أدباء اكتشفوا في باريس جوهر هويتهم اللاتينية

بينهم كورتاسار وأوستورياس ويوسا وماركيز وسوبولفيدا وباث

اوكتافيو باث
اوكتافيو باث
TT

أدباء اكتشفوا في باريس جوهر هويتهم اللاتينية

اوكتافيو باث
اوكتافيو باث

لم تكن باريس في ستينات وسبعينات القرن العشرين مجرد مدينةٍ أوروبيةٍ، بل كانت «المِرجلَ» الذي انصهرت فيه طموحاتِ أدباء أميركا اللاتينية، لتولد من رحمِ غربتها «طفرة» أدبيةً أعادت صياغة الخريطة الروائية العالمية. لقد شكّل عمالقةٌ من أمثال غابرييل غارسيا ماركيز، وماريو فارغاس يوسا، وخوليو كورتاثار، وكارلوس فوينتس، مجتمعاً أدبياً متوقداً، حوّل شوارع «مدينة الأضواء» إلى ساحاتٍ للتجريب والتمرد الفكري، فتحولت باريس إلى المَهد الذي احتضنَ «طفرة» الأدب اللاتيني.

ماركيز

ومن القامات التي سكنت ضفاف «السين» وتميز كل واحد منهم عن الآخر: ماريو فارغاس يوسا (البيرو)، ففي كنف باريس، وبين جدران وكالة الصحافة الفرنسية، تفتحت موهبته لتثمر «مدينة الكلاب»؛ الرواية التي دوّت في الآفاق وأعلنت ميلاد كاتبٍ سيغير وجه الرواية الحديثة. وغابرييل غارسيا ماركيز (كولومبيا)، الذي قاسى في باريس شظف العيش وفقرَ البدايات، لكنه في رحم هذا الفقر، استلهمَ خيوط ملحمته الخالدة «مائة عام من العزلة»، محولاً عزلته الباريسية إلى كونٍ سحريٍّ لا ينسى. وهناك خوليو كورتاثار (الأرجنتين)، الذي اتخذ من باريس مستقراً أبديّاً منذ الخمسينات، وفي أزقتها ودروبها المتاهية، نسج تحفته «الحجلة» (Rayuela)، التي جعلت من المدينة بطلةً حقيقيةً في سياقٍ من الغرائبية والعبث. وكارلوس فوينتس (المكسيك)، الذي كان الجسرَ الحيّ الذي يربط أدباء القارة ببعضهم البعض، وحلقة الوصل التي عززت حضورهم في المشهد الأدبي العالمي.

أوستورياس

أيقونات ثقافية

لم تكن إقامة هؤلاء العمالقة عشوائية، بل تمحورت حول مساحاتٍ صارت أيقوناتٍ ثقافية: الحي اللاتيني؛ القلب النابض الذي ضخَّ الحياة في عروق إبداعهم، حيث تلاقت الأفكار فوق موائد المقاهي العتيقة. ومكتبة «شكسبير وشركاه»: الملاذ الذي احتضن أرواح المغتربين، وظلَّ حتى يومنا هذا منارةً تجمع المبدعين من كل فجٍّ عميق. وفندق «لويزيانا»: الشاهدُ الصامتُ على بداياتهم المتواضعة، حيث كان الفندقُ «محطةَ انتظار» قبل أن يحلقوا في سماء العالمية ويذيع صيتهم في الآفاق.

كانت باريس «المسافة» الضرورية التي منحتهم موضوعيةً قاسيةً لرؤية أوطانهم بوضوح؛ فمن بُعدِ كيلومتراتٍ طويلة، اكتشفوا جوهر هويتهم اللاتينية. ولم يكن هذا التماسّ الأدبي محض صدفة، بل دعمته مؤسسات نشرت إبداعهم (مثل دار «غاليمار»)، مما فتح أمامهم أبواب العالمية. وفي خضمِّ هذا العطاء، لم تخلُ مسيرتهم من دراما إنسانية؛ حيث تحولت علاقاتهم من صداقاتٍ أخويةٍ وطيدة إلى خلافاتٍ أيقونية كالعراك الشهير بين يوسا وماركيز عام 1976، لتصبح هذه المواقف جزءاً من الأسطورة التي أحاطت بـ«طفرة» الأدب اللاتيني.

في كتابه المثير للدهشة تحت عنوان «أنوار الوطن: قرنٌ من أدباء أميركا اللاتينية في باريس»، يجسّد مؤلفه جايسون فايس، بأسلوبٍ يجمع بين الرصانة الفكرية والعمق البلاغي، مفارقةً فلسفية عميقة؛ وهي معادلة الإبداع في المنفى والغربة، فالوطن الذي غادره هؤلاء الكُتّاب قسراً أو طوعاً، لم يغب عنهم، بل استحال «نوراً» داخلياً يُضيء عتمة المنفى، ومنح نصوصهم بريقاً لا يضاهى. يمكننا تأمل هذه العلاقة من عدة زوايا أدبية وروحية: المنفى كمرآة للذات: حين يبتعد المبدع عن جغرافيا وطنه، يكتشف أن الوطن ليس مجرد تضاريس، بل هو لغة وذكريات وإيقاع نفسي. باريس هنا لم تكن مجرد مدينة أوروبية، بل كانت «المرآة» التي انعكس فيها الوطن بوضوح أكبر. ففي الغربة، يزداد الحنين حدةً، وتتحول الصور الباهتة للأرض الأم إلى مشاهد نابضة بالحياة في أعمالهم الروائية.

