إثيوبيا أمام اختبار «الحوار الوطني»... بعد اجتياز تحدّي الانتخابات

وسط خلافات جذرية مع إقليمي الأمهرة والتيغراي

الرئيس الأثيوبي آبي احمد يلقي كلمته (وكالة الأنباء الأثيوبية)
الرئيس الأثيوبي آبي احمد يلقي كلمته (وكالة الأنباء الأثيوبية)
TT

إثيوبيا أمام اختبار «الحوار الوطني»... بعد اجتياز تحدّي الانتخابات

الرئيس الأثيوبي آبي احمد يلقي كلمته (وكالة الأنباء الأثيوبية)
الرئيس الأثيوبي آبي احمد يلقي كلمته (وكالة الأنباء الأثيوبية)

بعد «ماراثون» انتخابي في إثيوبيا، خلال يونيو (حزيران) الماضي، عزّز استمرار «حزب الازدهار» الحاكم بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد، شهدت العاصمة أديس أبابا انطلاقة «حوار وطني» غير مسبوق منذ تأسيس الفيدرالية عام 1991 لإنهاء «مظالم تاريخية بالبلاد». هذا الحوار، الذي يواجه تحدّيات أبرزها غياب مناهضي آبي أحمد، لا سيما من قادة إقليم تيغراي، يُعدّ وفق خبراء ومحللين حاورتهم «الشرق الأوسط»، بمثابة اختبار جدّي للدولة الإثيوبية ورئيس الوزراء لجهة دعم استقرار البلاد، وذلك في أعقاب انتزاع الحزب الحاكم الغالبية الكاسحة بالبرلمان التي عزّزت وضعه إثر انتخابات الشهر الماضي.

افتتح آبي أحمد مؤتمر «الحوار الوطني» منتصف يوليو (تموز) الحالي بالعاصمة أديس أبابا، وهو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها «لجنة وطنية» مكوّنة من 11 مفوّضاً، كانت قد دشنت في فبراير (شباط) 2022، بهدف «معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خصوصاً في إقليمي أمهرة وتيغراي».

المحلّل الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد يرى أن الانتخابات العامة السابقة في إثيوبيا، بحجم ونوعية المشاركة المجتمعية، كانت بمثابة استفتاء ودعم لحكومة «حزب الازدهار»، والسياسات التي ينتهجها والبرامج التي تبنّاها، ونجحت إثيوبيا في تجاوز تحدياتها ومخاوفها.

ويضيف أن «الحوار الوطني»، الذي تم الإعداد والتهيئة له بشكل منظم، يمثّل قطاعاً عريضاً ومناطق مختلفة، ويعبّر عن معظم شرائح المجتمع الإثيوبي في الداخل ودول المهجر.

كذلك، يشير علي محمود كلني، الخبير في شؤون القرن الأفريقي، إلى أن إثيوبيا أطلقت أعمال «الحوار الوطني» باعتباره محطة مفصلية في مسار بناء الدولة ومعالجة الأزمات الداخلية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وبحسب كلني، «يحمل التوقيت أهمية خاصة» بعد نحو شهر من إعلان الحكومة تحقيقها فوزاً كاسحاً في الانتخابات، وفق الأرقام الرسمية. وهو أمر ترى فيه أديس أبابا «تفويضاً شعبياً يمكّنها من إطلاق مرحلة جديدة عنوانها التوافق الوطني». بيد أن نجاح الانتخابات لا يعني بالضرورة نجاح الحوار؛ «إذ يواجه هذا المسار تحديات سياسية وأمنية معقدة، أبرزها استمرار الانقسامات الداخلية، وغياب قوى معارضة رئيسية، والتشكيك في قدرة المؤتمر على إنتاج تسوية شاملة»، وفق كلني.

مسار «الحوار الوطني»

وفق المعلومات التي نشرتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» الرسمية، ونقلتها عن اللجنة المعنية بتسييره، حُدّد موعد انطلاق منتدى «الحوار الوطني» في مركز أديس أبابا الدولي للمؤتمرات منتصف يوليو الحالي ويستمر 3 أسابيع، وتعدّه أديس أبابا «محطة مفصلية في مسار الحوار الوطني الذي انطلق عام 2021».

وبحسب بيانات اللجنة، جُمعت أجندات الحوار من 1,234 دائرة إدارية، وهو ما يمثل نحو 93 في المائة من إجمالي الدوائر الإدارية في إثيوبيا، بما يشمل مختلف الأقاليم الفيدرالية والإدارتين الحضريتين في البلاد (أديس أبابا ودير داوا).

بنود ومحاور

تشمل محاور «المنتدى» 8 بنود رئيسية، حسبما أعلن رئيس لجنة «الحوار الوطني» الإثيوبية، مسفين أرايا، في مؤتمرين صحافيين يوم 24 يونيو (حزيران) الماضي و6 يوليو الحالي، وهي:

- «بناء الدولة» ويشمل القضايا المتعلقة بالهوية الوطنية، والروايات التاريخية، والتماسك الاجتماعي، ومستقبل الدولة الإثيوبية.

- «هيكل ونظام الحكم»، ويتناول النظام الفيدرالي، وآليات تقاسم السلطة، والحكم الدستوري، والأطر المؤسسية المنظمة لإدارة الدولة.

- «وضع المدن الفيدرالية»، ويركّز على مناقشة إدارة و«حوكمة» ودور مدينتي أديس أبابا ودير داوا في المنظومة الوطنية.

- «الشؤون الدينية»، ويهدف إلى تعزيز التعايش والوئام بين أتباع الأديان المختلفة، وتطوير العلاقات بين الدولة والمؤسسات الدينية، وضمان المساواة والاحترام المتبادل بين المكونات الدينية.

- «بناء المؤسسات وسيادة القانون وحقوق الإنسان»، ويتناول تعزيز كفاءة المؤسسات العامة، واستقلال السلطة القضائية، وترسيخ مبادئ الدستورية، وحماية الحقوق والحريات الأساسية.

- «القضايا الاجتماعية والاقتصادية وشؤون المزارعين والرعاة»، ويركز على التنمية الاقتصادية، وتحقيق النمو العادل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، والاستجابة للتحديات التي تواجه المجتمعات الزراعية والرعوية.

- «مكافحة الفساد والحكم الرشيد»، ويبحث السبل الكفيلة بتعزيز الشفافية والمساءلة ورفع مستوى الثقة العامة في مؤسسات الدولة.

- وأيضاً «بناء السلام»، ويتناول دعم جهود المصالحة الوطنية، وتسوية النزاعات، وإرساء آليات مستدامة للسلام بما يضمن الاستقرار طويل الأمد.

