تساؤلات حول داعمي «غرفة تحرير الجنوب» في مواجهة «الوطني الليبي»

تزامناً مع عمليات عسكرية على الحدود الجنوبية

آليات عسكرية عند منفذ التوم الحدودي بين ليبيا والنيجر (رئاسة أركان الجيش الوطني الليبي)
آليات عسكرية عند منفذ التوم الحدودي بين ليبيا والنيجر (رئاسة أركان الجيش الوطني الليبي)
TT

تساؤلات حول داعمي «غرفة تحرير الجنوب» في مواجهة «الوطني الليبي»

آليات عسكرية عند منفذ التوم الحدودي بين ليبيا والنيجر (رئاسة أركان الجيش الوطني الليبي)
آليات عسكرية عند منفذ التوم الحدودي بين ليبيا والنيجر (رئاسة أركان الجيش الوطني الليبي)

تتواصل العملية العسكرية التي أطلقها «الجيش الوطني» الليبي، منتصف الأسبوع الحالي ضد «متمردي» مجموعة يقودها المسلح محمد وردقو، قائد ما يُعرف بـ«غرفة عمليات تحرير الجنوب»، في تصعيد جديد يعكس تحديات تفرضها هشاشة الوضع الأمني في أقصى الجنوب، وسط تباين في الروايات بشأن طبيعة هذه المجموعة ومصادر دعمها.

دورية أمنية تابعة لـ«الجيش الوطني» تمشط الحدود الجنوبية في فبراير الماضي (رئاسة أركان الجيش الوطني الليبي)

وجاءت العملية بعد أيام من إعلان الغرفة، الأحد الماضي، سيطرتها على نقطة تفتيش «أرانديغا» التابعة للجيش، وادعائها التقدم باتجاه قاعدة «اللويغ» الجوية، مع نشر مقاطع مصورة قالت إنها لأسرى من قوات الجيش، دون تعليق رسمي من قيادته، ووسط تساؤلات عن داعمي هذه المجموعة.

وفي وقت اتهم فيه مسؤول عسكري بارز في «الجيش الوطني»، تحدث إلى «الشرق الأوسط» مشترطاً عدم نشر اسمه، حكومة «الوحدة الوطنية» الوطنية، بالوقوف وراء تحركات عناصر هذه الغرفة، نفى وزير مقرب من الحكومة، في إفادة مكتوبة مقتضبة، «أي صلة لحكومته» بهذه الاتهامات، رافضاً كذلك الكشف عن هويته.

وتتكرر منذ فبراير (شباط) الماضي تساؤلات من نشطاء ومدونين بشأن الجهة التي تقف وراء هذه الغرفة، فيما ذهب بعضهم إلى وجود علاقة بين وردقو وحكومة «الوحدة»، لا سيما مع تكرار العمليات التي بدأتها الغرفة، وكان أولها الهجوم على منفذ التوم الحدودي مع النيجر.

قائد «غرفة عمليات تحرير الجنوب» محمد وردقو (صفحات مقربة منه)

ويرصد «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، على لسان مديره أشرف بوفردة، هذه الاتهامات المتكررة، ويربطها بما تردد عن حصول «غرفة عمليات تحرير الجنوب» على دعم مزعوم من جهات مرتبطة بوزارة الدفاع بـ«الوحدة الوطنية»، لكن الأخيرة تنفي ذلك.

وبحسب مصادر بحثية معنية بمتابعة تطورات الجنوب الليبي، فإن التسجيلات المصورة التي دأبت «غرفة عمليات تحرير الجنوب» على نشرها توحي بامتلاكها إمكانات لوجستية وتمويلية ليست محدودة، سواء من حيث نوعية العتاد المستخدم، أو القدرة على تنفيذ تحركات لمسافات طويلة عبر الصحراء الجنوبية.

وأضاف بوفردة موضحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن أحد أبرز مصادر التمويل، التي يُعتقد أن المجموعة تعتمد عليها، يتمثل في «شبكات التهريب التي تنشط في الجنوب، سواء تهريب البشر أو المخدرات»، معتبراً أن تحركاتها ترتبط أيضاً بالحفاظ على نفوذها في تلك المسارات غير المشروعة. ورأى أن التشكيلات المسلحة غير الخاضعة لسلطة الدولة، وكذلك الجماعات التي تضم «مرتزقة»، تتحرك غالباً بمنطق «المكاسب والمغانم»، وتسعى إلى تبني شعارات ثورية أو وطنية، أو تحريرية بهدف استقطاب مزيد من المؤيدين.