يأتي بعد ذلك، تلاقح الحضارات (التثاقف)، بكون باريس «مختبراً عالمياً» للأفكار، منحت هؤلاء الكتّاب أدواتٍ حداثية، وتقنيات سردية متطورة، لكنهم لم يذوبوا فيها. لقد كان نجاحهم يكمن في «التهجين الأدبي»؛ حيث صهروا عبثية باريس، وفلسفتها، وتاريخها، مع «الواقعية السحرية» وأساطير أميركا اللاتينية، فخرج إلينا أدبٌ عالميٌّ بامتياز، مُحمّلٌ بروحٍ محليةٍ غائرة في القدم. لذلك أصبحت باريس بوصلة النجاح التي توثق «محطة الوعي»؛ فبمجرد أن يُقرأ الكاتب اللاتيني في باريس، أو يُترجم عبر دور نشرها العريقة، فإنه يحصل على اعترافٍ دوليٍّ يُعيده إلى وطنه بطلاً أدبياً، ويمنحه شرعية العبور إلى العالمية. وهكذا تحولت باريس إلى «جسرٍ» يربط بين هوامش أميركا اللاتينية ومركزية الثقافة العالمية. وفي هذا المجال، لو غصنا في تجربة كتّاب وأدباء أمثال ماريو فارغاس يوسا، أو غابرييل غارسيا ماركيز، أو خوليو كورتاثار، نكتشف أن هؤلاء حملوا «أنوار أوطانهم» ليضيئوا بها سماء باريس، وتمسكوا بلغتهم الأم، وكذلك كتّاب آخرون «يتنفسون» المدينة (مثل كورتاسار وفارغاس يوسا). هؤلاء الأخيرون بقوا أوفياء للغتهم الأم (الإسبانية)، لكن باريس عملت في نصوصهم كـ«مُحفّزٍ سريالي». وصول فارغاس يوسا إلى الأكاديمية الفرنسية - وهو الذي يكتب بالإسبانية - هو اعترافٌ فرنسي بأن «الأدب اللاتيني» قد أصبح جزءاً لا يتجزأ من صيرورة الثقافة العالمية. ولكن هناك مَن تحول إلى الكتابة بلغة الآخر؛ أي هؤلاء الذين اتخذوا من «لغة موليير» جسراً ليعبروا فيه عن ذواتهم المهاجرة، إذ قامت النقاشات حول «المثقف المهاجر» و«اللغة كوطن بديل». إن هؤلاء الكتاب، الذين اختاروا الفرنسية، لم يكتفوا بكونهم «مترجمين» لذواتهم، بل تحولوا إلى «مبدعين» استلهموا من روح اللغة الفرنسية هيكلاً جديداً لأفكارهم، مما يثري مشهد الأدب العالمي أمثال إدواردو مانيت الذي عانى تجربة المنفى القسري، وروايته «الغرباء»، وهيكتور بيانشوتي من ضفاف الأرجنتين إلى قبة الأكاديمية، يعتبر بيانشوتي حالة استثنائية؛ فهو لم يكتفِ بالكتابة بالفرنسية، بل صعد سلّم الاعتراف الثقافي الفرنسي حتى نال مقعداً في «الأكاديمية الفرنسية». وراؤول دامونتي بوتانا والمعروف بالاسم المستعار كوبي الذي يُعتبر تجسيداً للتمرد السريالي.

ثمة لحظةٌ فارقةٌ في حياة المبدع، حين يجد نفسه واقفاً على أعتاب مدينةٍ ليست مدينته، يقتات من ذكرياتِ أرضٍ باتت بعيدة، ويكتبُ بلغةٍ قد لا تكون لغته الأم، أو يكتبُ عن وطنٍ يراه بوضوحٍ أكبر كلما زادت المسافة. هذا ما تعبّر عنه تجربة أدباء أميركا اللاتينية في باريس، التي تتقاطع مع حكاية أولئك المبدعين الذين اختاروا «الفرنسية» موطناً لأقلامهم، ليشكلا معاً لوحةً فريدة لـ«إنسان الغربة».

على الجانب الآخر، نجد تلك الكوكبة التي اختارت الفرنسية لغةً للإبداع، مثل كونديرا وماكين ويونسكو. إذا كان أدباء أميركا اللاتينية قد لجأوا لباريس ليحفظوا «ذاكرة الوطن»، فإن هؤلاء المبدعين لجأوا إلى «اللغة الفرنسية» ليجدوا «وطناً للروح»، إذ إن اختيار اللغة ليس مجرد أداة للكتابة، بل هو قرارٌ فلسفيٌّ بتفكيك الهوية وإعادة بنائها. فعندما يكتب المرء بلغةٍ غير لغته الأم، فهو لا يكتبُ فقط، بل هو يتخلص من زوائد المألوف، ويصل إلى جوهر الفكرة دون أن تعيق حركة خياله قيودُ التراث والنشأة.

لم يكن أدباء أميركا اللاتينية في باريس - مثل غارسيا ماركيز أو خوليو كورتاثار - يكتبون عن باريس التي كانت بالنسبة لهم «مختبراً» للنضج، ومكاناً يمنح الكاتب المسافة اللازمة لرؤية وطنه بـ«عدسةٍ كونية»، بل إنهم كانوا يفرون من أتون السياسة والاقتصاد، ليجدوا في المقاهي الباريسية صومعةً لترميم الذات، حيث يمتزج صخب السريالية الفرنسية بواقعية أميركا اللاتينية السحرية، ليصنعوا أدباً يفوح برائحة الغابات الاستوائية في أزقة مدينة الأضواء. في كلتا التجربتين، تظهر باريس ككائنٍ حيّ، كما وصفها الأدباء الآخرون: «الملاذ»، «العيد»، «اللعوب» و«الفاتنة»، و«الواحة» التي تمنحهم الحرية لتأكيد ذواتهم أو بالأحرى الجسر الذي يربط بين «تخوم العالم» و«مركزه»، والامتزاج بين الحنين والمجهول.

