سيول تعلن عن استثمارات بـ576 مليار دولار في الرقائق والذكاء الاصطناعي

بدعم من «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس»

أشخاص يشاهدون بثاً مباشراً للرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ خلال إعلانه خطة لإنشاء قاعدة جديدة لإنتاج أشباه الموصلات (إ.ب.أ)
أشخاص يشاهدون بثاً مباشراً للرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ خلال إعلانه خطة لإنشاء قاعدة جديدة لإنتاج أشباه الموصلات (إ.ب.أ)
TT

سيول تعلن عن استثمارات بـ576 مليار دولار في الرقائق والذكاء الاصطناعي

أشخاص يشاهدون بثاً مباشراً للرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ خلال إعلانه خطة لإنشاء قاعدة جديدة لإنتاج أشباه الموصلات (إ.ب.أ)
أشخاص يشاهدون بثاً مباشراً للرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ خلال إعلانه خطة لإنشاء قاعدة جديدة لإنتاج أشباه الموصلات (إ.ب.أ)

أعلنت كوريا الجنوبية، يوم الاثنين، عن خطط استثمارية ضخمة في قطاع الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، حيث تعهَّد الرئيس لي جاي ميونغ، بتعزيز ريادة البلاد في هذا المجال من خلال استثمارات تتجاوز قيمتها 576 مليار دولار على مدى السنوات المقبلة.

ويُعد هذا الإعلان الخطوة الأكثر جرأة التي يتخذها لي حتى الآن، في إطار سعيه إلى مواءمة طموحات كوريا الجنوبية في مجالي الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات مع تعهده بتقليص الفوارق التنموية بين الأقاليم وإنعاش الاقتصادات خارج منطقة سيول الكبرى، وفق «رويترز».

وشارك في الإعلان، الذي بُثّ على الهواء مباشرةً، كبار المسؤولين التنفيذيين في شركتَي «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس»، أكبر شركتين مصنعتين لرقائق الذاكرة في العالم.

وقال لي: «علينا تأمين المقومات الأساسية للذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من أي دولة أخرى. وتشكل أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي المادي، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، المحاور الثلاثة لانطلاقتنا الكبرى».

وأوضح الرئيس أن شركتي «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس» ستستثمران، بالتعاون مع مورديهما، نحو 800 تريليون وون (517.87 مليار دولار) لإنشاء موقعين جديدين لتصنيع الرقائق الإلكترونية في المنطقة الجنوبية الغربية من كوريا الجنوبية.

وأضاف أن مدينة غوانغجو ومقاطعة جولا الجنوبية ستضخان أيضاً استثمارات تتراوح بين 5 و20 تريليون وون في هذه المشاريع، إلى جانب استثمارات إضافية بقيمة 81 تريليون وون لإنشاء مجمع لتغليف الرقائق في منطقة تشونغتشونغ، الواقعة بالقرب من سيول.

وأشار إلى أن المنطقة الجنوبية الغربية ستحتضن مجمعات رئيسية لإنتاج الرقائق، مستفيدةً من وفرة الطاقة غير المستغلة فيها.

وقال: «لتلبية الطلب المتزايد بسرعة على أشباه الموصلات، نحتاج إلى تسريع وتيرة استكمال مراكز الإنتاج الجاري إنشاؤها».

وأضاف: «في الوقت نفسه، يجب أن نؤمِّن طاقة إنتاجية ضخمة مسبقاً من خلال استثمارات جديدة واسعة النطاق، بما في ذلك في المنطقة الجنوبية الغربية، إذ إن المواقع الحالية المتمركزة حول يونغين وبيونغتايك بلغت طاقتها الاستيعابية القصوى».

وأوضح مكتب الرئيس أن ممثلين عن شركات أخرى حضروا الفعالية، من بينهم مسؤولون من «إل جي إلكترونيكس»، و«إتش دي هيونداي روبوتكس»، وشركة كوريا للطاقة الكهربائية، وشركة كوريا للموارد المائية.

