ارتياح أوروبي «نسبي» لنتائج قمة الحلف الأطلسي في أنقرة

ترمب يطمئن حلفاءه باستمرار انخراطه في الدفاع عن القارة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام الحلف الأطلسي مارك روته في اجتماع على هامش قمة الناتو في أنقرة يوم 8 يوليو (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام الحلف الأطلسي مارك روته في اجتماع على هامش قمة الناتو في أنقرة يوم 8 يوليو (رويترز)
TT

ارتياح أوروبي «نسبي» لنتائج قمة الحلف الأطلسي في أنقرة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام الحلف الأطلسي مارك روته في اجتماع على هامش قمة الناتو في أنقرة يوم 8 يوليو (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام الحلف الأطلسي مارك روته في اجتماع على هامش قمة الناتو في أنقرة يوم 8 يوليو (رويترز)

باستطاعة رؤساء الدول والحكومات الأوروبية، الأعضاء في الحلف الأطلسي، أن يتنفسوا الصعداء بعد انتهاء قمة النادي الأطلسي في أنقرة.

فالرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي اجتذب كل الأنظار إليه طوال يومي الثلاثاء والأربعاء أخافهم مرة أخرى بانتقاداته الحادة لرفضهم مساعدته في حربه على إيران، وإثارته مجدداً رغبته في ضم جزيرة غرينلاند. كما لم يتردد في صب جام غضبه على إسبانيا التي تنتقد بعنف مغامراته الحربية، وتمنع طائراته العسكرية من الهبوط في مطاراتها، وترفض زيادة إنفاقها الدفاعي.

إلا أن كل العنف تبخر، كما تقول مصادر أوروبية تابعت أعمال القمة من العاصمة التركية، في الاجتماع الرسمي الذي جرى بعد ظهر الأربعاء. وذهب ترمب، في حديثه للصحافة، إلى تأكيد أن الاجتماع «الرائع ما كان له أن يحصل في أجواء أفضل من تلك التي حصل فيها». وأضاف: «كان هناك كثير من المحبة والوحدة داخل قاعة الاجتماع».

ولاكتمال الصورة، تتعين الإشارة إلى نقطتين: الأولى: إن ترمب بقي في أنقرة حتى آخر لحظة، وهذا الانتظام ليس من فضائله الكبرى. والثانية: إنه قبِل التوقيع على البيان الختامي للقمة الذي تضمن النقاط الرئيسة التي تمسك بها الأوروبيون، وتم التوافق عليها خلال اجتماعات سفراء الدول الأعضاء في مقر الحلف في بروكسل بإدارة أمينه العام مارك روته.

الفقرة الخامسة و«بوليصة التأمين»

تقول مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس إن الأوروبيين المتخوفين من عزوف ترمب عن الحلف، وخططه لتقليص انخراط بلاده عسكرياً في أوروبا، أي عملياً امتناعه، أو على الأقل تردده في الدفاع عنها بوجه أي مغامرة روسية، حصلوا رسمياً على تعهد أميركي واضح. وتجسد هذا الالتزام في الإشارة إلى الفقرة الأولى من «إعلان أنقرة» التي نصت على التزام الجميع الراسخ بالدفاع الجماعي المنصوص عليه في الفقرة الخامسة من شرعة الحلف، والقائلة إن «الهجوم على أي حليف يُعد هجوماً على جميع الحلفاء».

الرئيس دونالد ترمب يتحدث إلى مجموعة من الصحافيين في طريق العودة إلى واشنطن من قمة الحلف الأطلسي في أنقرة يوم 8 يوليو (أ.ف.ب)

وجاء هذا التأكيد ليبدد، ولو مؤقتاً وبانتظار تصريحات مغايرة من البيت الأبيض، مخاوف الأوروبيين، وخصوصاً دول بحر البلطيق، أو القريبة من الحدود الروسية، مثل رومانيا، وبولندا. وأكثر من ذلك، أشاد الأوروبيون بموافقة ترمب، الذي تجمعه علاقة صداقة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على أن ينص البند الثاني من «إعلان أنقرة» على أن روسيا «تمثل، على المدى البعيد، تهديداً للأمن والاستقرار في المنطقة الأورو-أطلسية».

