لبنان ينجح بفصل مساره التفاوضي مع إسرائيل عن المحادثات الإيرانية

تثبيته ينتظر آليات التنفيذ... ودعم ألماني - فرنسي لبيروت

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي الحزب وإيران في ضاحية بيروت الجنوبية خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي (إ.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي الحزب وإيران في ضاحية بيروت الجنوبية خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي (إ.ب.أ)
TT

لبنان ينجح بفصل مساره التفاوضي مع إسرائيل عن المحادثات الإيرانية

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي الحزب وإيران في ضاحية بيروت الجنوبية خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي (إ.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي الحزب وإيران في ضاحية بيروت الجنوبية خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي (إ.ب.أ)

نجح لبنان الرسمي، إلى حدّ كبير، بفصل المسار التفاوضي اللبناني عن المسار الإيراني، عبر اتفاق يبدأ تنفيذه في منطقة تجريبية، تُحسم جغرافيتها وآليات تنفيذها في اجتماع تقني يُعقد عبر تقنية الفيديو بين ممثلين للجيشين اللبناني والإسرائيلي برعاية ووساطة من الجيش الأميركي.

ولطالما أصرّ «حزب الله» على ربط المسار اللبناني بمسار المفاوضات الإيرانية - الأميركية، فيما افتتح لبنان مساراً مستقلاً في واشنطن، أثمر بعد خمس جولات تفاوضية الاتفاق الإطاري الذي ينصّ خصوصاً على نزع سلاح «حزب الله»، وانسحاب إسرائيل تدريجياً من الأراضي التي توغلت إليها في جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني بدءاً من «منطقتين تجريبيتين». واتفق الجانبان، الأربعاء، على استكمال هيكلية مناطق تجريبية والبدء بتنفيذها خلال أيام، وتوضع لها، الجمعة، التفاصيل التقنية.

دورية للجيش اللبناني في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وقالت مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن ما تم التوصل إليه، بالمبدأ، نجح إلى حد كبير بفصل المسارين التفاوضيين، لكن الأمور لا يمكن أن تُحسم قبل نجاح تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، شارحاً أنه «إذا تم الاتفاق على التنفيذ في الاجتماع التقني، الجمعة، وتم تحديد القرى التي ستُختبر بها المنطقة النموذجية وبدأ التنفيذ بسلاسة، فسيكون ذلك أول خطوة عملية على طريق عزل المسارين».

الخيار الوحيد المتاح

ولطالما دافع الرئيس اللبناني جوزيف عون عن خياره بالتفاوض، بوصفه الخيار الوحيد المتاح كبديل عن الحرب، كما أكد أن المسعى يهدف إلى تثبيت سيادة لبنان، وحقه السيادي في التفاوض عن نفسه، لا أن يفاوض أي طرف آخر عن لبنان.

عسكريون من الجيش اللبناني ينتشرون في إحدى البلدات المتوقع أن تكون ضمن المنطقة التجريبية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وقالت مصادر وزارية قريبة من الرئاسة اللبنانية، إن عون «عندما ذهب إلى خيار التفاوض، كان يعرف أن الصدى لن يكون إيجابياً في الداخل، وتحديداً من جهة (حزب الله)، لكن هذا الخيار هو الوحيد المتاح أمام الدولة لوقف الحرب والدمار، وإعادة السكان إلى بلداتهم».

وسألت المصادر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «تحرير القرى تدريجياً، أليس أفضل من بقاء الاحتلال والحرب؟»، لافتة إلى أن تجربة الاحتلال بين عام 1982 والانسحاب الإسرائيلي في عام 2000 «استمرت 18 عاماً، لذلك لا يمكن التوقف عن التحركات الدبلوماسية والمبادرة إلى حل يعيد أبناء القرى الحدودية ليعيدوا أعمارها والعيش بسلام»، لافتة إلى أن «ظروف المنطقة اليوم مواتية جداً للجانب الإسرائيلي للاستمرار بالاحتلال، في ظل دعم أميركي غير محدود، لذلك لا بد من المبادرة واستخدام أوراق الضغط الأميركية على إسرائيل لصالح لبنان».

