خلاف الموازنة يهدد تفاهمات النفط بين أربيل وبغداد

كردستان اتهمت الحكومة الاتحادية باحتجاز 36.6 مليار دولار من مستحقاتها

حقل نفطي في كردستان العراق (رويترز)
حقل نفطي في كردستان العراق (رويترز)
TT

خلاف الموازنة يهدد تفاهمات النفط بين أربيل وبغداد

حقل نفطي في كردستان العراق (رويترز)
حقل نفطي في كردستان العراق (رويترز)

في الوقت الذي لاحت فيه بوادر تفاهمات إيجابية بين بغداد وأربيل لحسم إدارة حقول نفط إقليم كردستان، عاد فتيل الأزمة ليشتعل مجدداً من بوابة الموازنة الاتحادية والالتزامات المالية المتبادلة. وتصاعدت حدة التوتر عقب تصريحات شديدة اللهجة لرئيس حكومة الإقليم، مسرور بارزاني، طعن فيها بشرعية وقانونية مطالبة بغداد لأربيل بتسليم مبلغ ثابت قُدّر بـ120 مليار دينار (91 مليون دولار) شهرياً، بالتزامن مع كشف وزارة مالية الإقليم عن اقتطاع الحكومة الاتحادية نحو 48 تريليون دينار (36.6 مليار دولار) من حصة كردستان على مدار السنوات السبع الماضية.

تأتي هذه التطورات في أعقاب حراك دبلوماسي أميركي مكثف؛ إذ كشف سياسيون كرد لـ«الشرق الأوسط» عن أن المبعوث الأميركي، توم برَّاك، بحث في زيارته الأخيرة لأربيل منتصف يونيو (حزيران) الحالي، إمكانية تسوية الخلاف النفطي المزمن بين الإقليم والحكومة الاتحادية الجديدة برئاسة علي الزيدي، وسط تفاؤل دولي حذر بقدرة الإدارة الجديدة في بغداد على تفكيك العقد التقليدية، رغم استبعاد تشريع قانون اتحادي دائم ينظم الثروات الطبيعية في المدى المنظور.

رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني مستقبلاً برَّاك يوم 16 يونيو 2026 (إعلام حكومي)

جدلية «الرقم الثابت»

وفي تفاصيل الأزمة القانونية المحيطة بمبلغ الـ120 مليار دينار، أوضح المستشار القانوني لوزارة المالية في إقليم كردستان، هاوري كمال، لـ«الشرق الأوسط» أن تصرفات بغداد الأخيرة زادت من عمق الخلاف وخلقت أزمة اقتصادية مزدوجة للإقليم والعراق ككل، داعياً حكومة الزيدي الجديدة إلى «إعادة النظر في المشكلات العالقة بين الطرفين والالتزام بالدستور كحَكَم لفض الخلافات».

كان بارزاني قد صرّح لوسائل إعلام محلية بأن «إعادة مبلغ الـ120 مليار دينار إلى الحكومة الاتحادية لا تستند إلى أي أساس قانوني»، موضحاً أن «ما ورد في القانون هو تسليم نصف الإيرادات غير النفطية إلى الحكومة الاتحادية»، وأن هذا المبلغ «كان قد حُدّد كقرار في الكابينة السابقة للحكومة العراقية»، مضيفاً: «نعمل حالياً على مراجعة هذا الموضوع. آمل أن تزداد الإيرادات المحلية على مستوى العراق بأكمله، خصوصاً في إقليم كردستان، لأنه كلما زادت الإيرادات، زادت مساهمة إقليم كردستان أيضاً».

وبيّن كمال أن المادة 29 من قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم 6 لسنة 2019 واضحة تماماً؛ إذ تنص على أن تؤول نصف الإيرادات الاتحادية غير النفطية (كالجمارك والمنافذ والموانئ) إلى الحكومة الاتحادية كنسبة متغيرة حسب المتحصَّل الفعلي، وليس كرقم ثابت ومحدد، «أي حسب مقدار الإيرادات وليس رقماً ثابتاً محدداً بـ120 مليار دينار»، مشيراً إلى أن «هناك نوعين من الإيرادات في الإقليم؛ المحلية والتي تكون للإقليم بنسبة 100 في المائة؜، فيما تحوّل نصف الإيرادات الاتحادية المتحصلة في الإقليم إلى الحكومة الاتحادية».