يوسا

إن هؤلاء المبدعين - سواء كانوا لاتينيين يحملون إرث القارة البعيدة، أو «مهاجرين لغويين» اختاروا فرنسية النص - يؤكدون على شيءٍ واحدٍ هو أنّ الإبداع لا يعترف بالحدود الجغرافية، و«الوطن» الحقيقي ليس رقعة أرضٍ نولد عليها، بل هو تلك المساحة الرحبة من الحرية التي يصنعونها بأنفسهم عبر استحضار ذكريات الماضي أو عبر استنطاق لغةٍ جديدة.

لقد أثبت هؤلاء أنَّ الكاتب، حين يغترب، لا يضيع بالضرورة، بل يجد صوته الحقيقي في أصداء الصمت، ويحول ألمه الشخصي إلى «أنوار» تضيء دروب القراء في كل زمان ومكان. ويمكن للكاتب أن يكون «مغترباً» حتى داخل لغته الأم، وأنَّ الإبداع الحقيقي لا يولد إلا في المسافة الفاصلة بين الانتماء والرحيل بفعلِ تلاطم أمواجِ الأزمات السياسية، والاختناقات الثقافية، والانهيارات الاقتصادية في أوطانهم، لذلك وجد أدباء أميركا اللاتينية ملاذاً في الهجرة إلى باريس التي لطالما كانت قبلةَ المنفيين والمغضوب عليهم كأنهم يشتركون في «سيرة جماعية» للإبداع، متجذرةً في تربة أوطانهم الأولى رغم الغربة.

لم يقف هؤلاء الأدباء عند حدود الجدل الأدبي التقليدي بين «الفانتازيا» و«الغرائبي»، بل غاصوا عميقاً في نقد «صنمية السلعة» التي تلتهمُ الإبداع. وقد تم توثيق ذلك من خلال محاوراتهم وجدلهم وشتات رسائلهم، ومذكراتهم. وكانت بينهم مظلاتٍ إنسانية مشتركة؛ كالدبلوماسية، أو النزوح القسري، أو التجاوز الجنسي، أو حتى التغرب في لغةٍ أخرى (الفرنسية). ومع كل تلك الاختلافات بينهم إلا لأنّ ثمة «نغمة خفية» توحدُ بين أدباء أميركا اللاتينية، وهي حالة لم تعرفها الأمم المهاجرة الأخرى في باريس التي تحولت قنديلاً يُضيءُ طريقهم نحو إعادة اكتشاف هويتهم اللاتينية.

سوبولفيدا

هؤلاءَ العمالقة صاغوا تاريخ باريس «الهسباني»: كورتاسار، ساردوي، أستورياس، كاربنتيير، ريبيرو، بريس إيشينيكي، فارغاس يوسا، وغارسيا ماركيز، أوكتافيو باث، وأليخاندرا بيزارنيك وغيرهم، نرى في أعمالهم مختلف التأثيرات، ومنها «التأثيرات السريالية في روايات خوليو كورتاثار» أو «تمثيلات الغربة في أدب ماريو فارغاس يوسا»، و«خبايا» إقامتهم في باريس. وهناك أسماء أدبية نسوية مهمة، وفي مقدمتهن لويزا فوتورانكس، التي حظيت بترجماتٍ إنجليزية بارعة. ولا يمكن إهمال رؤية تأثير الثورة الكوبية على تنامي الاهتمام الأوروبي بأميركا اللاتينية، وحضور أسماء أدبية مهمة في جلسات المقاهي الباريسية.

يُشكّل وجود هؤلاء الأدباء في المنفى، تجسيداً لـ«ظاهرة باريس» كمركز ثقلٍ أبدي في حياة النخبة المثقفة في أميركا اللاتينية. وبينما لا يزال بعض النقاد يشككون في قدرة باريس على الاحتفاظ بهيبتها الأدبية لكنها كانت آنذاك كـ«مختبرٍ وجودي» صقل «تحول أميركا اللاتينية» من مجرد ملاذٍ للمنفيين إلى فضاءٍ فكري، كما دمجوا في أعمالهم، وهذا هو التأثير الأهم في كتابتهم، التحليل النفسي وما بعد البنيوية، بل إن هؤلاء الأدباء المغتربين من أميركا اللاتنية حولوا اغترابهم إلى نصوصٍ عابرة للحدود، تعيد خلق الوطن من رحم العدم. في الختام، نتساءل: هل كان من الممكن أن يحدث هذا التحول الفلسفي في أعمالهم ووصوله إلى العالمية دون التماسّ مع باريس؟

صهروا عبثية باريس وفلسفتها وتاريخها مع «الواقعية السحرية» وأساطير أميركا اللاتينية


مقالات ذات صلة

«سيدي الحب»... تركة التاريخ الثقيلة

ثقافة وفنون «سيدي الحب»... تركة التاريخ الثقيلة

«سيدي الحب»... تركة التاريخ الثقيلة

في رواية «سيدي الحب» (دار ديوان للنشر - القاهرة) للكاتبة والروائية المصرية رشا زيدان، تبدو ظلال قصة الحب التي كتبها محمود درويش في قصائده عن «ريتا» وكأنها تؤطر

