يحاول كل من «حزب الله» وإسرائيل، بعد وقف إطلاق النار الذي أرسته التفاهمات الأميركية الإيرانية في سويسرا، تثبيت وقائع في الميدان تُحسّن شروطهما وشروط حلفائهما التفاوضية على الملفات التي لا تزال عالقة؛ وأبرزها الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة ومسألة سلاح «حزب الله».
وتدفع إسرائيل لإبقاء حرية حركتها في لبنان، في حين أعلن «حزب الله» التزامه «حتى الآن» بوقف النار، مشيراً إلى أنه «يراقب هذه الانتهاكات ويرصدها». وتمثلت الخروقات الإسرائيلية الأخيرة في إطلاق النار مباشرة على أشخاص قالت إنهم يشكلون تهديداً للقوات الإسرائيلية الموجودة داخل الأراضي اللبنانية، واستهداف المسيّرات عدداً من الأشخاص داخل سياراتهم، إضافة إلى إلقاء قنابل صوتية وإحراق منازل. ومعظم هذه الخروقات يحصل في المناطق الواقعة ضِمن الخط الأصفر لا خارجه.
عودة إلى اتفاق 2024
ويبدو واضحاً أن حرية الحركة الإسرائيلية تقلصت راهناً إلى حدودها الدنيا، مقارنة بالمرحلة التي تلت اتفاق 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، علماً بأن هذا الاتفاق لم ينصّ صراحةً على منح إسرائيل «حرية حركة» أو «حرية عمل عسكرية» مفتوحة داخل لبنان، بل نصّ على أن يمتنع الطرفان عن القيام بعمليات عسكرية هجومية وعلى حقهما بالدفاع عن النفس، وفق القانون الدولي.
لكن إلى جانب نص إعلان وقف الأعمال العدائية المعلَن رسمياً، جرى الحديث عن رسالة أو تفاهم جانبي أميركي إسرائيلي أو ما يُعرَف أحياناً بـ«الورقة الرديفة»، وليس عن وثيقة موقَّعة من لبنان تضمنت اعترافاً أميركياً بحق إسرائيل في التحرك عسكرياً إذا رأت أن هناك تهديداً وشيكاً أو خرقاً للاتفاق، ولم تتمكن الآلية الدولية أو الدولة اللبنانية من معالجته.
وقد نفّذ الجيش الإسرائيلي، ولمدة 15 شهراً تلت توقيع الاتفاق، عمليات تدمير وقصف واغتيالات طالت كثيراً من المناطق اللبنانية، بحجة استهداف تهديدات أمن إسرائيل.

وقائع جديدة
لكن يبدو أن الواقع راهناً اختلف كلياً عما كان عليه سابقاً، رغم تأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أخيراً أن القوات الإسرائيلية العاملة في جنوب لبنان تتمتع بـ«حرية كاملة» للتحرك ضد أي تهديد مباشر أو محتمل، مشدداً على أن الجنود الإسرائيليين مخوَّلون بإحباط أي تهديد يستهدفهم أو يستهدف سكان شمال إسرائيل، «وهو لا يواجه أي قيود» في هذا الشأن.
كما أكد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أن «لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، لكن وفق آلية تضمن عدم خروج الأمور عن السيطرة». وقد رد الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم على هذّه التصريحات مشدداً على أن وقفاً لإطلاق النار «مع منح إسرائيل حرية التصرف هو استمرار للعدوان»، مشدداً على رفضه ذلك.
ويوضح الدكتور رياض قهوجي، الباحث والكاتب في شؤون الأمن والدفاع، أن «حق الدفاع عن النفس، كما حدده نائب الرئيس الأميركي أخيراً هو أن إسرائيل يمكن أن تتحرك دفاعياً بحيث إن لديها حرية التصرف مع أي تهديد لقواتها، حيث توجد، كما أن لديها حرية العمل في مناطق وجودها ضمن الخط الأصفر». ولفت، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «هناك فرقاً كبيراً بين حرية الحركة بعد اتفاق 2024 وحرية الحركة اليوم، فهي كانت واسع النطاق وتشمل كل الأراضي اللبنانية، وعندما تستشعر تل أبيب أي تهديد تتحرك ضده، أما الآن فهناك قيود أميركية تتيح التحرك حصراً في المناطق المُحاذية للخط الأصفر، وحرية التحرك ليست مطلقة».
الرؤية الإسرائيلية
ويشير العميد المتقاعد منير شحادة إلى أنه «حتى الآن لا يوجد نص معلَن وموثَّق لاتفاق أميركي إيراني منشور للرأي العام يتضمن بنوداً تفصيلية حول لبنان و(حرية الحركة) الإسرائيلية، لذلك فإن أي حديث عن صلاحيات جديدة لإسرائيل يبقى في إطار التسريبات أو التقديرات السياسية لا أكثر. ويضيف: «لكن إذا أخذنا ما يُطرح في الأوساط السياسية والدبلوماسية، فإن الحرية التي تسعى إسرائيل للحصول عليها، اليوم، تختلف عن صيغة 2024 في نقطة أساسية، ففي تلك الفترة كانت إسرائيل تزعم أنها تتحرك بسبب (خرق محدد) أو (تهديد وشيك)، أما اليوم فهي تسعى لتثبيت حق دائم في الاستهداف الوقائي ومنع إعادة بناء أي بنية عسكرية تعدُّها مهدِّدة، حتى قبل أن تتحول إلى تهديد مباشر».