وقالت المصادر: «لا يطلب الرئيس إطراء من أحد إذا نجح المسار، ما يهمه هو تحقيق الأهداف التي تتمثل في تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب الجيش الإسرائيلي، وإعادة السكان إلى جنوب لبنان، وإعادة إعمار ما هدمته الحرب، وتثبيت الاستقرار، وهو ما يعمل عليه مستفيداً من الضغوط الأميركية على تل أبيب».

تدخل ودعم أميركيان

وتعثرت المفاوضات في الجولة الخامسة في يونيو (حزيران) الماضي، إثر الإصرار الإسرائيلي على عدم تقديم أي ضمانات بالانسحاب من لبنان، مما اضطر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو للتدخل، والضغط على الجانب الإسرائيلي لتقديم تنازلات أثمرت اتفاق الإطار الذي تم التوقيع عليه من قبل الطرفين في الخارجية الأميركية.

وقالت مصادر مواكبة للاتفاقات الأخيرة إن الجانب الأميركي «يواصل الضغط على تل أبيب لتنفيذ الاتفاقات، ويضغط باتجاه انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية، ولو تدريجياً، على أن يراقب الجانب الأميركي التزامات الطرفين ومعالجة أي خلل».

دعم ألماني - فرنسي

ويستفيد لبنان أيضاً من اندفاعة فرنسية - ألمانية لدعم الدولة اللبنانية. وقالت مصادر دبلوماسية مواكبة للاتصالات الألمانية - الفرنسية لـ«الشرق الأوسط» إن «برلين وباريس ترتبطان بالفعل بتعاون وثيق فيما يتعلق بسياستهما تجاه لبنان، سواء على المستوى الثنائي أو في إطار الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة»، مؤكدة: «إننا نعتزم تعزيز هذا التعاون وتعميقه بصورة أكبر».

وقالت المصادر: «قبيل انعقاد الاجتماع الألماني – الفرنسي، هذا الأسبوع، يبقى هدفنا المشترك هو دعم دولة لبنانية ذات سيادة، مستقرة، وماضية في مسار الإصلاح، إلى جانب التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701».

«حزب الله» يتوعد بإسقاط الاتفاق شعبياً

وفي مقابل هذا الحراك والدعم الدولي، يعارض «حزب الله» هذا الاتفاق من أساسه، ولا يكف عن انتقاد رئيس الجمهورية، وقال النائب عنه حسن فضل الله في تصريح من مجلس النواب: «إنَّ معارضة الاتفاق المشؤوم من غالبية اللبنانيين هي معارضة وطنيّة خارج الاصطفافات السياسيَّة والطائفيَّة المعروفة، ولن تنفع محاولات تلميع هذا الاتفاق فنصوصه واضحة؛ إذ ينهي وجود لبنان بوصفه دولة مستقلَّة ويشرِّع الاحتلال وممارساته الإجراميّة، ويستبدل مناطق تجريبية بالانسحاب، وتُخضع جيشنا الوطني لاختبارات يجريها جيش العدو (الإسرائيلي)، ويمنع عودة النازحين وإعادة الإعمار، ويجعل هذه السلطة شريكة له في كلِّ نقطة دمٍ يسفكها أو بيت يهدمه»، مضيفاً: «إنّه اتفاق غير قابل للحياة، ولن يتمكّن الصهاينة من فرض تطبيقه، وسيسقط شعبنا مفاعيله على الأرض».

ورأى فضل الله أنَّ «تجاهل الموقف الوطني السياسي والشعبي الرَّافض للاتفاق، ورهن مصير العهد للشروط الأميركيّة، سيؤدِّيان إلى وضع لبنان تحت الاحتلال الإسرائيلي، والوصاية الأميركية الكاملة، ويقوِّض سيادة الدّولة، ويزيد الهوَّة بين العهد وغالبية اللبنانيين، ولذلك فإنَّ الفرصة لا تزال متاحة لهذا العهد كي يخرج من المسار الخطير الذي وضع نفسه والبلد فيه، والعودة إلى منطق الدولة القائمة على الشراكة والتفاهم والتزام موجبات الميثاق والدستور، بما يصون وحدة لبنان وسلامة أراضيه وحريته واستقلاله».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تستأنف إنذارات الإخلاء في جنوب لبنان وتوسع القصف إلى النبطية