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

أن يُقحِمَ المرءُ الشعر في قلب المعركة الوجودية الكبرى التي يخوضها الإنسان مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية، فذلك عمل لا ينهض به سوى بشر قدّوا من قماشة خاصة:

ندى حطيط
ثقافة وفنون الفنان في مرسمه

هورفن أندرسون ينقب بالفرشاة في الذاكرة الكاريبية

ليست فكرة مثيرة أن يستمر فنان في رسم صالون حلاقة باعتباره مصدر إلهام جمالي على مدار خمسة عشر عاماً.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون سحر الحب الأول في رواية ألمانية

سحر الحب الأول في رواية ألمانية

تقوم الفكرة الرئيسية في رواية «الأرض الصلبة» للكاتب الألماني بينيدكيت ويلز، ترجمة زهراء باحكيم، على قوة الحب الأول وما يكتنفه من سحر ودهشة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «علوم السرديات» و«الأقلمة الشعرية» لنادية هناوي

«علوم السرديات» و«الأقلمة الشعرية» لنادية هناوي

تذهب الباحثة والناقدة نادية هناوي إلى أن علوم السرديات ما بعد الكلاسيكية المستحدثة فيما قبل وخلال العقدين المنصرمين من الألفية الحالية كثيرة ومتشعبة

«الشرق الأوسط» (بغداد)

«سيدي الحب»... تركة التاريخ الثقيلة

«سيدي الحب»... تركة التاريخ الثقيلة
TT

«سيدي الحب»... تركة التاريخ الثقيلة

«سيدي الحب»... تركة التاريخ الثقيلة

في رواية «سيدي الحب» (دار ديوان للنشر - القاهرة) للكاتبة والروائية المصرية رشا زيدان، تبدو ظلال قصة الحب التي كتبها محمود درويش في قصائده عن «ريتا» وكأنها تؤطر العالم السردي للرواية منذ صفحاتها الأولى.

لا يقتصر حضور درويش على تصدير الرواية، بل يتسلل عبر عتبات الفصول، حيث يتصدر كل فصل مقطع شعري يبدو وكأنه المنبت الأول للحكاية ومرجعها الرمزي، فمن قوله: «ومن أنت يا سيدي الحب حتى نطيع نواياك؟» يتشكّل أفق القراءة حول فكرة الحب الذي يقف في مواجهة الهُوية، والعاطفة التي تصطدم بتاريخ طويل من العداء، قبل أن تفتح الرواية هذا الأفق على أسئلتها الخاصة.

إلا أن رشا زيدان تنزع إلى مقاربة أكثر حدّة وتعقيداً، إذ تضع بطلها، الحاخام اليهودي هارون، أمام مفارقة وجودية تزعزع يقينه الديني والإنساني، لتفتح أمامه مساراً روحياً ينتهي به إلى الإسلام، ويتوازى هذا المسار مع علاقة تنشأ بينه وبين فاطمة الفلسطينية، التي يلتقيها في المشهد الافتتاحي وهي تواجه بجسارة جندياً إسرائيلياً بسبابها وغضبها، فتبدو له امرأة صاخبة، حُرّة بقدر صراخها، قبل أن تتحوّل تدريجياً إلى نقطة ارتكاز في رحلته الداخلية، ليتداخل الحب مع أسئلة الهوية والإيمان والخلاص.

مستويات الصراع

ليس اختيار الحاخام هارون راوياً للأحداث قراراً سردياً محايداً، إذ تضع رشا زيدان القارئ داخل وعي يتغير تدريجياً، بحيث لا تأتي مراجعة الاحتلال بوصفها خطاباً خارجياً، وإنما ثمرة لمسار طويل من الشك وإعادة النظر، وهو ما يمنح التحول الروحي والأخلاقي الذي يمر به هارون قدراً أكبر من الإقناع الفني، ومن داخل هذا الوعي، يعايش القارئ رحلته عبر مستويين متوازيين من الصراع؛ الأول خارجي، يخوضه داخل المؤسسة الدينية اليهودية، وفي مواجهة أسرته المتشددة والمكانة التي يحتلها بوصفه حاخاماً، بينما يضطر إلى إخفاء مراجعاته الروحية التدريجية وممارسته للشعائر الإسلامية سراً، في حياة تقوم على الازدواجية والخوف الحذِر من تبعات الحقيقة.

أما المستوى الثاني فهو صراع داخلي يتجسد في اهتزاز يقينه الأخلاقي والديني أمام ما يراه من عنف الاحتلال، حتى يغدو السؤال الأخلاقي سابقاً على الانتماء نفسه، يقول هارون: «لو كان بإمكان المرء أن يتبرأ من أصله ويستبدل عرقه بعرق آخر، لكنت بالتأكيد تبرأت منهم ونسبت نفسي إلى تلك الوجوه المسكينة المحكوم عليها بالشقاء دون ذنب إلا أنهم أصحاب أرض يريد قومي انتزاعها منهم».

لا يبدو هذا الانقسام طارئاً على هارون، فيحيلنا السرد إلى جذوره العائلية التي أصابها الانقسام نفسه، ففي مقابل أسرة والده التي اختارت الهجرة من مراكش إلى إسرائيل، والاندماج الكامل في المشروع الصهيوني، تحتفظ الرواية بشخصية «العم» الذي رفض الرحيل، وتمسك بالبقاء في المغرب، رافضاً الذوبان في السردية الصهيونية، ومؤسساً حياته داخل مجتمع مسلم.

