تصاعد ظاهرة هجرة العرب من «الحسكة» السورية بسبب تردي أوضاعهم المعيشية

شكوى من غياب فرص العمل بعد دمج «قسد»

عنصر أمن في أحد شوارع الحسكة (مرصد الحسكة)
عنصر أمن في أحد شوارع الحسكة (مرصد الحسكة)
TT

تصاعد ظاهرة هجرة العرب من «الحسكة» السورية بسبب تردي أوضاعهم المعيشية

عنصر أمن في أحد شوارع الحسكة (مرصد الحسكة)
عنصر أمن في أحد شوارع الحسكة (مرصد الحسكة)

يشكو أهالي المكون العربي في محافظة الحسكة شمال سوريا من انعكاسات سلبية كثيرة تطالهم بسبب طريقة تنفيذ اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) الماضي، الذي ينص على دمج مؤسسات «الإدارة الذاتية» الكردية في الحكومة السورية، وتتصاعد ظاهرة هجرتهم نحو محافظات أخرى، نتيجة تردي أوضاعهم المعيشية بشكل غير مسبوق.

ويؤكد ناشط من أبناء العشائر العربية في الحسكة أن تصاعد ظاهرة هجرة أبناء المكون العربي التي تشهدها بعض مناطق الحسكة، يعود بالدرجة الأولى إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب فرص العمل.

عناصر من «قسد» يصطفون لتسوية أوضاعهم مع الحكومة السورية في الرقة خلال يناير الماضي (رويترز)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أعداداً كبيرة من أبناء العشائر العربية بعد اتفاق الدمج والبدء في تنفيذه، تركوا صفوف «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) (الذراع المسلحة للإدارة الذاتية الكردية) والتزموا منازلهم، «لكنهم لم يحصلوا على فرص تطوع في وزارتي الداخلية والدفاع، كما حصل مع مسلحي (قسد) الأكراد، ما أدى إلى تدهور أوضاعهم المعيشية ودفع كثيراً من الأسر إلى التفكير بالهجرة».

وحسب الناشط، تتركز الهجرة بشكل رئيسي في منطقة «جبل عبد العزيز» وريف مدينة الشدادي ومنطقة «تل حميس» جنوب الحسكة، موضحاً أنه لا توجد إحصائية دقيقة لعدد العائلات التي هاجرت، لكن مدير الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة الحسكة، إبراهيم خلف، أوضح في تقرير نشرته وسائل إعلام محلية في مايو (أيار) الماضي، أن ظاهرة الهجرة من الحسكة شهدت تصاعداً كبيراً خلال عامي 2025 و2026، ولا تزال مستمرة بوتيرة متزايدة، وسط توقعات بارتفاعها بشكل أكبر في حال عدم معالجة الأسباب الجذرية التي تدفع السكان إلى مغادرة قراهم، موضحاً أن العامل الاقتصادي بات المحرك الرئيسي للهجرة، إذ تشكل الأسباب الاقتصادية أكثر من 95 في المائة من حالات النزوح الريفي.

يصل العدد الإجمالي للأسر المهاجرة من أرياف الحسكة، حسب التقرير، إلى نحو 5000 أسرة، غالبيتها تبحث عن فرص عمل في المزارع أو المصانع الخاصة بعد فقدان مصادر دخلها داخل المحافظة.

من وقفة احتجاجية سابقة لأهالي تل حميس بريف الحسكة (أرشيفية - مرصد الحسكة)

وتشكل القبائل والعشائر العربية في شمال وشرق سوريا (محافظات الحسكة، والرقة، ودير الزور، وبعض أرياف حلب) الأغلبية العظمى من السكان، وتذكر الأرقام أن نسبة المكون العربي في تلك المناطق تبلغ نحو 70 في المائة إلى 78.5 في المائة من إجمالي عدد السكان، وتصل إلى نحو 93 في المائة في بعض المناطق، بينما تتركز مكونات الكرد، السريان، التركمان في شمال الحسكة وبعض أرياف حلب.

وتشير التصريحات الرسمية إلى أنه في إطار تنفيذ اتفاق 29 يناير، الذي ينص على دمج مؤسسات «الإدارة الذاتية» بالحكومة السورية، تقدم نحو 9 آلاف من عناصر «قسد» للانضمام إلى قوى الأمن الداخلي الحكومية.

وتزيد مسألة ضعف الخدمات الأساسية في الحسكة من دوافع الهجرة. ويصف موظف حكومي درجة أولى في إحدى الدوائر الرسمية في المدينة، الوضع من الناحية المعيشية وتوفر الخدمات الأساسية في المناطق التي أعلنت الحكومة السيطرة عليها بموجب اتفاق الدمج، بأنه «سيئ جداً»، إذ «لا كهرباء ولا ماء، وسط ارتفاع شديد في درجات الحرارة تصل إلى 50 درجة أحياناً».