المشرق العربي سكان محليون ينقلون جثة ضحية قتلت في غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة عربصاليم جنوب لبنان (إ.ب.أ)

إسرائيل تستأنف إنذارات الإخلاء في جنوب لبنان وتوسع القصف إلى النبطية

خرقت إسرائيل القواعد الميدانية غير المعلنة التي أرساها اتفاق وقف إطلاق النار في يونيو الماضي، إذ استأنفت إنذارات الإخلاء في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد جراء تفجير نفذته القوات الإسرائيلية في بلدة كفرتبنيت جنوب لبنان الأسبوع الماضي كما بدا من منطقة مرجعيون (أ.ف.ب)

لبنان يضغط باتجاه وقف إطلاق النار لاستكمال المفاوضات مع إسرائيل

يضغط لبنان باتجاه وقف إطلاق النار الإسرائيلية في جنوب لبنان بوصف ذلك مقدمة للانتقال نحو التفاوض على الخطوات المقبلة.

صبحي أمهز (بيروت)
تحليل إخباري جندي في «اليونيفيل» يراقب عبر منظار التطورات بجنوب لبنان (يونيفيل)

تحليل إخباري هل يصمد الـ«1701» بعد مغادرة «اليونيفيل» جنوب لبنان؟

يدخل القرار الدولي «1701»، الذي نظّم إلى حد كبير الوضعية بين لبنان وإسرائيل منذ عام 2006، مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب نهاية ولاية «اليونيفيل».

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي صورة التقطتها الأقمار الاصطناعية تُظهر أضراراً في مرتفعات علي الطاهر قرب النبطية جنوب لبنان (رويترز)

خطة إسرائيلية «رمادية» للانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية

خطة إسرائيلية لاقتصار الاحتلال على مسافة 2-4 كيلومترات من الحدود الدولية، في العمق اللبناني.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص سكان يتفقدون الدمار في صباح اليوم التالي لغارة جوية ليلية شنها الجيش الإسرائيلي واستهدفت قرية ميفدون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

خاص سندات لبنان تسعّر التعافي قبل اكتمال التسوية

تغرّد «سندات لبنان الدولية (اليوروبوندز)» خارج نطاق الخسائر المالية الجسيمة الناجمة عن جولات الحرب، وبمنأى عن حال الانكماش الحاد التي أصابت المؤشرات الاقتصادية.

علي زين الدين (بيروت)

إسرائيل تستأنف إنذارات الإخلاء في جنوب لبنان وتوسع القصف إلى النبطية

سكان محليون ينقلون جثة ضحية قتلت في غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة عربصاليم جنوب لبنان (إ.ب.أ)
سكان محليون ينقلون جثة ضحية قتلت في غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة عربصاليم جنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تستأنف إنذارات الإخلاء في جنوب لبنان وتوسع القصف إلى النبطية

سكان محليون ينقلون جثة ضحية قتلت في غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة عربصاليم جنوب لبنان (إ.ب.أ)
سكان محليون ينقلون جثة ضحية قتلت في غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة عربصاليم جنوب لبنان (إ.ب.أ)

خرقت إسرائيل القواعد الميدانية غير المعلنة التي أرساها اتفاق وقف إطلاق النار في يونيو (حزيران) الماضي، إذ استأنفت إنذارات الإخلاء في جنوب لبنان، وشنّت غارات جوية استهدفت مرافق حيوية في مدينة النبطية، ما أدى إلى مقتل 4 أشخاص، وهو ما نددت به الدولة اللبنانية، إذ اعتبر رئيسها جوزيف عون ما جرى «تصعيداً خطيراً»، فيما أكد رئيس البرلمان نبيه بري أن إسرائيل تحوّل الجنوب إلى «صندوق اقتراع بالدم».