ولقد تم اعتماد هذه المحاور، بحسب رئيس اللجنة، بعد مشاورات موسعة نُفذت في أكثر من 1200 دائرة إدارية بمختلف أنحاء البلاد منذ انطلاق عمل اللجنة عام 2021. وشاركت في المشاورات الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والقيادات الدينية والشخصيات التقليدية، إضافة إلى ممثلي النساء والشباب ومختلف المكونات المجتمعية.

مؤسسة مستقلة

للعلم، أسست لجنة «الحوار الوطني» عام 2021 بوصفها مؤسسة مستقلة، وكُلّفت بقيادة عملية حوار وطني شامل تهدف إلى بناء توافق حول القضايا التي شكلت عبر التاريخ مواضيع خلاف بين الإثيوبيين، بما يسهم في تعزيز السلام الدائم والاستقرار والوحدة الوطنية، حسب وكالة الأنباء الرسمية للبلاد. ويوضح كلني أن جدول أعمال المؤتمر يشمل خلافات بين حكومة ترى أن هذه البنود تمثل الأساس لمعالجة جذور الأزمة الإثيوبية. إلا أن أطرافاً معارضة ترى أن جدول الأعمال لا يعكس مطالب القوى السياسية المختلفة؛ بل يهدف بصورة أكبر إلى تثبيت أركان النظام القائم وإضفاء شرعية سياسية على سياساته، من دون تقديم ضمانات حقيقية لإصلاحات جوهرية. ويتابع: «ستظل قدرة هذه المحاور على استقطاب المعارضة مرتبطة بمدى استعداد الحكومة لتقديم تنازلات حقيقية، وفتح المجال أمام مشاركة جميع القوى السياسية دون استثناء».

موقف السُّلطة

من جهة ثانية، تراهن حكومة آبي أحمد بقوة على مسار «الحوار الوطني». ولقد تطرق أحمد إلى ذلك بوضوح في كلمته أمام البرلمان في 7 يوليو الحالي، قائلاً إن «عملية الحوار الوطني في إثيوبيا فرصة تاريخية لمعالجة التحديات السياسية التي تواجهها البلاد، وإرساء توافق اجتماعي وطني جديد وشامل»، داعياً لـ«اغتنام هذه الفرصة النادرة لبناء سلام دائم وتوافق في الآراء».

وأكد الزعيم الإثيوبي أن «الحوار الحقيقي والشامل يبقى السبيل الأمثل والأكثر استدامة لتجاوز الانقسامات التاريخية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وبناء إثيوبيا مسالمة ومستقرة ومزدهرة للأجيال القادمة». وعاد أحمد في انطلاقة المؤتمر، الثلاثاء، ليؤكّد الأمر ذاته بأن «مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي بما يتميّز به من اتساع في النطاق وشمولية في العملية، وطول في المدة، وما قد يسفر عنه من نتائج، يمكن أن يشكل في نواحٍ عديدة نموذجاً يحتذى به لبقية دول أفريقيا». ويرى أنه حذر من أن «تفويت مثل هذه الفرص قد يؤدي إلى كتابة صفحة مؤلمة في التاريخ تتسم بالانقسام بدلاً من التنمية»، في إشارة إلى «غياب ممثلي تيغراي المناهضين للدولة».

أما مسفين أرايا، المفوض العام لـ«الحوار الوطني»، فقال في كلمته، إن الأهداف النهائية لـ«المنتدى» تتمثل في «ترسيخ ثقافة الحوار حول طاولة النقاش، ومعالجة الجراح التاريخية، وبناء رابطة جديدة من الثقة بين المواطنين والقوى السياسية والدولة»، داعياً إلى «تجاوز المصالح الضيقة للفئات، والنظر نحو الأفق الأوسع لإثيوبيا موحدة تنعم بالسلام».

موقف المعارضة

كما سبق، لم يشارك الممثلون المعارضون البارزون للحكومة من إقليمي أمهرة وتيغراي (لا سيما قيادة «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي») في جلسات الإعداد للمنتدى، مع أن «وكالة الأنباء الإثيوبية» أفادت في أبريل (نيسان) الماضي، بـ«مشاركة أحزاب سياسية إقليمية وممثلين عن إقليم تيغراي في الجولات الأولى من المنتدى».

ولقد أعلن حزب «سلساي ويان تيغراي» في يناير (كانون الثاني) الماضي، رفضه ما وصفه بـ«المزاعم المضللة» بشأن مشاركة الإقليم عبر 7 أحزاب في «الحوار الوطني» الإثيوبي، وأشار حينذاك إلى أن تيغراي يفتقر إلى التمثيل الدستوري، ويواجه تحديات سياسية وإنسانية مستمرة.

وأيضاً، أكد بيان صادر عن مكتب شؤون الاتصال في حكومة إقليم تيغراي، المعارضة لآبي أحمد، يوم 13 يوليو الماضي، أن «تيغراي لن يشارك في أي منصة حوار يُقصى منها ولا يحظى فيها بالاعتراف»، ولفت البيان إلى أن «شعب تيغراي تعرّض لانتهاكات جسيمة شملت الإبادة التدمير والمعاناة على يد حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد».

ووفق البيان، أيضاً، فإنه بعد توقيع «اتفاق بريتوريا للسلام» كانت ثمة آمال بعودة وحدة أراضي تيغراي، وانسحاب القوات الموجودة داخل الإقليم، وإطلاق سراح السكان المتضرّرين، وعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم، وبدء إعادة الإعمار والتنمية، إلا أن هذه التوقّعات لم تتحقق.

وقال البيان أيضاً إن «منتدى الحوار يُستخدم لأغراض دعائية، ولا تمثل حواراً حقيقياً»، وشدّد على أن «أي شخص يتكلم باللغة التغرينية ويشارك في تلك الجلسات، إنّما يمثل نفسه أو حزب الازدهار إذا كان من أعضائه أو مؤيديه، ولا يمثل شعب تيغراي أو حكومة الإقليم».

أما في إقليم أمهرة، الذي يضم نحو 20 مليون نسمة، فقد هدَّدت حركة «فانو» بتعطيل العملية الانتخابية، وألغت هيئة الانتخابات التصويت في 8 دوائر فقط من أصل 137. وكانت حركة «فانو» الأمهرية قد أعلنت غير مرة رفض الانخراط في «الحوار الوطني»؛ إذ عدّته «عملية صورية لخدمة مصالح الحزب الحاكم». وهنا تجدر الإشارة إلى أن إثيوبيا شهدت أزمات عديدة؛ بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي، وأودت بحياة مئات الآلاف من الأشخاص، بخلاف نحو مليون نازح.