والإيرادات الاتحادية غير النفطية هي التي توصف بالسيادية، ويُقصد بها إيرادات الجمارك والموانئ والمنافذ وغيرها من الموارد التي تخضع للسلطة الاتحادية، بخلاف الإيرادات المحلية من ضرائب دخل وإيرادات البلديات.

مسعود بارزاني وإلى جانبه مظلوم عبدي خلال محادثات مع المبعوث الأميركي توم برَّاك في أربيل (أرشيفية - الحزب الديمقراطي الكردستاني)

من جانبه، كشف الخبير النفطي الكردي، الدكتور كوفند شيرواني، لـ«الشرق الأوسط» عن أصل هذا الرقم؛ موضحاً أنه «تقرر قبل عامين بناءً على تقديرات وتفاهمات مسبقة بين وزارتي المالية في الطرفين، وكان يمثل آنذاك نصف الإيرادات المتحققة فعلياً. غير أن التوترات الجيوسياسية الأخيرة في المنطقة أدت إلى تراجع حركة التجارة وانخفاض إيرادات الجمارك بشكل حاد في الإقليم وعموم العراق؛ ومن ثم أرسلت أربيل نصف الإيرادات المتحققة بالفعل، ومع ذلك، تصر بغداد على استقطاع المبلغ القديم دون مراعاة لتأثيرات الحرب الراهنة على المداخيل الحقيقية».

بدوره، حذر الخبير الاقتصادي الكردي، هلوفان حسني، من أن إصرار بغداد على هذا العبء المالي الثابت سيقوض التفاهمات النفطية الأخيرة؛ مشيراً إلى أنه من المستحيل على الإقليم توفير هذا المبلغ شهرياً في ظل الظروف الحالية إلا على حساب قوت المواطنين ورواتب الموظفين والخدمات الأساسية.

وأكد حسني في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «إصرار بغداد على استقطاع هذا المبلغ الثابت سيُلحق ضرراً بالغاً بالعلاقات الثنائية ويهدد بتقويض التفاهمات النفطية الأخيرة». وتابع مستفهماً بمنطق اقتصادي: «لو استقرت الأوضاع الإقليمية وتخطت الإيرادات الاتحادية غير النفطية في الإقليم حاجز 400 مليار دينار شهرياً، فهل ستكتفي بغداد بطلب الـ120 ملياراً فقط، أم ستطالب بزيادتها تماشياً مع نمو المداخيل؟».

وشدد حسني على أن الالتزام الفعلي بنص قانون الموازنة، القاضي بتسليم نصف الإيرادات المتحققة واقعياً، هو الحل المنطقي والأعدل للطرفين، محذراً من أن الإبقاء على هذا الرقم الجامد في ظل الأوضاع الراهنة يعد أمراً مستحيلاً على أربيل، إذ لن يتأتى تمويله إلا على حساب الاحتياجات المعيشية للمواطنين والخدمات الأساسية في الإقليم.

فخ «الإنفاق الفعلي»

في هذا السياق، وضعت وزارة المالية والاقتصاد في حكومة الإقليم، النقاط على الحروف عبر أرقام صارمة؛ إذ أعلنت أن الحكومة الاتحادية لم ترسل سوى 42 في المائة فقط من حصة كردستان المالية الإجمالية على مدار السنوات السبع الماضية.