وللمرة الأولى منذ أسابيع، أصدر الجيش الإسرائيلي إنذار إخلاء لقصر في بلدة عربصاليم الواقعة شمال مدينة النبطية، قبل استهدافه، فيما نفذت غارات جوية في المدينة أدت إلى تدمير مستشفى وقصر أثري، وتضرر مركز المالية في واحدة من أكبر مدن جنوب لبنان.

مواطنون ومسعفون يشاهدون الدخان الناتج عن غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة عربصاليم بجنوب لبنان (أ.ب)

وجاء هذا التصعيد بعد 3 أيام على إعلان الجيش الإسرائيلي السيطرة على مرتفعات «علي الطاهر» الاستراتيجية الواقعة شرق المدينة، فيما أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية أن الجيش يستعد لتفجير نفقين في المرتفع، وأنه استحضر آليات هندسية ومتفجرات لتنفيذ عملية النسف.

4 قتلى

وأسفرت الضربات التي تركزت في منطقة النبطية، إحدى كبرى مدن جنوب لبنان، عن مقتل 4 أشخاص، بينهم امرأتان على الأقل، حسب وزارة الصحة. وأسفرت عن تدمير منازل، وألحقت أضراراً بمبانٍ، أحدهما تابع للدولة اللبنانية، إضافة إلى تدمير مستشفى غندور المتوقف عن العمل.

وقالت وزارة الصحة إن شخصين قُتلا في بلدة النبطية الفوقا، قرب النبطية، وقُتلت امرأتان في بلدة عربصاليم الواقعة على بعد بضعة كيلومترات، في حين أصيب 20 شخصاً في مناطق عدة بجروح، من بينهم نساء و3 أطفال.

وقالت الوزارة إن غارة على النبطية الفوقا دمرت مستشفى صلاح غندور، المتوقف عن العمل، مندّدة بـ«انتهاك جسيم إضافي للقانون الإنساني الدولي».

إطلاق مسيّرتين

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه شنّ هذه الغارات ردّاً على إطلاق «حزب الله» مسيّرتين على جنوده في «المنطقة الأمنية» التي يقيمها في جنوب لبنان، معتبراً أنه يُشكل انتهاكاً لوقف إطلاق النار.

وفي بيان لاحق، قال إنه «هاجم مستودعات وسائل قتالية» تابعة لـ«حزب الله» «لتخطيط وتوجيه مخططات إرهابية في المنطقة الأمنية»، إضافة إلى «مقر قيادة... قُيم داخل مبنى كان يُستخدم سابقاً مستشفى» في جنوب لبنان.

وحسب الجيش، سبق لعناصر من الحزب أن «عملوا... من داخل المقر»، واستخدموه لغايات «الاستطلاع والمدفعية».

سكان محليون يتفقدون الدمار الناتج عن غارة إسرائيلية استهدفت قصراً في بلدة عربصاليم في جنوب لبنان (أ.ب)

وأفادت صحيفة «معاريف» العبرية بأن «حزب الله» «أنشأ مجمّعاً للقيادة المركزية التابعة لـ(قوة بدر) على مرتفع علي طاهر. ويصف الجيش الإسرائيلي النفقين اللذين يمتدان مئات الأمتار ويتفرع منهما عدد من الأنفاق الفرعية، بأنهما (قاعدة الكرياه) التابعة لـ(حزب الله) في جنوب لبنان».

إنذار إخلاء وقصف

وكان الجيش الإسرائيلي قد أصدر صباحاً إنذاراً لسكان مبنى في عربصاليم، إضافة إلى مبانٍ مجاورة له، لإخلائها، قائلاً إنها قريبة من منشأة لـ«حزب الله». ولم تُصدر أي إنذارات للسكان في المناطق الأخرى التي تعرّضت للقصف. لكن «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية، نقلت أن سلاح الجو الإسرائيلي أغار أولاً على بيت آخر في عربصاليم لم يشمله الإنذار، ما أسفر عن مقتل المرأتين، قبل أن يغير على المنزل المُحدد. وفي موقع الضربة الثانية؛ حيث قتلت امرأتان، ظهر بين الأنقاض فراش وأثاث بينما تضرّرت المباني المجاورة أيضاً.