وبالتوازي، سبق أن اتهمت أديس أبابا في أغسطس (آب) 2023، حركة «فانو» المسلحة في إقليم أمهرة، بأنها «حاولت الإطاحة بالحكومتين المحلية والاتحادية، بعد أيام من القتال الذي دفع السلطات لإعلان مؤقت لحالة الطوارئ وقتها مع استمرار المواجهات بينهما».

مكانة «الحوار»

عبد الشكور عبد الصمد يشدد على أنه مع أهمية المجموعات التي لم تشارك، فإنها لا تستطيع أن تعرقل أو تنتقص من مصداقية ومكانة الحوار الوطني. ولذا، يتوقع أن يسهم الحوار رغم الغياب «في الإجابة عن تساؤلات الشعب الإثيوبي في الحكم والإدارة والثروة وتوزيعها بشكل عادل، وتشكيل مؤسسات الدولة بما يلبي حاجات البلاد لعقد اجتماعي جديد يبني الدولة الوطنية الفاعلة والحيوية والمتماسكة»، ويؤكد أن دولة إثيوبية بهذه المواصفات بعد الحوار «ستكون ركيزة قوية لقرن أفريقي متكامل ومستقر ومزدهر».

في المقابل، يرى كلني أن الغياب المستمر لقوى معارضة بارزة، وفي مقدمتها حركة «فانو» الأمهرية وبعض أجنحة «جبهة تحرير تيغراي»، يُعدّ من «أبرز العقبات أمام نجاح الحوار الوطني... وأن استمرار مقاطعة هذه الأطراف قد يحدّ من شرعية مخرجات المؤتمر، ويجعل أي اتفاقات تصدر عنه عاجزة على إنهاء الصراعات القائمة، خصوصاً في المناطق التي تتمتع فيها تلك القوى بنفوذ سياسي أو عسكري». ويتابع القول إن «غياب اللاعبين الرئيسيين يهدد بتحويل الحوار إلى عملية أحادية؛ وهو ما قد يكرّس الانقسام بدلاً من تجاوزه، ويؤجل فرص الوصول إلى مصالحة وطنية شاملة».

ويخلص كلني إلى أن «الحوار الوطني» فرصة مهمة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والقوى السياسية، لكنه في الوقت ذاته يواجه اختباراً بالغ الصعوبة، فنجاحه لن يقاس بعدد المشاركين أو حجم التمثيل الرسمي، وإنما بقدرته على استيعاب القوى المعارضة، ومعالجة أسباب النزاعات، وتحويل مخرجاته إلى إصلاحات سياسية ودستورية قابلة للتنفيذ.


مقالات ذات صلة

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

حصاد الأسبوع دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

فرضت التحوّلات السياسية والعسكرية التي شهدها جنوب لبنان خلال العقود الماضية واقعاً جديداً على مسألة الانسحاب الإسرائيلي، حتى باتت لكل مرحلة ظروفها الخاصة التي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده

ويس ستريتنغ... من الطموح لزعامة «العمال» إلى قيادة سفينة السياسة العسكرية البريطانية

بعد استقالته من حكومة كير ستارمر ومطالبته بتغيير قيادة حزب العمال، عاد ويس ستريتنغ إلى الصفوف الأمامية للسلطة البريطانية، وهذه المرة وزيراً للدفاع في حكومة

«الشرق الأوسط» (لندن)
حصاد الأسبوع تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تسلّم وزير الدفاع البريطاني الجديد ويس ستريتنغ حقيبته الجديدة من دون خبرة سابقة في الملفات العسكرية. إلا أنه يواجه تحدياً يشبه، إلى حد بعيد، ذلك الذي اختبره

«الشرق الأوسط» (لندن)
حصاد الأسبوع مصنع فورد في أوكفيل قرب مدينة تورونتو الكندية (رويترز)

مَن يدفع ثمن القطيعة الأميركية ــ الكندية؟

لم تعُد الأزمة بين الولايات المتحدة وكندا خلافاً عابراً على رسم جمركي يمكن تسويته ببعض الاستثناءات. بل إن انهيار المفاوضات في اللحظات الأخيرة، وفرض واشنطن

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن بلادهم عالقة في دوامة بالغة التعقيد، بين فوضى أمنية تتفاوض فيها التشكيلات المسلحة بالنار، وتتجاذب النفوذ على

علاء حموده (القاهرة)

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
TT

احتلال مرتفعات جنوب لبنان... «عقدة» الانسحاب الإسرائيلي

دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)
دورية لقوات "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان (آ ف ب)

فرضت التحوّلات السياسية والعسكرية التي شهدها جنوب لبنان خلال العقود الماضية واقعاً جديداً على مسألة الانسحاب الإسرائيلي، حتى باتت لكل مرحلة ظروفها الخاصة التي تحكمها. فالانسحاب الذي أُنجز عام 2000 جاء في سياق يختلف جذرياً عن ذلك الذي أعقب «حرب يوليو (تموز)» 2006، بينما يبدو المشهد الحالي محكوماً بمعادلات أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية مع مسارات التفاوض، ما يجعل استعادة نماذج الماضي أمراً بالغ الصعوبة. وبمعزل عن التصوّرات السياسية لإنهاء الأزمة، وفي ظل الإصرار اللبناني على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، تواجه إسرائيل هذه الدعوات بتركيز متصاعد على مرتفعات استراتيجية، مثل «علي الطاهر»، ومواقع أخرى حاكمة في جنوب لبنان، ما يطرح أسئلة عما إذا كانت تل أبيب تتّجه إلى بناء «حزام مرتفعات» يقوم على الإمساك بالنقاط الجغرافية المُشرفة، وحرمان «حزب الله» منها، بدلاً من السيطرة على شريط جغرافي واسع يتطلب انتشاراً برّياً دائماً، وكلفة عسكرية، وبشرية أكبر.

لا توجد مُعطيات تسمح بالكلام عن «عقيدة إسرائيلية» معلنة، وتتطرّق بالذات إلى السيطرة على المرتفعات. لكن خريطة المواقع التي تركّز عليها العمليات، من مرتفعات الشقيف وزوطر وصولاً إلى مرتفعات «علي الطاهر»، تعزّز لدى خبراء عسكريين فرضيّة إعطاء إسرائيل أولوية للنقاط التي توفّر المراقبة والسيطرة بالنار على مساحات واسعة.

وبالفعل تكتسب مرتفعات «علي الطاهر» أهمية خاصة في هذه المعادلة، نظراً إلى ارتفاعها، وإشرافها على النبطية، ومناطق باتجاه إقليم التفاح، وكان التصعيد الإسرائيلي الكثيف قد أعاد المرتفعات إلى الواجهة، بالتزامن مع تعثر المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية.

السيطرة على المرتفعات

تركّز إسرائيل على السيطرة على المرتفعات في جنوب لبنان، والإمساك بالنقاط الحاكمة، بدلاً من السيطرة على شريط جغرافي.

