كواليس «مأدبة الغداء» التي سبقت اختيار رئيس مجلس الشعب السوري

سحب كتلتي دمشق وحلب لمرشحيهما سَهّل التوصل لاسم توافقي

المشرعون السوريون يحضرون الجلسة الأولى لمجلس الشعب في دمشق 12 يوليو 2026 (إ.ب.أ)
المشرعون السوريون يحضرون الجلسة الأولى لمجلس الشعب في دمشق 12 يوليو 2026 (إ.ب.أ)
TT

كواليس «مأدبة الغداء» التي سبقت اختيار رئيس مجلس الشعب السوري

المشرعون السوريون يحضرون الجلسة الأولى لمجلس الشعب في دمشق 12 يوليو 2026 (إ.ب.أ)
المشرعون السوريون يحضرون الجلسة الأولى لمجلس الشعب في دمشق 12 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

شهدت الساعات الأخيرة التي سبقت انعقاد أولى جلسات مجلس الشعب، اليوم الأحد، نقاشات محتدمة في سياق تزكية بعض المرشحين لمناصب هيئة الرئاسة أو الضغط لانسحاب آخرين؛ ذلك أن الإدارة السورية أولت أهمية كبيرة لرئاسة البرلمان والرسائل التي تصدرها للخارج وتجنب وصول شخصيات قد تثير استياء أو تحفظ بعض الدول الحليفة.

وأفادت مصادر لصحيفة «الشرق الأوسط»، بأن الجدل جرى بين أعضاء المجلس من جهة وممثلي السلطة التنفيذية من جهة أخرى، والتي تدخلت لتزكية بعض المرشحين والضغط لسحب ترشيحات عدد من المتقدمين للمنصب، ونجاحها جزئياً في هذا الأمر قبل ساعات قليلة قبيل انطلاق أعمال الجلسة الافتتاحية.

وأشارت المصادر إلى أن موقف غالبية الأعضاء كان «التمسك باستقلالية المجلس واختيار هيئته الرئاسية، إن كان من خلال الانتخابات والتصويت، أو حتى بالتوافق الذي يجب أن يكون داخلياً».

الرئيس السوري أحمد الشرع يلقي كلمة خلال افتتاح أول جلسة برلمانية في دمشق بحضور 210 أعضاء (إ.ب.أ)

ورغم أن نجاح عبد الحميد العواك برئاسة مجلس الشعب السوري، لم يكن مفاجئاً بالنسبة إلى كثير من المتابعين لمسار الأحداث حيث يعد شخصية مرموقة تتمتع باحترام الجميع، إلا أن تثبيت الاختيار بتصويت غالبية الأعضاء عليه، مَثّل نقطة قوة أكسبت المجلس تأييداً واحتفاءً داخل الأوساط السورية، وأرسلت إشارات بقدرته في الحفاظ على مساحة واسعة من الاستقلالية في مواجهة السلطة التنفيذية.

د. عبد الحميد العواك أول رئيس لمجلس الشعب السوري بعد سقوط نظام الأسد (أرشيفية)

برز اسم د. عبد الحميد العواك، خلال الأيام الماضية إلى جانب د. مؤيد غزلان قبلاوي، بوصفهما مرشحين محتملين عن حصة الرئيس أحمد الشرع المتمثلة بـ70 عضواً، إضافة إلى تزكية بعض الشخصيات لمكتب رئاسة البرلمان بصفتهما نائبين أول وثانياً عن الرئيس، وقد رشح للمنصبين شخصية كردية وسيدة مسيحية.

إلا أن مأدبة الغداء التي دعا إليها المكتب الرئاسي (السلطة التنفيذية)، السبت الماضي، وما تبعها من اجتماعات وجلسات نقاش تركز الحديث فيها على انتخابات هيئة رئاسة المجلس، ومحاولة خلق توافق وتحشيد خلف أسماء تدعمها السلطة التنفيذية، واجهت اعتراضات من قبل الأعضاء الذين تمسكوا بنظام الانتخابات.

المصادر التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، أوضحت أن الإدارة السورية أولت أهمية كبيرة لانتخابات رئاسة البرلمان، بسبب الرسائل التي تصدرها للخارج، وضرورة إيصال مرشح توافقي يحظى بقبول عام تحت قبة البرلمان وخارجها، وتجنب وصول شخصيات قد تثير استياء أو تحفظ بعض الدول الحليفة بسبب التكتلات التي بدأتها بعض التيارات الراديكالية.