وفي النبطية، غطّى الركام المكاتب والكراسي داخل مبنى يضم مؤسسات حكومية تابعة لوزارتي «المالية» و«الزراعة»، بعد غارة إسرائيلية.

تنديد رسمي

وأثار التصعيد الإسرائيلي تنديداً رسمياً، إذ قال الرئيس اللبناني جوزيف عون، في بيان: «إن هذا الاستهداف يُشكل تصعيداً خطيراً يتجاوز حدود الخروقات المتكررة لاتفاق وقف الأعمال العدائية واتفاق الإطار، ليطول هذه المرة مؤسسات الدولة اللبنانية ومرافقها الخدماتية التي تُعنى بشؤون المواطنين ومصالحهم الحياتية، إضافة إلى مستشفى ومراكز صحية».

وأشار عون إلى أن استهداف مبنى وزارة المالية، بعد استهداف مركز أمن الدولة الذي سبق أن أدى إلى سقوط شهداء، «يكشف نمطاً متمادياً من الاعتداءات يتخطى الأهداف العسكرية المزعومة إلى إدارات مدنية بحتة ومراكز صحية، بما يعكس نية واضحة لضرب استمرارية عمل المؤسسات اللبنانية، وتعطيل مصالح الناس اليومية».

وحمّل عون الجانب الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن هذا التصعيد المستمر، مطالباً الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي بالتحرك العاجل لوقف هذه الخروقات ومحاسبة مرتكبيها، مؤكداً أن لبنان، رغم كل هذه الاعتداءات، ماضٍ في التزامه بما يصون سيادته واستقرار جنوبه وسلامة مواطنيه.

بدوره، أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري أن «سفك إسرائيل دماء المدنيين من أطفال ونساء وآمنين، ومواصلة حرب الإبادة وتدمير المنازل والقرى، هي جرائم في طبيعتها وحجمها ترقى إلى جرائم إرهاب الدولة، وهي مدانة ومستنكرة، وتدل على أن إسرائيل، ومن خلال مواصلة حربها التدميرية على هذا النحو الدموي غير المسبوق، تثبت بالدليل القاطع أنها لم تلتزم بأي صيغة من صيغ وقف إطلاق النار، وأنها متفلتة من كل القواعد والاتفاقيات والتفاهمات. وهي الآن، بكل مستوياتها السياسية والعسكرية، ماضية في تحويل الجنوب وأهله وممتلكاتهم إلى صندوق اقتراع بالدم، في سباق الانتخابات المقبلة، في معركة يتنافس فيها الجميع حول مَن يقتل، ومَن يدمر أكثر».

وأكد أن ما حصل ويحصل في الجنوب «بقدر ما هو مسؤولية دولية تستدعي تدخّلاً عاجلاً لوقف الحرب على لبنان وجنوبه، هو أيضاً مسؤولية وطنية تستوجب من كل الأطراف الوقوف إلى جانب الجنوب، واعتبار قضيته قضية كل اللبنانيين، والدفاع عنه دفاعاً عن لبنان».

من جهته، اتصل رئيس الحكومة نواف سلام برئيس بلدية النبطية، عباس فخر الدين، مطمئناً على سلامة الأهالي، ومطلعاً منه على حجم الأضرار التي خلّفتها الاعتداءات الإسرائيلية التي استهدفت المدينة. وأكد أن «هذه الاعتداءات لن تثني الحكومة عن التمسك بدعم عودة الأهالي وصمودهم، وتأمين كل ما يلزم لاستمرار عمل المرافق العامة وتلبية حاجات المواطنين»، كما جاء في بيان صادر عن رئاسة الحكومة.

كذلك، اتصل سلام بإمام مدينة النبطية، الشيخ عبد الحسين صادق، معرباً عن تضامنه مع أهالي المدينة، وأجرى اتصالاً بوزير المالية ياسين جابر، واطلع منه على الأضرار التي لحقت بمبنى وزارة المالية في النبطية، مثنياً على جهوده وتحركه السريع لاتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان استمرارية العمل وتأمين مصالح المواطنين وعدم تعطيل معاملاتهم.