وشرح العميد المتقاعد سعيد قزح لـ«الشرق الأوسط»: إن «الهدف الأساسي الذي ظهر مع إعلان إسرائيل الخط الأصفر هو الإمساك بالمرتفعات الحاكمة المقابلة للمستوطنات الإسرائيلية»، موضحاً أن هذا الخط يمتد -وفق تصوّره- «من البيّاضة في القطاع الغربي، مروراً ببلدات رشاف وبيت ليف وحداثا شمالي بنت جبيل في القطاع الأوسط، ووصولاً في القطاع الشرقي إلى دير سريان والطيبة، ومن ثم إلى السفوح الشرقية لجبل الشيخ، ولا سيما باتجاه عين عطا وعين قنيا».

قزح أردف أن «هذا الخط هو عبارة عن مرتفعات مقابلة للمستوطنات الإسرائيلية، وتبعد عنها في حدود 8 إلى 10 كيلومترات، بما يحرم (حزب الله) من إطلاق النار المباشر باتجاه المستوطنات». وتابع: «بعد إعلان هذا الخط، تقدّمت إسرائيل وأخذت زوطر الشرقية وزوطر الغربية ومرتفعات الشقيف، ثم عادت وتقدّمت إلى أن وصلت إلى محاصرة علي الطاهر»، معتبراً أن «المنطقة الممتدّة من علي الطاهر إلى الشقيف وزوطر الشرقية تدخل ضمن هذا التصوّر».

وبحسب قزح فإن «إسرائيل لن تنسحب من هذه المناطق طالما هناك أي خطر تعتبر أنه آتٍ من أي جهة كانت على الأراضي اللبنانية». وعن مصير المرتفعات، قال: «لن تنسحب منها طالما لا يوجد حل لسلاح (حزب الله) في لبنان، ولن تنسحب من التلال الحاكمة للمستوطنات».

معركة التلال

الحال أن التركيز الإسرائيلي على مرتفعات جنوب لبنان يرتبط بأهميتها العسكرية، وبوجود مواقع وقواعد لـ«حزب الله» فيها، حسبما يقول اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي، معتبراً أن السيطرة عليها تشكل «هدفاً عسكرياً إسرائيلياً أساسياً»، لكن تحقيقه ميدانياً ليس سهلاً، بسبب الكلفة البشرية لأي عملية برّية.

شحيتلي أوضح لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «هذه المناطق كانت ذات أهمية عسكرية، وشكّلت قواعد للجبهة، ومراكز للقيادة العملانية، ولذلك فإن لدى إسرائيل هدفاً أساسياً يتمثل في دخولها، والسيطرة عليها... لكن السؤال هو: هل تستطيع إسرائيل تحقيق هذا الهدف؟ حتى الآن لم تستطع». ومن ثم اعتبر أن العمليات الإسرائيلية لم تصل بعد إلى مستوى «الحسم العسكري الميداني، وأن استمرار تحرّك مجموعات مقاتلة واستهدافها بالمدفعية والطيران ووسائل أخرى يعني أن (حزب الله) لا يزال فاعلاً ميدانياً خلف الخطوط الإسرائيلية».

شحيتلي أوضح أيضاً أن التركيز على مرتفعات مثل «علي الطاهر والدبشة» سببه كونها «مرتفعات قريبة وحاكمة على المنطقة، وعلى شمال فلسطين، ويمكن منها استخدام أسلحة مباشرة، أو صواريخ مباشرة باتجاه شمال إسرائيل، والمستوطنات... بجانب أنها مراكز دعم وإسناد، وقيادة عملانية يمكن الانطلاق منها في العمليات العسكرية».

كلفة العملية البرّية

من جهة ثانية، يقوم الفارق بين السيطرة على شريط جغرافي والإمساك بالنقاط الحاكمة على أن الأولى تتطلب انتشاراً متصلاً، وتأمين خطوط إمداد، بينما تمنح المرتفعات قدرة على المراقبة، والسيطرة بالنار تفوق مساحتها الجغرافية. من هنا لا يعني هذا التصوّر بالضرورة إنشاء مواقع إسرائيلية ثابتة فوق كل المرتفعات، بقدر ما قد يعكس سعياً إلى منع «حزب الله» من استخدامها كنقاط مراقبة، أو قيادة، وإسناد، سواء بالسيطرة عليها، أو الدفع باتجاه تسليمها إلى الجيش اللبناني.

وبحسب شحيتلي: «إسرائيل تستفيد من الوقت للتحضير لأي عملية محتملة... والمحادثات وغيرها تمنح إسرائيل وقتاً للتحضير للعملية العسكرية في هذه المنطقة، لكن المشكلة بالنسبة إليها هي الكلفة العالية من الخسائر البشرية التي قد تترتب على مثل هذه العملية، وهي كلفة لا تستطيع تحملها بسهولة». وأضاف: «في المفهوم العسكري، ليست القمة الأعلى جغرافياً هي بالضرورة موقع تمركز للقوات. القمة يمكن استخدامها للمراقبة، لكن المواقع والخطوط الدفاعية تكون عادة تحت خط القمة»، لافتاً إلى أن ما تسعى إليه إسرائيل «ليس القمم بحد ذاتها فقط، بل المواقع العسكرية، والخطوط الدفاعية الموجودة تحتها، وعلى جوانبها».

بالتالي لا يعني «حزام المرتفعات» -إذا تبلور- خطاً متصلاً من القمم تحتلها إسرائيل، بقدر ما يعني «شبكة من النقاط الحاكمة» التي تسعى إلى منع «حزب الله» من استخدامها عسكرياً، لتصبح «علي الطاهر» الاختبار الأبرز لما إذا كان هذا التصوّر سيبقى محصوراً بالمواجهة الحالية، أم يتحوّل إلى معيار إسرائيلي أوسع للتعامل مع جغرافيا جنوب لبنان.

معضلة الانسحاب الإسرائيلي

في الواقع، الاستراتيجية الإسرائيلية للسيطرة على المرتفعات تقوّض الدعوات اللبنانية لانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية. وتقع المعضلة السياسية في تبدل الظروف عما كان عليه الأمر في العامين 2000 و2006.

إذ انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في 25 مايو (أيار) 2000 بعد احتلال طال لنحو 22 سنة، ومن دون أي اتفاق ثنائي مع الحكومة اللبنانية. أما في العام 2006، فقد تم بعد اتفاق أنتج القرار الأممي 1701 الذي ينصّ على إخلاء منطقة جنوب الليطاني من السلاح، ومسلحي «حزب الله».