وبكلام أوضح، فإن واشنطن تبنت المقاربة الأوروبية التي تحذر من النوايا الروسية. وترجح المخابرات الألمانية -وأيضاً رئاسة أركان الجيوش الفرنسية، وغيرها من مراكز الأبحاث الاستراتيجية- أن روسيا قد تعمد، قبل نهاية العقد الجاري، إلى اختبار صلابة الحلف الغربي من خلال استهداف حلقة «ضعيفة»، كدول بحر البلطيق التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي قبل انفراط عقده.

صفقات مليارية للشركات الأميركية

بيد أن التزام واشنطن بالمقاربة الأوروبية لم يكن مجاناً. وثمنه، من جهة، صفقات تسلح أوروبية جديدة بقيمة 50 مليار دولار ستذهب أساساً إلى كبريات شركات السلاح الأميركية التي قال عنها ترمب: «إنها الأفضل في العالم». ومن جهة ثانية، انصاع الأوروبيون، ومعهم كندا، لطلب الرئيس الأميركي مضاعفة إنفاقهم الدفاعي الذي زاد بنحو 140 مليار دولار قياساً على العام الماضي.

جانب من لقاء مع ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو (أ.ب)

ولأن ترمب يحب الصفقات، والأرقام، فإن مارك روته ما فتئ يشدد عليها، ويبرزها بالخرائط، والألوان. والغرض من كل ذلك سحب حجة ترمب القائلة إن الأوروبيين يتهربون من دفع ما يتوجب عليهم للحلف الأطلسي، وهي الزاوية التي يستغلها للهجوم على الحلف منذ ولايته الأولى.

منذ أشهر طويلة لا يتردد الأوروبيون في التعبير عن مخاوفهم من المسار الذي تسلكه الإدارة الأميركية إزاء الحرب في أوكرانيا. وكان همهم في أنقرة أن يعيدوا ربطها بالعربة الأوروبية من زاويتين: الأولى: دفعها للتخلي عن محدداتها السابقة للحل بين كييف وموسكو، وأولها قبول الرئيس فولوديمير زيلينسكي التخلي عن كامل منطقة دونباس لصالح روسيا لوضع حد للحرب. والثانية: إعادتها إلى الانخراط، مالياً وعسكرياً، إلى جانب أوكرانيا.

وما حصل في أنقرة أنهم أحرزوا نصف نجاح. فمن جهة، أكد الأطلسيون جماعياً «أنهم متحدون في دعمهم الثابت لأوكرانيا، التي تسهم في تعزيز الأمن عبر الأطلسي، وتدافع عن حريتها، وسيادتها، وسلامة أراضيها»، ما يدُلّ على تبدل في مزاج ترمب الذي قبل لقاء زيلينسكي، لا، بل أعلن موافقته على السماح لأوكرانيا، مبدئياً، بإنتاج صواريخ «باتريوت» للدفاع الجوي. لكن ترمب يرفض العودة لتمويل وتسليح أوكرانيا، كما كان الوضع خلال ولاية الرئيس السابق جو بايدن.

كذلك، فإن 140 مليار دولار التي سيمنحها الحلف لكييف لعامين لن تساهم فيها واشنطن بدولار واحد، بل ستكون على عاتق الأعضاء الأوروبيين وكندا الذين سيتكفلون بدفع ثمن رخصة إنتاج «الباتريوت» في أوكرانيا.

الدفاع التقليدي والردع النووي

منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض العام الماضي، زادت الضغوط على الأوروبيين لتحمّل عبء الدفاع عن أنفسهم من خلال الارتقاء بتسلحهم التقليدي، ربطاً بزيادة الميزانيات الدفاعية، وتحديث جيوشهم.