ومن هنا لا يؤدي العم وظيفة الشخصية الثانوية، بقدر ما يغدو البوصلة الفكرية والأخلاقية التي يظل هارون مشدوداً إليها، ويرى في استقلاله وتمرده الاحتمال الآخر الذي كان يمكن أن تكون عليها حياته، لتبدو عودته مع نهاية الرواية إلى مراكش، أكثر من مجرد رحلة نوستالجية، إنما اختيار راديكالي تكتمل معها ولادة «هارون الجديد».

هُوية متوارثة

لا تطرح الرواية العلاقة بين هارون وفاطمة بوصفها قصة حب شارِدة تنمو على هامش الصراع التاريخي الأزلي بين احتلال ومُحتَل، بل تجعلها أحد تجلياته، فمنذ ظهورها الأول، وهي تدفع جندياً إسرائيلياً بغضب، تبدو فاطمة النقيض الكامل لحِياد هارون الطويل وعزوفه عن الاشتباك، قبل أن تغدو تدريجياً القوة التي تدفعه إلى مساءلة هذا الحياد والانقلاب عليه، ومراجعة السردية التي نشأ داخلها منذ طفولته، ليبدو الحب في الرواية موازياً للمقاومة، فكلما اقترب هارون من فاطمة، ازداد ابتعاداً عن قناعاته الأولى، فالبطل الذي يبدو في البداية رجلاً يحرص على البقاء خارج الصراع «كنت مواطناً إسرائيلياً مسالماً، لم أشارك يوماً في مظاهرة ضد الفلسطينيين ولا ضد الحكومة، ولم أشتبك في أي صراع، ولم أنحز إلى أي جانب، وأحمد ربي على أن رجال الدين معفون من التجنيد» يبدأ حياده في التصدّع تدريجياً عبر تفاصيل صغيرة تكشف عمق المراجعات التي يعيشها.

ولا يقتصر هذا المسار على الشخصيات، بل يمتد إلى الجغرافيا نفسها، حيث تتحرك الرواية بين الرملة ويافا ومراكش، لا كمجرد خلفيات سردية، بقدر ما تصبح محطات في إعادة تشكيل وعي البطل وتحديات العلاقة العاطفية التي تحيلنا إلى الانقسام الحاد بين أبناء «إسحاق» وأبناء «إسماعيل»، حيث الانتماء لا يقف عند النسب الديني أو التاريخي، إنما يغدو سؤالاً مفتوحاً حول الهُوية المختارة في مواجهة الهوية الموروثة، وهو السؤال الذي يتصاعد ببطله إلى حد الأزمة: «أما أنا فكنت رجلاً بلا هوية، لا عربياً ولا عبرانياً».

لا تكتفي رشا زيدان بتتبع هذه الرحلة على مستوى طرح الأفكار، بل تُسيّجها بتفاصيل الشعائر اليومية، ففي الوقت الذي كان يُنتظر من هارون أن يقضي طقس «الشابات» اليهودي مع أسرته، يقرر أن يتجه إلى الرملة ليصلي الجمعة مع صديقه الفلسطيني خليل: «يوم الجمعة، نفذت عقابي لأبي. لم أقضِ الشابات معهم، وفكرت أن أذهب إلى الرملة وأصلي الجمعة مع خليل»، لتبدو الشعائر الدينية علامات سردية تقيس بها الرواية المسافة التي يقطعها هارون في رحلته، فيصبح هذا الانتقال التعبير الأكثر حساسية عن انتقاله من يقين إلى آخر، ومن هوية موروثة إلى هوية اختارها بنفسه.

بذلك لا تبدو استدعاءات محمود درويش، التي تمتد حتى الصفحة الأخيرة من الرواية مجرد إحالات أدبية أو تحية شِعرية، إنما تغدو جزءاً من بنيتها الفكرية، فمن قصيدته «تمرّد قلبي عليّ»، التي تُظلل الفصول بعتبات شِعرية، يبدو هارون وكأنه يسير في رحلته الروحية على هُدى هذا الصوت الشِعري، قبل أن تنتهي الرواية إلى صوتها الخاص؛ صوت لا ينزع نفسه من تركة التاريخ الثقيلة، ولا يدّعي تجاوزها، بل يترك شخصياته تبحث عن موطئ قدم إنساني داخل هذا الإرث.


مهرجان البندقية يمنح كلوني «الأسد الذهبي» احتفاءً بمسيرته الحافلة

نجم «هوليوود» والمخرج الأميركي جورج كلوني (أ.ب)
نجم «هوليوود» والمخرج الأميركي جورج كلوني (أ.ب)
TT

مهرجان البندقية يمنح كلوني «الأسد الذهبي» احتفاءً بمسيرته الحافلة

نجم «هوليوود» والمخرج الأميركي جورج كلوني (أ.ب)
نجم «هوليوود» والمخرج الأميركي جورج كلوني (أ.ب)

أعلن منظمو مهرجان البندقية السينمائي، الاثنين، منح نجم «هوليوود» والمخرج الأميركي جورج كلوني جائزة «الأسد الذهبي» تقديراً لمجمل مسيرته الفنية خلال دورة هذا العام من المهرجان، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكلوني (65 عاماً) من الوجوه المألوفة في المهرجان، وشارك فيه لأول مرة في 1998 بفيلم «آوت أوف سايت».

وشهد مهرجان البندقية العام الماضي العرض الأول لفيلم «جاي كيلي»، أحدث أعمال كلوني الحائز جائزتي أوسكار، كما سار إلى جانب براد بيت على السجادة الحمراء خلال العرض العالمي الأول لفيلمهما «وولفز» في 2024.

وأخرج كلوني أفلام «سابوربيكون» و«ذي آيدز أوف مارش» و«غود نايت آند غود لاك»، وعُرضت جميعها للمرة الأولى في مهرجان البندقية.