ولطالما تبنى متمردو «الغرفة» خطاباً يسعى إلى استقطاب دعم شعبي من مكونات الجنوب الليبي، عبر حديث مناهض لـ«الجيش الوطني»، وما يقال إنه إقصاء وتهميش يتعرض له الجنوب.

قائد «الجيش الوطني» الليبي المشير خليفة حفتر (الصفحة الرسمية للقيادة العامة)

ومع استمرار العملية العسكرية لـ«الجيش الوطني»، المعروفة إعلامياً بـ«صيد العقارب»، تواصل وحدات من «اللواء 604» عمليات التمشيط والملاحقة في المناطق الحدودية. ونقلت قناة محلية عن مصدر عسكري، لم تسمه، قوله إن «القوات تمكنت من القضاء على عدد من عناصر المجموعات الأجنبية المسلحة في مواجهات مباشرة على الشريط الحدودي الجنوبي»، صباح الخميس.

وأضاف المصدر أن العملية «لا تزال مستمرة حتى تحقيق كامل أهدافها»، من دون تقديم تفاصيل إضافية.

وكان نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، الفريق أول صدام حفتر، قد أعلن، خلال اجتماع الاثنين الماضي مع قيادات عسكرية في سبها، المضي في ملاحقة «العصابات الإجرامية والخارجين عن القانون» في الجنوب، مؤكداً أنها «لن تجد مكاناً أو مأوى» داخل الأراضي الليبية، دون إشارة إلى العملية الأخيرة التي دأب مقربون من الجيش على القول إنها استهدفت بوابة مهجورة.

في المقابل، واصلت الغرفة نفي تعرضها لخسائر كبيرة أو وقوع اشتباكات واسعة النطاق، وقالت إن الآليات المحترقة التي ظهرت في مقاطع مصورة تعود إلى قوات الطرف الآخر، كما أعلنت استيلاءها على أسلحة وآليات خلال عملياتها الأخيرة، مع إعادة نشر تسجيلات قالت إنها لأسرى من قوات «الجيش الوطني»، وهي مزاعم لم تؤكدها القيادة العامة للجيش.

ويعكس تجدد المواجهات استمرار التنافس على مناطق النفوذ في الجنوب الليبي، الذي يمثل منطقة ذات أهمية استراتيجية بحكم حدوده مع تشاد والنيجر والسودان، واحتضانه ثروات من بينها الذهب، فضلاً عن كونه ممراً رئيسياً للهجرة غير النظامية، وتهريب الوقود والأسلحة والبضائع.

وفي خضم الجدل الدائر والصمت الرسمي، دعا سياسيون ونشطاء إلى ضرورة صدور رواية رسمية أكثر وضوحاً بشأن ما يجري في الجنوب. وقال الناشط السياسي خالد الحجازي إن ترك المجال لمواقع التواصل الاجتماعي لتكون المصدر الرئيسي للمعلومات يفتح الباب أمام الشائعات والاستقطاب، ويزيد من حالة الانقسام.

وانتهى الحجازي إلى القول إن طبيعة المجموعة التي تواجهها قوات «الجيش الوطني» تستدعي توضيحاً رسمياً من مؤسسات الدولة، سواء كانت تمثل اعتداءً من قوات أجنبية، أو جماعات مسلحة مدعومة من الخارج، أو كانت مجموعات خارجة عن القانون، مبرزاً أنه من حق الرأي العام معرفة التوصيف القانوني والسياسي لما يجري، والإجراءات التي تتخذها الجهات المختصة.

وتعيد هذه المواجهات التوتر الأمني إلى الشريط الممتد على قرابة 340 كيلومتراً، بداية من النقطة الثلاثية مع الجزائر غرباً، بالقرب من «ممر السلفادور»، وانتهاءً عند النقطة الثلاثية مع تشاد شرقاً.