ووفقاً للبيانات الرسمية التي تضمنها بيان الوزارة، فإن حصة الإقليم المفترضة -بعد استقطاع النفقات السيادية والحاكمة- تجاوزت 79 تريليون دينار (نحو 60.3 مليار دولار)، إلا أن بغداد لم تُحرك منها سوى 33 تريليون دينار فقط (نحو 25.2 مليار دولار) خُصصت حصراً لرواتب الموظفين. في المقابل، احتجزت الحكومة الاتحادية أكثر من 48 تريليون دينار (ما يعادل 36.6 مليار دولار) من مستحقات الإقليم الدستورية، مع امتناعها التام عن تمويل أي نفقات تشغيلية أو استثمارية طوال تلك الفترة، بل قامت باحتساب الجزء الأكبر من هذه الحصص المموّلة بين عامي 2019 و2023 كديون مترتبة على عاتق أربيل، وفق الوزارة.

وعلّق مستشار وزارة المالية والاقتصاد في كردستان، هاوري كمال، على هذه الأرقام قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نطالب بتلك الاستقطاعات كحق دستوري مكفول، ويبقى الأمر الآن معلقاً لدى الحكومة الاتحادية ومدى التزامها بالدستور».

وزارة النفط العراقية (موقع الوزارة)

خلل هيكلي

وعن الجذور التمويلية لهذه الأزمة، كشف تقرير تحليلي أمدّت دائرة الإعلام في حكومة إقليم كردستان «الشرق الأوسط» بنسخة منه، عن وجود خلل هيكلي جسيم يهدد الاستقرار المالي للإقليم والمحافظات بناءً على رصد بنود الموازنة طوال العقدين الماضيين. ويتمثل هذا الخلل في التوسع غير المسبوق لبند «النفقات السيادية» وابتداع آلية «الإنفاق الفعلي» بديلاً للتخصيص المالي الثابت.

وتعني آلية «الإنفاق الفعلي» عملياً أن الإقليم لا يتسلم حصته المثبتة قانوناً في الموازنة، بل يتسلم نسبة مئوية مما تصرفه بغداد على الأرض؛ فإذا تعطل مشروع استثماري في البصرة أو قللت الحكومة الاتحادية إنفاقها لأسباب إدارية، تنخفض حصة كردستان تلقائياً، مما يحوّل استحقاقات الإقليم إلى أرقام صورية على الورق تتآكل قبل وصولها، ويجعل رواتب الموظفين رهينة لمتغيرات لا دخل لأربيل فيها.

ويشير التقرير الحكومي إلى أن الإقليم بات يسهم بـ8.7 تريليون دينار (6.59 مليار دولار) سنوياً لتمويل النفقات السيادية للدولة نتيجة تضخم هذا البند، كما يُلزم بدفع 1.6 تريليون دينار (1.21 مليار دولار) سنوياً كحصته البالغة 12.67 في المائة لسداد ديون العراق السيادية. وفي المقابل، لا يتسلم الإقليم من القروض الأجنبية سوى 62.4 مليار دينار (47.2 مليون دولار) فقط؛ وهي مفارقة رقمية تعني أنه مقابل كل دولار واحد يتسلمه الإقليم كقرض، يدفع 26 دولاراً لتسديد ديون أنفقتها الحكومة الاتحادية في مشاريع بمناطق ومحافظات أخرى.

كواليس الضغط السياسي

من جهته، شدد المحلل السياسي والاقتصادي الكردي، الدكتور سامان شالي، على أن هذا الملف الشائك يتطلب «تفاهمات راسخة ودائمة بين أربيل وبغداد، وليس مجرد تسويات مؤقتة»، مشيراً إلى أن الخلافات الحالية هي نتاج تراكمات بدأت حين اتخذت الحكومات الاتحادية السابقة من ملفي الموازنة والرواتب ورقة ضغط سياسي واقتصادي على الإقليم.

وأضاف شالي لـ«الشرق الأوسط» أن أربيل كانت تلجأ سابقاً إلى التصدير المستقل لتأمين رواتب موظفيها ونفقاتها التشغيلية، مستدركاً: «لكن منذ عام 2023، أظهر الإقليم التزاماً كاملاً بتسليم النفط وعائداته إلى بغداد، ومع ذلك لم تنفِّذ الحكومة الاتحادية التزاماتها المقابلة بشكل كامل».