ويوضح شحادة، في تصريح، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «وفق الرؤية الإسرائيلية المعلَنة منذ أشهر، فإن هذه الحرية ستشمل: تنفيذ غارات جوية ضد مخازن السلاح أو خطوط الإمداد التي تعدُّها إسرائيل مخالِفة للترتيبات الأمنية، واستهداف شخصيات أو مجموعات تتهمها بالعمل العسكري جنوب الليطاني، وتنفيذ عمليات استطلاع جوي مكثفة فوق لبنان، وتوجيه ضربات استباقية إذا عدَّت أن هناك محاولة لإعادة بناء قدرات صاروخية أو مُسيّرات، والاحتفاظ بإمكانية التدخل العسكري السريع عند أي انهيار للترتيبات الأمنية»، مضيفاً: «لكن كل هذا من منظور إسرائيلي تسعى لفرضه على الساحة اللبنانية، الأمر الذي ترفضه السلطة السياسية في لبنان، كما أن المقاومة (حزب الله) صرّحت علناً، على لسان أمينها العام، بأنها لن تسمح بالعودة إلى ما قبل الثاني من مارس (آذار) 2026»؛ وهو تاريخ اندلاع الجولة الجديدة من الحرب.
«حزب الله» الطرف الضعيف
وعن سبب عدم رد «حزب الله» على الخروقات، يقول شحادة: «(الحزب) أصدر بياناً يُدينها، ومن الواضح أنه سيختار الوقت والمكان المناسبين للرد؛ لأنه أعلن، على لسان مسؤوليه، أنه لن يسمح بالعودة إلى مرحلة ما قبل الثاني من مارس».
لكن في المقابل، يرى قهوجي أن «(حزب الله) هو الطرف الضعيف والذي يعاني الحجم الأكبر من الخسائر بقواته وقدراته ولا يستطيع أن يمنع التقدم الإسرائيلي، ومن ثم فهو بحاجةٍ أكثر للحفاظ على وقف إطلاق النار أو بأقله تقليص حدة الهجمات الإسرائيلية، لذلك سيحاول، قدر المستطاع، تحمُّل الخروقات المحدودة، كما أن رده قد يعطي إسرائيل الحجة لمعاودة هجماتها الكبيرة مما سيُحرج طهران لأنها لا تريد أن تُجرّ لمواجهة مع إسرائيل تؤدي لانهيار وقف إطلاق النار مع واشنطن».

الوضع الميداني
وتبدو «حرية الحركة» الإسرائيلية واضحة، عبر عدد من الخروقات والاعتداءات التي ينفّذها الجيش الإسرائيلي، وأدت إلى مقتل ما لا يقل عن 7 أشخاص، وجرح آخرين منذ وقف إطلاق النار.
ويوم الخميس، استهدفت غارة من مُسيّرة إسرائيلية، بعد الظهر، سيارة على الطريق بين زوطر وميفدون، وتسببت في 3 قتلى، كما سجّل إلقاء قنابل صوتية في أكثر من منطقة، وإحراق منازل في بلدة عين عرب الواقعة ضمن الخط الأصفر، والتي عاد إليها أبناؤها، الأربعاء، قبل أن يدعوهم الجيش الإسرائيلي إلى إخلائها.