مقالات ذات صلة

ما دلالات لقاء وكيل دفاع «الوحدة» الليبية برئيس الاستخبارات المصرية؟

شمال افريقيا رشاد مستقبلاً الزوبي في القاهرة (الوحدة الليبية)

ما دلالات لقاء وكيل دفاع «الوحدة» الليبية برئيس الاستخبارات المصرية؟

تتمسك القاهرة برؤية لحلحلة الأزمة الليبية، تقوم على أهمية الحفاظ على وحدة ليبيا وسلامة أراضيها، وتوحيد المؤسسات الوطنية، والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا أحد قتلى اشتباكات مدينة الزاوية الليبية بدايات مايو الماضي (مركز طب الطوارئ والدعم)

الزاوية الليبية تدفع ثمن «الرصاص المنفلت» مزيداً من الدماء

حاملاً رشاشاً على كتفه، أطلق ميليشياوي، كان في حالة سكر، النار في الزاوية (غرب ليبيا)، ما أثار حالة من الرعب بين سكانها، وأعاد إلى الواجهة ملف تغول التشكيلات.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا خالد محمد علي الهيشري (متداولة)

«الجنائية الدولية» تقضي بإمكان توجيه اتهامات لمشتبه به ليبي

حكم قضاة المحكمة الجنائية الدولية، اليوم الخميس، بإمكان ​توجيه تُهم متعددة إلى الليبي خالد محمد علي الهيشري، المتهم بإدارة أحد أسوأ السجون سُمعة في ليبيا.

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
شمال افريقيا مهاجرة صومالية تحمل ابنها داخل أحد مراكز الاحتجاز والترحيل في بنغازي (رويترز)

تعرض آلاف المهاجرين لـ«انتهاكات جسيمة» على الحدود التونسية الليبية

أعرب خبراء أمميون، اليوم الخميس، عن «قلقهم البالغ» إزاء تقارير عن تعرض آلاف المهاجرين من دول جنوب الصحراء للاحتجاز التعسفي، وعمليات طرد جماعي.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس (أ.ف.ب)

خطة مسعد بولس لإعادة توحيد ليبيا... «رهان محفوف بالمخاطر»

يكثّف مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، جهوده للتقريب بين شرق ليبيا وغربها في محاولة تسوية بين رجال نافذين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

لماذا يرشق الصبية القطارات بالحجارة في مصر؟

تكرار حوادث رشق صبية للقطارات بالحجارة في مصر رغم التحذيرات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)
تكرار حوادث رشق صبية للقطارات بالحجارة في مصر رغم التحذيرات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)
TT

لماذا يرشق الصبية القطارات بالحجارة في مصر؟

تكرار حوادث رشق صبية للقطارات بالحجارة في مصر رغم التحذيرات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)
تكرار حوادث رشق صبية للقطارات بالحجارة في مصر رغم التحذيرات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)

تصدر وزارة النقل المصرية إدانات متكرِّرة بشأن حوادث «رشق صبية للقطارات بالحجارة»، ورغم تحذيرات الوزارة من مخاطر ذلك، فإنَّ تكرار الوقائع يطرح تساؤلات حول أسباب قيام الصبية بهذا السلوك.

ومع تداول مقاطع لأحدث وقائع رشق القطارات أخيراً بمحافظة أسوان (جنوب البلاد)، شدَّدت الحكومة على ضرورة «محاسبة المتورطين في حوادث رشق القطارات، وعدم التهاون أو التسامح مطلقاً مع أي سلوك تخريبي يهدِّد أمن وسلامة ركاب النقل الجماعي». وأشارت وزارة النقل، الجمعة، إلى أنَّ «هذه التَّصرُّفات لا تقتصر على خسائرها المادية، لكنها تُعرِّض ركاب القطارات للخطر».

وتعددت تفسيرات الخبراء بشأن دوافع رشق صبية للقطارات. وأشاروا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «غياب الوعي الكافي، والتنشئة غير السليمة من الأسباب الرئيسية لهذه الحوادث».

واستنكرت «النقل»، الأسبوع الماضي، «قيام مجموعة من الصبية برشق أحد قطارات السكك الحديدية بالحجارة في أثناء سيره بنطاق محافظة أسوان»، وتحدَّثت في إفادة لها عن وقوع «خسائر مادية إثر ذلك».

ويوجِّه وزير النقل كامل الوزير، باتخاذ الإجراءات القانونية بالتنسيق مع وزارة الداخلية وشرطة النقل والمواصلات، «لتحديد هوية مرتكبي هذه الوقائع وملاحقتهم قضائياً، وتقديمهم للمحاكمة العاجلة».