ورغم رصد شالي «مؤشرات إيجابية وتأكيدات رافقت تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي، بعدم المساس ببنود موازنة الإقليم أو اللجوء مجدداً لقطع الرواتب»، فإنه دعا إلى مراجعة فورية لقرار فرض الـ120 مليار دينار كقيمة استقطاع ثابتة. وطالب بدلاً من ذلك بإخضاع الملف لآليات المراجعة والتدقيق المشترك لتحديد حجم الإيرادات الاتحادية الفعلية ونصفها بدقة، حاثاً الحكومة الاتحادية على تقديم موازناتها الختامية المدققة بنهاية كل عام لضمان الشفافية في النفقات والإيرادات، فضلاً عن جدولة تسديد الاستقطاعات المالية المتراكمة للإقليم في ذمة بغداد؛ إنهاءً لأزمة صراع الموارد الممتدة لأكثر من عقدين.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

شح الكهرباء والمياه ينذر بأزمة في جنوب العراق

المشرق العربي محتجون يشعلون النار في أحد شوارع الكوت جنوب بغداد احتجاجاً على نقص الكهرباء (مواقع تواصل)

شح الكهرباء والمياه ينذر بأزمة في جنوب العراق

تُلقي أزمة الكهرباء المتفاقمة في العراق بظلالها على معظم السكان، في ظل ارتفاع الحرارة التي تجاوزت نصف درجة الغليان...

فاضل النشمي (بغداد)
خاص صورة نشرها «الحشد الشعبي» لعناصره في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد في عام 2014 p-circle 02:31

خاص «الشرق الأوسط» تكشف ملامح خطة «حصر السلاح» في العراق

كشفت مصادر عراقية عن ملامح خطة حكومية بعد انتهاء مهلة حصر السلاح في 30 سبتمبر (أيلول) 2026، تتضمن «تفكيكاً تدريجياً لمواقع» فصائل يديرها «الحرس الثوري»

علي السراي (لندن)
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال حضوره اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

الزيدي لتشريع «قانون ملزم» لحصر السلاح بيد الدولة

قرر رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، إعداد مشروع قانون لحصر السلاح بيد الدولة، في إطار ما تقول مصادر إنه استعداد لمواجهة متوقعة مع فصائل ترفض تسليم أسلحتها...

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الخارجية الإيرانية)

عراقجي وطالباني يبحثان «التعاون الأمني» على الحدود

بحث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني تعزيز التعاون الأمني على الحدود بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي مدير العلاقات والإعلام في الداخلية مقداد ميري خلال المؤتمر الصحافي (وكالة الأنباء العراقية)

الداخلية العراقية تغلق 71 مقراً وهمياً لـ«الحشد الشعبي»

أعلنت وزارة الداخلية العراقية، الاثنين، أنها تمكنت من إغلاق 71 مقراً وهمياً تدعي صلتها بـ«الحشد الشعبي»، إلى جانب ضبط 49 طائرة مسيرة.

فاضل النشمي (بغداد)

ميناء جدة الإسلامي محطة رئيسية ضمن خدمات «إيه إي» لتحالف «جيميني»

ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
TT

ميناء جدة الإسلامي محطة رئيسية ضمن خدمات «إيه إي» لتحالف «جيميني»

ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

أعلنت الهيئة العامة للموانئ «موانئ» تعزيز مكانة ميناء جدة الإسلامي محطة رئيسية ضِمن خدمتي «إيه إي 15» و«إيه إي 19» لتحالف «جيميني»، الذي يضم شركتيْ «ميرسك» و«هاباغ-لويد»، وذلك بعد تحديث مساري الخدمتين للعبور عبر مضيق باب المندب وقناة السويس، بما يعزز الربط البحري المباشر للسعودية بالأسواق الرئيسية في آسيا وأوروبا.

