عودة مفاوضات رواندا والكونغو الديمقراطية... خطوة لإحياء «مسار السلام»

توافق على عقد اجتماع للتنسيق الأمني في غضون أسبوعين

جنود يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
جنود يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
TT

عودة مفاوضات رواندا والكونغو الديمقراطية... خطوة لإحياء «مسار السلام»

جنود يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
جنود يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)

تُجرى مفاوضات جديدة للجارتين الكونغو الديمقراطية ورواندا برعاية أميركية-قطرية-أفريقية بعد نحو شهرين من الجمود في تطبيق «مسار السلام» الذي رعته واشنطن والدوحة العام الماضي، خصوصاً مع تصاعد العمليات العسكرية وتفاقم الأوضاع الإنسانية مع انتشار فيروس «الإيبولا» في شرق الكونغو الديمقراطية.

ويرى خبير في الشؤون الأفريقية أن استئناف المفاوضات بين البلدين اللذين يبادلان الاتهامات بـ«دعم متمردين»، هي «فرصة جيدة لإعادة مسار السلام ووقف نزيف التصعيد العسكري».

وعقدت «لجنة الإشراف المشتركة» لاتفاق السلام بين الكونغو الديمقراطية ورواندا اجتماعها السادس في لندن، بمشاركة ممثلين عن البلدين، إلى جانب قطر والولايات المتحدة الأميركية، وتوغو بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي، ومفوضية الاتحاد الأفريقي.

وأعربت «اللجنة» حسب بيان لـ«الخارجية القطرية»، مساء الخميس، عن قلقها البالغ «إزاء تصاعد القتال، وتأثير الهجمات بالطائرات المسيّرة على المدنيين، ومسار السلام، وتفاقم الوضع الإنساني في شرق الكونغو الديمقراطية، بما في ذلك استمرار تفشي فيروس الإيبولا».

ويأتي الاجتماع بعد شهرين من الاجتماع الخامس في واشنطن، الذي تلاه تصاعد عمليات القتال.

ولم تنجح الكونغو الديمقراطية في اقتناص سلام كامل بعد جولات في عام 2025، وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، قد وقّعوا في واشنطن، نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما.

وجاء التوقيع بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي، فيما لم تسفر محادثات كان آخرها في أبريل (نيسان) الماضي بسويسرا، عن تقدم بعد.

المحلل السياسي التشادي الخبير في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، يرى أن «استئناف المفاوضات والاتفاق على عقد اجتماع لآلية التنسيق الأمني المشتركة خلال أسبوعين، يمثلان مؤشراً إيجابياً على وجود إرادة سياسية لدى الطرفين للحفاظ على قنوات الحوار ومنع انهيار مسار السلام بشكل كامل».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن قدرة هذه الخطوات على إعادة إحياء السلام ستظل رهينة بعدة عوامل ميدانية وسياسية، حيث يشكل استمرار الاجتماعات فرصة لتعزيز بناء الثقة بين الجانبين، خصوصاً إذا نجحت آلية التنسيق الأمني في التوصل إلى ترتيبات عملية لخفض التصعيد، وضبط الحدود، ووقف الهجمات التي تستهدف المدنيين.

ويعتقد أن انخراط أطراف إقليمية ودولية مثل قطر والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأفريقي، يمنح العملية السياسية زخماً إضافياً ويوفر ضمانات دبلوماسية قد تساعد على تنفيذ الالتزامات، محذراً، من أن تصاعد القتال على الأرض، واستمرار استخدام الطائرات المسيّرة، وتفاقم الأزمة الإنسانية في شرق الكونغو، كلها عوامل قد تقوّض أي تقدم سياسي إذا لم تترجم التفاهمات إلى إجراءات ميدانية ملموسة.

المتحدث باسم حركة «23 مارس» ويلي نغوما في مدينة غوما شرق الكونغو (رويترز)

ومن المقرر أن يُعقد الاجتماع المقبل لآلية التنسيق الأمني المشتركة بين الكونغو الديمقراطية ورواندا في غضون الأيام الـ15 المقبلة، وفق بيان «الخارجية القطرية».