لبنان يضغط باتجاه وقف إطلاق النار لاستكمال المفاوضات مع إسرائيل

دخان يتصاعد جراء تفجير نفذته القوات الإسرائيلية في بلدة كفرتبنيت جنوب لبنان الأسبوع الماضي كما بدا من منطقة مرجعيون (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد جراء تفجير نفذته القوات الإسرائيلية في بلدة كفرتبنيت جنوب لبنان الأسبوع الماضي كما بدا من منطقة مرجعيون (أ.ف.ب)
TT

لبنان يضغط باتجاه وقف إطلاق النار لاستكمال المفاوضات مع إسرائيل

دخان يتصاعد جراء تفجير نفذته القوات الإسرائيلية في بلدة كفرتبنيت جنوب لبنان الأسبوع الماضي كما بدا من منطقة مرجعيون (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد جراء تفجير نفذته القوات الإسرائيلية في بلدة كفرتبنيت جنوب لبنان الأسبوع الماضي كما بدا من منطقة مرجعيون (أ.ف.ب)

يضغط لبنان باتجاه وقف إطلاق النار الإسرائيلية في جنوب لبنان، بوصف ذلك مقدمة للانتقال نحو التفاوض على الخطوات المقبلة؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي من أراضيه المحتلة، بالتزامن مع ربط المسارات التفاوضية بالمطالب الدولية، تحديداً معالجة ملف حصرية السلاح.

وأعاد موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الرافض للتفاوض المباشر «تحت النار»، الأولويات اللبنانية؛ وهي أولويات يلتقي فيها مع رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، حسبما يقول خبراء لـ«الشرق الأوسط».

وقف النار ومدخل المفاوضات

قال اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن الشحيتلي لـ«الشرق الأوسط»: «إن موقف بري من رفض المحادثات المباشرة تحت النار، يعني أن وقف إطلاق النار ووقف التدمير يشكلان شرطاً لبدء محادثات تحظى بإجماع داخلي، وليس بديلاً عن مطلب الانسحاب الإسرائيلي؛ فالانسحاب يبقى أحد الملفات الأساسية التي يفترض أن تبحثها المفاوضات، لكن المدخل إلى استئنافها هو أولاً وقف النار ووقف عمليات التدمير».

دخان ونيران يتصاعدان جراء تفجير القوات الإسرائيلية منازل في بلدة زوطر الشرقية جنوب لبنان الأسبوع الماضي (أ.ب)

وأضاف: «إذا كان المطلوب أن تنطلق المفاوضات بموقف لبناني موحد، فإن المفتاح هو وقف إطلاق النار ووقف التدمير. وهذا المطلب لا يقتصر على موقف الرئيس بري؛ بل يشكل نقطة التقاء بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، بما يتيح للمفاوض اللبناني أن يدخل أي محادثات مستنداً إلى إجماع داخلي أوسع».

وأوضح الشحيتلي أن «وقف التدمير هو مطلب تفاوضي لبناني أساسي، لكنه في الوقت نفسه مقدمة لاستئناف المفاوضات بإجماع داخلي، وليس تنازلاً عن المطالب الأخرى؛ فالمسألة ليست أن لبنان يستبدل بالانسحاب وقفَ التدمير، بل إن وقف النار والتدمير يهيئان الظروف التي تسمح بالانتقال إلى البحث في الانسحابات والترتيبات والاتفاقات الأخرى».

أهداف إسرائيل

وعن استمرار العمليات الإسرائيلية، قال الشحيتلي: «إسرائيل لديها أهداف سياسية تنتظر أن تبنيها على النتائج التي تحققها العملية العسكرية. وفي المنطق العسكري، تُحدد للمؤسسة العسكرية أهدافاً ميدانية يراد لاحقاً البناء عليها لتحقيق أهداف سياسية. وما يبدو حتى الآن هو أن إسرائيل تعمل على جعل أجزاء من الجنوب غير قابلة للحياة، من خلال تدمير واسع يسبق أي ترتيبات أو عملية إعادة بناء محتملة».