الرئيس يدافع عن الخطة

أصبحت رقائق الذاكرة عالية النطاق الترددي (إتش بي إم)، التي تنتجها «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس»، عنصراً أساسياً في السباق العالمي لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. وتدير الشركتان بالفعل منشآت رئيسية لتصنيع أشباه الموصلات في منطقة سيول الكبرى ومحيطها.

وقال وزير الصناعة الكوري الجنوبي، كيم جونغ كوان، خلال الفعالية، إن بلاده تستهدف مضاعفة إنتاج رقائق ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية (درام) خلال السنوات الخمس المقبلة، عبر تسريع بناء مصانع الرقائق في منطقة سيول الكبرى حتى منتصف ثلاثينات القرن الحالي.

وتُعد ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية (درام) نوعاً من الذاكرة المستخدمة في تشغيل الأجهزة الإلكترونية، مثل الحواسيب المحمولة والهواتف الذكية، بينما تُنتج رقائق الذاكرة عالية النطاق الترددي (إتش بي إم) من خلال تكديس طبقات متعددة من رقائق (درام)، مما يمنحها سرعة وكفاءة أعلى في معالجة البيانات.

ودافع لي عن مشروع إنشاء مركز تصنيع الرقائق في جنوب غربي البلاد عبر سلسلة من المنشورات على منصة «إكس» خلال عطلة نهاية الأسبوع، رافضاً الانتقادات التي اتهمته بمنح الأفضلية لمعقل انتخابي ليبرالي.

ووصف المشروع بأنه «استراتيجية وطنية للبقاء»، تهدف إلى الحد من الاختلالات التنموية بين الأقاليم وتوسيع القدرات الصناعية لمواكبة عصر الذكاء الاصطناعي.

وكتب في أحد منشوراته: «إن إنشاء منظومة صناعية لأشباه الموصلات في جنوب غربي البلاد ليس امتيازاً لمنطقة بعينها، بل هو تأسيس لمركز صناعي يتمتع بأعلى مستويات الكفاءة، استناداً إلى قرارات الشركات المعنية وبدعم حكومي كامل».

ويرى خبراء في الصناعة أن تنويع الاستثمارات في قطاع الرقائق خارج منطقة سيول قد يُسهم في تخفيف الضغوط على البنية التحتية، إلا أنهم يحذرون من أن إنشاء مصانع متطورة يتطلب كميات هائلة من الكهرباء والمياه، وبنية لوجستية متقدمة، وشبكات واسعة من الموردين، إضافةً إلى عمالة عالية المهارة، وهي متطلبات قد لا تتوافر بالسرعة الكافية في المناطق الجديدة لتلبية الطلب المتسارع على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

في المقابل، انتقد سياسيون معارضون الخطة بشدة، متسائلين عمَّا إذا كانت مدفوعةً باعتبارات سياسية، لا سيما أن نحو 85 في المائة من الناخبين في المنطقة أيدوا لي في الانتخابات الرئاسية التي أُجريت العام الماضي.

يأتي هذا الإعلان في وقت تراجع فيه معدل تأييد الرئيس للأسبوع السادس على التوالي إلى 46.5 في المائة، وفقاً لاستطلاع أجرته شركة «ريالميتر».


مقالات ذات صلة

«يوتيوب» يوسع حضوره على التلفزيون ويضيف أدوات ذكاء اصطناعي لصناع المحتوى

تكنولوجيا يوسع «يوتيوب» استخدام الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (الشركة)

«يوتيوب» يوسع حضوره على التلفزيون ويضيف أدوات ذكاء اصطناعي لصناع المحتوى

يوسع «يوتيوب» أدوات الذكاء الاصطناعي للمونتاج والحماية وإدارة القنوات، مع تطوير البث والشراكات التجارية وتعزيز حضوره في المنطقة.

نسيم رمضان (هاواي)
تكنولوجيا لماذا تتوالى إصدارات نماذج الذكاء الاصطناعي؟

لماذا تتوالى إصدارات نماذج الذكاء الاصطناعي؟

نظم تولّد أخرى… واندفاع وتنافس لإقناع المستمرين

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص من الهاتف إلى مركز البيانات... «كوالكوم» تعيد توزيع الذكاء الاصطناعي حول المستخدم

خاص من الهاتف إلى مركز البيانات... «كوالكوم» تعيد توزيع الذكاء الاصطناعي حول المستخدم

تطرح «كوالكوم» نموذجاً لذكاء شخصي يعمل عبر الهاتف والحاسوب والأجهزة القابلة للارتداء والسحابة وفق طبيعة كل مهمة.