وحسب إسحاق، «قد يمثل اجتماع التنسيق الأمني المرتقب نقطة انطلاق جديدة لإحياء مسار السلام، لكنه لن يكون كافياً بمفرده، إذ يتطلب نجاحه وقفاً فعلياً للتصعيد العسكري، وآليات رقابة فعالة، والتزاماً سياسياً مستداماً من جميع الأطراف المعنية».

ويتابع: هناك ملفات أمنية وخلافات ستحدد نجاح أو فشل الاجتماع الأمني المرتقب أولها، قضية الجماعات المسلحة في شرق الكونغو، الملف الأكثر حساسية، ولا سيما حركة (23 مارس)، إذ تتهم كينشاسا، رواندا بدعم الحركة عسكرياً ولوجستياً، بينما تنفي كيغالي هذه الاتهامات وتؤكد «أن مخاوفها الأمنية ترتبط بوجود جماعات مسلحة معادية لها داخل الأراضي الكونغولية، وعلى رأسها القوات الديمقراطية لتحرير رواندا». ويشير إلى أن «حسم هذا الملف سينهي كثيراً من الأزمات».

والقضية الثانية وفق الخبير في الشؤون الأفريقية، تتمثل في أن مسألة وقف إطلاق النار وآليات مراقبته تشكل اختباراً حقيقياً لجدية الطرفين، ويؤكد أن «التوصل إلى تفاهمات سياسية لا يكفي إذا لم تنشأ آليات ميدانية واضحة لرصد الانتهاكات، والتحقق منها ومحاسبة الجهات المسؤولة عنها».

ويشير إلى أن هذه التفاهمات رغم أهميتها لا تزال غير كافية بمفردها، مع اعتبارها إطاراً سياسياً أولياً أكثر من كونها اتفاقاً تنفيذياً شاملاً.

ويقول: «سيظل نجاح الجهود الدبلوماسية مرهوناً بقدرة الأطراف المعنية على تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات أمنية ملموسة، باعتبار أن استدامة التهدئة في الكونغو تتطلب أكثر من مجرد توافقات نظرية أو التزامات معلنة».


مقالات ذات صلة

العجز المالي في قطر يقفز بـ106 % إلى 5.83 مليار دولار في الربع الثاني

الاقتصاد أفراد يسيرون على طول كورنيش الدوحة في مواجهة أفق المباني الشاهقة المضاءة يوم 4 سبتمبر (أ.ف.ب)

العجز المالي في قطر يقفز بـ106 % إلى 5.83 مليار دولار في الربع الثاني

سجلت الموازنة العامة لدولة قطر خلال الربع الثاني من عام 2026 اتساعاً ملحوظاً في العجز المالي، ليصل إلى 21.235 مليار ريال قطري.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
الاقتصاد مدينة الدوحة (رويترز)

«فيتش» تبقي تصنيف قطر عند «AA» وترفعها من قائمة المراقبة السلبية

أزالت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني قطر من قائمة «المراقبة السلبية» وأبقت تصنيفها السيادي عند «AA»، مشيرة إلى تراجع المخاطر التي تهدد منشآت الغاز الطبيعي المسال.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
الخليج قطر أكدت أن الحوار والوسائل السلمية يبقيان الطريق الأمثل لحل الخلافات (قنا)

الدوحة تفنّد مزاعم إيرانية: هجماتكم استهدفت أعياناً مدنية

ردّت الحكومة القطرية، على مزاعم إيرانية بأن الضربات التي وجهتها طهران ضد الأراضي القطرية استهدفت مواقع عسكرية ولم تطل أعياناً مدنية.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
الاقتصاد قوارب تُبحر في كورنيش الدوحة بينما يظهر أفق المدينة بالخلفية (رويترز)

اقتصاد قطر ينكمش 7 % في الربع الأول رغم نمو القطاع غير الهيدروكربوني

انكمش اقتصاد قطر 7 % خلال الربع الأول، متأثراً بتراجع القطاع الهيدروكربوني 25.8 % رغم نمو القطاع غير الهيدروكربوني 3.5%.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
الاقتصاد عامل يتفقد خط أنابيب نفط بحقل نهر بن عمر النفطي في شمال البصرة بالعراق (رويترز)

العراق وقطر تطرحان شحنات نفط للتحميل داخل «هرمز» عبر مناقصات نادرة

طرحت شركة تسويق النفط العراقية الحكومية «سومو» وشركة «قطر للطاقة» شحنات من النفط الخام عبر مناقصات نادرة.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

«شهادتان» لوطن واحد... الحرب ترسم حدوداً جديدة لتعليم السودان

من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)
من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)
TT

«شهادتان» لوطن واحد... الحرب ترسم حدوداً جديدة لتعليم السودان

من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)
من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)

في غضون 48 ساعة، أعلن السودان نتيجتين لامتحانين يحملان الاسم نفسه، «الشهادة السودانية»، نظمتهما سلطتان متحاربتان، في واحد من أوضح مظاهر الانقسام الذي نقلته الحرب من الأرض ومؤسسات الحكم إلى التعليم ومستقبل الطلاب.

