بعد «ماراثون» انتخابي في إثيوبيا، خلال يونيو (حزيران) الماضي، عزّز استمرار «حزب الازدهار» الحاكم بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد، شهدت العاصمة أديس أبابا انطلاقة «حوار وطني» غير مسبوق منذ تأسيس الفيدرالية عام 1991 لإنهاء «مظالم تاريخية بالبلاد». هذا الحوار، الذي يواجه تحدّيات أبرزها غياب مناهضي آبي أحمد، لا سيما من قادة إقليم تيغراي، يُعدّ وفق خبراء ومحللين حاورتهم «الشرق الأوسط»، بمثابة اختبار جدّي للدولة الإثيوبية ورئيس الوزراء لجهة دعم استقرار البلاد، وذلك في أعقاب انتزاع الحزب الحاكم الغالبية الكاسحة بالبرلمان التي عزّزت وضعه إثر انتخابات الشهر الماضي.
افتتح آبي أحمد مؤتمر «الحوار الوطني» منتصف يوليو (تموز) الحالي بالعاصمة أديس أبابا، وهو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها «لجنة وطنية» مكوّنة من 11 مفوّضاً، كانت قد دشنت في فبراير (شباط) 2022، بهدف «معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خصوصاً في إقليمي أمهرة وتيغراي».
المحلّل الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد يرى أن الانتخابات العامة السابقة في إثيوبيا، بحجم ونوعية المشاركة المجتمعية، كانت بمثابة استفتاء ودعم لحكومة «حزب الازدهار»، والسياسات التي ينتهجها والبرامج التي تبنّاها، ونجحت إثيوبيا في تجاوز تحدياتها ومخاوفها.
ويضيف أن «الحوار الوطني»، الذي تم الإعداد والتهيئة له بشكل منظم، يمثّل قطاعاً عريضاً ومناطق مختلفة، ويعبّر عن معظم شرائح المجتمع الإثيوبي في الداخل ودول المهجر.
كذلك، يشير علي محمود كلني، الخبير في شؤون القرن الأفريقي، إلى أن إثيوبيا أطلقت أعمال «الحوار الوطني» باعتباره محطة مفصلية في مسار بناء الدولة ومعالجة الأزمات الداخلية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.
وبحسب كلني، «يحمل التوقيت أهمية خاصة» بعد نحو شهر من إعلان الحكومة تحقيقها فوزاً كاسحاً في الانتخابات، وفق الأرقام الرسمية. وهو أمر ترى فيه أديس أبابا «تفويضاً شعبياً يمكّنها من إطلاق مرحلة جديدة عنوانها التوافق الوطني». بيد أن نجاح الانتخابات لا يعني بالضرورة نجاح الحوار؛ «إذ يواجه هذا المسار تحديات سياسية وأمنية معقدة، أبرزها استمرار الانقسامات الداخلية، وغياب قوى معارضة رئيسية، والتشكيك في قدرة المؤتمر على إنتاج تسوية شاملة»، وفق كلني.
مسار «الحوار الوطني»
وفق المعلومات التي نشرتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» الرسمية، ونقلتها عن اللجنة المعنية بتسييره، حُدّد موعد انطلاق منتدى «الحوار الوطني» في مركز أديس أبابا الدولي للمؤتمرات منتصف يوليو الحالي ويستمر 3 أسابيع، وتعدّه أديس أبابا «محطة مفصلية في مسار الحوار الوطني الذي انطلق عام 2021».
وبحسب بيانات اللجنة، جُمعت أجندات الحوار من 1,234 دائرة إدارية، وهو ما يمثل نحو 93 في المائة من إجمالي الدوائر الإدارية في إثيوبيا، بما يشمل مختلف الأقاليم الفيدرالية والإدارتين الحضريتين في البلاد (أديس أبابا ودير داوا).
بنود ومحاور
تشمل محاور «المنتدى» 8 بنود رئيسية، حسبما أعلن رئيس لجنة «الحوار الوطني» الإثيوبية، مسفين أرايا، في مؤتمرين صحافيين يوم 24 يونيو (حزيران) الماضي و6 يوليو الحالي، وهي:
- «بناء الدولة» ويشمل القضايا المتعلقة بالهوية الوطنية، والروايات التاريخية، والتماسك الاجتماعي، ومستقبل الدولة الإثيوبية.
- «هيكل ونظام الحكم»، ويتناول النظام الفيدرالي، وآليات تقاسم السلطة، والحكم الدستوري، والأطر المؤسسية المنظمة لإدارة الدولة.
- «وضع المدن الفيدرالية»، ويركّز على مناقشة إدارة و«حوكمة» ودور مدينتي أديس أبابا ودير داوا في المنظومة الوطنية.
- «الشؤون الدينية»، ويهدف إلى تعزيز التعايش والوئام بين أتباع الأديان المختلفة، وتطوير العلاقات بين الدولة والمؤسسات الدينية، وضمان المساواة والاحترام المتبادل بين المكونات الدينية.