أكد ذلك أعضاء في مجلس الشعب السوري تواصلت معهم «الشرق الأوسط»، أشاروا إلى أن التأجيل الأخير (من يوم الاثنين إلى يوم الأحد)، كان لمحاولة خلق توافق على اسم عدد من المرشحين لانتخابات هيئة الرئاسة في المجلس خصوصاً الرئيس؛ ما وضع ضغوطاً على الأعضاء كان عليهم مواجهتها.

د. عبد الحميد العواك رئيس مجلس الشعب السوري بين زملائه النواب قبل إعلان انتخابه رئيساً لمجلس الشعب السوري (سانا)

وتابعت المصادر أنه «أياً ما كان اسم رئيس البرلمان ومن يجري اختياره ضمن مكتبه، فهم موضع ترحيب واعتماد كامل، طالما أنهم وصلوا دون فرض من جهة، وهو ما حافظنا عليه، متمسكين بضرورة حماية استقلالية المجلس بشكل كامل».

وكانت الانتخابات الخاصة بمنصب رئيس مجلس الشعب السوري الأول بعد سقوط نظام الأسد، قد اشتعلت منافساتها مبكراً في العديد من المحافظات السورية التي عمل أعضاؤها على دخول السباق بمرشح واحد وتعزيز تحالفاتهم وبناء تكتلات برلمانية.

استباق المحافظات

وأجرت محافظات سورية انتخابات داخلية وجلسات حوارية بين الأعضاء الممثلين في المجلس، في مقدمتها محافظة حلب التي شهدت حراكاً وتجاذبات استمرت حتى لحظة انعقاد أولى جلسات البرلمان.

وبحسب متابعة «الشرق الأوسط» فقد توصلت «كتلة حلب» إلى التوافق على رامز كورج مرشحاً وحيداً بعد انسحاب كل من محمد ياسين (مرشح حلب كتلة الثوار) الذي حصد أكثر من 30 صوتاً في الانتخابات الداخلية، وتبعه انسحاب عزام خانجي (مرشح الإخوان) الذي انسحب من المنافسة بعد الاجتماع مع الإدارة السورية وإصرار الكتلة على تقديم الـ«كورج» مرشحاً عن المحافظة.

دمشق أيضاً في المقابل شهدت سحب أعضاء لترشحهم لقائمة الرئيس، بينما فضل البعض دخول المنافسة على مكتب رئاسة المجلس، خصوصاً لموقع نائب أول ونائب ثان، ومن بينهم الحقوقي محمد سليمان دحلا المرشح التوافقي عن «كتلة دمشق» وريفها.

إلى جانب الانتقادات الحادة التي واجهت هذه الآلية في الحشد وبناء التكتلات المناطقية لدعم المرشحين، برزت اصطفافات حزبية وتنظيمية، رفض العديد من الأعضاء الانخراط ضمنها، وفي كل الأحوال تعرضت عملية التكتل الحزبية للفشل، لجهة الخلافات الداخلية التي تعيشها التيارات والأحزاب التقليدية، فضلاً عن ضعف حضورها داخل البرلمان.

أعضاء مجلس الشعب السوري الذي تم تشكيله حديثاً يحضرون الجلسة الافتتاحية للهيئة العامة في دمشق بسوريا يوم 12 يوليو (رويترز)

وتتطابق مصادر مقربة من الحكومة السورية، في مبرراتها للضغوط التي مارستها على المرشحين والأعضاء، «لخلق مرشح توافقي والابتعاد عن التكتلات والاستقطاب المناطقي والحزبي، خاصة أن من وصل إلى مقعد المجلس وصل بشكل مستقل، وبالتالي فإن خلق بؤرة مناطقية أو محاصصة كان سيضرب بتوازن المجلس مبكراً».

الرئيس السوري أحمد الشرع يلقي كلمة خلال افتتاح أول جلسة برلمانية في دمشق بحضور 210 أعضاء (إ.ب.أ)

عضو مجلس الشعب السوري، عبد العزيز مغربي، اعتبر محاولات خلق التجمعات النيابية، وما واجهته من انقسامات وضغوط، أمر طبيعي، خاصة أن الأعضاء يدخلون البرلمان بكتل المحافظات نتيجة الظروف الاستثنائية للبلاد وغياب الأحزاب.