ومما يزيد الطينة بلة هو «عدم توفر فرص العمل»، حسب حديث الموظف لـ«الشرق الأوسط»، الذي لفت إلى أن الموظفين في مؤسسات «الإدارة الذاتية» من أبناء العشائر العربية كانوا يتقاضون شهرياً ما بين 150 - 250 دولاراً، وبعد تركهم لتلك المؤسسات عقب اتفاق الدمج، لم تعد الحكومة أغلبهم إلى وظائفهم، ولذلك، فإن أي شخص يجد فرصة عمل في أي محافظة يرحل، ووصل الأمر إلى أن بعض المناطق باتت شبه خالية.

ومن بين أسباب الهجرة أيضاً، حالة عدم الاستقرار الأمني السائدة في الحسكة. وقال الناشط من أبناء العشائر العربية: «كثير من سكان القرى العربية لا يستطيعون الوصول بسهولة إلى بعض مراكز المدن الخاضعة لسيطرة (قسد)، إضافة إلى أن حالة عدم الاستقرار الأمني عطلت عجلة التنمية والاستثمار، وأبقت المنطقة في ظروف اقتصادية وخدمية وأمنية صعبة، الأمر الذي جعل الهجرة خياراً تلجأ إليه أعداد متزايدة من العائلات».

احتفالات كردية بيوم اللغة الكردية في القامشلي بمحافظة الحسكة يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

في المقابل، تعيش الشرائح الاجتماعية الكردية أوضاعاً جيدة. وقال الموظف الحكومي من أبناء المكون العربي: «الأكراد كانوا موظفين برواتب شهرية مرتفعة وما زال بعضهم كذلك، وبعضهم عادوا إلى مناطقهم مع احتفاظهم بوظائفهم».

ولم يرد مصدر حكومي سوري في الحسكة، السبت، على أسئلة لـ«الشرق الأوسط» بشأن الوضع السابق، والمراحل التي وصلت إليها عملية تنفيذ اتفاق الدمج.

وشدد الناشط من أبناء العشائر العربية على «ضرورة أن تفتح الحكومة باب التطوع وفرص العمل أمام أبناء المنطقة، مع تخفيف الشروط وتحقيق المساواة في التوظيف بين العرب ومن خدموا سابقاً ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية و(قسد) للحد من ظاهرة الهجرة».


مقالات ذات صلة

لبنان: توقيف ضابط سوري سابق متهم بارتكاب «جرائم ضدّ الإنسانية»

المشرق العربي ناشطون أمام القصر العدلي بدمشق يطالبون بتجريم رموز حقبة الأسد في يونيو الماضي (فيسبوك)

لبنان: توقيف ضابط سوري سابق متهم بارتكاب «جرائم ضدّ الإنسانية»

ألقت السلطات اللبنانية القبض على قائد الفرقة 17 في الجيش السوري السابق، اللواء عادل عيسى، لدى وصوله إلى السفارة السورية في بيروت لإنجاز معاملة إدارية

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي رجال الإنقاذ وأفراد من الأمن في موقع الانفجار في ضاحية جرمانا بدمشق سوريا 6 أغسطس الحالي (أ.ب)

أصوات في جرمانا تضع إسرائيل في مقدمة المتهمين بتدبير التفجير فيها

من يقف وراء التفجير «سواء كان من خارج الحدود أو تنظيمات راديكالية، هدفه واحد، وهو محاولة تقويض السلم الأهلي وزعزعة الاستقرار وضرب العيش المشترك».

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي محمد الجاسم أبو عمشة مع وزير الدفاع مرهف أبو قصرة (أرشيفية)

ماذا كان وراء «استنفار الجيش السوري» الثلاثاء؟

تزامن التوتر مع عملية نقل قوات عسكرية «روتينية تدريبية» للوحدات المنتشرة على الحدود السورية، شرقاً مع العراق وغرباً مع لبنان وفُسّرت الأمور بأنها حالة استنفار

منصور حسين (دمشق)
المشرق العربي من استقبال الشرع لعبدي وأحمد بحضور الشيباني والعايش الثلاثاء الماضي (سانا)

مراقبون سوريون: «قسد» ترفع سقف مطالبها لاستكمال «اتفاق الدمج»

ثلاثة عوائق إضافية تمنع تطبيق «اتفاق الدمج»، وهي: أولاً السلاح الثقيل الذي لم تسلمه «قسد» للحكومة، وثانياً عدم تسليمها مؤسسات الدولة، وثالثاً المعابر.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي رجال إطفاء ومسعفون سوريون يتفقدون المركبات المتضررة في موقع الانفجار في ضاحية جرمانا بدمشق سوريا 6 أغسطس 2026 (أ.ب)

مقتل شخصين وإصابة 13 في انفجار عبوة ناسفة بحافلة بمدينة جرمانا قرب دمشق

انفجرت عبوة ناسفة بحافلة نقل ركاب مساء الخميس في مدينة جرمانا قرب دمشق، وفق ما أفاد به التلفزيون السوري الرسمي نقلاً عن مصدر أمني.

«الشرق الأوسط» (دمشق)