في الواقع، لا يقتصر الاختلاف بين تجربتي الانسحاب عامي 2000 و2006 على الظروف الميدانية، بل يشمل أيضاً الجهات المؤثرة في القرار، وطبيعة الضمانات، وآليات التنفيذ، وهو ما يجعل أي حديث عن انسحاب إسرائيلي اليوم مرتبطاً بمعطيات تختلف عما عرفه لبنان في المحطّات السابقة.

تقوّض الاستراتيجية الإسرائيلية القاضية بالسيطرة على المرتفعات الدعوات اللبنانية لانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية

انسحاب العام 2000

العميد المتقاعد ناجي ملاعب قال إن انسحاب عام 2000 جاء نتيجة ظروف إسرائيلية داخلية أكثر منه نتيجة ضغوط خارجية، وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «انسحاب عام 2000 كان قراراً إسرائيلياً داخلياً بامتياز. فيومذاك وصل إيهود باراك إلى رئاسة الحكومة حاملاً مشروعاً يقوم على سحب القوات الإسرائيلية من لبنان، بعدما أصبحت كلفة بقائها مرتفعة بشرياً، واقتصادياً، إلى جانب وجود القرار الدولي 425 الذي كان يطالب إسرائيل بالانسحاب منذ سنوات».

ثم أردف: «كان حزب (العمل) يعتبر أن الأولوية يجب أن تكون لتخفيف أعباء الجيش الإسرائيلي، وخفض الإنفاق العسكري، والاهتمام بالاقتصاد، ولذلك اتُّخذ قرار الانسحاب بصورة مفاجئة، حتى إن كثيراً من عناصر ميليشيا جيش لبنان الجنوبي (المتحالفة مع إسرائيل) لم يكونوا على علم به مسبقاً. بعضهم عاد إلى لبنان وخضع للمحاكمة، فيما فرّ آخرون إلى إسرائيل. لذلك يمكن القول إن انسحاب عام 2000 كان نتيجة قرار إسرائيلي داخلي أكثر منه نتيجة ضغوط خارجية».

من جهته، استعاد العميد المتقاعد فادي داود تجربة عام 2000 من زاوية مختلفة، فقال: «انسحاب عام 2000 لم يكن مجرد قرار أحادي، بل سبقته مفاوضات غير مُعلنة جرت عبر ألمانيا. تفاصيل كثيرة من تلك المرحلة بقيت بعيدة عن الإعلام، لكن ما كُشف لاحقاً يؤكد وجود وساطة ألمانية، واتصالات سبقت تنفيذ الانسحاب».

«طبيعة التأثير الخارجي تبدلت أيضاً»، وفق داود الذي أكد أن «الطرف الوحيد القادر فعلياً على إلزام إسرائيل بأي اتفاق الآن هو الولايات المتحدة. لا توجد دولة أخرى تمتلك القدرة على ممارسة ضغط حقيقي عليها، أو فرض حدود لتحركاتها، ولذلك فإن نجاح أي اتفاق يبقى مرتبطاً بالإرادة الأميركية وحدها».

انسحاب 2006

في المقابل، حكمت الانسحاب في العام 2006 معطيات مختلفة. فبحسب ملاعب، المشهد تبدّل بعد «حرب يوليو» 2006، وأوضح: «ما حصل بعد حرب يوليو كان ثمرة نشاط دبلوماسي مكثف قادته الدولة اللبنانية، برئاسة رئيس الحكومة (آنذاك) فؤاد السنيورة، وبالتوازي مع جهود فرنسية، ودعم عربي، إضافة إلى ضغط أميركي أدى إلى وقف العمليات العسكرية بعد نحو شهر من اندلاع الحرب، وبالتزامن مع صدور القرار 1701».

وتابع: «أهمية القرار 1701 تكمن أولاً في تثبيت وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل، وهو ما وافق عليه الطرفان، كما أنه أتاح انتشار قوات الأمم المتحدة المعززة، ورسم الخط الأزرق بإشراف الأمم المتحدة، رغم استمرار التحفظات اللبنانية على بعض النقاط التي لا تتطابق مع اتفاقية الهدنة لعام 1949».

«بعد ذلك (والكلام لا يزال لملاعب) بدأت الاجتماعات الدورية في الناقورة برعاية الأمم المتحدة، حيث كان الضباط اللبنانيون والإسرائيليون يعقدون لقاءات شهرية لمعالجة النقاط الخلافية على الخط الأزرق، وتمت تسوية عدد كبير منها، فيما بقيت بعض النقاط عالقة».

إسرائيل تشتري الوقت ... وتماطل بالانسحاب

حقيقة الأمر أن الوقائع الميدانية والسياسية تحكم، في الوقت الراهن، معادلات تختلف عن تلك التي سادت في عام 2006، وقبله في العام 2000. وهنا شدّد العميد المتقاعد داود لـ«الشرق الأوسط» على أن «المتغيّر الأساسي هو المجتمع الدولي. فعام 2006 كان هناك دور واضح للأمم المتحدة، وقواتها ومرجعية للقرار 1701، أما اليوم فنحن أمام واقع مختلف، حيث يتراجع دور الأمم المتحدة، بل إن وجودها نفسه بات موضع تساؤل، فيما أصبحت الولايات المتحدة الطرف الوحيد القادر على التأثير في مسار الأحداث، والضغط على إسرائيل».

وأردف: «إذا كنا نبحث في مستقبل أي انسحاب إسرائيلي، فلا يوجد حتى الآن شيء واضح، لأن اتفاق الإطار نفسه لا يزال غير محدد في كثير من تفاصيله. ما هو واضح فقط وجود إرادة أميركية لمحاولة فرض عناوين عامة على الأرض، لكن التفاصيل ما زالت غامضة، والشيطان دائماً يكمن في التفاصيل».

بدوره استبعد العميد المتقاعد ملاعب أن يشهد لبنان انسحاباً إسرائيلياً قريباً، فقال: «اليوم لا أرى حديثاً جدياً عن انسحاب. توقّعي أن تواصل إسرائيل المماطلة، حتى مع وجود ضغوط أميركية، لأن أولوياتها مرتبطة بحسابات سياسية وأمنية أوسع». واستطرد: «الضغط الأميركي الأخير دفع إسرائيل إلى إبداء مرونة في ملفات مرتبطة بغزة، حيث توجد مصالح أميركية وإسرائيلية مشتركة، لكن إذا استمرت هذه التفاهمات فقد تحاول إسرائيل الحصول على أثمان أو تعويضات في ساحات أخرى، ومنها لبنان».

لذا استبعد ملاعب «الكلام حالياً عن انسحاب إسرائيلي من لبنان بالمعنى الذي عرفناه في عامي 2000 أو 2006، وأتوقع أن يستمر التأجيل، والمماطلة، على الأقل إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية».