- «بناء المؤسسات وسيادة القانون وحقوق الإنسان»، ويتناول تعزيز كفاءة المؤسسات العامة، واستقلال السلطة القضائية، وترسيخ مبادئ الدستورية، وحماية الحقوق والحريات الأساسية.
- «القضايا الاجتماعية والاقتصادية وشؤون المزارعين والرعاة»، ويركز على التنمية الاقتصادية، وتحقيق النمو العادل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، والاستجابة للتحديات التي تواجه المجتمعات الزراعية والرعوية.
- «مكافحة الفساد والحكم الرشيد»، ويبحث السبل الكفيلة بتعزيز الشفافية والمساءلة ورفع مستوى الثقة العامة في مؤسسات الدولة.
- وأيضاً «بناء السلام»، ويتناول دعم جهود المصالحة الوطنية، وتسوية النزاعات، وإرساء آليات مستدامة للسلام بما يضمن الاستقرار طويل الأمد.
ولقد تم اعتماد هذه المحاور، بحسب رئيس اللجنة، بعد مشاورات موسعة نُفذت في أكثر من 1200 دائرة إدارية بمختلف أنحاء البلاد منذ انطلاق عمل اللجنة عام 2021. وشاركت في المشاورات الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والقيادات الدينية والشخصيات التقليدية، إضافة إلى ممثلي النساء والشباب ومختلف المكونات المجتمعية.
مؤسسة مستقلة
للعلم، أسست لجنة «الحوار الوطني» عام 2021 بوصفها مؤسسة مستقلة، وكُلّفت بقيادة عملية حوار وطني شامل تهدف إلى بناء توافق حول القضايا التي شكلت عبر التاريخ مواضيع خلاف بين الإثيوبيين، بما يسهم في تعزيز السلام الدائم والاستقرار والوحدة الوطنية، حسب وكالة الأنباء الرسمية للبلاد. ويوضح كلني أن جدول أعمال المؤتمر يشمل خلافات بين حكومة ترى أن هذه البنود تمثل الأساس لمعالجة جذور الأزمة الإثيوبية. إلا أن أطرافاً معارضة ترى أن جدول الأعمال لا يعكس مطالب القوى السياسية المختلفة؛ بل يهدف بصورة أكبر إلى تثبيت أركان النظام القائم وإضفاء شرعية سياسية على سياساته، من دون تقديم ضمانات حقيقية لإصلاحات جوهرية. ويتابع: «ستظل قدرة هذه المحاور على استقطاب المعارضة مرتبطة بمدى استعداد الحكومة لتقديم تنازلات حقيقية، وفتح المجال أمام مشاركة جميع القوى السياسية دون استثناء».
موقف السُّلطة
من جهة ثانية، تراهن حكومة آبي أحمد بقوة على مسار «الحوار الوطني». ولقد تطرق أحمد إلى ذلك بوضوح في كلمته أمام البرلمان في 7 يوليو الحالي، قائلاً إن «عملية الحوار الوطني في إثيوبيا فرصة تاريخية لمعالجة التحديات السياسية التي تواجهها البلاد، وإرساء توافق اجتماعي وطني جديد وشامل»، داعياً لـ«اغتنام هذه الفرصة النادرة لبناء سلام دائم وتوافق في الآراء».
وأكد الزعيم الإثيوبي أن «الحوار الحقيقي والشامل يبقى السبيل الأمثل والأكثر استدامة لتجاوز الانقسامات التاريخية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وبناء إثيوبيا مسالمة ومستقرة ومزدهرة للأجيال القادمة». وعاد أحمد في انطلاقة المؤتمر، الثلاثاء، ليؤكّد الأمر ذاته بأن «مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي بما يتميّز به من اتساع في النطاق وشمولية في العملية، وطول في المدة، وما قد يسفر عنه من نتائج، يمكن أن يشكل في نواحٍ عديدة نموذجاً يحتذى به لبقية دول أفريقيا». ويرى أنه حذر من أن «تفويت مثل هذه الفرص قد يؤدي إلى كتابة صفحة مؤلمة في التاريخ تتسم بالانقسام بدلاً من التنمية»، في إشارة إلى «غياب ممثلي تيغراي المناهضين للدولة».
أما مسفين أرايا، المفوض العام لـ«الحوار الوطني»، فقال في كلمته، إن الأهداف النهائية لـ«المنتدى» تتمثل في «ترسيخ ثقافة الحوار حول طاولة النقاش، ومعالجة الجراح التاريخية، وبناء رابطة جديدة من الثقة بين المواطنين والقوى السياسية والدولة»، داعياً إلى «تجاوز المصالح الضيقة للفئات، والنظر نحو الأفق الأوسع لإثيوبيا موحدة تنعم بالسلام».
موقف المعارضة
كما سبق، لم يشارك الممثلون المعارضون البارزون للحكومة من إقليمي أمهرة وتيغراي (لا سيما قيادة «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي») في جلسات الإعداد للمنتدى، مع أن «وكالة الأنباء الإثيوبية» أفادت في أبريل (نيسان) الماضي، بـ«مشاركة أحزاب سياسية إقليمية وممثلين عن إقليم تيغراي في الجولات الأولى من المنتدى».