ففي نيالا، عاصمة جنوب دارفور، أعلنت السلطة التابعة لتحالف «تأسيس» الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، الثلاثاء، نتيجة امتحانات الشهادة الثانوية التي نظمتها في مناطق خاضعة لسيطرتها في دارفور وكردفان. والخميس، تعلن وزارة التربية والتعليم التابعة للحكومة في الخرطوم نتيجة امتحانات الشهادة السودانية للعام الدراسي 2025 - 2026، بعدما اعتمدها رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، الثلاثاء.

والفارق بين الامتحانين كبير؛ إذ جلس لامتحانات الحكومة 559 ألف طالب وطالبة داخل السودان وخارجه، مقابل 510 آلاف قبل الحرب، بينما سجل 10 آلاف و664 طالباً لامتحانات «تأسيس»، جلس منهم 9314، لكن هذه الأرقام لا تشمل الطلاب الذين لم يتمكنوا من أداء أي من الامتحانين، في بلد لا يزال فيه 8 ملايين طفل على الأقل في سن الدراسة خارج المدرسة، وفق «منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)».

أطفال سودانيون نازحون في مخيم ببورتسودان حيث تشير «يونيسف» إلى أن 8 ملايين طفل خارج المدرسة (رويترز)

لا يعني تنظيم «تأسيس» للامتحانات أنها وصلت إلى جميع الطلاب المؤهلين في مناطق سيطرتها؛ فعدد الجالسين (9314 طالباً) محدود قياساً باتساع مناطق الحرب وحجم الأزمة التعليمية في دارفور وكردفان. وتقدر «يونيسف» أن نحو 4 ملايين طفل في سن الدراسة يعيشون في دارفور وحدها، أكثر من 3 ملايين منهم خارج المدرسة، فيما تعد دارفور وكردفان من أكثر المناطق تضرراً من تعطل التعليم.

كما لا تتطابق خطوط السيطرة العسكرية مع خريطة الامتحانين؛ إذ تمكن عشرات الآلاف من طلاب دارفور وكردفان من الوصول إلى امتحانات الحكومة خارج مناطقهم، بينما منعت الحرب والنزوح وصعوبة الحركة آخرين من الوصول إلى أي امتحان.

وفي يونيو (حزيران)، دعت «يونيسف» إلى إتاحة فرصة متساوية لجميع الطلاب السودانيين للجلوس لامتحان قومي موحَّد ومعترف به، محذرة من أن تعدد الامتحانات قد يخلق انقسامات تحد من فرصهم مستقبلاً. وإلى جانب امتحاني الخرطوم ونيالا، هناك آلاف لا تظهرهم نتائج أي منهما، بعدما حرمتهم الحرب والنزوح وتعطل المدارس من الجلوس للامتحان.

انقسام وجداني

يرى خبير تربوي سوداني (طلب حجب اسمه لأسباب تتعلق بسلامته) أن الخطر يتجاوز وجود امتحانين إلى ما وصفه بـ«الانقسام الوجداني» بين طلاب البلد الواحد.

ويقول إن الشهادة السودانية يُفترض أن تكون متاحة لطلاب الولايات الـ18، وإن حرمان طلاب مناطق الحرب من فرصة متساوية قد يولد شعوراً بالغبن والتهميش، داعياً إلى «اتفاق أخلاقي» بين طرفَي الحرب يعزل الطلاب والتعليم عن القتال، ويتيح إجراء الامتحانات في مناطق آمنة.