ويشدِّد على أنَّه «لا تهاون أو تسامح مطلقاً مع أي سلوك تخريبي يهدِّد أمن وسلامة مستقلي وسائل النقل الجماعي».

وكان وزير النقل قد أجرى، الخميس، اتصالاً هاتفياً بسيدة مصرية وثَّقت واقعة رشق قطار أسوان، وأشاد بدورها في «التصدي لصبية في أثناء رشق القطار»، عاداً ذلك «موقفاً وطنياً يعكس قدراً من الوعي والمسؤولية الإيجابية»، حسب وزارة النقل.

ووفق مديرة «المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية» هالة رمضان: «تأتي غالبية حوادث رشق القطارات بالحجارة من صبية في مرحلة المراهقة».

وتقول: «إن طبيعة المرحلة العمرية، والإحساس بالمغامرة والتحدي قد يدفعان بعضهم لارتكاب حوادث رشق القطارات». وتوضح، أن من الأسباب الأساسية «غياب الوعي الكافي لدى هؤلاء الصبية بأهمية الحفاظ على الملكيات العامة».

وترى رمضان، أن «مشكلات التنشئة من العوامل الأساسية وراء ارتكاب مثل هذه الحوادث»، وتقول، إن «القصد في الإيذاء والإضرار، من السلوكيات التي تعبِّر عن حالة الاعتراض لدى بعض الشرائح».

الحكومة المصرية تشدد على محاسبة المتورطين في حوادث رشق القطارات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)

وتُشكِّل العقوبة الفورية لمثل هذه الوقائع جزءاً من إجراءات الردع والمواجهة لحوادث رشق القطارات، بحسب هالة رمضان، غير أنَّها أشارت إلى ضرورة «اتخاذ إجراءات أخرى للمواجهة، من بينها أن تكون هناك أدوار لمؤسسات التنشئة العامة، وعقد لقاءات توعوية للشباب في المناطق التي تتكرَّر فيها حوادث رشق القطارات للتحذير من مخاطر هذا السلوك».

وتقدم وزارة النقل رسائل توعوية مستمرة بمخاطر سلوك رشق القطارات بالحجارة، وتكثِّف من المناشدات وفيديوهات التوعية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتؤكد في رسائلها أن «الحفاظ على مرفق السكك الحديدية مسؤولية مجتمعية مشتركة».

أستاذ السلوك الأسري، خبير التنمية البشرية طارق إلياس، يرى أن «وقائع رشق القطارات بالحجارة تعبِّر بالأساس عن حالة من الاعتراض المجتمعي لبعض الفئات التي تشعر بالتهميش». وأشار إلى أن «تحقيقات النيابة العامة مع بعض الصبية المتهمين في مثل هذه الوقائع، أكدت أن الدافع الأساسي هو التعبير عن رفض واقعهم المعيشي الصعب».

وتأتي الأمية لتضاف إلى أسباب التعدي على القطارات، وفق إلياس الذي قال: «إن تحقيقات سابقة مع بعض المتهمين في مثل هذه الحوادث، أظهرت تسرُّبهم من التعليم؛ نتيجة لعدم قدرة الأسر على تحمُّل النفقات». وأشار إلى أنَّ من العوامل أيضاً «الإدمان وتعاطي المخدرات».

كما نوه إلى أنَّ «الحل الأمني لن يمنع هذه الوقائع». وقال: «الدور الأكبر في المواجهة يقع على مؤسسات المجتمع المدني التي يجب أن تكثِّف من التوعية بمخاطر مثل هذه الحوادث».


ما دلالات لقاء وكيل دفاع «الوحدة» الليبية برئيس الاستخبارات المصرية؟

رشاد مستقبلاً الزوبي في القاهرة (الوحدة الليبية)
رشاد مستقبلاً الزوبي في القاهرة (الوحدة الليبية)
TT

ما دلالات لقاء وكيل دفاع «الوحدة» الليبية برئيس الاستخبارات المصرية؟

رشاد مستقبلاً الزوبي في القاهرة (الوحدة الليبية)
رشاد مستقبلاً الزوبي في القاهرة (الوحدة الليبية)

وسّعت طرابلس والقاهرة نطاق التشاور والمباحثات بشأن شواغل سياسية وأمنية تمر بها ليبيا راهناً، لا سيما فيما يتعلق بتفعيل «المبادرة الأميركية»، التي يُفترض أن تسهم في تدشين حكومة موحدة، تقود البلاد إلى إنهاء الانقسام الذي تعيشه منذ قرابة 12 عاماً.

