاق، وأن خيار المقاومة والوحدة الوطنية يبقى، وفق تعبيره، الضمانة الأساسية في مواجهة إسرائيل.


إسرائيل تُسابق الوقت بين تنفيذ الاتفاق وتكريس أمر واقع «تدميري» في جنوب لبنان

جنود من الجيش اللبناني يتفقدون موقع انفجار في منطقة المنصوري بجنوب لبنان حيث قتل عسكري وجرح اثنان آخران (أ.ف.ب)
جنود من الجيش اللبناني يتفقدون موقع انفجار في منطقة المنصوري بجنوب لبنان حيث قتل عسكري وجرح اثنان آخران (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تُسابق الوقت بين تنفيذ الاتفاق وتكريس أمر واقع «تدميري» في جنوب لبنان

جنود من الجيش اللبناني يتفقدون موقع انفجار في منطقة المنصوري بجنوب لبنان حيث قتل عسكري وجرح اثنان آخران (أ.ف.ب)
جنود من الجيش اللبناني يتفقدون موقع انفجار في منطقة المنصوري بجنوب لبنان حيث قتل عسكري وجرح اثنان آخران (أ.ف.ب)

في وقت لا يزال تنفيذ «اتفاق الإطار» الخاص بجنوب لبنان يراوح مكانه، وسط تأجيل إطلاق «المناطق التجريبية» التي كان يُفترض أن تُشكل أولى خطوات التطبيق العملي، تبدو إسرائيل كأنها تُسابق الوقت لفرض وقائع ميدانية جديدة قبل الانتقال إلى أي مرحلة عملية، بحيث إنه لا تزال الآليات التنفيذية عالقة بين التعقيدات الأمنية والسياسية، فيما تواصل إسرائيل عمليات الهدم والتجريف بوتيرة متصاعدة، في محاولة منها لاستثمار عامل الوقت وتغيير معالم المنطقة، وفرض أمر واقع بما يمنحها أوراق قوة إضافية في أي مرحلة لاحقة من تنفيذ الاتفاق.

وأعادت الولايات المتحدة تحريك الجمود، عبر اتصالات منفصلة أجرتها القيادة المركزية الأميركية مع لبنان وإسرائيل، فيما أفادت «هيئة البث الإسرائيلية» بأنّ الجيش الإسرائيلي سينسحب من بلدتي زوطر الشرقية والغربية فقط بناءً على تفاهمات مع لبنان. وأشارت إلى أنّ «إسرائيل طالبت بأن تتولّى واشنطن التحقق من خلو المناطق التجريبية من بنى عسكرية لـ(حزب الله)». وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن الجيش الإسرائيلي يستعد لتسليم المنطقة التجريبية الثانية، التي لا تزال قواته منتشرة فيها. وتوقعت أن يعلن الجانب الأميركي رسمياً، الأحد، انطلاق المرحلة التجريبية، وذلك قبل اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس اللبناني جوزيف عون، الأربعاء.

مقتل عسكري بانفجار جسم مشبوه

وفي موازاة التصعيد الميداني، برز تطور أمني، الجمعة، مع إعلان قيادة الجيش اللبناني مقتل أحد العسكريين وإصابة ضابط وعسكري بجروح، إثر انفجار جسم مشبوه بآلية عسكرية في بلدة المنصوري - قضاء صور، مؤكدة أن التحقيقات مستمرة لكشف ملابسات الحادثة. ويُعيد هذا التطور تسليط الضوء على المخاطر التي تواجهها الوحدات العسكرية في أثناء تنفيذ مهماتها في المناطق الجنوبية، في ظل انتشار الذخائر والأجسام غير المنفجرة التي خلفتها الحرب.

وأتى ذلك في وقت كانت فيه بلدة المنصوري هدفاً للقوات الإسرائيلية التي أطلقت عدداً من الصواريخ الموجهة من الجو باتجاه أحياء بلدة المنصوري المتاخمة لمزرعة بيوت السياد، حسب «الوطنية»، مشيرة كذلك إلى غارة استهدفت أحد أحياء البلدة.