ويشير إلى تجربة حرب دارفور، حين كان الطلاب ينتقلون من مناطق سيطرة الحركات المسلحة إلى المدن للجلوس للامتحانات ثم يعودون، مؤكداً أن حق الطالب في التعليم يجب ألا تحدده الجهة العسكرية المسيطرة على منطقته. ويحذر من أن التسرب في مناطق الحرب لم يعد مجرد غياب عن المدرسة؛ إذ اتجه طلاب إلى العمل والتعدين والأعمال الهامشية، وانخرط آخرون في القتال؛ ما يصعب إعادتهم إلى الفصول ويعرض بعضهم لـ«الأمية الارتدادية» نتيجة الانقطاع الطويل. ويرى أن امتحان «تأسيس» جاء محاولة لحفظ حق الطلاب الذين تعذر وصولهم إلى امتحانات الحكومة، لكن تكريس نظامين للشهادة قد يحوّل الانقسام السياسي والجغرافي إلى انقسام تعليمي طويل الأمد.

طالبات في الطريق إلى المدرسة لإجراء الامتحانات في بورتسودان في ديسمبر (أ.ف.ب)

تقدّم الحكومة ارتفاع عدد الجالسين لامتحاناتها بوصفه مؤشراً على تعافي التعليم. وقال وزير التربية والتعليم، التهامي الزين حجر، إن 559 ألف طالب وطالبة أدوا الامتحانات، بزيادة 49 ألفاً عما قبل الحرب، معتبراً ذلك دليلاً على الاستقرار وانتظام العملية التعليمية. ووفق الوزارة، عقدت الامتحانات في 3333 مركزاً داخل السودان وخارجه، بينها 84 مركزاً في 14 دولة.

وأشاد البرهان، لدى اعتماده النتيجة، بصمود المعلمين وجهودهم في استمرار العملية التعليمية، مؤكداً التزام الدولة بدعم التعليم.

لكن الخبير التربوي يرى أن زيادة عدد الممتحنين لا تكفي لإثبات التعافي، الذي يجب أن يقاس أيضاً بجودة التعليم والبيئة المدرسية واستقرار العام الدراسي وتراجع التسرب وأوضاع المعلمين والتحصيل الأكاديمي والمناهج. لكن تقديرات «يونيسف» تشير إلى أن 8 ملايين طفل على الأقل لا يزالون خارج المدرسة، مع تركز الأزمة في دارفور وكردفان.

أرقام متباينة للمدارس

يمتد الخلاف إلى عدد المدارس العاملة؛ فالوزير يقول إن 26 ألف مدرسة من أصل 29 ألفاً تعمل بصورة منتظمة، وإن 3 آلاف فقط متوقفة.

لكن لجنة المعلمين السودانيين تشكك في الأرقام، وتقول إن عدد المدارس قبل الحرب كان بين 21 و22 ألفاً، متسائلة كيف ارتفع خلال سنوات الحرب إلى 29 ألفاً، وما إذا كان احتساب المرحلة المتوسطة بصورة منفصلة وراء جانب من الفارق.

طالبات الشهادة الثانوية في مدينة نيالا (إعلام «تأسيس»)

وبحسب اللجنة، كانت ولايات دارفور الخمس تضم 4901 مدرسة، إضافة إلى 740 في جنوب كردفان و1218 في غرب كردفان؛ ما يجعل القول إن ثلاثة آلاف مدرسة فقط متوقفة، في ظل الحرب والسيطرة العسكرية على مناطق واسعة، بحاجة إلى تفسير.

كما تختلف الأرقام الحكومية عن تقديرات منظمات دولية تشير إلى استمرار إغلاق أعداد كبيرة من المدارس وتعطل أخرى بسبب النزوح والحرب.

وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول على توضيح من وزارة التربية والتعليم بشأن اختلاف الإحصاءات ومعايير احتساب المدرسة «العاملة»، وموقفها من شهادة «تأسيس» وأجور المعلمين ومتأخراتهم، لكن المتحدث الرسمي لم يرد حتى إعداد التقرير.

راتب يغطي 3 في المائة

ووفق دراسة أصدرها المكتب الاجتماعي للجنة المعلمين في سبتمبر (أيلول)، تبلغ تكلفة الاحتياجات الأساسية الشهرية لأسرة من 5 أفراد نحو 4.18 مليون جنيه سوداني، أي نحو 597 دولاراً، وفق سعر صرف يبلغ نحو 7 آلاف جنيه للدولار، ومتوسط راتب المعلم 128 ألفاً و125 جنيهاً سودانياً، يعادل 18 دولاراً بهذا السعر، أي نحو ثلاثة في المائة فقط من تلك التكلفة.

