في كل صيف من الأعوام الثلاثة الماضية، وافق بالميراس، بطل البرازيل 12 مرة، على صفقة بيع ضخمة لأحد لاعبيه الهجوميين الشباب الواعدين إلى نادٍ من كبار أوروبا.
وبحسب شبكة «The Athletic»، فقد كانت البداية مع إندريك، هداف أكاديمية النادي الاستثنائي، الذي أصبح أصغر لاعب يشارك مع الفريق الأول، ما جذب اهتمام ريال مدريد. ثم جاء إستيفاو، المراهق الوحيد في تاريخ الدوري البرازيلي الممتاز الذي ساهم في 20 هدفاً خلال موسم واحد، وهي أرقام دفعته مباشرة إلى صفوف تشيلسي في الدوري الإنجليزي الممتاز.
أما أحدث المواهب الخارجة من خط إنتاج بالميراس، فهو الجناح السريع ألان إلياس، الذي لا يصل إلى مانشستر سيتي محملاً بأرقام قياسية كتلك التي حققها من سبقوه. لكن في عمر 22 عاماً، يمتلك ألان بالفعل 96 مباراة مع الفريق الأول لأحد أقوى أندية أميركا الجنوبية، وهو ما يثبت قدرته على تقديم مستوى ثابت في كرة القدم الاحترافية.
يقول جواو باولو سامبايو، منسق أكاديمية الناشئين في بالميراس: «خاض ألان هذا العدد الكبير من المباريات معنا لأنه لاعب متكامل للغاية. مدربونا وزملاؤه يعرفون أنه يستطيع الهجوم والدفاع، ويمكنه أداء عدة أدوار مختلفة. لقد لعب بالفعل في أربعة أو خمسة مراكز مختلفة مع الفريق الأول؛ في خط الوسط، والظهير الأيسر، والجناح على الناحيتين. يحب المراوغة، ويجيد جداً إخفاء نياته عندما تكون الكرة بين قدميه، ويمكنه التحرك في الاتجاهين. إنه لاعب قوي، ولذلك سيتأقلم جيداً مع الدوري الإنجليزي الممتاز. إنه لاعب كرة قدم متكامل، وهذا هو الوصف الذي نطلقه عليه».
لماذا اهتم مانشستر سيتي بألان؟
بالنظر إلى محدودية إنتاجه الهجومي في الثلث الأخير من الملعب، ربما بدا اهتمام مانشستر سيتي بألان غريباً للوهلة الأولى. لكن لمحات المهارة البرازيلية موجودة، إلى جانب إمكانات بدنية مثيرة للإعجاب وإصرار دفاعي واضح، ما يجعل ألان لاعباً واعداً للغاية وقادراً على التأقلم سريعاً والمساهمة مع الفريق بينما يواصل تطوير مستواه داخل النادي.
وُلد ألان في فلوريانوبوليس، على بعد نحو 700 كيلومتر جنوب ساو باولو، حيث يلعب مع بالميراس. لكن رحلته إلى الدوري الإنجليزي الممتاز كانت مليئة بالمآسي.
حريق فلامنغو... والموت الذي نجا منه
في عام 2019، وأثناء وجوده في معسكر تدريبي لفلامنغو، اندلع حريق مميت أسفر عن وفاة 10 لاعبين من فرق الناشئين.
نجا ألان من الحريق، الذي نتج عن تماس كهربائي في وحدة تكييف للهواء، لكن أقرب أصدقائه من فريق مدينتهما فيغورينسي، فيتور إساياس، لم يتمكن من النجاة.
وقال والده فابريسيو إلياس، في مقابلة مع موقع «غلوبو إسبورتي» البرازيلي: «كان ألان يخشى أن يُترك وحيداً، لقد تأثر بشدة بفقدانه. ولذلك قدمت استقالتي من عملي وجئت إلى هنا لأكون إلى جواره، وتركت كل شيء خلفي في لحظة».
ويقول جواو باولو: «كانوا قد خسروا كل شيء. وضعوا جميع أغراضهم في سيارة وجاءوا إلينا في بالميراس. هذا الفتى وعائلته يتمتعون بشجاعة هائلة».
لكن مأساة ألان لم تتوقف عند ذلك.
وفاة شقيقته... والاحتفال بحرف L
يضيف جواو باولو: «هناك قصة مأساوية أخرى أيضاً. لقد فقد شقيقته خلال جائحة كوفيد-19، ولذلك في كل مرة يسجل فيها هدفاً ينظر إلى السماء ويشكل بأصابعه حرف L؛ وهو يرمز إلى اسمها ليتيسيا. كانا قريبين جداً من بعضهما، ولذلك يحرص دائماً على إهدائها أهدافه».