نسيم رمضان (هاواي (الولايات المتحدة))
تكنولوجيا في سباق الذكاء الاصطناعي: تفوّق النماذج الأميركية... ونظم صينية متميزة مفتوحة المصدر

في سباق الذكاء الاصطناعي: تفوّق النماذج الأميركية... ونظم صينية متميزة مفتوحة المصدر

صراع تقني واقتصادي للفوز في حلبة التنافس الدولي

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد لوغو «أوبن إيه آي» بقمة التكنولوجيا في سان فرانسيسكو (رويترز)

وكيل تابع لـ«أوبن إيه آي» يخترق نظاماً حكومياً أسترالياً

تمكَّن وكيل ذكاء اصطناعي تابع لشركة «أوبن إيه آي» من الوصول بصورة غير مصرَّح بها إلى نظام حكومي أسترالي في يوليو (تموز)، في واقعة وصفتها الحكومة بأنها الأولى.

«الشرق الأوسط» (ملبورن)

وكالة المالية الألمانية تتوقع رقماً قياسياً جديداً للاقتراض في عام 2027

أفق الحي المالي في فرنكفورت (رويترز)
أفق الحي المالي في فرنكفورت (رويترز)
TT

وكالة المالية الألمانية تتوقع رقماً قياسياً جديداً للاقتراض في عام 2027

أفق الحي المالي في فرنكفورت (رويترز)
أفق الحي المالي في فرنكفورت (رويترز)

قالت وكالة المالية الألمانية، يوم الخميس، إنها تتوقع أن يصل الاقتراض الفيدرالي إلى مستوى قياسي يبلغ 525.5 مليار يورو (598 مليار دولار) في عام 2026، وأن يرتفع أكثر في العام المقبل، مدفوعاً، بشكل رئيسي، بازدياد احتياجات إعادة التمويل وارتفاع متطلبات الصناديق الخاصة.

قال تامو ديمر، المدير التنفيذي لوكالة المالية الفيدرالية، للصحافيين في فرنكفورت: «سيرتفع هذا الرقم أيضاً في عام 2027». وأعلنت الوكالة المسؤولة عن إدارة ديون ألمانيا أنها تعتزم نشر توقعاتها السنوية لإصداراتها لعام 2027 في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وفق «رويترز».

وأوضحت الوكالة أن أحد العوامل الرئيسية يتمثل في ازدياد حجم الديون المستحَقة التي يتعيّن سدادها وإعادة تمويلها. ويتعيّن على ألمانيا سداد 309 مليارات يورو من ديونها القائمة للمستثمرين، هذا العام.

وأشار ديمر إلى أن صافي اقتراض الموازنة الاتحادية يشهد ارتفاعاً طفيفاً، في حين تزداد أيضاً احتياجات التمويل المرتبطة بالصناديق الخاصة الألمانية.

وذكر أن هذه العوامل مجتمعة تشير إلى ارتفاع إجمالي متطلبات التمويل، مضيفاً: «تمر الحكومة الاتحادية بمرحلة توسع في سياستها المالية».

وأضاف أن المستثمرين يدركون أن هذه المرونة المالية تُستخدم لزيادة الاستثمار في البنية التحتية والدفاع، وهما قطاعان حيويان لاستدامة ألمانيا في المستقبل.

وقال ديمر: «هذه أهداف مفهومة ومهمة، وتُعد أساسية لاستمرارنا في المستقبل، وتُعزز، في نهاية المطاف، الجدارة الائتمانية للحكومة الفيدرالية».

ولا تزال ألمانيا من أكثر الدول السيادية طلباً في العالم، نظراً إلى تصنيفها الائتماني الممتاز «إيه إيه إيه»، الذي أكدته وكالة التصنيف الأوروبية «سكوب»، هذا الشهر.