 


ويس ستريتنغ... من الطموح لزعامة «العمال» إلى قيادة سفينة السياسة العسكرية البريطانية

وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
TT

ويس ستريتنغ... من الطموح لزعامة «العمال» إلى قيادة سفينة السياسة العسكرية البريطانية

وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده
وزير الدفاع الجديد يُحسب على التيار «البليري»...و«حرب غزة» كادت تطيح بمقعده

بعد استقالته من حكومة كير ستارمر ومطالبته بتغيير قيادة حزب العمال، عاد ويس ستريتنغ إلى الصفوف الأمامية للسلطة البريطانية، وهذه المرة وزيراً للدفاع في حكومة آندي بيرنهام. الواقع أن تعيين بيرنهام يشكّل تحوّلاً لافتاً في مسار سياسي شاب كان، حتى وقت قريب، يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز المرشحين لخلافة ستارمر في 10 داونينغ ستريت؛ إذ سبق لستريتنغ أن أعلن استعداده لخوض سباق الزعامة، قبل أن يتراجع ويدعم بيرنهام، الذي أعاده لاحقاً إلى الحكومة وأسند إليه واحدة من أكثر حقائبها حساسية.

يصل ويس ستريتنغ (43 سنة) إلى مقر وزارة الدفاع بعد مسار بدأ في السكن الاجتماعي بشرق لندن، ومرّ باتحادات الطلاب والمجالس المحلية ومقاعد المعارضة، قبل أن يُصبح وزيراً للصحة في حكومة ستارمر.

وهناك، بنى صورته على إصلاح المؤسسات وخفض الهدر بالتوازي مع زيادة الإنفاق، وهي الوصفة نفسها التي يقول إنه يريد نقلها الآن إلى وزارة الدفاع. ويأتي ذلك فيما تواجه بريطانيا ضغوطاً لرفع إنفاقها العسكري، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التهديدات الروسية، في اختبار جديد لسياسي عُرف بمهاراته التنظيمية والإعلامية وطموحه القيادي.

... من حي ستيبني الشعبي إلى كمبريدج

وُلد ويسلي بول ويليام ستريتنغ عام 1983، ونشأ في سكن اجتماعي في حي ستيبني الشعبي بشرق لندن، لوالدين من الطبقة العاملة كانا في السابعة عشرة والثامنة عشرة من عمرهما عندما رُزقا به.

وحقاً، تختلف خلفية ستريتنغ العائلية عن الصورة التقليدية لمسيرة وزير بريطاني. فوفق قناة «سكاي نيوز» التلفزيونية وصحيفة «الغارديان»، كان جدّه لأمه لصّاً مسلحاً أمضى فترة في السجن، وعرف خلال سجنه الأخوين كراي، اللذين يعدّان من أشهر زعماء الجريمة المنظمة في لندن. كذلك أمضت جدته فترة في سجن هولواي، حيث التقت كريستين كيلر، إحدى أبرز الشخصيات المرتبطة بـ«فضيحة بروفومو» السياسية - الأخلاقية في ستينات القرن الماضي.

أما جدُّه لأبيه، وهو من قُدامى البحرية الملكية ومؤيد تقليدي للمحافظين، فكان من أكثر الشخصيات تأثيراً فيه خلال فترة طفولته.

دراسياً، تلقى ستريتنغ تعليمه المبكّر في مدرسة وستمنستر سيتي، وهي مدرسة حكومية لا علاقة لها بـ«مدرسة وستمنستر» الخاصة الشهيرة الواقع حرمها على مقربة من قصر البرلمان. وفي سن الرابعة عشرة، خاض انتخابات مدرسية تجريبية مرشحاً باسم حزب العمال وخسر، لكنه انضم إلى الحزب فعلياً في سن الخامسة عشرة.

وبعدها صار أول شخص في عائلته يدخل جامعة ويتخرّج فيها، وفق «رويترز» بعدما درس التاريخ في كلية سلوين بجامعة كمبريدج.

ميول قيادية منذ الجامعة

برزت ميول ستريتنغ القيادية منذ سنواته الجامعية. فقد انتُخب رئيساً لاتحاد طلاب جامعة كمبريدج، ثم تولّى عام 2008 رئاسة الاتحاد الوطني للطلاب في بريطانيا.

وهو على الرغم من انضمامه المُبكر إلى حزب العمال، لم يتردّد في معارضة بعض سياساته. بل إنه غادر الحزب لفترة قصيرة إبان سنوات الجامعة، وفق قناة «سكاي نيوز»، اعتراضاً على حرب العراق التي شاركت فيها حكومة توني بلير إلى جانب الولايات المتحدة.

ومن ثم، بعد تخرّجه، عمل ستريتنغ في القطاع التطوّعي، كما شغل مناصب قيادية في مؤسسات تُعنى بالتعليم ومواجهة عدم المساواة، قبل أن يتّجه إلى العمل السياسي المنتخب.

من المجلس المحلي... إلى وستمنستر

بدأ ويس ستريتنغ مسيرته الانتخابية عضواً في مجلس بلدية ريدبريدج (في منطقة لندن الكبرى) عام 2010، ثم أصبح نائباً لرئيس المجلس عندما سيطر حزب العمال عليه عام 2014.

وفي الانتخابات العامة عام 2015، انتُخب نائباً عن دائرة إيلفورد نورث في شرق لندن (وهي تقع ضمن ريدبريدج)، منتزعاً المقعد من حزب المحافظين. وظلّ يُمثّل هذه الدائرة منذ ذلك الحين.

وطوال سنوات حملة الـ«بريكست»، كان من أبرز المدافعين داخل الحزب عن بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وأيّد إجراء تصويت شعبي ثانٍ على الاتفاق النهائي للخروج. لكنه لم يدخل فوراً الصفوف القيادية للحزب.

إذ إنه إبان عهد جيريمي كوربن، بقي بعيداً عن قيادة الحزب، وكان من معارضي توجّهات زعيمه اليساري. غير أنه بدأ صعوده السريع في المواقع الحزبية والسياسية بعد انتخاب كير ستارمر زعيماً للحزب عام 2020. في أعقاب ضرب تيار كوربن اليساري.

الصعود مع ستارمر

خلال أقل من سنتين، شغل ستريتنغ سلسلة من المناصب في المعارضة. ووفق السجلّ الرسمي للبرلمان، عيّنه ستارمر وزيراً في «حكومة الظل» لشؤون الخزانة في أبريل (نيسان) 2020، ثم ناطقاً باسم الحزب لشؤون المدارس في أكتوبر (تشرين الأول)، وبعدها لشؤون فقر الأطفال خلال مايو (أيار) 2021، قبل أن يعيّنه وزيراً للصحة في «حكومة الظل» في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه.