يتفقد جنود من الجيش اللبناني موقع انفجار استهدف مركبتهم في منطقة المنصوري بجنوب لبنان بالقرب من مدينة صور في 18 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

التدمير يتجاوز الأبنية إلى محو مقومات الحياة

ومنذ سريان وقف الأعمال القتالية، لم تتوقف عمليات النسف والتدمير التي طالت بلدات الحافة الأمامية، بل توسعت لتشمل أحياء سكنية ومرافق عامة وبنى تحتية، مما أدّى إلى تحويل قرى بأكملها إلى مساحات من الركام. ومع كل تأخير في تنفيذ الاتفاق، تتزايد المخاوف من أن تكون هذه العمليات جزءاً من سياسة تهدف إلى خلق واقع جديد على الأرض، يجعل عودة السكان وإعادة الإعمار أكثر صعوبة وتعقيداً.

وشهدت مدينة بنت جبيل خلال اليومَين الماضيَين تصعيداً لافتاً؛ إذ أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن القوات الإسرائيلية أقدمت، الجمعة، على نسف عدد من المنازل في المدينة، قبل أن يُسمع انفجار ضخم تبيّن أنه ناتج عن تدمير مباني مدارس المهدي في منطقة صف الهوا.

وعمد الجيش الإسرائيلي، الجمعة، أيضاً على تنفيذ تفجير ضخم في المنطقة الواقعة بين بلدة حداثا وأطراف عيتا الجبل، بالتزامن مع عمليات تمشيط في بيوت السياد والناقورة. كما وردت تقارير عن تفجير مقر لـ«الصليب الأحمر اللبناني» في بلدة بنت جبيل بالجرافات.

وكانت بلدة زوطر الغربية قد شهدت في وقت سابق تفجيراً إسرائيلياً ضخماً، في إطار استمرار العمليات العسكرية التي تنفذها القوات الإسرائيلية في عدد من قرى الجنوب.

ولم يقتصر التدمير على الأبنية السكنية والمنشآت، بل امتد إلى مقومات الحياة نفسها. فقد أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن القوات الإسرائيلية عمدت، السبت، إلى قطع جميع الأشجار المغروسة على جوانب الطرق في مدينة بنت جبيل.

نعوش عناصر «حزب الله» الذين قُتلوا خلال اشتباكات مع الجيش الإسرائيلي إلى جانب نعش رمزي للمرشد الأعلى السابق علي خامنئي وذلك خلال جنازة جماعية في قرية مجدل سلم بجنوب لبنان في 18 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وفي هذا الإطار، يرى الخبير العسكري العميد المتقاعد حسن جوني أن إسرائيل تتعمد من خلال كل ما تقوم به هذه الفترة، «الإبقاء على الوضع الميداني في جنوب لبنان على ما هو عليه، انطلاقاً من اعتبارها أن المواجهة مع (حزب الله) لم تنتهِ، وإن كانت تجري بوتيرة أقل من السابق».

ويوضح جوني أن «استمرار عمليات التدمير والتفجير والتوغلات والاستهدافات يندرج في إطار سعي الجيش الإسرائيلي إلى تكريس هذا الواقع، وفرض تفسيره الخاص لـ(اتفاق الإطار)، بما يسمح له بمواصلة عملياته العسكرية من دون أن يعدّ ذلك خرقاً للاتفاق».

ويرى جوني «أن إسرائيل تروّج لمفهوم مفاده أن الاتفاق يُجيز لها البقاء في الأراضي اللبنانية إلى حين (إزالة التهديد)، وهو ما تفسره بأنه استمرار وجود (حزب الله) وسلاحه، ومن ثم تُحاول تكريس معادلة تعدّ فيها أن التهديد الذي يواجهه الجيش الإسرائيلي يتقاطع مع ما يفترض أنه تحدٍّ أمام الدولة اللبنانية أيضاً»، لافتاً إلى أن «هذا التوجه يُفسّر استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، ويتلاقى مع المواقف المعلنة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، اللذَين يكرران رفض الانسحاب من جنوب لبنان قبل تحقيق هذا الهدف، بما يعكس محاولة إسرائيل فرض وقائع سياسية وميدانية جديدة تتجاوز نصوص الاتفاق المعلنة».