وأضاف: «لا يبدو أن إسرائيل ستوقف عملياتها لمجرد أن لبنان قدم ما يستطيع تقديمه في المرحلة الحالية. هي ستتوقف، وفق هذا المنطق، عندما تعتبر أنها أنجزت مهمتها العسكرية. ولذلك، إذا استمرت في إطلاق النار والاحتفاظ بمواقعها ومواصلة التدمير، فإن هامش ما يمكن أن تحققه المفاوضات يبقى محدوداً».

لقطة من فيديو وزَّعه الجيش الإسرائيلي في 27 أبريل 2026 قال إنه يظهر تدمير بنى تحتية لـ«حزب الله» جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

ورأى الشحيتلي أن «المطلوب لبنانياً هو التمسك بوقف إطلاق النار ووقف التدمير باعتبارهما مدخلاً لأي مسار تفاوضي جدي، بالتوازي مع بناء موقف داخلي جامع، بحيث تصبح كل القوى اللبنانية معنية بما ستنتجه المفاوضات».

وشدد على أن ذلك «يفترض أيضاً فتح حوار داخلي مع (حزب الله)؛ ليس بمعنى أن يكون الحزب بالضرورة ممثلاً على طاولة التفاوض، بل لكي يكون معنياً بالموقف اللبناني وبما تفضي إليه المفاوضات، وألا يعتبر نفسه خارج نتائجها».

سباق بين الميدان والسياسة

يضع هذا الطرح وقف النار والتدمير في إطار أوسع يتصل بإمكان استئناف التفاوض نفسه، لا بالنتائج التي يمكن أن تخرج بها أي جولة جديدة فقط؛ فاستمرار العمليات في فترة الجمود لا يضغط على لبنان سياسياً فحسب، بل يغيّر أيضاً الواقع الذي ستتناوله المفاوضات لاحقاً، سواء لجهة حجم الأضرار أو إمكان عودة السكان أو طبيعة المناطق التي يفترض أن يشملها أي انسحاب.

وفي المقابل، يطرح اتجاه آخر سؤالاً مختلفاً يقول: ما الأوراق التي يمتلكها لبنان للحصول على وقف للتدمير والانسحاب؟ وهل يستطيع انتزاعهما بمعزل عن الملفات التي يطالب المجتمعان الدولي والعربي الدولة اللبنانية بمعالجتها؟

صورة تجمع لقطات من الفضاء لقرية يارون الحدودية مع إسرائيل قبل وبعد تدميرها (أ.ف.ب)

ملف السلاح والمسار المتزامن

قال العميد المتقاعد جورج نادر لـ«الشرق الأوسط»، إن «الانسحاب الإسرائيلي يبقى أولوية بالنسبة إلى لبنان، ولا أرى أن وقف التدمير يمكن أن يحل مكانه أو أن يصبح بديلاً عنه، لكن المشكلة أن لبنان لا يمتلك في الظروف الحالية أوراق القوة التي تمكّنه من فرض الانسحاب، سواء عسكرياً أو سياسياً أو دبلوماسياً».

وأضاف: «لا يمكن فصل وقف التدمير والانسحاب عن مسألة سلاح (حزب الله). الأولوية الدولية والعربية واضحة في هذا الملف، فلا يمكن الوصول إلى انسحاب إسرائيلي ووقف عمليات التدمير وبدء مسار إعادة الإعمار وفك الحصار الاقتصادي والمالي والسياسي عن لبنان من دون معالجة جدية لمسألة السلاح».

ورأى نادر أن «المشكلة اليوم ليست في ترتيب وقف التدمير قبل الانسحاب أو العكس، بل في كيفية إيجاد مسار متزامن يربط معالجة ملف السلاح بوقف التدمير والانسحاب الإسرائيلي»، معتبراً أن «القرارات السياسية التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ لا تغيّر الواقع الميداني، فيما تستمر إسرائيل في زيادة الضغط والتدمير وفرض وقائع إضافية على الأرض».