لن يحتاج مشجعو الدوري الإنجليزي الممتاز إلى الكثير من الوقت لملاحظة تصميم ألان وقوة شخصيته داخل الملعب. إنه يقاتل على كل كرة، ويبذل كل ما لديه في كل انطلاقة قوية على الجناح. وقصته توضح أن هذا المجهود ينبع من رغبة حقيقية في رد الجميل لعائلته على إيمانها به.
كيف اكتشفه بالميراس؟
كان جواو باولو أحد أوائل كشافي بالميراس الذين اكتشفوا موهبة ألان.
ويقول: «شاهدناه للمرة الأولى قبل ذلك بشهرين تقريباً مع فيغورينسي، وكان عمره نحو 14 عاماً. أكثر ما لفت الانتباه كان قدرته الرائعة على حماية الكرة. كان يلعب في العمق أكثر وقتها، أقرب إلى مركز رقم 10، لكن عندما جاء إلينا وضعناه على الأطراف وكان رائعاً، ولذلك فإن تعدد استخداماته وشخصيته في هذه السن الصغيرة تركا انطباعاً قوياً لدينا. «حالياً، يستعد بشكل ممتاز خارج الملعب لأنه ناضج ويتحمل المسؤولية. لديه فريقه الخاص الذي يعمل معه، لكننا أيضاً نهتم بنظامه الغذائي، وبما يأكله في المنزل، وبطريقة نومه. إنه شخص متزن للغاية».
مقاتل لا يتوقف
امتزج حماس ألان الطبيعي لكرة القدم بإعداده البدني، ليصبح منذ البداية لاعباً قادراً على المنافسة في أعلى المستويات. وسرعان ما أصبح محبوباً لدى الجماهير بسبب مجهوده الدفاعي. في إحدى اللقطات أمام سيرو بورتينيو، قاتل لاعبي الفريق المنافس لمنع هجمة مرتدة، ثم اندفع في تدخل ثانٍ ونجح في إبعاد الكرة بأمان.
وظهر الأمر نفسه مجدداً في مباراة حديثة بكأس ليبرتادوريس أمام الفريق ذاته، بطل باراغواي 35 مرة، خلال مواجهة في الأدوار الإقصائية. بعدما أخطأ زميله خوسيه مانويل لوبيز في السيطرة على تمريرة، كان ألان قريباً منه وبدأ الضغط فوراً على الكرة. وتلقى دفعة قوية بالكتف من قلب دفاع الخصم المنطلق نحوه، لكنه واصل الصراع على الاستحواذ حتى نجح في النهاية في إبعاد الكرة.
ظهير وجناح ووسط
هذه الشراسة جعلت ألان سريعاً مرشحاً للحصول على دقائق لعب في مركزي الظهير والظهير الجناح ضمن دفاع مكون من خمسة لاعبين، حيث يستطيع الجمع بين شهيته الدفاعية وقدرته اللافتة على التقدم بالكرة.
أمام كروزيرو، عاد إلى الخط الخلفي ونجح في التصدي لتسديدة بعيدة من الظهير المقابل كايكي، قبل أن ينطلق إلى الأمام. تجاوز بسرعته مدافعين كانا يتراجعان أمامه، ثم مر من لاعبين آخرين قبل إسقاطه على حدود منطقة الجزاء.
ويقول جواو باولو: «عندما ينطلق بالكرة، سيترك المدافع الذي يراقبه خلفه. هناك لاعبون يتجاوزون منافسهم ثم يترددون قليلاً قبل الهجوم، لكن ألان ليس كذلك. إنه ينطلق مباشرة نحو المرمى».
أرقام تكشف سر سرعته
وفقاً لبيانات شركة «SkillCorner»، لم يتفوق على ألان سوى ثلاثة لاعبين فقط في الدوري البرازيلي الموسم الماضي من حيث عدد مرات التقدم الطويل بالكرة لمسافة ثمانية أمتار أو أكثر بسرعة لا تقل عن 20 كيلومتراً في الساعة، مع الاحتفاظ بالاستحواذ. وهو ما يوضح قدرته على التقدم بالكرة بسرعة وفاعلية.
ويواصل جواو باولو: «تطوره البدني جاء بصورة طبيعية. نضج متأخراً نسبياً، فليس الجميع مواهب خارقة وجاهزة في عمر 16 أو 17 عاماً. كيفن كان كذلك، والآن هو في فولهام. وهناك كثيرون آخرون تخرجوا من هنا ثم تركوا بصمتهم في وقت لاحق. عندما ينطلق ألان فإنه يعدو كالحصان».