ويعكس هذا التحديث الدور المحوري لميناء جدة الإسلامي ضِمن شبكات الشحن العالمية، حيث تتضمن خدمة «إيه إي 19» إدراج الميناء مرتين ضِمن دورتها التشغيلية؛ الأولى خلال الرحلة المتجهة من آسيا نحو البحر المتوسط، والثانية خلال رحلة العودة جنوباً، بما يوفر خيارات ربط أوسع ومرونة أكبر لحركة الشحن من وإلى السعودية.

يأتي اختيار ميناء جدة الإسلامي محطة رئيسية ضِمن الخدمتين امتداداً لما يتمتع به من موقع استراتيجي على البحر الأحمر، وقدرات تشغيلية وبنية تحتية متطورة، بما يعزز جاذبيته للخطوط الملاحية العالمية، ويدعم دوره بوصفه بوابة بحرية رئيسية للسعودية على أحد أهم مسارات التجارة العالمية.

وتربط خدمة «إيه إي 15» ميناء جدة الإسلامي بموانئ تشينغداو ونينغبو في الصين، وكوانغيانغ في كوريا الجنوبية، وتانجونغ بيليباس في ماليزيا، مروراً بقناة السويس وبورسعيد ودمياط في مصر، وكولومبو في سريلانكا، إضافة إلى سنغافورة.

كما تربط خدمة «إيه إي 19» ميناء جدة الإسلامي بموانئ شنغهاي وتشينغداو ونينغبو في الصين، وبوسان في كوريا الجنوبية، وتانجونغ بيليباس في ماليزيا، مروراً بقناة السويس وبورسعيد في مصر وطنجة في المغرب، إضافة إلى سنغافورة.

ويسهم هذا التحديث في اختصار مدة الدورة التشغيلية الكاملة بنحو أسبوعين، من 16 أسبوعاً إلى 14 أسبوعاً، مع المحافظة على انتظام الرحلات الأسبوعية، بما ينعكس على رفع كفاءة الأسطول المستخدم وتعزيز كفاءة الخدمات المقدَّمة للمستوردين والمصدِّرين.

ويؤكد هذا التطور تنامي مكانة ميناء جدة الإسلامي محوراً رئيسياً يربط المملكة بالأسواق العالمية، ودوره في دعم استمرارية سلاسل الإمداد وتعزيز تنافسية قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية، بما يسهم في ترسيخ مكانة السعودية مركزاً لوجستياً عالمياً، تحقيقاً لمستهدفات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية و«رؤية 2030».


تضخم هادئ في السعودية عند 1.8 % رغم اضطرابات أسواق السلع عالمياً

متجر سلع غذائية في السعودية (واس)
متجر سلع غذائية في السعودية (واس)
TT

تضخم هادئ في السعودية عند 1.8 % رغم اضطرابات أسواق السلع عالمياً

متجر سلع غذائية في السعودية (واس)
متجر سلع غذائية في السعودية (واس)

حافظ معدل التضخم في السعودية على وتيرته الهادئة خلال يوليو (تموز) الماضي، مسجلاً 1.8 في المائة على أساس سنوي، في قراءة تعكس استمرار تماسك المستوى العام للأسعار، رغم بقاء تكاليف السكن والإيجارات مصدراً رئيسياً للضغوط التضخمية. ويأتي ذلك في وقت تتجه فيه موجة التضخم العالمية إلى الارتفاع مجدداً، مدفوعة بزيادة تكاليف الطاقة والغذاء واضطرابات أسواق السلع.

وتشير بيانات «الهيئة العامة للإحصاء»، الخميس، إلى أن الزيادة السنوية في أسعار المستهلك بالسعودية تركزت بصورة أساسية في السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى، التي ارتفعت أسعارها 4.2 في المائة، مع صعود الإيجارات الفعلية للسكن 4.3 في المائة، في حين سجلت الأغذية والمشروبات ارتفاعاً بنسبة 1.5 في المائة، والنقل 1.4 في المائة.

وتُبرز هذه التركيبة أن التضخم المحلي لا يزال محصوراً نسبياً في عدد من المكونات، وليس موجة واسعة تشمل معظم بنود سلة المستهلك، حيث تعدّ السعودية ضمن الاقتصادات ذات التضخم المنخفض في «مجموعة الـ20».