وأوضح أن السباق على رئاسة البرلمان كان نشاط التكتلات والأعضاء الأول، وينتظر أن يتشعب مستقبلاً إلى كتل سياسية تكون منطلقاً لتشكيل الأحزاب في البلاد مستقبلاً.

ويضيف: «نحن أمام برلمان جديد جرى انتخابه في ظل غياب الأحزاب السياسية، بسبب الظروف التي تمر بها البلاد وخروجها من حالة الحزب الواحد وقوائمه الشكلية، واليوم نعيش طفرة في النضوج السياسي، وهذا يوضح عملية التوجه لما يمكن تصنيفه على أنه تكتل بدائي في سباق انتخابات المكتب الرئاسي».

لكن مع مرور الوقت، يضيف مغربي، «من الطبيعي أن يكون هناك تقدم ينتج كتلاً وتحالفات تفرز تيارات وتجمعات نيابية منظمة، حتى إنه قد يتم الاعتراف بها وتسميتها وتقنينها ضمن النظام الداخلي للبرلمان».

تدخل السلطة التنفيذية

بدوره، يرى الكاتب السياسي عبد الوهاب عاصي، أن تدخل السلطة التنفيذية قد تسبب في تأخير البرلمان، إن كان بالضغط لاختيار الرئيس أو تأجيل الجلسة وحتى التدخل في الصلاحيات، وهو ما لاقى استياء واسعاً، وزاد من الأعباء والتحديات على الأعضاء في بناء مؤسسة تشريعية قوية ومستقلة.

ويقول: «التدخل أدى إلى تقليص عدد المتنافسين وأضر بمحاولات بناء نواة لتكتلات الأعضاء، حتى وإن كانت مناطقية، خاصة حلب صاحبة الكتلة الأكبر التي قدمت مرشحاً بنسبة تصويت عالية كانت لتنافس مرشح كتلة الرئيس، وهو ما حتم وجود توافقات قبل انطلاق الانتخابات بسبب تقليص عدد المرشحين، والتي جاءت على حساب كتلة حلب».

هذا الأمر كان قد توقعه السياسي السوري درويش خليفة في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إذ أشار إلى أن اختيار رئيس البرلمان يكون من خلال توافقات مسبقة وبالاستناد إلى معيار الكفاءة والخبرة، ولا سيما في المجالات الدستورية والقانونية، فالمهمة الأساسية للمجلس خلال المرحلة الانتقالية تتمثل في سن التشريعات والقوانين اللازمة، وصولاً إلى الإنجاز الأهم، وهو التوافق الوطني على صياغة دستور جديد للبلاد.

أما على مستوى الأعضاء، يقول خليفة: «لا أعتقد بوجود كتل برلمانية بالمعنى السياسي المعروف، لأن الترشيحات لمجلس الشعب جرت بصورة فردية، ولم تقم على أسس حزبية أو تكتلات فكرية، وبالتالي فإن الحصيلة كانت رئاسة المجلس من منطلق توافقي».


مقالات ذات صلة

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

المشرق العربي شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا ينفي وصول مسودة القانون إلى البرلمان أو رفعه للرئاسة السورية، وبانتظار المزيد من النقاشات مع المؤسسات المعنية

منصور حسين (دمشق)
المشرق العربي رجل يعبئ سيارته بالوقود في محطة بنزين بدمشق كإجراء احترازي وسط الحرب الدائرة في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

«البنزين المغشوش» يثير المخاوف من مازوت متدني الجودة

الشركة السورية للبترول رفضت مؤخراً تفريغ ناقلتي «مازوت» بسبب مخالفتهما الشروط المطلوبة، وفق ما كشف مدير إدارة الإعلام في الشركة السورية للبترول عدي الصطوف

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي  تشييع 4 عناصر أمن مساء الثلاثاء في كمين على طريق سلمية-أثريا من مشفى حماة الوطني بحضور رسمي وشعبي (مراسل الأمن في حماة)