ومن أبرز مشاركاته الأخرى فيلم «غرافيتي» الذي افتتح المهرجان في 2013، وكذلك أفلام «ذا مين هو ستير آت غوتس» في 2009، و«بيرن أفتر ريدينغ» في 2008، و«مايكل كلايتون» في 2007، و«إنتولرابل كرولتي» في 2003.

وقال كلوني في بيان نشره المهرجان: «عشت لحظات استثنائية كثيرة في البندقية. إنه بلا شك مهرجاني المفضل، ويشرفني كثيراً الحصول على جائزة الأسد الذهبي. وربما يعني ذلك أيضاً أنني تقدمت في السن، لكنني سأقبل بذلك».

وصعد كلوني إلى النجومية بفضل المسلسل الدرامي «إي.آر» الذي تدور أحداثه في طوارئ مستشفى، وعُرض في تسعينات القرن الماضي. واحتفل بزواجه من أمل كلوني في حفل شهد حضور كوكبة من كبار النجوم في البندقية أيضاً في 2014.

وقال المدير الفني للمهرجان ألبرتو باربيرا: «بجمعه بين التمثيل والإخراج والإنتاج، أصبح جورج كلوني فناناً متكاملاً يتمتع بكاريزما ولديه شغف وإبداع أصيل... حوَّل مسيرته الكبيرة إلى واحدة من أبرز قصص النجاح في السينما المعاصرة».

وستنطلق الدورة الثالثة والثمانون لمهرجان البندقية السينمائي في الفترة من الثاني إلى 12 سبتمبر (أيلول)، على أن تُعلَن قائمة الأفلام المشاركة في وقت لاحق من هذا الشهر.


«القافلة» تناقش تحديات النشر العربي... وتعيد الزهاوي إلى الواجهة

«القافلة» تناقش تحديات النشر العربي... وتعيد الزهاوي إلى الواجهة
TT

«القافلة» تناقش تحديات النشر العربي... وتعيد الزهاوي إلى الواجهة

«القافلة» تناقش تحديات النشر العربي... وتعيد الزهاوي إلى الواجهة

يحتوي العدد الجديد من مجلة «القافلة»، الثقافية التي تُصدرها شركة «أرامكو السعودية»؛ كبرى شركات النفط العالمية، على محتوى ثقافي ومعرفي، يتضمن عدداً من المقالات والملفات الثقافية والعلمية.

ويتتبع عدد «يوليو (تموز) - أغسطس (آب)» مسيرة الفكر الإنساني وتطوره ومشكلاته؛ من مسألة «التزوير» بوصفه اعتداءً على الثقة يمتد إلى العملات والأدوية والأعمال الفنية والسلع الفاخرة والأخبار الرقمية، وصولاً إلى مشكلات صناعة النشر؛ القضية التي باتت مؤرّقة لكل من دخل إلى مجال النشر مؤلفاً أو ناشراً.

وفي هذا العدد، أعلنت «القافلة» عن إطلاق منصة «القافلة بودكاست»، في خطوة جديدة تهدف إلى توسيع حضورها الرقمي، وإتاحة محتواها الثقافي والمعرفي عبر قنوات رقمية متنوعة تناسب جمهورها؛ فعبر برنامجيها «صوت القافلة» و«بورتريه»، يمكن الاستماع إلى مجموعة مختارة من مقالاتها، بما يمنح القراء فرصة الوصول إلى محتوى المجلة والاستفادة منه عبر الوسائط المختلفة.

مشاكل صناعة النشر

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مسألة «صناعة النشر» وتحدياتها، رغم ازدهارها الكمي، وتبحث عن سبل تطويرها؛ فصناعة النشر تتطلّب معالجة العقبات التي تعيق نموها وفاعليتها الثقافية، لتتحوّل إلى صناعة مجدية اقتصاديّاً على جميع الفاعلين فيها.

وشارك في هذا الملف 3 كتّاب؛ هم: أحمد السماري، ومعجب الشمري، وأحمد شوقي علي.

فتحت عنوان: «صناعة النشر بين منطق السوق ورسالة الثقافة»، قال أحمد السماري، إنه خلال العقدين الأخيرين، شهدت صناعة النشر العربية توسعاً ملحوظاً من حيث عدد دور النشر، وكثافة الإصدارات، لكن المقارنة بين دور النشر العربية ونظيراتها الغربية تكشف عن فجوة واضحة في آليات العمل الاحترافي؛ ففي بيئة نشر متقدمة، لا تقتصر وظيفة الناشر على تلقي مخطوط وطباعته كتاباً ثم توزيعه كيفما اتفق؛ إذ إن العملية تبدأ من قراءة المخطوط وتقييمه، ثم تحريره، ثمّ بناء خطة متكاملة لإطلاقه، تتضمن الحملات الإعلامية والندوات والتوقيعات والتواصل مع النقاد والصحافة والمنصات الثقافية، كما تحضر الوكيل الأدبي بوصفه عنصراً رئيسياً في حماية الكاتب والتفاوض نيابة عنه، وإدارة حقوقه الفكرية والتجارية.

وتحدث عن غياب الوكيل الأدبي وغياب المعايير الاحترافية، وقال: «في الدول العربية، لا يزال الوكيل الأدبي غائباً أو محدود التأثير؛ لأن العائد الذي يحصل عليه الكاتب لا يسمح بتمويل عمل الوكيل الذي يتقاضى أجره نسبة من حقوق الكاتب، ولذلك يجد الكاتب نفسه وحيداً أمام دار النشر: يفاوض، ويوقّع».