يأتي ذلك على الرغم من عمليات البيع المكثفة للسندات الحكومية، التي نجمت عن الحرب مع إيران، وأدت إلى ارتفاع حاد في العائدات، خلال الأسابيع الأخيرة. وارتفع عائد السندات الألمانية القياسية لأجل 10 سنوات لفترة وجيزة فوق 3.5 في المائة، هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ 17 عاماً.

ومن بين أسباب ذلك ازدياد مخاطر التضخم نتيجة الصراع في الشرق الأوسط، الأمر الذي دفع البنك المركزي الأوروبي إلى رفع سعر الفائدة الرئيسي مرتين، هذا العام، ما أدى إلى زيادة تكاليف الاقتراض الحكومي.


«المركزي» اللبناني يلاحق «المشبوهين» بتبديد أمواله واحتياطه الدولاري

«المركزي» اللبناني يلاحق «المشبوهين» بتبديد أمواله واحتياطه الدولاري
TT

«المركزي» اللبناني يلاحق «المشبوهين» بتبديد أمواله واحتياطه الدولاري

«المركزي» اللبناني يلاحق «المشبوهين» بتبديد أمواله واحتياطه الدولاري

عمد البنك المركزي اللبناني إلى تسريع وتيرة سلسلة من الإجراءات القانونية والدعاوى والمسارات القضائية الهادفة إلى ملاحقة عمليات مالية مشبوهة أسهمت في تبديد احتياطاته من العملات الصعبة، وإساءة استخدام واختلاس أموال عامة، وسبقت ثم رافقت مرحلة الانهيارات النقدية والمالية.

وبدت المبادرة إلى تجميد الحسابات المصرفية لمجموعة أولى من الأفراد والشركات الذين تطولهم الاتهامات، والمعزَّزة بالأدلة والوثائق المدققة داخلياً، بمثابة رسالة حازمة للداخل والخارج بالتزام التغيير «الكبير» في إدارة القرار النقدي وسياسات البنك المركزي واستقلاليته، ولا سيما عبر تكريس مفاهيم المساءلة والمحاسبة، خارج منظومة المصالح السياسية وغير السياسية.

وتشي قراءة الخلفية الخاصة بأصحاب الحسابات المجمدة من قِبل هيئة التحقيق الخاصة، التي يرأسها الحاكم، بجرأة واعدة، وفق مسؤول كبير معنيّ، في اختراق سقوف «الحمايات»، ولا سيما الحزبية والسلطوية والمحاصصات، بما يشكل دفعاً قوياً للمسار القضائي اللاحق لدى النيابات العامة ذات الاختصاص، وفي مقدمها النيابة العامة المالية، التي تحظى بتمثيل مباشر في المجلس المركزي للبنك المركزي.

ودُون لبس، تستهدف هذه الإجراءات القانونية، وفق إفصاح حاكمية «المركزي»، أيّ شخص طبيعي أو معنوي، سواء أكان مرتبطاً رسمياً بالمؤسسة أم غير مرتبط بها، يثبت أنه اختلس أو أساء استخدام أو بدّد أموالاً تعود إليها، مع التنويه بأن القاسم المشترك بين هذه التصرفات أنها أدت إلى استنزاف موجودات مصرف لبنان وتآكلها.

كما تهدف هذه التدابير، بتأكيد الحاكم كريم سعيد، إلى استرداد الأموال التي جرى استخدامها أو تحويلها بصورة غير مشروعة من قِبل أشخاص، سواء من داخل المصرف أم من خارجه. وبالتبعية، تثبيت وتأكيد الحق القانوني لمصرف لبنان في جميع الأموال التي وُضعت بتصرف الحكومات المتعاقبة، بأي وسيلة أو صيغة كانت، حتى نهاية عام 2023.