وقال المتحدث باسم لجنة المعلمين سامي الباقر لـ«الشرق الأوسط» إن الدراسة اعتمدت أسعار السوق في ولاية الخرطوم، واحتسبت الغذاء والمواصلات وغاز الطهي والمياه والكهرباء وغيرها من النفقات الأساسية.

وحتى إذا طبقت الزيادات المرتقبة وارتفع متوسط راتب المعلم إلى نحو 395 ألف جنيه، تقول اللجنة إنه لن يغطي سوى 9.4 في المائة من تكلفة المعيشة. وطالبت برفع الحد الأدنى للأجور إلى 370.5 ألف جنيه، وإقرار علاوة طبيعة عمل بنسبة 70 في المائة من الراتب الأساسي، وسداد الرواتب والمتأخرات عن عامي 2023 و2024، ومراجعة البدلات وفق التضخم ومعالجة أوضاع المعلمين في دارفور وكردفان.

من الفصل إلى معادن الذهب

وتكشف قصة المعلم محمد المجذوب الحاج حمد جانباً من تداعيات أزمة الأجور؛ إذ لقي مصرعه إثر انهيار بئر للتعدين عليه، بعدما اتجه إلى التنقيب الأهلي عن الذهب بحثاً عن مصدر رزق بديل.

ويقول الباقر إن ضعف الأجور وتأخر الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة دفعت معلمين إلى أعمال أخرى، فيما ترك بعضهم المهنة أو قلَّص ارتباطه بها.

ويضيف أن المعلمين يقدرون إشادة البرهان بصمودهم، لكنهم ينتظرون قرارات تنعكس على حياتهم، لأن فتح المدارس وعقد الامتحانات لا يعنيان تعافياً مستداماً إذا كان المعلم عاجزاً عن إعالة أسرته أو مضطراً إلى مغادرة الفصل بحثاً عن الرزق.

طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس السودان (وكالة السودان للأنباء/ سونا)

ويطرح إعلان نتيجة «تأسيس»، مشكلة أخرى تتعلق بمستقبل الشهادة والاعتراف بها؛ فآلاف الطلاب اجتازوا امتحاناً نظمته سلطة لا تعترف الحكومة المركزية بشرعيتها، فيما لم توضح وزارة التربية والتعليم ما إذا كانت ستعترف بالشهادة أو كيف ستتعامل مع حامليها.

وترى لجنة المعلمين أن الطلاب لا ينبغي أن يدفعوا ثمن الحرب أو الجهة التي تسيطر على مناطقهم، لكنها تحذر من أن استمرار امتحانين قد يقود إلى ما هو أبعد من شهادتين: مناهج مختلفة، واعتراف أكاديمي مختلف، ونظامان تعليميان في بلد واحد.

وتدعو اللجنة إلى حل وطني عاجل عبر لجنة موحدة تضم المؤسسات التعليمية والقوى المهنية، بالتنسيق مع المنظمات الدولية، للوصول إلى امتحان موحَّد وصيغة تحفظ حقوق الطلاب في جميع المناطق.

ويتفق ذلك مع دعوة «يونيسف» إلى امتحان قومي موحَّد ومعترَف به، يضمن عدالة الفرص ويحمي قيمة مؤهلات الطلاب وخياراتهم المستقبلية.

خلال 48 ساعة، حصل السودان على نتيجتين لشهادة واحدة، تحت سلطتين مختلفتين، بينما بقي ملايين الأطفال خارج المدارس، ويواجه المعلمون أزمة تدفع بعضهم إلى مغادرة الفصول بحثاً عن الرزق.

وبين آلاف الطلاب الذين لم يصلوا إلى الامتحانات، وآخرين يحملون شهادة لا يعرفون مصيرها، ومعلمين تدفعهم أوضاعهم المعيشية إلى مغادرة فصول الدراسة، تطرح الأزمة أسئلة كثيرة أكثر تعقيداً، وأبرزها: أي تعليم سيبقى للسودانيين بعد الحرب؟


مساعدة أوروبية لإسبانيا لتعزيز أمن الحدود بعد أزمة سبتة

عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)
عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)
TT

مساعدة أوروبية لإسبانيا لتعزيز أمن الحدود بعد أزمة سبتة

عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)
عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)

أعلن الاتحاد الأوروبي، الأربعاء، أنه سيقدم لإسبانيا 115 مليون يورو على شكل مساعدات طارئة للمساهمة في تعزيز أمن الحدود ودعم عمليات الإعادة، بعد موجة الهجرة الجماعية إلى جيب سبتة الدي تحتله إسبانيا شمال المغرب.