عائلة لبنانية تجلس أمام منزلها الذي دمّرته غارة إسرائيلية في بلدة فرون بجنوب لبنان (أ.ب)


هجمات منسوبة لإيران توقف رحلات كردستان العراق

اعتراض طائرة مسيّرة في سماء أربيل بالعراق في 15 يوليو 2026 في لقطة مأخوذة من فيديو على وسائل التواصل (رويترز)
اعتراض طائرة مسيّرة في سماء أربيل بالعراق في 15 يوليو 2026 في لقطة مأخوذة من فيديو على وسائل التواصل (رويترز)
TT

هجمات منسوبة لإيران توقف رحلات كردستان العراق

اعتراض طائرة مسيّرة في سماء أربيل بالعراق في 15 يوليو 2026 في لقطة مأخوذة من فيديو على وسائل التواصل (رويترز)
اعتراض طائرة مسيّرة في سماء أربيل بالعراق في 15 يوليو 2026 في لقطة مأخوذة من فيديو على وسائل التواصل (رويترز)

عاودت إيران وحلفاؤها من الفصائل المسلحة العراقية، بحسب مصادر كردية، قصف مناطق عديدة في إقليم كردستان بذريعة ضرب أهداف وأصول أميركية، إلى جانب جماعات كردية معارضة، بالتزامن مع تجدد التصعيد العسكري مع الولايات المتحدة.

ورفعت الهجمات الجديدة من منسوب المخاوف الأمنية في الإقليم، ما دفع السلطات الرسمية هناك إلى تعليق الرحلات الجوية في مطاري أربيل والسليمانية.

وتتزامن الهجمات مع زيارة قام بها رئيس الوزراء علي الزيدي إلى الولايات المتحدة الأميركية وسط امتعاض شخصيات إيرانية وعراقية حليفة من مخرجاتها.

هجوم في السليمانية

واستهدف هجوم بصاروخ وطائرة مسيّرة، ليل الجمعة – السبت، مدينة السليمانية بإقليم كردستان شمالي العراق ما أسفر عن اندلاع حريق بأحد المواقع.

وقالت مصادر طبية إن الهجوم أسفر عن إصابة عدد من المدنيين، بينما شاهد عدد من الأهالي سيارات الإسعاف وهي تهرع ليلاً إلى موقع الاستهداف.

واستهدف الهجوم حياً سكنياً في بلدة تاسلوجة، وفق مصادر محلية، إلا أن منصات تابعة لفصائل عراقية حليفة لإيران بثت مقاطع فيديو للهجوم، مدعية أنه استهدف مخزن ذخيرة.

من الصعب التحقق من هذه المقاطع المرئية عبر مصادر مستقلة، لكن صحافيين من المدينة رجحوا أن تكون الصور المتداولة لضربات استهدفت مقار أحزاب معارضة في «قره داغ» و«سوران».

وقدم المتحدث باسم مديرية الدفاع المدني في السليمانية آرام علي رواية أخرى، حين تحدث، السبت، عن أن سحابة الدخان الأسود في تاسلوجة تعود إلى اندلاع حريق في صهريج محمّل بالوقود.

انفجار في السماء ناتج عن اعتراض طائرة مسيّرة في أربيل في لقطة مأخوذة من فيديو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي في 15 يوليو 2026

«مخزن سلاح»

من جهته، أبلغ مصدر أمني كردي «الشرق الأوسط» أن «الهجوم استهدف مخزناً لسلاح قوات البيشمركة لإقليم كردستان في تاسلوجة، وأسفر عن مقتل ما لا يقل عن 6 عناصر من البيشمركة»، نافياً مزاعم إيران وحلفائها عن وجود قوات أميركية في مقر القوات.

كما ذكر المصدر أن «أحد مواقع المعارضة الإيرانية في منطقة سوران قد تعرض لقصف السبت، من دون معرفة حجم الخسائر».