وبالتوازي، تُشكل هذه الدفعة الأولى ولواحقها المرتقبة، تبعاً لحصيلة التدقيق الجنائي في حسابات «المركزي» والعمليات «الخاصة» المنفَّذة خلال ولاية الحاكم الأسبق رياض سلامة، الموقوف بتُهم اختلاسات وتبييض أموال، معالم خريطة الطريق التي سيجري اعتمادها، بتجميد الحسابات والملاحقات القضائية، لمجموعات نفوذ سياسي واقتصادي وتجار استفادوا من حُزم مالية صُرفت بالدولار النقدي من احتياطات مصرف لبنان، بإجمالي لا يقل عن 8 مليارات دولار، بموجب قرارات حكومية سابقة لدعم سلع استهلاكية، في مقدمتها القمح والمحروقات والأدوية، في حين تتوفر أدلة دامغة على حصول عمليات تهريب واسعة النطاق، ولا سيما إلى سوريا، وتزوير فواتير وعدم مطابقة في قيود الإمدادات إلى الأسواق الداخلية.

ويؤمل أن يفضي هذا المسار المزدوج إلى جمع طوعي أو بالمصادرة لأصول داخل البلد وخارجه، لمئات الملايين من الدولارات «المبدَّدة»، سواء عبر عمليات ائتمان وتمويل وهمية جرت بين «المركزي» ومسؤولين كبار في بنوك كبرى، أو عبر فواتير الدعم الاستهلاكي التي وصل نزرها القليل إلى المواطنين في الداخل، بينما كانت تُعرض في أسواق خارجية وسوبر ماركت حاملة دمغة «مدعوم».

ويقتضي التنويه، وفق المسؤول عينه، بأن حجم الاحتياطات النقدية كان يقارب 30 مليار دولار عشية انفجار الأزمات، وانحدر بسرعة إلى نحو 10 مليارات، دون أي أثر يُذكر، لا في كبح وتيرة الانهيار الذي استنزف نحو 98 في المائة من العملة الوطنية، ولا في تمكين المواطنين من مواجهة التضخم المفرط بثلاثة أرقام، بينما جرى إخراج البلد قسراً من الأسواق المالية الدولية، عبر قرار حكومي بتعليق دفع مستحقات سندات الدَّين الدولية، وواجه المودِعون صعوبات حادة في السحب من مدّخراتهم، ولو بأسعار تُعادل أقل من 20 في المائة من القيمة الأصلية.

وبمعزلٍ عن الملف الداخلي المتعلق بالمحاكم السابق، وتشعباته الداخلية والخارجية بالوقائع والأدلة والأصول المملوكة، يقوم مصرف لبنان بإعداد تقرير شامل ومدعَّم بكامل المستندات، يهدف إلى تحديد وحصر وتقدير جميع الأموال التي وُضعت بتصرف الحكومات في العقود السابقة حتى نهاية عام 2023، أو التي جرى دفعها نيابة عنها أو بناءً على تعليماتها، أياً كان شكلها، سواء أكانت قروضاً أم سلفاً أم تحويلات أم تسهيلات من أي نوع.

ويجري إعداد التقرير بغية تحديد المبالغ بصورة دقيقة، وتحديد الظروف التي أدت إلى تحويل هذه الأموال، وتحديد الأسس القانونية والقنوات الإجرائية المناسبة للمطالبة باستيفاء كامل هذه المستحقات، ومنها خصوصاً المبالغ التي صرفها مصرف لبنان لتمويل برامج الدعم التي فرضتها الحكومة، والمدفوعات التي أُنجزت نيابة عن وزارة الطاقة والمياه ومؤسسة الكهرباء، وجميع المبالغ الإضافية التي جرى دفعها أو تسليفها إلى الدولة.

ويبلغ إجمالي هذه الأموال، وفق التقديرات الأولية من قِبل «المركزي»، ما يتعدى ثلاثة أضعاف المطالبة القائمة على الدولة في الميزانية والمالية، البالغة نحو 16.5 مليار دولار.

وتستند هذه المطالبات إلى مستندات كاملة ومثبتة. وعند الاقتضاء، لن يتردد مصرف لبنان، وفق إفصاح سابق، في القيام بواجبه الرسمي في تأكيد حقوقه أمام المراجع الإدارية والقضائية المختصة، بهدف استيفاء كامل حقوقه.

وبذلك، يسعى المصرف المركزي، بتأكيد الحاكم، من خلال هذه الحملة القانونية أيضاً، إلى تثبيت وممارسة حقه الكامل والمشروع، وفقاً للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء، تجاه الدولة، فيما يتعلق بجميع التسهيلات الائتمانية أو السلفات أو القروض أو الأموال التي جرى منحها أو وضعها بتصرف الحكومات المتعاقبة؛ وذلك بهدف استرداد هذه الأموال واستخدامها حصراً في سداد الودائع.