الحركة من دون كرة
الأمر لا يتعلق بالقوة والقدرات البدنية فقط. حركة ألان من دون كرة نشطة للغاية؛ فهو يندفع باستمرار إلى المساحات الخطرة، ويعرض نفسه لاستقبال التمريرات. كما أنه جيد بالكرة في المساحات الضيقة، ويحب تبادل التمريرات السريعة مع زملائه القريبين منه قبل الانطلاق بعيداً عن المدافعين الذين نجح في جذبهم ناحية الكرة.
أمام فريق جونيور بارانكيا الكولومبي، قدم نموذجاً آخر لانطلاقاته المباشرة.تحرك أولاً لاستقبال الكرة على قدميه، ثم أبطأ حركة المدافع، وتحرك إلى داخل الملعب، وتبادل تمريرة ثنائية جميلة مع أندرياس بيريرا، قبل أن يخترق قلب الدفاع.وفي النهاية، مرر الكرة إلى جون أرياس، الذي سدد بجوار المرمى بفارق ضئيل.
ألان لا يتوقف عن الركض
تساعد بيانات «SkillCorner» أيضاً على قياس نشاطه من دون كرة. وعند مقارنة عدد تحركاته من دون كرة لكل 30 دقيقة من استحواذ فريقه، مع أجنحة الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى والدوري البرازيلي الممتاز، يبرز ألان بسبب تنوع تحركاته. فهو يعود باستمرار لتسلم الكرة، ويتحرك إلى الأطراف، وينطلق من الداخل خلف المدافعين، ويتقدم إلى المساحات أمام حامل الكرة.
ومن المهم الإشارة إلى أنه سيواجه مع مانشستر سيتي عدداً أكبر من الفرق التي تعتمد على الدفاع المتكتل والمنخفض، وبالتالي مساحات أكثر ازدحاماً في الثلث الأخير، مثلما يحدث مع أنطوان سيمينيو. لكن الواضح أن ألان سيضيف الحماس والطاقة لمساندة هجمات سيتي بكل طريقة ممكنة.
المشكلة: الأهداف
مع ذلك، سيحتاج مانشستر سيتي إلى تحسين الإنتاج الهجومي لألان. فقد سجل ستة أهداف فقط خلال 49 مباراة في مسابقات الدوري الاحترافية. ويمكن تفسير جزء كبير من ذلك بطبيعة دوره، إذ كان يلعب كثيراً على الأطراف ويُطلب منه الحفاظ على الشكل الدفاعي للفريق.
لكن هناك مؤشرات على أن ألان يمتلك إمكانات كبيرة فيما يتعلق بقوة التسديد واختراق الدفاعات المتكتلة.
أمام فلومينينسي، ظهر أحد جوانب الفائدة التي يمكن الحصول عليها من وضع ألان في مركز أكثر تقدماً أمام الفرق التي تبدأ بناء اللعب من الخلف.ضغط في مناطق متقدمة وقطع الكرة أثناء محاولة المنافس الخروج بها. ثم تحرك بالكرة إلى الداخل، ورغم أنه كان يركض في اتجاه بعيد عن المرمى، تمكن من إطلاق تسديدة قوية وموجهة نحو الزاوية البعيدة.
وفي مواجهة أخرى أمام فلومينينسي في وقت سابق من الموسم، تحرك ألان إلى الداخل وأنهى الهجمة بذكاء عند القائم القريب.كما أطلق تسديدة قوية من مسافة 25 ياردة إلى الزاوية البعيدة أمام فيتوريا. وظهر كذلك بهدف وتمريرة حاسمة خارج ملعبه أمام فلامنغو حامل اللقب، ليسهم في تحقيق نتيجة قد تصبح شديدة الأهمية في سباق لقب الدوري هذا الموسم.
ليس موهبة خارقة... ولكن سيتي يرى شيئاً آخر
ألان ليس هدافاً غزير الإنتاج حتى الآن، لكن هناك الكثير من الصفات التي يستطيع مانشستر سيتي البناء عليها وتطويرها. ربما لم يكن الصفقة الخارقة من نوعية «موهبة لا تظهر إلا مرة بين مليون» التي كان كثيرون يتوقعون أن يتعاقد معها النادي.
لكن إذا كانت بدايات مسيرة ألان تقدم أي مؤشر على مستقبله، فإنه سيضع كل ما لديه في محاولة إثبات خطأ المشككين فيه. وسيمنح مانشستر سيتي منذ اللحظة الأولى جرعة كبيرة من النشاط والحماس والإثارة.