والتقى اللواء حسن رشاد، رئيس جهاز الاستخبارات العامة المصرية، في مدينة العلمين، وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، الفريق عبد السلام الزوبي، الخميس، في أول زيارة رسمية له إلى مصر، استهدفت التباحث بشأن الموقف من المبادرة، التي يرعاها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً رشاد في طرابلس (مكتب الدبيبة)

وتتمسك القاهرة برؤيتها لحلحلة الأزمة الليبية، التي تنطلق من «أهمية الحفاظ على وحدة ليبيا وسلامة أراضيها، وتوحيد المؤسسات الوطنية، والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة عبر مسار ليبي - ليبي خالص، يمهد لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية».

ويرى متابعون أن القاهرة تتحسب لأي خطوات غير مدروسة، قد تؤدي إلى تعميق الانقسام في ليبيا، بدلاً من الدفع نحو توحيد مؤسساتها على أسس مؤسسية مستقرة. مشيرين إلى أن حكومة «الوحدة» لم تعلن حتى الآن موقفاً واضحاً من «المبادرة الأميركية»، التي تُجرى بشأنها مشاورات، وهي من بين الملفات التي تناقشها مع القاهرة.

ولم تعلن القاهرة فحوى لقاء رشاد والزوبي، لكن حكومة «الوحدة» في طرابلس قالت إنه يأتي في إطار «التشاور المستمر بين الجانبين بشأن مستجدات الأوضاع في ليبيا، وتعزيز التنسيق المشترك، بما يخدم أمن واستقرار البلدين».

كما أشارت إلى أن اللقاء «تناول عدداً من القضايا ذات الاهتمام المشترك، من بينها تطورات المشهد الليبي، وسبل دعم جهود توحيد المؤسسات الوطنية، وتعزيز التعاون الأمني والعسكري، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار وتهيئة البيئة الملائمة للمضي في المسار السياسي».

وتطرق اجتماع رشاد والزوبي إلى «بحث آليات تكثيف التنسيق والتشاور إزاء التحديات الأمنية الإقليمية»، مؤكدين أهمية مواصلة العمل المشترك بما يعزز الأمن والاستقرار في المنطقة، ويحفظ المصالح المشتركة للبلدين.

ويأتي لقاء رشاد والزوبي وسط أحاديث ليبية غير رسمية عن مفاوضات تحتضنها مدينة جنيف بشأن اختيار حكومة جديدة، وهي الأنباء التي لم ينفها أو يؤكدها مسؤول حكومي كبير من غرب ليبيا.

ويدفع مستشار ترمب باتجاه تفعيل مبادرة - غير مكتوبة - ينظر إليها بعض الرافضين على أنها «تعمل على تقسيم ليبيا بين عائلتي الدبيبة وحفتر»، لكن بولس نفى ذلك، وقال إنها تستهدف إنهاء الانقسام العسكري والأمني والاقتصادي.

وأجرى بولس زيارات مكوكية إلى القاهرة ومصراتة وطرابلس خلال الأيام الماضية، كما زار رشاد ليبيا على رأس وفد رفيع المستوى، وتطرق في مباحثاته مع الدبيبة إلى مستجدات الأزمة الليبية. واكتفى الأخير بالقول إن الاجتماع بحث «آفاق تطوير التعاون المشترك، بما يسهم في دعم جهود التنمية، وتحقيق المصالح المشتركة للبلدين».

روبيو وصدام حفتر خلال لقاء سابق في واشنطن (القيادة العامة)

وتقوم «المبادرة الأميركية» على إسناد رئاسة المجلس الرئاسي الجديد إلى صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، بينما يتم الإبقاء على الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة، يجري العمل على تشكيلها راهناً، وفق مصادر.

وكانت قيادات عسكرية وأعيان وحكماء ومؤسسات مجتمع مدني في مصراتة قد أبلغوا بولس أسباب رفضهم لمبادرته، متمسكين برفضهم لما سموه «عسكرة ليبيا»، أو «الدفع بشخصيات غير نزيهة أثبتت التقارير الدولية تورطها في قضايا فساد، أو انتهاكات لحقوق الإنسان».