ويرى مختصون أنه بالمقارنة مع معدلات التضخم في «مجموعة الـ20»، تعدّ السعودية ضمن الاقتصادات الأقل في هذا المعدل بتسجيل 1.8 في المائة، في حين سجلت الصين واحداً في المائة، واليابان 1.5 في المائة، في أحدث البيانات المتاحة للمقارنة.

ووفق المختصين، فإن ذلك يعكس استمرار استقرار الأسعار في المملكة؛ إذ ترسم قراءة يوليو الماضي صورة لاقتصاد يتمتع بتضخم منخفض ومستقر نسبياً مقارنةً بالمشهد الدولي، مع بقاء السكن والإيجارات العامل الأوضح في الضغط على الأسعار.

الضغوط التضخمية عالمياً

وأوضح أستاذ الاقتصاد في جامعة الملك عبد العزيز، الدكتور سالم باعجاجة، لـ«الشرق الأوسط»، أن استقرار التضخم السعودي عند 1.8 في المائة «يمثل قراءة إيجابية للاقتصاد، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط التضخمية عالمياً»، مؤكداً أن «الأهم من مستوى التضخم نفسه هو تركيبة هذا المعدل؛ إذ إن الارتفاع لا يبدو واسع النطاق عبر مختلف مكونات سلة المستهلك، بل يتركز بدرجة كبيرة في السكن والإيجارات».

وبيّن باعجاجة أن «المؤشرات تعني أن القدرة الشرائية للمستهلك لا تواجه موجة تضخمية شاملة؛ مما يعزز مناخ الاستقرار الاقتصادي والاستهلاكي في المملكة»، موضحاً في الوقت ذاته أن السعودية ما زالت ضمن الاقتصادات الأقل في معدل التضخم ضمن «مجموعة الـ20».

المستوى العام للأسعار

من ناحيته، قال المختص في الشأن الاقتصادي، أحمد الشهري، لـ«الشرق الأوسط»، إنه «ينبغي عدم النظر إلى معدل 1.8 في المائة بوصفه مؤشراً على غياب الضغوط السعرية، فارتفاع تكاليف السكن والإيجارات يظل نقطة تستحق المتابعة، خصوصاً مع استمرار الطلب على السكن في المدن الكبرى».

وأضاف الشهري: «التحدي خلال الفترة المقبلة لن يكون في السيطرة على التضخم العام فقط، وإنما في ضمان ألا تتحول ضغوط قطاع السكن إلى موجة أوسع تمتد إلى بقية مكونات الإنفاق. ومع ذلك، فإن بقاء التضخم عند هذا المستوى يعكس حتى الآن تماسكاً واضحاً في المستوى العام للأسعار».

وتابع أن معدل التضخم عند 1.8 في المائة «يعكس استقراراً ملحوظاً في المستوى العام للأسعار، مع استمرار التوازن في مختلف مكونات الإنفاق، بما في ذلك قطاع السكن الذي يحظى بمتابعة مستمرة في إطار السياسات الاقتصادية المتبعة».

ووفق الشهري، فإن بقاء التضخم عند هذا المستوى «يؤكد وجود تماسك واضح في الأسعار، ويوفر بيئة مواتية للحفاظ على الاستقرار خلال الفترة المقبلة، مع استمرار الطلب المتوازن على السكن في المدن الكبرى ضمن الإطار العام للاقتصاد».

الإيجارات السكنية

وأظهرت بيانات «الهيئة العامة للإحصاء» استمرار تأثير تكاليف السكن على مسار التضخم المحلي، في وقت ظلَّت فيه الزيادات في بقية المكونات ضمن نطاقات محدودة. وكان قطاع السكن المحرِّك الأكبر للتضخم خلال الشهر؛ نتيجة ارتفاع مجموعة الإيجارات الفعلية للسكن بنسبة 4.3 في المائة.