إردوغان لدى استقباله ترمب في أنقرة قبيل انطلاق أعمال قمة الناتو يوم 7 يوليو (رويترز)

وجاء في الفقرة الثالثة من «إعلان أنقرة» ما حرفيته: «نعمل على بناء المستقبل، وإقامة أوروبا أكثر قوة داخل حلف ناتو أقوى، من أجل تحالف أكثر حداثة. وتتحمل الدول الأوروبية الأعضاء وكندا، بالتعاون مع الولايات المتحدة، دوراً متزايداً في الدفاع عن الحلف». وما لم يقله البيان علناً، كشف عنه وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، خلال اجتماع وزراء دفاع الحلف في بروكسل يوم 24 يونيو (حزيران) الماضي، حيث أعلن أن توجه بلاده يقوم على تحمل الأوروبيين أعباء الدفاع «التقليدي»، بينما تتكفل واشنطن مهمة الردع النووي. من هنا أشارت الفقرة إلى أن «ردع الأطلسي ودفاعه يستندان إلى مزيج من القدرات النووية، والتقليدية، والدفاع الصاروخي، مدعومة بإمكانات فضائية وسيبرانية».

بيد أن هذا التوزيع لا يريح الأوروبيين الذين لا يثقون تماماً بوعود واشنطن رغم التقارب المستجد. من هنا، فإن مفاوضات تجري بين فرنسا -الدولة النووية- مع عدد من شركائها في الاتحاد الأوروبي -كألمانيا، والسويد، وبولندا- حول كيفية مدّ المظلة النووية الأوروبية إلى بعضها، مع بقاء القرار النهائي للضغط على الزر النووي للرئيس الفرنسي.

قادة «الناتو» يستعدّون لالتقاط صورة جماعية في أنقرة يوم 8 يوليو (إ.ب.أ)

والأمر نفسه باشرته بريطانيا. لكن هذه المسألة تبدو بالغة التعقيد، إذ إنها تتطلب مفاوضات صعبة مع الدول الشريكة، كما أن مسألة التشارك في الاستفادة من المظلة النووية الفرنسية بحجة «الدفاع عن المصالح الحيوية لفرنسا في أوروبا» تثير جدلاً واسعاً داخلها. وفي أي حال، فإن العديد من الأوروبيين لا يريدون مقايضة مظلة نووية أميركية-أطلسية موجودة بمظلة أوروبية غير جاهزة.

يبقى مصير مضيق هرمز نقطة الخلاف الرئيسة بين ضفتي الأطلسي. فمارك روته، رغم الإعراب عن تأييده للضربات الأميركية الأخيرة رداً على استهداف إيران لناقلات حاولت المرور في مضيق هرمز، لم يتردّد في القول إن «إيران تقع خارج نطاق الحلف الأطلسي... وإنه يعود للحلفاء فردياً أن يتعاملوا مع الولايات المتحدة». لكن الهدف السياسي واحد، وقد تم التعبير عنه في الفقرة الخامسة من «إعلان أنقرة». إذ نص على ما حرفيته: «يجدد الحلفاء تأكيدهم أن إيران يجب ألا تمتلك السلاح النووي أبداً، ويدعونها إلى الاحترام الكامل لحرية الملاحة في مضيق هرمز».

ولا شك أن هذه الصياغة لا تتجاوب مع ما ترغب به واشنطن. في المقابل، فإن الإعلان الفرنسي-البريطاني الذي صدر قبل القمة، وفيه تأكيد الطرفين اللذين أطلقا في شهر أبريل (نيسان) الماضي «مبادرة مضيق هرمز» التي انضمت إليها العديد من الدول، وجاءت هذه المبادرة كإشارة لاستعداد هذه الدول لمد يد العون لترمب. لكن الشروط التي وضعتها (الحصول على موافقة واشنطن، وطهران، ومسقط، وأن تكون محايدة، وسلمية...) تجعل السير بها في الظروف الراهنة أمراً مستبعداً.