وفي مسار موازٍ، وبشكل مفاجئ، أعلن ما يسمى بـ«ملتقى الحوار السياسي»، خلال اجتماع عقده في جنيف، الجمعة، وبشكل مستقل، اختيار الليبي مصطفى المجذوب رئيساً لحكومة ليبية، بينما قال المتحدث باسم بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، محمد الأسعدي، لـ«الشرق الأوسط»: «ليس لنا أي صلة بهذا الحديث».

وفتح تأجيل توقيع الاتفاق النهائي بين الفرقاء الليبيين الباب أمام جولة جديدة من التفاوض، بعدما انتهى اجتماع أممي في تونس، الثلاثاء الماضي، دون حسم الخلافات بشأن رئاسة المفوضية العليا للانتخابات، والإطار القانوني للاستحقاق الانتخابي.


«تظلمات» الاستبعاد من «بطاقات التموين» لا تهدئ قلق أسر مصرية

 الحكومة المصرية بدأت أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين من مواطنين غير مستحقين (رويترز)
الحكومة المصرية بدأت أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين من مواطنين غير مستحقين (رويترز)
TT

«تظلمات» الاستبعاد من «بطاقات التموين» لا تهدئ قلق أسر مصرية

 الحكومة المصرية بدأت أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين من مواطنين غير مستحقين (رويترز)
الحكومة المصرية بدأت أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين من مواطنين غير مستحقين (رويترز)

لم تهدئ إجراءات «التظلم» الحكومية بسبب الاستبعاد من «بطاقات التموين» (المخصصة للسلع) قلق أسر مصرية، ورغم حذف آلاف المواطنين فإن عدداً قليلاً جداً شرع في التقدم بـ«تظلمات».

الأربعيني محمد فرج، الذي يعمل في جهة حكومية شرق القاهرة، ويقيم في محافظة القليوبية المتاخمة للعاصمة المصرية، يقول: «لا أجد أي فائدة من التظلم، فلن تعود البطاقة التموينية مرة أخرى»، ويضيف أن «حديث الحكومة بشأن التظلمات لم يهدئ قلق أسرتي حول عودة التموين من جديد».

ورغم أن فرج يعول أسرة مكونة من طفلين وزوجة، ويمتلك سيارة موديل 2002، فإنه تم استبعاده بلا أي سبب واضح، قائلاً: «الرسالة التي وصلتني أنه تم إيقاف البطاقة، وإذ كنت ترغب في عودتها عليك بالتظلم».

فرج دخله الشهري أقل من 5 آلاف جنيه (الدولار الأميركي يساوي 50.5 جنيه) وطفليه في تعليم حكومي (تجريبي)، ويسكن في منزل والده، وليس لديه أي أملاك زراعية. ويوضح: «كنت أحصل على دعم السلع، وفق بطاقة التموين لي وزوجتي، وحاولت كثيراً إضافة أبنائي للبطاقة، إلا أنها توقف نهائياً الآن».

وحددت وزارة التموين والتجارة الداخلية مؤشرات للاستبعاد من بطاقات التموين من بينها «امتلاك سيارات حديثة أو مرتفعة القيمة أو امتلاك أكثر من سيارة أو استيراد سيارات من الخارج، أو الإقامة في تجمعات سكنية فاخرة، أو سداد مصروفات التعليم الدولي أو الخاص، أو امتلاك شركات، أو حيازة أراضٍ زراعية تزيد مساحتها على 10 أفدنة».

وبدأت الحكومة أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين، وأعلنت حذف نحو 850 ألف مواطن من حاملي هذه البطاقات، وسط انتقادات واسعة وتحذيرات من تأثيرات اجتماعية سلبية تطول قطاعات واسعة من المصريين الذين يعتمدون على «الدعم التمويني» لمواجهة الأعباء المعيشية.

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة يرى أن «تنقيح بطاقات التموين يجب أن يُصاغ ويُعاد كل مدة زمنية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «التحول من الدعم العيني إلى (النقدي) الذي أعلنت عنه الحكومة يكون عبر آليات تنقيح البطاقات التموينية باستهداف الشرائح غير المستحقة».