الين يضع اليابان بين خيارات التدخل وتسريع رفع الفائدة

مشاة يمرون أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
مشاة يمرون أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
TT

الين يضع اليابان بين خيارات التدخل وتسريع رفع الفائدة

مشاة يمرون أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
مشاة يمرون أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

تواجه اليابان ضغوطاً لوقف تراجع الين، بعدما تجاوزت العملة مستوى 158 مقابل الدولار رغم رفع بنك اليابان سعر الفائدة إلى أعلى مستوى في 31 عاماً، ما أعاد احتمال التدخل في سوق الصرف إلى الواجهة بالتزامن مع توقعات بأن يسرع البنك المركزي وتيرة التشديد النقدي لمواجهة موجة تضخمية جديدة. وأكدت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما، الخميس، أن المبادئ التي استند إليها التدخل المنسق بين اليابان والولايات المتحدة في سوق العملات في 31 يوليو (تموز) لا تزال قائمة، في إشارة إلى استعداد طوكيو للتحرك مجدداً بالتنسيق مع واشنطن إذا أصبحت تقلبات الين مفرطة أو غير منظمة. وقالت كاتاياما إن «المبادئ المعمول بها منذ التدخل المشترك السابق لا تزال قائمة»، لكنها امتنعت عن التعليق على مستويات محددة لسعر الصرف.

وتكتسب تصريحاتها أهمية بعدما أجرت السلطات اليابانية، الجمعة، عمليات فحص لأسعار الدولار مقابل الين في الأسواق الخارجية، حسب مصادر مطلعة. وتعد هذه الخطوة في الأسواق مؤشراً محتملاً إلى الاستعداد للتدخل، إذ تطلب السلطات من المؤسسات المالية تقديم أسعار مباشرة للعملة قبل اتخاذ قرار محتمل بالشراء أو البيع. واستجاب الين لفترة وجيزة، قبل أن يتخلى سريعاً عن مكاسبه ويهبط إلى ما دون مستوى 158 للدولار، ما يعكس استمرار الضغوط الأساسية على العملة.

رفع الفائدة لم ينقذ الين

كان بنك اليابان قد رفع سعر الفائدة الأسبوع الماضي إلى 1.25 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 31 عاماً، لكن القرار لم يمنح الين الدعم الذي كانت تأمله السلطات. وركز المستثمرون بدلاً من ذلك على اعتراض عضوين في مجلس البنك بموقف أكثر ميلاً إلى التيسير، وعدوا ذلك دليلاً على أن وتيرة رفع الفائدة قد لا تكون سريعة بما يكفي لتضييق الفجوة الكبيرة بين العوائد اليابانية والأميركية. لكن ماكوتو ساكوراي، العضو السابق في مجلس بنك اليابان الذي لا يزال يحتفظ بعلاقات وثيقة مع صانعي السياسة، يرى أن اجتماع سبتمبر (أيلول) مثّل تحولاً مهماً في طريقة تعامل البنك مع التضخم، وأن رفع الفائدة قد يصبح أكثر انتظاماً خلال الأشهر المقبلة. وتوقع ساكوراي أن يرفع البنك الفائدة مرة كل ثلاثة أشهر تقريباً، لتصل إلى 2 في المائة بحلول يونيو (حزيران) 2027، مع احتمال تجاوز هذا المستوى إذا ظل التضخم مرتفعاً قرب 3 في المائة.

ويرجح أن تكون الخطوة التالية رفع الفائدة إلى 1.5 في المائة بحلول نهاية العام، وعلى الأرجح في ديسمبر (كانون الأول)، ثم إلى 1.75 في المائة خلال الربع الأول من 2027، وصولاً إلى 2 في المائة بحلول يونيو. ولا يستبعد ساكوراي رفع الفائدة في أكتوبر (تشرين الأول) إذا أجرى البنك تعديلاً كبيراً بالزيادة لتوقعاته للتضخم في تقريره الفصلي المقبل.