وفي قراءة لبقية مكونات السلة، ارتفعت أسعار قطاع العناية الشخصية والحماية الاجتماعية والسلع والخدمات الأخرى بنسبة 2.9 في المائة، مدفوعة بارتفاع أسعار الأمتعة الشخصية الأخرى بنسبة 11.1 في المائة، بينما زادت أسعار المجوهرات والساعات 12 في المائة.

كما ارتفعت أسعار الترفيه والرياضة والثقافة 2.4 في المائة، متأثرة بزيادة أسعار عروض العطلات بنسبة 3.7 في المائة.

في المقابل، سجَّل بعض مكونات الإنفاق تراجعاً في الأسعار، إذ انخفض قسم الأثاث والأجهزة المنزلية والصيانة الدورية للمنزل بنسبة 0.5 في المائة، بينما تراجعت أسعار الملابس والأحذية 0.4 في المائة، بما ساعد في الحدِّ من الضغوط التضخمية الإجمالية.

وجاء قطاع الأغذية والمشروبات في المرتبة الثانية من حيث التأثير في التضخم، بارتفاع سنوي بلغ 1.5 في المائة، وإسهام قدره 0.3 نقطة مئوية في معدل التضخم العام. كما ارتفعت أسعار النقل 1.4 في المائة، مسهمة بـ0.2 نقطة مئوية، في حين أسهم قسم العناية الشخصية والحماية الاجتماعية والسلع والخدمات الأخرى بـ0.2 نقطة مئوية.

وتشير تركيبة الإسهامات إلى أنَّ التَّضخُّم في السعودية خلال يوليو لم يكن ناتجاً عن موجة ارتفاع واسعة ومتزامنة في مختلف مكونات سلة المستهلك، وإنما تركَّز بدرجة أكبر في السكن، مع إسهامات أقل من الأغذية والنقل وبعض الخدمات.

المقارنة الشهرية

وعلى أساس شهري، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 0.2 في المائة خلال يوليو مقارنة بشهر يونيو (حزيران) السابق عليه، في زيادة محدودة تعكس استمرار استقرار الاتجاه العام للأسعار. وجاءت الزيادة الشهرية مدفوعة بصورة رئيسية بارتفاع قسم السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 0.9 في المائة؛ نتيجة زيادة مجموعة الكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 7.1 في المائة.

وزادت أسعار النقل 0.2 في المائة، والمطاعم وخدمات الإقامة 0.5 في المائة، والترفيه والرياضة والثقافة 0.4 في المائة. وفي المقابل، انخفضت أسعار العناية الشخصية والحماية الاجتماعية والسلع والخدمات الأخرى بنسبة واحد في المائة، كما تراجعت أسعار الأثاث والأجهزة المنزلية والصيانة الدورية للمنزل 0.1 في المائة.


الصين تعيد هندسة إدارة السيولة قصيرة الأجل

مقر «بنك الشعب» الصيني في العاصمة بكين (رويترز)
مقر «بنك الشعب» الصيني في العاصمة بكين (رويترز)
TT

الصين تعيد هندسة إدارة السيولة قصيرة الأجل

مقر «بنك الشعب» الصيني في العاصمة بكين (رويترز)
مقر «بنك الشعب» الصيني في العاصمة بكين (رويترز)

تتحرك الصين نحو مرحلة أعلى دقة في إدارة السيولة وأسعار الفائدة، مع انتقال «بنك الشعب (المركزي الصيني)» تدريجياً من التركيز على عمليات إعادة الشراء لأجل 7 أيام إلى سعر الفائدة لليلة واحدة، في تحول يعكس اتجاهاً أوسع لجعل السياسة النقدية أكبر اعتماداً على الأسعار وأقل ارتباطاً بالأدوات الكمية التقليدية.

وأعلن «البنك المركزي» أنه سيجري عمليات إعادة شراء عكسية لليلة واحدة بقيمة تصل إلى 600 مليار يوان (نحو 89 مليار دولار) يومياً في 14 و17 و18 و19 أغسطس (آب) الحالي، في خطوة تستهدف ضبط السيولة ومنع التقلبات الحادة في أسعار سوق النقد، خصوصاً مع اقتراب فترة سداد الضرائب.