حسابات عسكرية وأمنية

وقال: «الحل يبدأ بخطوة جدية في ملف سلاح (حزب الله) وتسليمه إلى الدولة. فإذا أُعلن بوضوح البدء بهذا المسار، وبدأت الدولة باتخاذ إجراءات عملية وعلنية لتنفيذه، يصبح بإمكان لبنان أن يطالب، من موقع أكثر قوة وصدقية، بوقف التدمير والانسحاب الإسرائيلي، وأن يطلب من المجتمعين العربي والدولي ممارسة الضغط لتحقيق ذلك».

وأشار نادر إلى أن «إسرائيل لا تتعامل مع ما تقوم به في الجنوب بصورة عشوائية، بل تنطلق من حسابات عسكرية وأمنية تتعلق بما تعدّه أخطاراً حالية أو مستقبلية»، محذراً من أن «استمرار الوضع على حاله يعني مزيداً من التدمير والتهجير وتوسيع الضغط على لبنان».

وختم بالقول: «علينا أن نتعامل مع ميزان القوى والواقع القائم كما هو، لا كما نريده أن يكون. لبنان خرج من مواجهة عسكرية بتكلفة كبيرة جداً، والاستمرار في إنكار هذا الواقع وعدم اتخاذ خطوات سياسية وعملية لن يوقفا التدمير ولن يؤديا إلى الانسحاب».


نفوق أغنام بقصف إسرائيلي على ريف القنيطرة الأوسط

بوابة حديدية نصبها الإسرائيليون على طريق الحميدية - الصمدانية الغربية في القنيطرة (أرشيفية - الشرق الأوسط)
بوابة حديدية نصبها الإسرائيليون على طريق الحميدية - الصمدانية الغربية في القنيطرة (أرشيفية - الشرق الأوسط)
TT

نفوق أغنام بقصف إسرائيلي على ريف القنيطرة الأوسط

بوابة حديدية نصبها الإسرائيليون على طريق الحميدية - الصمدانية الغربية في القنيطرة (أرشيفية - الشرق الأوسط)
بوابة حديدية نصبها الإسرائيليون على طريق الحميدية - الصمدانية الغربية في القنيطرة (أرشيفية - الشرق الأوسط)

ذكرت قناة «الإخبارية» السورية، الأحد، أن «قوات الاحتلال الإسرائيلي قصفت محيط قرية الصمدانية الشرقية في ريف القنيطرة الأوسط بقذيفة مدفعية».

وأظهر فيديو من مديرية الإعلام بمحافظة القنيطرة نفوق عدد من الأغنام بالقصف الإسرائيلي الذي استهدف أراضيَ في الصمدانية الشرقية بريف القنيطرة، وإصابة الراعي بجروح؛ نتيجة القصف الذي كان مصدره قاعدة الحميدية المستحدثة.

وكان الجيش الإسرائيلي شن هجمات بـ7 قذائف مدفعية على بلدة الرفيد بريف القنيطرة، بعد عمليات توغل وتفتيش نفذتها قواته مساء السبت.

الجيش الإسرائيلي ينصب شبكة أسلاك في بلدة الرفيد بريف القنيطرة الجنوبي (أرشيفية - سانا)

وأفاد «تلفزيون سوريا» بأن «جيش الاحتلال الإسرائيلي استهدف الأطراف الجنوبية لبلدة الرفيد في ريف القنيطرة الجنوبي بـ7 قذائف مدفعية، تلاها إطلاق نار من تلة الجلع في الجولان المحتل باتجاه الأراضي الزراعية»، مشيراً إلى أن «دورية أخرى للاحتلال توغلت في قرية أم الباطنة بريف القنيطرة الأوسط». ولفت إلى أن «الاحتلال الإسرائيلي أطلق النار فوق منازل بالحي الغربي من قرية معرية بريف درعا الغربي».

واستهدفت قوات إسرائيلية الخميس الماضي محيط تل الأحمر الشرقي بريف القنيطرة الجنوبي بقذيفتين مدفعيتين، واعتقلت الثلاثاء راعياً غرب بلدة الرفيد، قبل أن تفرج عنه بعد ساعات.

وكان مركز «سجل» الحقوقي وثق 267 «انتهاكاً» ارتكبتها القوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية خلال شهر أغسطس (آب) الماضي، لترتفع الحصيلة منذ مطلع عام 2026 إلى 1752 «انتهاكاً».