ولقد أعلن حزب «سلساي ويان تيغراي» في يناير (كانون الثاني) الماضي، رفضه ما وصفه بـ«المزاعم المضللة» بشأن مشاركة الإقليم عبر 7 أحزاب في «الحوار الوطني» الإثيوبي، وأشار حينذاك إلى أن تيغراي يفتقر إلى التمثيل الدستوري، ويواجه تحديات سياسية وإنسانية مستمرة.
وأيضاً، أكد بيان صادر عن مكتب شؤون الاتصال في حكومة إقليم تيغراي، المعارضة لآبي أحمد، يوم 13 يوليو الماضي، أن «تيغراي لن يشارك في أي منصة حوار يُقصى منها ولا يحظى فيها بالاعتراف»، ولفت البيان إلى أن «شعب تيغراي تعرّض لانتهاكات جسيمة شملت الإبادة التدمير والمعاناة على يد حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد».
ووفق البيان، أيضاً، فإنه بعد توقيع «اتفاق بريتوريا للسلام» كانت ثمة آمال بعودة وحدة أراضي تيغراي، وانسحاب القوات الموجودة داخل الإقليم، وإطلاق سراح السكان المتضرّرين، وعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم، وبدء إعادة الإعمار والتنمية، إلا أن هذه التوقّعات لم تتحقق.
وقال البيان أيضاً إن «منتدى الحوار يُستخدم لأغراض دعائية، ولا تمثل حواراً حقيقياً»، وشدّد على أن «أي شخص يتكلم باللغة التغرينية ويشارك في تلك الجلسات، إنّما يمثل نفسه أو حزب الازدهار إذا كان من أعضائه أو مؤيديه، ولا يمثل شعب تيغراي أو حكومة الإقليم».
أما في إقليم أمهرة، الذي يضم نحو 20 مليون نسمة، فقد هدَّدت حركة «فانو» بتعطيل العملية الانتخابية، وألغت هيئة الانتخابات التصويت في 8 دوائر فقط من أصل 137. وكانت حركة «فانو» الأمهرية قد أعلنت غير مرة رفض الانخراط في «الحوار الوطني»؛ إذ عدّته «عملية صورية لخدمة مصالح الحزب الحاكم». وهنا تجدر الإشارة إلى أن إثيوبيا شهدت أزمات عديدة؛ بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي، وأودت بحياة مئات الآلاف من الأشخاص، بخلاف نحو مليون نازح.
وبالتوازي، سبق أن اتهمت أديس أبابا في أغسطس (آب) 2023، حركة «فانو» المسلحة في إقليم أمهرة، بأنها «حاولت الإطاحة بالحكومتين المحلية والاتحادية، بعد أيام من القتال الذي دفع السلطات لإعلان مؤقت لحالة الطوارئ وقتها مع استمرار المواجهات بينهما».
مكانة «الحوار»
عبد الشكور عبد الصمد يشدد على أنه مع أهمية المجموعات التي لم تشارك، فإنها لا تستطيع أن تعرقل أو تنتقص من مصداقية ومكانة الحوار الوطني. ولذا، يتوقع أن يسهم الحوار رغم الغياب «في الإجابة عن تساؤلات الشعب الإثيوبي في الحكم والإدارة والثروة وتوزيعها بشكل عادل، وتشكيل مؤسسات الدولة بما يلبي حاجات البلاد لعقد اجتماعي جديد يبني الدولة الوطنية الفاعلة والحيوية والمتماسكة»، ويؤكد أن دولة إثيوبية بهذه المواصفات بعد الحوار «ستكون ركيزة قوية لقرن أفريقي متكامل ومستقر ومزدهر».
في المقابل، يرى كلني أن الغياب المستمر لقوى معارضة بارزة، وفي مقدمتها حركة «فانو» الأمهرية وبعض أجنحة «جبهة تحرير تيغراي»، يُعدّ من «أبرز العقبات أمام نجاح الحوار الوطني... وأن استمرار مقاطعة هذه الأطراف قد يحدّ من شرعية مخرجات المؤتمر، ويجعل أي اتفاقات تصدر عنه عاجزة على إنهاء الصراعات القائمة، خصوصاً في المناطق التي تتمتع فيها تلك القوى بنفوذ سياسي أو عسكري». ويتابع القول إن «غياب اللاعبين الرئيسيين يهدد بتحويل الحوار إلى عملية أحادية؛ وهو ما قد يكرّس الانقسام بدلاً من تجاوزه، ويؤجل فرص الوصول إلى مصالحة وطنية شاملة».
ويخلص كلني إلى أن «الحوار الوطني» فرصة مهمة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والقوى السياسية، لكنه في الوقت ذاته يواجه اختباراً بالغ الصعوبة، فنجاحه لن يقاس بعدد المشاركين أو حجم التمثيل الرسمي، وإنما بقدرته على استيعاب القوى المعارضة، ومعالجة أسباب النزاعات، وتحويل مخرجاته إلى إصلاحات سياسية ودستورية قابلة للتنفيذ.