وعبر أكثر من 70 ألف مهاجر من المغرب إلى سبتة أواخر يوليو (تموز) الماضي، في تدفق غير مسبوق شهد مقتل العشرات، معظمهم غرقاً، في أثناء محاولتهم السباحة من طرف إلى الآخر، وأثارت هذه الأزمة انتقاد دول أوروبية عدة.

وقالت نائبة رئيسة المفوضية الأوروبية، هينا فيركونن، في تصريحات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية: «إن الوضع في سبتة تسبب في ضغط على حدودنا الخارجية». وأضافت: «رسالتنا لا تزال واضحة: نحن ملتزمون بمكافحة الهجرة غير النظامية، وضمان الإعادة السريعة لأولئك الذين يمكثون بشكل غير قانوني في سبتة».

وطلبت إسبانيا المساعدة من بروكسل في أواخر أغسطس (آب) الماضي. وقال الاتحاد الأوروبي إن الأموال ستُخصص لـ«إجراءات لتعزيز مراقبة الحدود وحمايتها والبنية التحتية المرتبطة بالأمن»، مثل الكاميرات الحرارية والأنظمة العائمة، والمسيّرات العاملة تحت الماء.

وأوضح التكتل أن المساعدة «ستُستخدم أيضاً لإقامة منشآت لفرز المهاجرين، فضلاً عن دعم عمليات إعادة أولئك الذين يمكثون بشكل غير قانوني في سبتة».

وعاد معظم المهاجرين الذين دخلوا سبتة إلى المغرب، لكنَّ آلافاً منهم بقوا في ظروف معيشية غالباً ما تكون صعبة، وهو ما زاد من حدة التوتر في المدينة الصغيرة وتسبب في أزمة سياسية.

وتسببت الأزمة في توتر بين دول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً بين مدريد وروما بعد قرار الحكومة الإيطالية تشديد إجراءات ضبط حدودها مع إسبانيا.

وفتح القضاء الإسباني، الاثنين، تحقيقاً في دخول المهاجرين إلى سبتة، مستنداً إلى أدلة في شأن «عملية توجيه وتسهيل لا يمكن إنكارها» من الجانب المغربي.

إلا أن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، كان قد شدّد على عدم وجود أي «أدلة قاطعة» على أن المغرب خطط، أو دبّر تدفق المهاجرين، عقب تقرير للشرطة الإسبانية أشار إلى إخفاقات عدة من جانب قوات الأمن المغربية.


جدل ليبي حول تقنين الاستيراد لمواجهة «السوق السوداء» للعملة

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)
محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)
TT

جدل ليبي حول تقنين الاستيراد لمواجهة «السوق السوداء» للعملة

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)
محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)

وسط جدل بين خبراء اقتصاديين حول جدوى الخطوة، اتفقت الحكومتان في غرب ليبيا وشرقها على تنظيم استيراد السلع والبضائع المخصصة لأغراض التجارة، وحظر توريدها خارج القنوات المصرفية، في مسعى للحد من الطلب على الدولار في السوق الموازية.

ويُعد القرار توافقاً نادراً بين الحكومتين المتنافستين، في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي المستمر منذ سنوات؛ إذ صدر منتصف الأسبوع، بالتزامن، عن حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة في غرب البلاد، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد.

ويرى مؤيدو القرار أن تنظيم الاستيراد عبر القنوات المصرفية يمكن أن يسهم في تقليص الطلب على الدولار خارج القطاع الرسمي، شريطة أن تكون العملة الأجنبية متاحة فعلياً للمستوردين، وأن ترافق الإجراءات المصرفية رقابة صارمة على الاعتمادات وحركة البضائع.

في المقابل، يحذر منتقدوه من أن تقييد الاستيراد من دون معالجة نقص السيولة الأجنبية قد يدفع بعض التجار إلى السوق الموازية، بما يرفع تكلفة السلع ويزيد الضغوط على الأسعار، خصوصاً إذا تعذر على صغار المستوردين الوصول إلى التمويل المصرفي.