محافظة حماه تشيّع 4 من عناصر أمن قضوا في كمين بريف السلمية

شيعت محافظة حماة، الأربعاء، 4 من عناصر أمن الطرق بوزارة الداخلية السورية، قضوا في كمينٍ خلال أداء مهامهم على طريق سلمية-أثريا، بريف حماة الشرقي ليل الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي  وحدات الأمن الداخلي في مدينة الحسكة تنتشر في شوارع المدينة الثلاثاء في إطار تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به وحظر إطلاق النار تحت أي ظرف (مديرية إعلام الحسكة)

الأمن الداخلي في شوارع الحسكة يطبق قرار حظر حمل السلاح وإطلاق النار

يأتي هذا الإجراء بعد أيام من التوتر على خلفية أعمال شغب نفذها مسلحون في مدينة الحسكة استدعت الاستنفار الأمني.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي إزالة الركام والنفايات من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق ديسمبر 2025 ضمن حملة واسعة تنفذها لجنة المخيم بالتعاون مع الدفاع المدني السوري (بواية اللاجئين الفلسطينيين)

تقرير حقوقي يحذر من طمس آثار الجرائم بإزالة الأنقاض في سوريا

حذر تقرير حقوقي من إزالة الأنقاض في المدن والبلدات السورية، ما قد يؤدي لفقدان أدلة مرتبطة بالانتهاكات المرتكَبة خلال سنوات الحرب تُعرقل جهود التحقيق والمساءلة

«الشرق الأوسط» (لندن)

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

حث وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، اليوم الأربعاء، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على بدء مفاوضات حول مستقبل قوات حفظ السلام المنتشرة في لبنان، في الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى تمديد تفويضها المقرر أن ينتهي في نهاية هذا العام، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتنتشر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم «يونيفيل»، في جنوب لبنان منذ 1978، لكن مجلس الأمن أمر البعثة العام الماضي بالبدء في الانسحاب في نهاية 2026.

ومنذ اندلاع حرب جديدة في مارس (آذار) بين إسرائيل وجماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، تحشد الحكومة اللبنانية الجهود من أجل تمديد تفويض «يونيفيل»، مشيرة إلى دورها في مراقبة الأعمال القتالية وتسهيل إيصال المساعدات إلى القرى الواقعة في المناطق التي تحتلها إسرائيل.

وقدّم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا العام مقترحات لاستمرار وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان، لكن لاكروا قال لوكالة «رويترز» في بيروت إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى الآن.

وأضاف: «هذه المقترحات معروضة على طاولة مجلس الأمن. لم تحدث أي تحركات في مجلس الأمن حتى الآن، لكنني أعتقد أن المفاوضات ستبدأ... قريباً وبجدية».

وتابع: «أعتقد أنه من الأفضل اتخاذ قرار قريباً بدلاً من تأجيله، أليس كذلك؟ لأن ذلك سيوضح لنا الرؤية المستقبلية أيضاً، وبالتأكيد من وجهة نظر أكثر محدودية تتعلق بتخطيطنا».


رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
TT

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

نفى رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، ما تداولته بعض المواقع عن إنجاز قانون العدالة الانتقالية ورفعه إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لافتاً إلى أن «المشروع لا يزال قيد التداول والمناقشات، ولم يصل إلى صيغته النهائية».

وأوضح الويس لـ«الشرق الأوسط» أن الهيئة تتبنى «مساراً ديناميكياً في تطوير مسودات قانون العدالة الانتقالية المقترحة، عبر لقاءات تشاورية مستمرة مع المؤسسات المعنية التي تتقاطع معها، مثل وزارات الداخلية والعدل و(هيئة المفقودين)، بهدف تحديث وتجديد بنوده، قبل إحالته رسمياً للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ومجلس الشعب».

تصريحات الويس جاءت بعد تداول الحديث عن إنجاز الهيئة لمشروع قانون العدالة الانتقالية ووصوله إلى البرلمان، بعد ما أثارته مسودة المشروع الأخيرة من ردود فعل داخل الأوساط الحقوقية التي وضعت بنوده تحت مجهر التحليل، لتفتح أبواب النقاش والتحذير من وجود ثغرات بنيوية تمس جوهر القانون.