مقالات ذات صلة

«الناتو» يتأهب لردع تهديدات إيرانية

شؤون إقليمية ترمب يُوقّع على قطعة من الحجر في موقع بناء مهبط طائرات الهليكوبتر في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض أمس (أ.ف.ب)

«الناتو» يتأهب لردع تهديدات إيرانية

أعلن حلف شمال الأطلسي «الناتو»، أمس (الأربعاء)، أنه يستعد للتعامل مع أي تهديد إيراني محتمل والدفاع عن جميع دوله الأعضاء، بعدما ظهرت مؤشرات على أن طهران درست.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية طائرة أميركية من طراز «إي إيه-18 غراولر» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي-135 ستراتوتانكر» تابعة للقوات الجوية الأميركية خلال دورية فوق الشرق الأوسط (الجيش الأميركي)
p-circle

«الناتو» يتأهب لتهديدات إيرانية تمتد إلى أوروبا

أفادت مصادر مقرَّبة من دوائر صنع القرار في طهران بأن إيران تدرس مهاجمة أهداف عسكرية أميركية بأوروبا في حال قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تصعيد الحرب ضدها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا عناصر من الحرس الوطني اللاتفي قبيل عملية بحث عن حطام طائرة مسيّرة جرى اعتراضها فوق لاتفيا (رويترز)

لاتفيا: المسيّرة التي أسقطتها مقاتلات «الناتو» جاءت من بيلاروسيا

قال وزير الدفاع اللاتفي رايفيس ميلنيس إن طائرة مسيرة أسقطتها مقاتلات تابعة لـ«الناتو» فوق لاتفيا، الأسبوع الماضي، دخلت المجال الجوي اللاتفي قادمة من بيلاروسيا.

«الشرق الأوسط» (ريغا )
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منشأة لإنتاج الطائرات المسيّرة بسانت بطرسبرغ (رويترز)

تقرير: روسيا تنشئ قواعد سرية للمسيّرات على مقربة من أراضي «الناتو»

كشف تقرير صحافي أن روسيا أنشأت قواعد سرية قادرة على إطلاق طائرات مسيّرة متطورة في عمق أراضي حلف شمال الأطلسي «الناتو».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا إردوغان خلال استقباله رئيس «مجلس أوروبا» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين بالقصر الرئاسي في أنقرة 8 يوليو الماضي (الرئاسة التركية)

إردوغان: عضوية الاتحاد الأوروبي لم تعد أولوية لتركيا

كشفت تركيا عن أن عضويتها بالاتحاد الأوروبي لم تعد ضمن أولوياتها وذلك بعدما فشلت مساع مكثفة على مدى العامين الماضيين لفتح فصول جديدة للمفاوضات

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

مقتل شخصين في هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم

قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
TT

مقتل شخصين في هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم

قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)

قتل شخصان وأصيب ثلاثة آخرون في هجوم أوكراني بالقرب من مدينة سيمفيروبول في شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا، حسبما أعلنت السلطات الروسية يوم الخميس.

وقال سيرجي أكسيونوف، الحاكم المعين من قبل موسكو، عبر تطبيق تليغرام، إن شخصاً آخر أُصيب في مكان آخر بشبه الجزيرة. ولم يكشف عن المزيد من التفاصيل.

وكانت روسيا قد ضمت شبه جزيرة القرم في عام 2014 وتستخدمها كقاعدة انطلاق ومركز للإمداد. ونتيجة لذلك، تشن كييف ضربات بانتظام على أهداف في شبه الجزيرة.

وتواصل أوكرانيا التصدي للغزو الروسي الشامل بدعم غربي منذ ما يقرب من أربعة أعوام ونصف العام.


قطارات الموت الفرنسية: كيف بدأت مأساة معسكر «درانسي» في أغسطس 1941؟

سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
TT

قطارات الموت الفرنسية: كيف بدأت مأساة معسكر «درانسي» في أغسطس 1941؟

سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)

لم يكن فجر العشرين من أغسطس (آب) من عام 1941 يوماً عادياً في تاريخ العاصمة الفرنسية باريس، بل كان التاريخ الفعلي لتدشين صفحة هي الأكثر قتامة في سجلات الحرب العالمية الثانية على الأراضي الفرنسية.

ففي تلك الساعات الأولى من الصباح، استيقظت عاصمة الأنوار وهي ترزح تحت طوق أمني ضربته قوات الاحتلال النازي بالتعاون الوثيق مع أجهزة الأمن التابعة لحكومة «فيشي» الفرنسية المتعاونة.