والحقيقة أن قدراته الخطابية والحوارية ساعدته على التواصل الإعلامي وخوض المواجهات السياسية، ومن ثم تعزيز حضوره البرلماني والشعبي. وهنا، تصفه «سكاي نيوز» - التي لا تعد قريبة من حزب العمال - بأنه أحد أفضل المتكلمين في صفوف الحزب وأكثرهم حضوراً، بينما تقول «رويترز» إن مؤيديه يعدُّونه من أكثر سياسيي «العمال» قدرةً على إضفاء الحيوية على رسالته السياسية.

مع هذا، ووسط صعوده السياسي، تعرّض مسيرته لتوقف مفاجئ في مايو 2021، عندما أعلن إصابته بسرطان الكلية وهو في سن الثامنة والثلاثين. وبالفعل، خضع على الأثر لجراحة لاستئصال الكلية، قبل أن يعود إلى البرلمان بعد نحو شهرين. وعام 2023، نشر مذكراته التي تناول فيها طفولته وعائلته ومسيرته الاجتماعية والسياسية.

فاز 825 صوتاً

وصل ويس ستريتنغ إلى الحكومة بعد الفوز الكاسح لـ«العمال» في انتخابات يوليو (تموز) 2024، لكنه كاد يخسر مقعده في تلك الانتخابات.

ففي حين حصد حزب العمال غالبية برلمانية ضخمة، احتفظ ستريتنغ بمقعد إلفورد نورث بفارق بسيط لا يزيد على 528 صوتاً فقط أمام المرشحة المستقلة البريطانية - الفلسطينية ليان محمد، التي بنت حملتها إلى حد كبير على معارضة موقف العمال من «حرب غزة»؛ إذ بلغ مجموع أصوات ستريتنغ يومذاك 15647 صوتاً، مقابل 15119 لمنافسته.

وبالتالي، أظهرت النتيجة هشاشة موقعه الانتخابي المحلي على الرغم من حضوره السياسي على المستوى الوطني، في دائرة شديدة التنوع كان لـ«حرب غزة» تأثير مباشر على خيارات ناخبيها، ولا سيما من المسلمين واليساريين.

قطاع «الصحة»... مختبر ستريتنغ

عُيِّن ستارمر ستريتنغ وزيراً للصحة يوم 5 يوليو (تموز) 2024، مُسنداً إليه واحدة من أصعب حقائب الحكومة. فهذه الحقيبة تشمل مسؤولية إدارة «خدمة الصحة الوطني» NHS التي كانت تواجه قوائم انتظار طويلة، وإضرابات للأطباء، وضغوطاً مالية وبيروقراطية متشعبة.

في البداية، توصَّل الوزير الجديد إلى اتفاق مع الأطباء المُقيمين أنهى موجة من الإضرابات، بيد أنه دخل لاحقاً في صدامات حادّة مع نقابتهم، «الجمعية الطبية البريطانية»، التي اتّهمها في مرحلة لاحقة بالتصرّف كـ«احتكار» (كارتل)، وفق «الغارديان».

أكثر من هذا، أثار ستريتنغ حفيظة الجناح اليساري في الحزب بسبب استعداده للاستعانة بالقطاع الخاص لتقليص قوائم الانتظار. ودافع عن ذلك بالقول إنه لا يجوز أن ينتظر المريض دوره لأسباب آيديولوجية إذا كانت الإمكانية العلاجية متاحة خارج القطاع العام. وفعلاً، أبرمت الحكومة في يناير (كانون الثاني) 2025 اتفاقاً مع مقدّمي الخدمات المستقلين لتوسيع علاج مرضى «خدمة الصحة الوطنية» في مرافق القطاع الخاص.

لكن قرار ستريتنغ الأكثر جرأة كان إلغاء مؤسسة «إن إتش إس إنغلاند» وإعادة وظائفها تدريجياً إلى وزارة الصحة، بهدف تقليص البيروقراطية وإنهاء تداخل الصلاحيات. وبرَّر في حينه القرار بأن النظام بات يضم جهازين يؤديان وظائف متداخلة. وبالنتيجة، سجلت قوائم الانتظار تراجعاً خلال ولايته.

واللافت أن الحكومة ذكرت أن مليوني موعد إضافي أُنجزت قبل الموعد المحدّد بسبعة أشهر، فيما أشار ستريتنغ إلى توفير خمسة ملايين موعد طبي إضافي خلال السنة الأولى، وتحقيق «أكبر انخفاض في أوقات الانتظار منذ 17 سنة». إلا أن تجدّد إضرابات الأطباء لاحقاً هدد - وفق «رويترز» - بتقويض جانب من هذا التقدم.

من حليف لستارمر إلى خصم ومنافس

بالتوازي، ظل ستريتنغ طامحاً إلى زعامة حزب العمال. لكن الخلاف بينه وبين ستارمر لم يخرج إلى العلن إلا في مايو الماضي، بعد سلسلة من النتائج الانتخابية السيئة للحزب، ففي يوم 14 مايو، كان ستريتنغ أول وزير كبير يستقيل مطالباً بتغيير قيادة الحزب. وكتب على «إكس» في رسالة استقالته: «حيث نحتاج إلى رؤية، هناك فراغ. وحيث نحتاج إلى اتجاه، هناك انجراف». وبعد يومين، أعلن أنه سيترشّح في أي سباق لخلافة ستارمر، لكنه رفض الدفع نحو منافسة فورية قبل منح بيرنهام فرصة للعودة إلى مجلس العموم، قائلاً إن سباقاً يستبعده سيفتقر إلى الشرعية.

إلا أنه بعد فوز بيرنهام في انتخابات ميكرفيلد الفرعية وعودته إلى مجلس العموم، أعلن ستريتنغ يوم 22 يونيو (حزيران) انسحابه من السباق ودعمه بيرنهام، قائلاً إن الحزب يحتاج إلى الوحدة بدلاً من «تضخيم الاختلافات الصغيرة». وبعد أقل من شهر، أعاده بيرنهام إلى الحكومة وزيراً للدفاع.

توجُّه «بليري»؟

يُصنَّف ستريتنغ عادة ضمن «يمين» حزب العمال، وهو لا يخفي إعجابه بتوني بلير. ووفق مصادر مطلعة، فإنه لو خاض سباق الزعامة، كان سيطرح برنامجاً أكثر قرباً من قطاع الأعمال من منافسيه المحتملين، كما سبق أن أعرب عن ضيقه من ارتفاع مستويات الضرائب في بريطانيا.

مع هذا، لا تتطابق مواقفه دائماً مع مواقف الجناح «البليري» في الحزب؛ إذ عارض «حرب العراق» وهو طالب، كما أنه من أبرز المؤيدين للتقارب مع الاتحاد الأوروبي. وذهب في مايو إلى حد الدعوة إلى عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي مستقبلاً، بعدما كان قد دعا إلى دراسة الانضمام مجدداً إلى اتحاد جمركي معه.