وركزت الانتقادات حول «عمومية النصوص»، خاصة المتعلقة بمساري «الإصلاح المؤسسي وكشف الحقيقة»، الواردة ضمن المسودات السابقة، إلى جانب حفظ الذاكرة الوطنية، ونطاق ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب آليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وحصرها بين الفترة من 1970 حتى سقوط نظام بشار الأسد 2024، واستقلال الهيئات القضائية المختصة، وتداخل البنود المتعلقة بالعزل السياسي.

جلسة تشاورية في محافظة درعا بمشاركة عائلات المفقودين والناجين والمتضررين ومنظمات المجتمع المدني (الهيئة الوطنية للمفقودين)

الباحث في مجال القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، يرى من جهته أن الإبقاء على مفاهيم أساسية مثل كشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي، بصياغة عامة دون تحديد مضمونها القانوني وآليات تنفيذها، يشكل خطراً على فاعلية القانون وقدرته على تحقيق أهدافه، «فالمشكلة لا تكمن في استخدام هذه المفاهيم، وإنما في غياب الالتزامات القانونية الواضحة المترتبة، وترك تفسيرها وتطبيقها للسلطة التقديرية»، معتبراً أن التحدي الأساسي أمام أي قانون شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، لا يتمثل فقط بالاعتراف بالانتهاكات الماضية، إنما في بناء منظومة قانونية قادرة على منع تكرارها، وضمان خضوع جميع المسؤولين عن الجرائم للمساءلة وفق القانون، وإعادة الاعتبار للضحايا، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

ويوضح الكيلاني أن «النصوص العامة لا توفر حماية كافية للضحايا، ولا تمنع إساءة استخدام السلطة، ولهذا يجب تحويل المبادئ العامة إلى حقوق قابلة للإنفاذ والتقاضي والتزامات محددة على المؤسسات، وإجراءات واضحة للمساءلة والرقابة».

لجنتا «ضحايا الثورة السورية» و«هيئة العدالة الانتقالية» تبحثان مشروع قانون العدالة الانتقالية بحضور عبد الباسط الويس (الهيئة)

الإصلاح والعزل السياسي

ويرى الكيلاني أن كشف الحقيقة ليس مجرد جمع للشهادات أو إعداد تقارير توثيقية، بل هو حق للضحايا وذويهم وللمجتمع في معرفة الوقائع المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، وظروف ارتكابها، والجهات المسؤولة عنها، ومصير المفقودين والمختفين قسرياً، وإذا لم يتضمن القانون ضمانات واضحة للوصول إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية، وحماية الشهود، وإلزام المؤسسات بالتعاون، وتحديد العلاقة بين نتائج لجان الحقيقة والإجراءات القضائية، «فقد يتحول كشف الحقيقة إلى عملية توثيق رمزية لا تنتج آثاراً قانونية فعلية».

أما بالنسبة إلى الإصلاح المؤسسي فإن «ترك (المصطلح) دون تعريف ومعايير محددة قد يعيد إنتاج مؤسسات ساهمت بارتكاب الانتهاكات، أو استخدام الإصلاح وسيلة للإقصاء السياسي والإداري، ولذلك ينبغي أن يرتكز الإصلاح على تقييم فردي للمسؤوليات، ومعايير شفافة للنزاهة والكفاءة، وضمانات الاعتراض والطعن، مع إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية لرقابة قانونية مستقلة».

«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» تبحث مع أهالي جسر الشغور بمحافظة إدلب سبل تعزيز السلم الأهلي (الهيئة)

يستند الكيلاني في حديثه إلى الفقرات التي أشارت في نص المسودة إلى المادة الـ20 من إجراءات وتبعات فحص السجلات والمواد 19 و18 و17، من باب التقييم وضمان عدم التكرار التي تنص على إحداث لجنة ثلاثية لتقصي الحقائق لفحص جهازي أمني أو إداري، دون أن يمنح حق الطعن أو المراجعة للموظف الذي يعزل أو يطرد، إضافة إلى المادتين 21 و22 مدخل العزل السياسي التي تمنح لجنة تقصي الحقائق صلاحيات واسعة، وتفرض عقوبات دون وجود مستند قضائي.