ويأتي التحرك في وقت تشهد فيه سوق السندات الصينية وفرة كبيرة في السيولة، مدفوعة بارتفاع مدخرات الأسر وتراجع توقعات النمو. ولم يستخدم المتعاملون آلية إعادة الشراء العكسي المعتادة لأجل 7 أيام خلال الأيام الثلاثة الماضية، في حين اقتربت عوائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات و30 عاماً من أدنى مستوياتها في شهرين و9 أشهر على التوالي.

ويرى تشانغ ليانغ، المحلل لدى «إس دي آي سي للأوراق المالية»، أن وقف عمليات إعادة الشراء العكسية لأجل 7 أيام يستهدف أيضاً الحد من «سلوك القطيع» في سوق السندات. وفي المقابل، يتيح الإعلان المبكر عن ضخ السيولة لليلة واحدة لـ«البنك المركزي» التعامل بصورة أعلى مرونة مع احتياجات النظام المصرفي خلال فترة دفع الضرائب.

لكن أهمية الخطوة تتجاوز إدارة السيولة اليومية، إذ تكشف عن تحول هيكلي في إطار السياسة النقدية الصينية. ففي تقريره الفصلي الأخير، أوضح «بنك الشعب» الصيني أن هدف أسعار الفائدة قصيرة الأجل بدأ يتحول تدريجياً منذ عام 2025 من سعر إعادة الشراء لأجل 7 أيام إلى سعر الفائدة لليلة واحدة، وأن السلطات عززت خلال 2026 إشاراتها إلى السوق بشأن هذا الانتقال.

ويمنح اختيار سعر الليلة الواحدة «البنك المركزي» قدرة أكبر على التأثير في الحلقة الأضيق من منحنى العائد، خصوصاً أن معاملات إعادة الشراء لليلة واحدة تمثل نحو 90 في المائة من إجمالي تداولات إعادة الشراء في سوق ما بين البنوك الصينية. كما يجعل الإطار الصيني أقرب إلى ممارسات بنوك مركزية عالمية تستخدم أسعار الفائدة لليلة واحدة مرساة أساسية للأسواق النقدية.

وقال شينكوان تشين، الخبير الاقتصادي المختص بالصين لدى «غولدمان ساكس»، إن توضيحات «البنك المركزي» تؤكد استمرار تحوله من تنفيذ السياسة النقدية القائم على الكميات، إلى نهج يعتمد بدرجة أكبر على الأسعار.

ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية مع سعي بكين إلى دعم النمو دون السماح للسيولة الوفيرة بإحداث اختلالات في أسواق الأصول. فضعف الآفاق الاقتصادية يمكن أن يدفع المستثمرين بكثافة نحو السندات، بما يؤدي إلى انخفاض سريع للعوائد، في حين تحتاج السلطات إلى إبقاء تكاليف التمويل منخفضة بما يكفي لدعم الاقتصاد الحقيقي.

ومن المرجح، مع اعتماد تسعير القروض بصورة متصاعدة على مؤشرات متعددة، بينها أسعار إعادة الشراء بين المؤسسات المالية، أن يسعى «بنك الشعب» الصيني إلى إبقاء سعر الأموال لليلة واحدة داخل نطاق أضيق حول مستوى الفائدة الذي يستهدفه.

وبذلك، لا تمثل عمليات أغسطس الحالي مجرد ضخ مؤقت للسيولة، بل تصبح جزءاً من إعادة تصميم أوسع لآلية انتقال السياسة النقدية الصينية. والهدف هو منح «البنك المركزي» قدرة أكبر على توجيه أسعار السوق بصورة مباشرة، مع تحقيق توازن دقيق بين دعم الاقتصاد، والحفاظ على استقرار سوق السندات، ومنع السيولة الوفيرة من التحول مصدراً جديداً للمخاطر المالية.