وفي وقت سابق، الجمعة، قال مسؤول في جماعة كردية إيرانية معارضة إن تسعة أشخاص على الأقل قُتلوا وأصيب آخرون، في هجوم صاروخي يُشتبه بأن إيران نفذته ضد الجماعة في محافظة السليمانية بإقليم كردستان العراق.

وتشن إيران هجمات على معسكرات الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة للحكومة في طهران بمدينتي أربيل والسليمانية، منذ سنوات، لكن زخم الهجمات تصاعد في الأشهر الأخيرة، لكن لم تظهر حصيلة مستقلة تؤكد رقماً نهائياً لعدد الهجمات.

وأدان رئيس الجمهورية نزار آميدي، السبت، استهداف مدن الإقليم، وقال في تدوينة على «إكس»، إن العراق يرفض «الاعتداءات التي استهدفت مدينتي أربيل والسليمانية، تحت أي ذريعة، تمثل انتهاكاً مرفوضاً لسيادة العراق، وتهدد أمن مواطنيه واستقراره».

وشدد آميدي على رفض أن يكون «العراق ساحة للصراعات أو ميداناً لتصفية الحسابات الإقليمية، ويجدد تمسكه بعلاقات تقوم على الاحترام المتبادل وحسن الجوار، بما يصون سيادة الدول ويجنب شعوب المنطقة مزيداً من التصعيد وعدم الاستقرار».

كما أدانت رئاسة إقليم كردستان هي الأخرى الهجمات، معتبرة أنها «تهدد استقرار البلاد وتعرقل جهود السلام في المنطقة». كما أدانت دولة خليجية الهجمات على إقليم كردستان.

إلى ذلك، أفادت مصادر كردية، السبت، بإلغاء جميع الرحلات الجوية المقررة عبر مطاري أربيل الدولي والسليمانية، وذلك وفق جداول الرحلات الخاصة بالمطارين.

وجاء على خلفية الهجمات التي استهدفت مدينتي أربيل والسليمانية خلال الليلة الماضية، مشيراً إلى أن حركة الملاحة الجوية تأثرت بالإجراءات الأمنية التي أعقبت تلك الهجمات.

وأوقفت إدارة مطار السليمانية رحلتين كانتا مقررتين صباح السبت؛ الأولى إلى إسطنبول والثانية إلى عمّان، قبل أن تعلن أن الرحلات المجدولة لنفس اليوم قد استؤنفت لاحقاً، وتواصلت حركة الطيران في المطار بشكل اعتيادي.

قلعة أربيل في إقليم كردستان العراق (متداولة)

904 اعتداءات

طبقاً لإحصائية قدمتها «شبكة رووداو» الكردية، فإن إقليم كردستان تعرض للقصف بـ904 طائرات مسيرة وصواريخ، منذ الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي وحتى الجمعة الماضي.

وتشير الإحصائية إلى أن الهجمات أسفرت عن مقتل 29 شخصاً وإصابة 138 آخرين، فضلاً عن الخسائر المادية التي لحقت بالمباني والممتلكات الخاصة والرسمية.

وتوزعت الهجمات بواقع 617 هجوماً على محافظة أربيل عاصمة الإقليم وفيها قاعدة «حرير» التي توجد فيها قوات أميركية، وشن 254 هجوماً على محافظة السليمانية وعلى محافظة دهوك 31 هجوماً.

ووفقاً للإحصائية، فإن حصيلة الـ29 شخصاً الذين قُتلوا في الهجمات توزعت على 7 من قوات البيشمركة في قيادة المنطقة الأولى في ناحية خليفان بمحافظة أربيل، وموظف في جهاز الأسايش (الأمن) في مطار أربيل الدولي، وزوج وزوجة استُشهدا في منزلهما، و17 من مقاتلي البيشمركة من ثلاثة أحزاب من كردستان إيران (روجهلات)، وابن أحد مقاتلي بيشمركة كردستان إيران، بالإضافة إلى جندي فرنسي في أربيل.