ومن المقرر أن يبدأ تطبيق قرار الحكومتين اعتباراً من 30 سبتمبر (أيلول) الحالي، في وقت تواجه فيه سوق الصرف ضغوطاً متزايدة، مع اتساع الفارق بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية، وما يترتب على ذلك من تأثيرات على التجارة والأسعار.

ومن بين الأصوات الداعمة للقرار، أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي، الدكتور علي الشريف، الذي يرى أن القرار يمثل إجراءً ضمن خطة تهدف إلى تنظيم السوق وضبط حركة التجارة والاستيراد، معتبراً أن نجاحه سيعتمد على مدى تطبيقه بصورة فعالة وموحدة من الجهات المعنية.

وقال الشريف، في منشور عبر حسابه الشخصي على «فيسبوك»، إن التطبيق الفعال للقرار يمكن أن يسهم في الحد من الطلب على العملات الأجنبية خارج القطاع المصرفي، وتقليص التعاملات على الدولار في السوق الموازية، بما يدعم استقرار سوق الصرف.

وتزامن القرار مع ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية بنحو 13 قرشاً؛ إذ سجل 9.28 دينار مقابل 9.15 دينار في اليوم السابق، بحسب متداولين وتجار، بينما بلغ السعر الرسمي، وفق أسعار مصرف ليبيا المركزي، نحو 6.32 دينار.

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في اجتماع مع علي منصور رئيس لجنة متابعة الاعتمادات المستندية في طرابلس الأسبوع الماضي (الرقابة الإدارية)

وبذلك، تبلغ الفجوة بين السعرين نحو 2.96 دينار للدولار، بما يعني أن سعر العملة الأميركية في السوق الموازية يزيد بنحو 47 في المائة عن السعر الرسمي، وهو فارق يعكس حجم الضغوط على سوق الصرف وحجم الطلب على النقد الأجنبي.

لكن الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الحميد الفضيل ينظر إلى القرار من زاوية مختلفة، حيث يرى أنه قد يخدم كبار التجار القادرين على الحصول على الاعتمادات المستندية، بينما يضع صغار التجار الحقيقيين أمام أعباء أكبر، من دون معالجة أصل أزمة العملة الأجنبية.

وقال الفضيل، في منشور عبر «فيسبوك»، إن ما سماهم «حيتان الاعتمادات» يحصلون على عشرات الملايين من النقد الأجنبي لإعادة بيعها في السوق الموازية، بينما يتضرر صغار التجار، متسائلاً عن جدوى شراء الدولار بـ9.28 دينار، إذا كان متاحاً عبر القنوات الرسمية بسعر أقل.

والاعتمادات المستندية هي تسهيلات مصرفية تتيح للتجار الحصول على العملة الأجنبية بالسعر الرسمي لتمويل عمليات الاستيراد، لكنها أثارت خلال السنوات الماضية انتقادات وشبهات تتعلق بمدى وصول النقد الأجنبي إلى المستوردين الحقيقيين، واستخدامه في الأغراض المخصصة له.

وتزايدت هذه المخاوف مع إجراءات رقابية حديثة؛ إذ أعلنت هيئة الرقابة الإدارية الاشتباه في وجود مخالفات مرتبطة بإجراءات الاعتمادات المستندية لدى نحو 500 شركة، ما أعاد إلى الواجهة قضية توزيع النقد الأجنبي ومدى سلامة عمليات الاستيراد.

وكانت وزارة الاقتصاد والتجارة قد أصدرت في 18 أغسطس (آب) الماضي قراراً بوقف نشاط 27 شركة مرتبطة بثلاثة مستفيدين من عائلة واحدة، بعدما تجاوزت قيمة الاعتمادات الممنوحة لها 146 مليون دولار، في واقعة سلطت الضوء على مخاطر تركز الاستفادة من النقد الأجنبي.

ولا يخلو القرار من دلالة سياسية؛ إذ يرى الشريف أن توحيد الإجراءات بين وزارتي الاقتصاد في الشرق والغرب يمكن أن يمثل خطوة أولى نحو تقارب المؤسسات الاقتصادية، وصولاً إلى سياسات موحدة وقرار اقتصادي يصدر مستقبلاً عن حكومة ليبية واحدة.