النفط يغير معادلة التضخم

يأتي التحول المتوقع في السياسة النقدية مدفوعاً بدرجة كبيرة بارتفاع ضغوط الأسعار، خصوصاً بعد الزيادة الحادة في تكاليف استيراد الطاقة. وحسب ساكوراي، تظهر البيانات الحكومية أن تكلفة واردات اليابان من النفط الخام قفزت بين 70 و80 في المائة خلال الأشهر الأخيرة مقارنة بمستوياتها قبل الهجوم الأميركي على إيران في فبراير (شباط)، وهو ما يتوقع أن ينتقل تدريجياً إلى أسعار المستهلكين. وقد يتجاوز التضخم 3 في المائة بحلول نهاية العام ويظل عند هذه المستويات في بداية 2027، ما قد يدفع بنك اليابان إلى التحرك بصورة أسرع لمنع التضخم الأساسي من تجاوز هدفه البالغ 2 في المائة بصورة مستدامة.

وفي الوقت نفسه، لا تأتي الضغوط التضخمية من الواردات وحدها، فالين الضعيف يرفع تكلفة السلع المستوردة، بينما يسهم الطلب القوي المرتبط بالذكاء الاصطناعي في تعزيز أرباح الشركات المصنعة، بما يدعم النشاط الاقتصادي، ويضيف ضغوطاً ناتجة عن الطلب المحلي.

ويرى ساكوراي أن بنك اليابان أصبح أكثر وعياً بهذه المخاطر، وهو ما يفسر انتقاله من التركيز على ضمان استدامة التضخم إلى محاولة منع الأسعار من الارتفاع بصورة أكبر من المستهدف. كما أشار إلى أن تأييد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لرفع أسعار الفائدة في اليابان منح البنك المركزي مساحة أكبر لتسريع التشديد النقدي.

السياسة المالية تبقي الضغط على العملة

لكن المفارقة أن رفع الفائدة بوتيرة أسرع قد لا يكون كافياً لإعادة الين إلى مسار صعود مستدام. ويرى ساكوراي أن المستثمرين قد يستمرون في بيع العملة والسندات الحكومية اليابانية بسبب توقعاتهم باستمرار رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي في اتباع سياسة مالية توسعية. وقال إن الين «لن يتعافى ما لم تتغير السياسة المالية لتاكايتشي»، مضيفاً أنه حتى إذا رفع بنك اليابان الفائدة بقوة، فقد لا يؤدي ذلك سوى إلى إبطاء وتيرة انخفاض العملة. وهذا يضع السلطات أمام معادلة مزدوجة. فمن ناحية، يحتاج بنك اليابان إلى تشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم وتقليص فجوة الفائدة مع الولايات المتحدة. ومن ناحية أخرى، قد تؤدي السياسة المالية التوسعية وزيادة الإنفاق الحكومي إلى إبقاء الضغوط على السندات والين. ويفسر ذلك عودة التدخل المباشر في سوق العملات إلى الحسابات. فقد أظهر التحرك الياباني - الأميركي المشترك في يوليو استعداد واشنطن وطوكيو للتدخل عندما تعدان أن تحركات السوق أصبحت مفرطة وغير منظمة.

ومع تجاوز الدولار مستوى 158 يناً، أصبحت الأسواق تراقب من كثب تصريحات وزارة المالية وأي عمليات جديدة لفحص الأسعار. لكن كاتاياما حرصت على عدم تحديد مستوى بعينه يمكن أن يدفع السلطات إلى التحرك، بما يحافظ على عنصر عدم اليقين أمام المضاربين. وهكذا يدخل الين مرحلة تتداخل فيها ثلاثة خطوط دفاع: رفع أسعار الفائدة، والتدخل المحتمل في سوق الصرف، والسياسة المالية. وإذا صحت توقعات وصول الفائدة إلى 2 في المائة بحلول منتصف 2027، فإن اليابان ستكون أمام أسرع تحول في سياستها النقدية منذ عقود، لكن مسار العملة سيظل مرهوناً بمدى قدرة هذه الخطوات على التغلب على فجوة العوائد، وضغوط الإنفاق الحكومي، وارتفاع فاتورة الطاقة.