قبل سقوط النظام وبعده

إلى جانب هذه البنود، فقد أثارت المدة الزمنية المحددة بفترة حكم نظام الأسدين، وربطها حصرياً بجهة سياسية أو أمنية معينة، إشكالية حقوقية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، وحق جميع الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ولا يعني ذلك، بحسب الباحث، التقليل من حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وإنما بترسيخ مبدأ العدالة فوق الجميع، وفق معيار قانوني واضح يكون بطبيعة الانتهاك وجسامته والمسؤولية الفردية عن ارتكابه، وبالتالي يجب أن يتوسع نطاق المساءلة ليشمل جميع الانتهاكات، بما فيها التي قد تكون ارتكبت بعد سقوط النظام السابق.

ويوضح أن معالجة هذه الإشكالية تشريعياً يكون من خلال اعتماد تعريف شامل للانتهاكات الجسيمة، وتحديد اختصاصات واضحة للتحقيق والملاحقة، بحيث لا يؤدي النطاق الزمني للعدالة الانتقالية إلى تعطيل اختصاص القضاء في الجرائم الواقعة خارجه، ويجب أن يتم ذلك مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية، وعدم رجعية التجريم والعقوبة، وضمانات المحاكمة العادلة.

بدوره، يؤكد رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، أن «ورقة المشروع لا تزال حية وقابلة للتعديل، وقد جرى عليها الكثير من التطوير والتحديث، حتى المسودة الأخيرة التي طرحت مؤخراً لا تزال المناقشات حول بنودها والتحسينات مستمرة».

ورغم الانتقادات المتزايدة حول المماطلة في تشريع قانون عدالة انتقالية شامل في سوريا، يجد حقوقيون وخبراء قانون أن تأخر صدور القانون ليس خطراً حقيقياً، بقدر ما يكون عليه وجود قانون يكرّس عدالة جزئية، أو يؤسس لمؤسسات تفتقر إلى الاستقلال، أو يمنح الضحايا اعترافاً رمزياً دون حقوق قابلة للإنفاذ.


رد عسكري على نتنياهو: هجمات المستوطنين في الضفة «منظمة ومتوحشة»

فلسطيني يتفقد الأضرار في مسجد أحرقه مستوطنون إسرائيليون في قرية مخماس قرب رام الله بالضفة الغربية الأربعاء (رويترز)
فلسطيني يتفقد الأضرار في مسجد أحرقه مستوطنون إسرائيليون في قرية مخماس قرب رام الله بالضفة الغربية الأربعاء (رويترز)
TT

رد عسكري على نتنياهو: هجمات المستوطنين في الضفة «منظمة ومتوحشة»

فلسطيني يتفقد الأضرار في مسجد أحرقه مستوطنون إسرائيليون في قرية مخماس قرب رام الله بالضفة الغربية الأربعاء (رويترز)
فلسطيني يتفقد الأضرار في مسجد أحرقه مستوطنون إسرائيليون في قرية مخماس قرب رام الله بالضفة الغربية الأربعاء (رويترز)

دخلت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في مواجهة غير مباشرة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متهمةً مجموعة «شباب التلال» الاستيطانية في الضفة الغربية بأنها نواة «منظمة صلبة ومتوحشة تخوض حرباً استباقية لطرد الفلسطينيين من الضفة».

وقال مصدر أمني لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، الأربعاء، إن «الأمر لا يتعلق بحفنة هؤلاء ليسوا حفنة؛ من يقول ذلك لا يريد ببساطة حل المشكلة نحن نتحدث عن نواة صلبة تضم ما بين 300 و500 شخص أشبه بالوحوش الضارية».

وجاء تصريح المصدر الأمني في رد واضح على تصريحات سابقة لنتنياهو قال فيها إنه يجري تضخيم هجمات من وصفهم بـ«حفنة من المشاغبين القاصرين في الضفة الغربية»، مقابل ما قال إنها «هجمات قاتلة يشنها الفلسطينيون».

وبخلاف ما قاله نتنياهو، تؤكد المؤسسة الأمنية أن الهجمات الفلسطينية في تراجع كبير لكن الجريمة القومية (أي هجمات المستوطنين على الفلسطينيين) تمضي في اتجاه «معاكس وخطير ومتزايد ومتواصل».