إيصال مصادرة أموال أحد الضحايا في معسكر «درانسي» بباريس قبل ترحيله إلى معسكرات الموت (ويكيبيديا)

كانت المؤامرة قد حِيكت خيوطها بدقة في المكاتب المغلقة بين ضباط «الغشتابو» والمسؤولين الفرنسيين، ولم تكن العملية مجرد إجراء أمني عابر، بل كانت الـ«بروفة» الجنرال والاختبار العملي الأول لآلة الترحيل الجماعي واسع النطاق التي استهدفت الجالية اليهودية، ممهدة الطريق لما عُرف لاحقاً بـ«الحل الأخير».

في ذلك الصباح الحزين، لم تشفع للمستهدفين أوراق مواطنتهم الفرنسية، ولا لجوؤهم السياسي الذي قادهم يوماً إلى بلد صاغ إعلان حقوق الإنسان والمواطن، ليجد آلاف الرجال أنفسهم مقتادين من بيوتهم ومقار عملهم ومقاهيهم نحو مصير مجهول خلف الأسلاك الشائكة.

سجناء يهود في معسكر درانسي بباريس بين عام 1941 و1944 (موسوعة الهولوكوست)

المكيدة المبيتة وهندسة الطوق الأمني في الدائرة الحادية عشرة

انطلقت الشرطة الفرنسية، مدعومة بأوامر صارمة من القيادة العسكرية الألمانية، لتنفيذ الخطة التي ركزت جغرافيتها بشكل أساسي على الدائرة الحادية عشرة في باريس، وهي المنطقة التي كانت تنبض بحياة الجالية اليهودية وتضم عائلات من طبقات كادحة وأخرى من نخب فكرية وقانونية.

ضربت القوات طوقاً محكماً وشلّت الحركة في الشوارع الرئيسية، وبدأت عمليات المداهمة والتحقق من الهويات بناءً على قوائم أُعدت مسبقاً بعناية فائقة.

استهدفت الحملة في هذه المرحلة الرجال تحديداً، وتراوحت أعمارهم بين الشباب والكهولة، وضمت مزيجاً من اليهود الأجانب الذين فروا من جحيم الاضطهاد في أوروبا الشرقية والوسطى ظناً منهم أن فرنسا ستكون الملاذ الآمن، إلى جانب مئات المواطنين الفرنسيين الذين صدمتهم حقيقة أن هويتهم الوطنية لم تحمهم من مخالب التمييز العنصري والنازية.

معسكر درانسي بباريس (موسوعة الهولوكوست)

قطارات البؤس ورحلة التجريد من الإنسانية نحو الضاحية الشمالية

سِيق المعتقلون الذين بلغت أعدادهم في ذلك اليوم وحده أكثر من أربعة آلاف رجل في شوارع باريس، وسط ذهول وهلع العائلات التي راقبت المشهد من الشرفات والنوافذ دون القدرة على التدخل.

دُفع بهؤلاء الرجال إلى حافلات النقل العام التي صادرتها السلطات لهذا الغرض، لتتحرك القوافل ببطء نحو الضاحية الشمالية لباريس، وتحديداً إلى مجمع سكني حديث لم يكتمل بناؤه بعد في منطقة «درانسي».

نقل المعتقلين إلى معسكر درانسي بباريس (موسوعة الهولوكوست)

تحول هذا المجمع الأسمنتي العاري في غضون ساعات قليلة من مشروع سكني إلى معسكر اعتقال جماعي سيئ السمعة، ليكون المحطة الأولى والأساسية في نظام السخرة والإذلال الفرنسي تحت حكم الاحتلال.

هناك، وراء الأسلاك الشائكة، بدأت عملية منهجيّة لتجريد المعتقلين من كرامتهم الإنسانية، حيث تكدس الآلاف في غرف تفتقر لأدنى مقومات الحياة، غاب عنها الضياء وشح فيها الغذاء والرعاية الصحية، وتحولت الحياة اليومية إلى صراع مرير من أجل البقاء تحت حراسة مشددة تولاها في البداية عناصر الدرك الفرنسي قبل أن تتسلم الإدارة النازية زمام الأمور بالكامل.

معسكر «درانسي» كمختبر أول لقطارات الموت نحو الشرق

لم تكن حملة العشرين من أغسطس مجرد حدث معزول في سياق الحرب، بل كانت الحجر الأساس الذي بُني عليه نظام الإبادة والترحيل في فرنسا.