إلا أنه يشير إلى أن «هذا التنقيح ليس فقط باستبعاد البعض، لكن لا بد أن يكون بدخول آخرين». ويشرح: «لو مواطن تم استبعاده من البطاقة التموينية بسبب زيادة دخله الشهري بشكل مؤقت لأي سبب، هل سيعاد مرة أخرى حال انخفاض دخله؟».

ودعا بدرة إلى «منظومة محايدة من وزارات عدة، وألا يكون قرار الاستبعاد في يد موظف واحد». ويضيف: «يجب أن تكون هناك مرونة قبل تطبيق الإجراءات في بطاقات التموين التي يحصل بها المواطن على دعم عيني أو نقدي».

وبحسب مساعد وزير التموين، المتحدث الرسمي للوزارة أحمد كمال فإن «التموين» تلقت نحو 4700 تظلم فقط منذ فتح باب الاعتراض على قرارات استبعاد غير المستحقين من منظومة الدعم. ورأى أن «محدودية هذا العدد تعكس دقة المعايير التي استندت إليها الوزارة في مراجعة وتنقية قواعد بيانات المستفيدين».

وأوضح في تصريحات متلفزة، مساء الخميس، «أن منظومة التظلمات تعتمد على آليات دقيقة لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، وأن الوزارة تستقبل طلبات التظلم عبر أكثر من 1085 مكتب تموين و412 مركز خدمة في مختلف المحافظات، وجميع الطلبات تخضع للمراجعة إلكترونياً».

كما نفى أن «يكون التحاق الأبناء بالمدارس الخاصة العادية سبباً مباشراً للاستبعاد من منظومة الدعم». وتحدث عن بعض المعايير التي وفقها يتم الاستبعاد مثل أن بعض الأسر يصل متوسط دخلها الشهري إلى نحو 50 ألف جنيه.

وزارة التموين تؤكد استمرار حرصها على ضمان حق المواطنين في التظلم بسبب الاستبعاد من بطاقات التموين (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

وتُطبق الحكومة منذ عقود منظومة البطاقات التموينية لدعم السلع الأساسية بهدف خفض أعباء المعيشة عن «الفئات الأَوْلى بالرعاية». ويستفيد نحو 68 مليون مواطن من هذه المنظومة، حسب «التموين».

حول إحجام بعض المواطنين عن تقديم «تظلمات» بسبب الاستبعاد وتصاعد الشعور بالقلق لديهم، تحدثت أستاذة علم النفس السياسي بـ«المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية» سوسن فايد عن «معادلة صعبة»، ألا وهي «إرضاء المواطنين من جهة وتحقيق توازن اقتصادي في الدولة من جهة أخرى». وتقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك أزمة ثقة بين الإجراءات التي تتخذها الحكومة والقاعدة الشعبية بسبب مواقف تاريخية قديمة، بأن المواطن لم يحصل على حقه من خلال التظلم في مواقف سابقة».

لكنها تشير إلى أن «هذا العدد القليل في التظلمات قد يكون هو العدد الفعلي لمن يستحقون».

«التموين» تلقت نحو 4700 تظلم فقط منذ فتح باب الاعتراض على قرارات استبعاد غير المستحقين من منظومة الدعم (رويترز)

حالة المصري محمد فرج تتشابه مع حالات كثيرة لا تعرف أسباب استبعادها من بطاقات التموين، فالأربعيني محمود (فضل عدم ذكر اسمه الثاني) يعمل في مؤسسة حكومية، ولديه أولاد في مراحل تعليمية مختلفة (مدارس قومية)، لا يعرف سبباً لاستبعاده، ويقول: «ليس لديَّ دخل سوى راتبي، ولا أمتلك سيارة»، لكنه «لا يضمن عند التظلم أن يعود له حقه».

وكان رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي أكد، الخميس الماضي، أن «باب التظلمات لا يزال مفتوحاً أمام المواطنين الذين تم استبعادهم من البطاقات التموينية»، وأن «الحكومة تتعامل مع هذه الطلبات بجدية، وتقوم بدراستها للتأكد من استحقاق أصحابها».

ورفعت مصر قيمة «الدعم» في الموازنة الجديدة العام الحالي إلى 175 مليار جنيه بدلاً من 160 مليار جنيه العام الماضي. وتقول «التموين» إن «ذلك يعكس استمرار الدولة في توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، ودعم الفئات الأولى بالرعاية».