وحسب بيانات من المؤسسة الأمنية، نشرتها «يديعوت أحرونوت» فإن عنف المستوطنين في ارتفاع ملحوظ، وفيما بلغ عدد الهجمات العام الماضي نحو 800 هجوم وصل العدد هذا العام، حتى أوائل أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إلى 950 هجوماً، وهو رقم قريب جداً من الذروة عام 2023، الذي شهد الحرب، حيث سُجلت 980 حادثة طوال العام.

وتقول المؤسسة الأمنية إن نقطة تحول حادة بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي، مع انطلاق عملية «زئير الأسد» العسكرية الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، حيث سُجلت قفزة أخرى في عدد الحوادث وخطورتها.

وقال المصدر الأمني: «هؤلاء مجرمون بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يحرقون المنازل على سكانها. وإذا كانوا في الماضي يبررون أفعالهم بأنها رد فعل على هجمات تقوم على مبدأ (دفع الثمن)، فقد تغير الأسلوب اليوم تماماً، فهذه عمليات مخطط لها مسبقاً، تهدف إلى تنفيذ عمليات ترحيل».

وأكد المصدر أن المستوطنين يحصلون على دعم سياسي. مضيفاً أن «هناك أعضاء في الكنيست ووزراء يأتون لزيارتهم في المناطق غير القانونية ويقدمون لهم دعماً كاملاً».

عنصر من الدفاع المدني الفلسطيني يحاول إخماد حريق عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون على قرية شمال شرقي رام الله الأحد (أ.ف.ب)

وصعد المستوطنون هجماتهم في الضفة الغربية في السنوات الأخيرة، وراحت الهجمات تأخذ منذ أكتوبر 2023 منحى دموياً، وتشمل تنفيذ هجمات واسعة شبه يومية على مناطق في الضفة تشمل كذلك المناطق تحت سيطرة السلطة الفلسطينية مثل «أ» و«ب»، وخلالها تم قتل فلسطينيين وإحراق منازل ودور عبادة ومساجد وتخريب ممتلكات ومركبات وأراضٍ وقتل مواشٍ وسرقة أخرى، والاستيلاء على أراضٍ ومنازل.

وهاجم مستوطنون الأربعاء عدة مناطق في الضفة الغربية، وأحرقوا مسجداً ومركبة في قرية مخماس شمال شرقي القدس المحتلة.

وأفادت محافظة القدس بأن مستعمرين اقتحموا القرية بعد منتصف الليلة الماضية، وأشعلوا النار في مسجد وشجرة زيتون قريبة منه، إضافة إلى إحراق مركبة بالكامل.

كما هاجم المستوطنون مزارعين من بلدات الفندقومية وجبع وسيلة الظهر جنوب جنين، وجرّفوا أراضي في بلدتي بيت دجن شرق نابلس، وبورين جنوبها.

وهاجم المستوطنون أيضاً قاطفي الزيتون في بلدة ترمسعيا، شمال رام الله، وأتلفوا شبكات ريّ وخطوطاً زراعية، وسرقوا محابس وعدادات مياه تعود إلى مزارعين في تجمع يرزا الشمالي شرق طوباس، وهاجموا مزارعين في بلدة قراوة بني حسان غرب سلفيت، ورشّوهم بغاز الفلفل، فيما منعوا المزارعين من قطف ثمار الزيتون في أراضي بيت فوريك.

فلسطيني يتفقد الأضرار في مسجد أحرقه مستوطنون إسرائيليون في مخماس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

وقال رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، روحي فتوح، إن إحراق المستوطنين مسجداً ومركبة في قرية مخماس، شرق رام الله، يشكّل عملاً وحشياً وتصعيداً خطيراً في إرهاب المستوطنين. محمّلاً التراخي الدولي وعدم اتخاذ إجراءات عملية لإجبار حكومة اليمين الاستعمارية على وقف اعتداءات المستعمرين مسؤولية استمرار هذه الجرائم.

وأضاف فتوح أن حكومة الاحتلال تواصل توفير الدعم والحماية لعصابات المستوطنين. وتستمر هجمات المستوطنين في الضفة على الرغم من تعهدات قادة الجيش بالتصدي لهم، والتحذير المتكرر من أن هجماتهم ستشعل الضفة في نهاية المطاف.