فقد أثبتت هذه العملية للمخطط النازي أن الأجهزة الإدارية والأمنية المحلية قادرة على تنفيذ المداهمات الجماعية بكفاءة وهدوء، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لعمليات ترحيل أوسع وأكثر وحشية، مثل «مداهمة الشتوي الصيفي» (Vel d'Hiv) في العام التالي.

معسكر درانسي بباريس (ويكيبيديا)

ومن معسكر «درانسي»، الذي بدأ يغص بالمعتقلين منذ ذلك اليوم، بدأت القوافل الحديدية وقطارات البؤس تنطلق تتابعاً نحو معسكرات الموت في أوروبا الشرقية، وعلى رأسها معسكر «أوشفيتز بيركينو».

المدخل الرئيسي لمعسكر «أوشفيتز بيركينو» ببولندا (موسوعة الهولوكوست)

ومن بين عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الذين مروا عبر بوابات «درانسي» الحديدية في السنوات اللاحقة، لم ينجُ سوى قلة قليلة، مما يجعل من ذكرى العشرين من أغسطس الرمز الفعلي لتدشين آلة الموت والترحيل القسري التي تركت جرحاً غائراً لا يمحوه الزمن في ضمير الوجدان الفرنسي والإنساني.


الحرارة تجاوزت 40 درجة في مناطق أوروبية يقطنها 80 مليون نسمة هذا الصيف

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

الحرارة تجاوزت 40 درجة في مناطق أوروبية يقطنها 80 مليون نسمة هذا الصيف

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

شهدت مناطق في أوروبا يقطنها 80 مليون نسمة حرارة تجاوزت 40 درجة لمرة واحدة على الأقل في الفترة بين 15 يونيو (حزيران) و15 أغسطس (آب) 2026، وفق تحليل أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهذا الرقم ضعف ذلك المُسجل خلال صيف عام 2003 الذي شهد موجة حر قاتلة في أوروبا (باستثناء تركيا)، وفق حسابات الوكالة المستندة إلى بيانات درجات الحرارة القصوى اليومية الصادرة عن «المرصد الأوروبي للجفاف» وبيانات السكان من «مركز البحوث المشترك».

كما يتجاوز رقم عام 2026 الأعداد المسجلة في الفترة نفسها خلال صيفي عامي 2022 و2025، حين تأثر ما بين 55 و60 مليون شخص بمثل هذه الدرجات من الحرارة.

عامل يشرب ماء في موقع بناء بباريس وسط ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

وشهدت أوروبا الغربية أكثر بدايات الصيف حرارة على الإطلاق عام 2026، إذ بلغت درجات الحرارة في الفترة الممتدة بين يونيو ويوليو (تموز) مستويات غير مسبوقة، في ظل موجات حر متكررة، وجفاف واسع النطاق، وحرائق غابات مدمرة أججتها ظاهرة الاحترار المناخي.

منذ منتصف يونيو، طالت حرارة تجاوزت 40 درجة 30 مليون نسمة في فرنسا، ولا سيما في الغرب، و23 مليون نسمة في إسبانيا، و8 ملايين نسمة في كل من ألمانيا وإيطاليا.

وعلى نطاق أوسع، تجاوزت الحرارة 35 درجة في مناطق يقطنها 80 في المائة من سكان أوروبا، أي ما يعادل نحو 490 مليون نسمة، في حين لم تطل الموجة المناطق الجبلية ودول البلطيق وشمال أوروبا.

وأعلن معهد «كارلوس الثالث» الصحي في إسبانيا أن الحرارة تسببت في نحو 4500 وفاة إضافية بين الأول من يونيو و19 أغسطس.

وفي ألمانيا، تُقدّر السلطات الصحية عدد الوفيات بنحو 14 ألفاً حتى التاسع من أغسطس. أما في فرنسا، فقد أعلنت السلطات الصحية عن حصيلة أوّلية تتجاوز 7000 وفاة إضافية في الفترة ما بين منتصف يونيو و22 يوليو، قبل موجة الحر الثالثة التي شهدها العام واستمرت 23 يوماً على الأقل.