وأيضاً لاحظ السماري أنه لا يمكن فهم أزمة النشر العربية بعيداً عن ضيق السوق القرائية أصلاً، فعدد القراء في الدول العربية، قياساً بعدد السكان، لا يزال محدوداً، وهو ما ينعكس مباشرة على حجم المبيعات والعوائد المالية، ثمّ على مستوى الخدمات التي تقدمها دور النشر.

لينتهي الكاتب إلى أن صناعة النشر العربية تحتاج اليوم إلى مراجعة شاملة تتجاوز الحنين الثقافي أو الشكوى التقليدية؛ فالمطلوب هو بناء منظومة متكاملة تبدأ من تحديث التشريعات المتعلقة بحقوق المؤلف، وتطوير العقود بما يحقق العدالة لأطراف الصناعة، وتفعيل دور الجمعيات والاتحادات المهنية، ورفع مستوى الشفافية والاحترافية. كما أن النهوض الحقيقي لا يتحقق دون توسيع قاعدة القراءة نفسها؛ لأن صناعة الكتاب لا تعيش بالكتابة وحدها، وإنما تحتاج إلى قارئ حقيقي ومستدام.

وفي الملف ذاته، وتحت عنوان: «الرقمنة لم تعد ترفاً»، كتب معجب الشمري: «يتمثل وجه آخر من الأزمة في طريقة تقديم الكتاب نفسه، فبعض دور النشر ما زال يتعامل معه بوصفه منتجاً ساكناً يكفي طرحه في السوق لينال حظه، في حين أن العالم تغير جذرياً. اليوم، يعيش القارئ محاصراً بمنافسة شرسة: منصات رقمية، وفيديوهات قصيرة، وألعاب تفاعلية، ومحتوى لحظي متدفق؛ فلم يعد كافياً أن تتقن طباعة كتاب جيد، ثم ننتظر أن يجد طريقه وحده إلى أيدي القراء. يُضاف إلى ذلك أزمة القدرة الشرائية في عدد من الدول العربية التي تعصف بها الضغوط الاقتصادية».

وتحت عنوان: «العدالة الواجبة بين ثلاثة ورابعهم القارئ»، كتب أحمد شوقي علي، متسائلاً: «كيف يسعر الكتاب؟»، قائلاً: «هناك فجوة ضخمة بين تكلفة النسخة الواحدة من الكتاب وسعر إتاحته للجمهور، الذي قد يتجاوز 3 أضعاف التكلفة الأصلية. لكن أسباب هذه الفجوة تتضح عند النظر إلى القسمة المالية الكلاسيكية بين أطراف الصناعة: إذ تقدر حقوق المؤلف بنحو من 10 في المائة إلى 15 في المائة، من سعر الغلاف، وتصل فعلياً إلى 18 في المائة، أو 12 في المائة بعد التخفيضات، في حين يحصل الناشر على حصة تراوح بين 40 و50 في المائة، ليتبقى لديه هامش ربح صافٍ يقارب 10 أو 15 في المائة بعد حسم تكاليف الطباعة والإنتاج، وفي المقابل، تذهب النسبة المتبقية التي تعادل من 40 إلى 50 في المائة من سعر الغلاف إلى الموزعين وتجار التجزئة، ولا يتوقف اختلال هذه المنظومة عند لحظة توقيع العقد أو تسلم الطبعة، وإنما يمتد ليكون التوزيع هو العقدة الكبرى التي تعطل وصول الكتاب إلى القارئ، ويتفق كثير من الناشرين العرب على أن تكلفة الشحن واللوجستيات وهشاشة شبكات التوزيع، تجعل الكتاب العربي أسيراً لمسارات قصيرة ومكلفة».

ويكمل قائلاً: «في المقابل، يجد الناشر نفسه تحت وطأة تغطية تكلفة الإنتاج والمصروفات التشغيلية، وهو ما يدفعه غالباً إلى تقليص حصة المؤلف، ويضاف إلى ذلك كله الارتفاع الحاد في تكلفة مدخلات الإنتاج، ففي بيئة تعتمد كلياً على استيراد الورق والأحبار، يصبح ارتفاع أسعار الكتب انعكاساً حتمياً لتكلفة الإنتاج وتراجع أعداد الطبعات، وليس بالضرورة رغبة في مضاعفة هوامش الربح».

ويلاحظ الكاتب أنه نتيجة لهذه التحديات الإنتاجية، تكشف الأرقام والبيانات عن هشاشة البنية التحتية لصناعة النشر العربي؛ إذ يوضح رئيس اتحاد الناشرين العرب محمد رشاد، أن إجمالي العناوين المنشورة في الدول العربية بأسرها لا يتجاوز 80 ألف عنوان سنوياً، مقابل 100 ألف عنوان في تركيا وحدها، وهو رقم لا يتناسب مع كتلة سكانية تتجاوز 400 مليون نسمة. كما تراجعت أعداد النسخ المطبوعة للإصدار الواحد، وفقاً له؛ لتراوح بين 50 و1000 نسخة في حدها الأقصى، ومما يفاقم هذه الهشاشة غياب الدعم الحكومي الممنهج، وضعف الميزانيات المخصصة للتزويد والشراء المؤسسي من قبل المكتبات العامة والجامعية.