وإزاء الهجرة، تصفه «سكاي نيوز» بأنه أكثر ليبرالية من بعض زملائه، وأبدى تحفّظات عن جوانب من تشديد قواعد التأشيرات واللجوء، وعلى ترحيل العائلات التي تدخل بريطانيا بصورة غير نظامية.

أما حيال الإنفاق العام، فأظهر استعداداً لمواقف أكثر صرامة. وكان، وفق «رويترز»، أول وزير في حكومة ستارمر يدعو علناً إلى خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية لتمويل زيادة الإنفاق الدفاعي.

من المستشفيات... إلى الصواريخ

هذه المواقف سبقت انتقاله إلى الدفاع، ولعلها أسهمت في اختيار بيرنهام له؛ فالوزارة التي تسلَّمها تواجه تحدّياً أساسياً: التوفيق بين الطموحات العسكرية المتزايدة لبريطانيا والموارد المتاحة لتمويلها. وكانت حكومة ستارمر قد أقرت في أيامها الأخيرة زيادة قدرها 15 مليار جنيه إسترليني في الإنفاق العسكري على مدى أربع سنوات. كذلك التزمت بريطانيا، في إطار «الناتو»، برفع الإنفاق الأساسي على الدفاع إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035.

وفي أول خطاب كبير لستريتنغ خلال معرض فارنبورو للطيران، قال إن الدفاع «يحتاج إلى الاستثمار والتحديث معاً»، مؤكداً أنه سيطبق في الوزارة الجديدة النهج نفسه الذي اتبعه في وزارة الصحة لخفض الهدر وتحسين الكفاءة.

وأعلن أن الحكومة أبرمت عقوداً دفاعية تتجاوز قيمتها 11.8 مليار جنيه خلال عشرة أيام فقط، وتعهد بأن تكون بريطانيا «حليفاً قوياً يمكن الاعتماد عليه» في الخارج، وأن تدعم الصناعات الدفاعية النمو والوظائف في الداخل.هذا، وجاءت بداية ستريتنغ في الوزارة أيضاً وسط اختبار سريع للتهديدات الأمنية التي ستتعامل معها. ففي أول أيامه، وصف مناورة روسية بالذخيرة الحية قبالة الساحل الإنجليزي بأنها «استعراضية وغير مسؤولة»، وقال إن الحادث ليس سوى «قمة جبل الجليد» من التهديدات التي تواجهها بريطانيا وحلفاؤها يومياً.


تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات
TT

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تحديث صناعة الدفاع البريطاني... فجوة بين الطموح والقدرات

تسلّم وزير الدفاع البريطاني الجديد ويس ستريتنغ حقيبته الجديدة من دون خبرة سابقة في الملفات العسكرية. إلا أنه يواجه تحدياً يشبه، إلى حد بعيد، ذلك الذي اختبره في وزارة الصحة؛ مؤسسة حكومية ضخمة تحتاج إلى تمويل أكبر، بالتزامن مع إصلاح طريقة إنفاقها.

كان ستريتنغ، قبل توليه الحقيبة، من أبرز الأصوات داخل حكومة كير ستارمر المطالبة بزيادة موارد القوات المسلحة. لكن مهمته الجديدة تتجاوز الضغط للحصول على التمويل؛ إذ يتعين عليه تحديث جيش تقلّص حجمه بصورة كبيرة منذ الحرب الباردة، وتسريع مشاريع تسليح تأخرت لسنوات، وتقليص الهدر والبيروقراطية، في وقت تتزايد التزامات بريطانيا تجاه حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوكرانيا والتهديدات العسكرية غير التقليدية.

بيانات جمعتها الـ«بي بي سي» كشفت عن حجم التراجع الذي شهدته القوات المسلحة في العقود الماضية. فعام 1990، كان عديد الجيش البريطاني 153 ألف جندي نظامي، مقابل نحو 73.8 ألف حالياً. كما انخفض عدد قوات الاحتياط من 76 ألفاً إلى نحو 25.8 ألف، وتراجعت طلبات الالتحاق بالجيش بنحو 40 في المائة عام 2025 مقارنة بالعام السابق.

الصورة مماثلة في سلاحي البحر والجو. إذ انخفض عدد السفن القتالية الرئيسة في البحرية الملكية من 48 عام 1990 إلى سبع فرقاطات وست مدمّرات، في حين تقلّص أسطول الطائرات القتالية من أكثر من 300 طائرة إلى 107 من طراز «تايفون»، و37 مقاتلة «إف – 35»، وإن كانت الطائرات الحديثة أكثر تطوّراً من سابقاتها.

وتكتسب هذه الأرقام وزناً أكبر في ظل ما وصفته مكتبة مجلس اللوردات البريطاني بأنه «أصعب بيئة أمنية منذ الحرب الباردة». فمراجعة الدفاع الاستراتيجية لعام 2025 اعتبرت أن الغزو الروسي لأوكرانيا أعاد إلى أوروبا احتمال الحروب الواسعة بين الدول، وكشف عن أهمية الجاهزية العسكرية والمخزونات والقدرة الصناعية. وحذّرت من تصاعد التهديدات الهجينة، من الهجمات الإلكترونية والتخريب إلى حملات التضليل واستهداف البنية التحتية الحيوية، ودعت إلى الانتقال نحو «الجاهزية لخوض الحرب»، مع زيادة الاعتماد على المسيّرات والذكاء الاصطناعي وربطها بالقوات التقليدية.

ولكن المشكلة لا تقتصر على حجم الموارد البشرية والعتاد العسكري. فقد أشار «مكتب التدقيق الوطني» إلى أن وزارة الدفاع تواجه منذ سنوات صعوبات في تسليم مشاريعها ضمن الميزانية والجدول الزمني المحددين. ومن أصل 47 مشروعاً دفاعياً مدرجاً ضمن أكبر مشاريع الحكومة، صُنّف 12 منها في خانة «الأحمر»، أي أن تنفيذها الناجح بات غير مرجح. كما يستغرق إبرام عقد تزيد قيمته على 20 مليون جنيه إسترليني في المتوسط ست سنوات ونصف السنة، وفق الـ«بي بي سي».

وتزداد حساسية مهمة ستريتنغ؛ لأن سلفه في وزارة الدفاع، جون هيلي، أصبح وزيراً للخزانة، وبات مسؤولاً عن توفير الأموال التي كان يطالب بها سابقاً. وتلتزم بريطانيا رفع الإنفاق الأساسي على الدفاع إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي بحلول 2035، ضمن هدف أوسع لـ«ناتو» يبلغ 5 في المائة للأمن الوطني.