الزهاوي: شاعر التنوع الثقافي

يضمّ هذا العدد من «القافلة» مقالاً يتضمن سيرة الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي (1863 - 1936م)، بوصفه أحد روّاد التجديد الفكري والشعري، حيث يُعدّ الزهاوي أحد العلمين الشعريين مع معروف الرصافي في سنوات القرن العشرين الأولى، وهو الرجل الذي تباينت فيه آراء النقاد، وطالما لخصّ الزهاوي مواقف معاصريه منه، بقوله: «كنت في صباي اسمى (المجنون) لحركاتي غير المألوفة، وفي شبابي (الطائش) لنزعتي إلى الطرب، وفي كهولتي (الجريء) لمقاومتي الاستبداد، وفي شيخوختي (الزنديق) لمجاهرتي بآرائي الفلسفية»، وهو ما بيّن غربته عن عصره وزمنه وانفراده بالتعمق والتأمل.

كتب المقال حاتم الصكر، وفيه يؤكد نسبة الزهاوي إلى قبيلة «بابان» الكردية، متحدثاً عن تقييم معاصريه ونقاده، حيث رأوا أنه شاعر جدلي، وقد تفاوتت آراؤهم في أشعاره وأفكاره ومواقفه؛ «ذلك أنه تحرر من الأحكام المسبقة، وأبدى آراءه صريحة في تحرر الفرد والمجتمع، وفي النظر إلى الشعر والحياة والحرية».

ويضيف الكاتب أنه على الرغم من أن الزهاوي ينحدر من أسرة كردية؛ فقد جعلت منه الثقافة العربية، والوظائف التي شغلها، مثالاً لملتقى لغات وآداب مختلفة؛ فكان يحسن إلى جانب العربية، كلاً من الكردية والتركية والفارسية، ويكتب فيها ويترجم عنها. هذا التنوع في ثقافة الزهاوي وحياته، وتبدل أماكن إقامته ومهنه، انعكس في أشعاره ومواقفه، فوجدناه يكتب النثر المسترسل من دون أي ولع بالمحسنات السطحية، مثل السجع المكلف الفاقد للضرورة الدلالية والإيقاعية، وهو ما كان معاصروه التقليديون من الإحيائيين يختمون به فقرات نثرهم الفني.

وعن رأي الزهاوي في الشعر، يقول الكاتب: «كان مفهومه لماهية الشعر متقدماً قياساً إلى سياقات عصره؛ فهو لا يراه ذلك الكلام الموزون المقفى الدال على معنى كما جرى تعريفه تقليدياً؛ بل يربطه جمالياً بالشعور والتعبير الصادق، وبالشكل المناسب فنياً عمّا يحسّ به الشاعر:

ما الشعر إلا شعوري جئتُ أعرضه

فانقدْهُ نقداً شريفاً غير ذي دخلِ

الشعرُ ما عاش دهراً بعد قائلهِ

وسار يجري على الأفواه كالمثلِ

والشعرُ ما اهتزَّ منه روح سامعه

كمن تكهرب من سلك على غفلِ

يا شعرُ إنك أحلامي التي حسنتْ

وأنت ذكرى شبابي الناعم الخَضِلِ».

ويذكر الكاتب أن الزهاوي كان مناصراً للمرأة، داعياً إلى إنصافها اجتماعياً وثقافياً، ومطالباً بحقها في التعلم والمساواة الاجتماعية، كما عرف عنه تقديسه للتعلم وجعل ذلك جزءاً من رسالته. وفي مكان آخر من مسيرته، كان مدافعاً عن استقلال العراق وحريته بعد عقود من الانتداب والاحتلال، فلم يتوانَ عن مقارعة المستعمرين والمحتلين للبلاد العربية:

على كل عودٍ صاحبٌ وخليلُ

وفي كل بيتٍ رئةٍ وعويلُ

كأنّ وجوه القوم فوق جذوعهم

نجومُ سماءٍ في الصباح أفولُ

التزوير: اعتداء على الثقة

يفتح العدد الجديد من «القافلة» ملف التزوير، معتبراً أنه يمثل طيفاً واسعاً يبدأ من الجناية الواضحة، ويمر بالاحتيال الاقتصادي والثقافي، وينتهي عند أسئلة الإنسان عن الصدق والصورة والحقيقة. ولذا، هو في معظم صوره فعل جرمي واضح، تعاقب عليه القوانين وفقاً لخطورته ونتائجه؛ لأن النسخة الكاذبة يمكنها أن تهدم نظاماً كاملاً من الثقة.

يقول المقال: «العملة المزيفة تهدد قيمة النقد الوطني، والدواء المزيف يهدد الحياة، والوثيقة المزيفة تهدد العدالة والإدارة، والسلعة المزيفة تهدد الاقتصاد وحقوق الملكية، والعمل الفني المزيف يعتدي على التاريخ والذاكرة، والخبر المزيف يضرب وعي الناس وقدرتهم على الحكم، وأخطر ما فيه أنه لا يسرق الشيء فقط؛ بل يسرق أيضاً قدرتنا على تصديق الأشياء».

ويضيف: «يعيش التزوير، في جانب منه، في الأزقة الخلفية أو الورش السرية، ولكن ما إن تنتقل مخرجاته إلى العلن، حتى ترى بعضها يختال أمامنا في الأسواق الكبرى والمتاحف، ويتسلل إلى الصيدليات والمنصات الرقمية وشاشات التلفزيون».

ويكمل: «عمر التزوير من عمر الحضارات؛ إذ عثر علماء الآثار في مصر على حبيبات من الخزف، تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، مطلية باللون الأزرق لاستخدامها في الحلي بديلة عن الفيروز الثمين، ومنذ ذلك الحين، وفي كل مرة أنتجت حضارة ما شيئاً ثميناً، نشأ في الظل من يعمل على تصنيع شيء يشبهه».