روسيا تتهم واشنطن بالابتعاد عن دور «الوسيط المحايد» في حرب أوكرانيا

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (أ.ف.ب)
TT

روسيا تتهم واشنطن بالابتعاد عن دور «الوسيط المحايد» في حرب أوكرانيا

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (أ.ف.ب)

رأت روسيا، اليوم (الثلاثاء)، أن الولايات المتحدة لم تعد تسعى لأن تكون «وسيطاً محايداً» لإنهاء الحرب المستمرة في أوكرانيا منذ مطلع عام 2022، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

ولا تزال المحادثات التي تقودها الولايات المتحدة لإنهاء النزاع الأكثر دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، متعثرة فعلياً، إذ حوّل الرئيس دونالد ترمب اهتمامه نحو الشرق الأوسط مع بدء الحرب على إيران في أواخر فبراير (شباط).

غير أنه خلال قمة عُقدت في فرنسا في وقت سابق من هذا الشهر، اتفق قادة مجموعة السبع ومنهم الرئيس الأميركي على بيان ختامي تضمن إشارات إلى الحرب في أوكرانيا، على النقيض من اجتماع العام الماضي الذي غادره ترمب مبكراً.

وفضلاً عن زيادة إمدادات معدات الدفاع الجوي لأوكرانيا، اتفق القادة على تكثيف الضغط على «اقتصاد الحرب» الروسي من خلال تعزيز العقوبات، ومنها تلك التي تستهدف إيرادات موسكو من المحروقات.

وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أمام سفراء أجانب في موسكو: «بالنسبة إلى الولايات المتحدة، إذا حكمنا على أفعالها فيبدو أنها تتخلى عن أي ادعاء بالقيام بدور الوسيط المحايد، وتتبع بدلاً من ذلك نهجاً يتمثل في تصعيد ضغوط العقوبات على روسيا».

كما رأى أن أوروبا ومن خلال دعمها العسكري لأوكرانيا «تتحول مجدداً إلى التهديد الرئيسي للسلم والأمن الدوليين».

منذ عودته إلى البيت الأبيض عام 2025، دأب ترمب على حث الطرفين على الدخول في مفاوضات.

لكن لم يُحرز سوى تقدم ضئيل في الجهود الدبلوماسية التي ترعاها الولايات المتحدة بين الجارتين، إذ ترفض كييف الرضوخ لمطالب موسكو المتشددة، بينما ترفض روسيا التنازل عنها.

وتطالب روسيا بانسحاب أوكرانيا من منطقة دونباس الشرقية التي لا يزال جيش كييف يسيطر على أجزاء منها، كشرط مسبق لأي محادثات سلام.

ورفضت أوكرانيا ذلك، قائلةً إن خطوة كهذه لن تؤدي إلا إلى تشجيع موسكو.


مقالات ذات صلة

السفارة الأميركية تحذر السلطات الروسية من «تهديد» بهجوم في موسكو

أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

السفارة الأميركية تحذر السلطات الروسية من «تهديد» بهجوم في موسكو

قالت السفارة الأميركية في موسكو، السبت، إنها أبلغت روسيا باحتمال التخطيط لهجوم في العاصمة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)

تقرير: قتيلان في هجوم بمسيّرة أوكرانية على بريانسك الروسية

كشف حاكم منطقة بريانسك الروسية، ‌اليوم ‌(السبت)، ​أن شخصين ⁠قُتلا ​وأُصيب 5 ⁠آخرون إثر إصابة مسيّرة ⁠أوكرانية ‌منزلاً ‌خاصاً بمنطقة ‌كليموفو ‌السكنية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
تحليل إخباري جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)

تحليل إخباري ماذا يعني إلغاء بعثة «المينورسو» لمستقبل الصحراء المغربية؟

فيتو روسي يسقط مشروع قرار أميركياً لتعديل مهام «المينورسو»، والمغرب يعلن انتهاء البعثة الأممية، ويطالب بسحب ملف الصحراء نهائياً من مجلس الأمن.

كوثر وكيل (لندن)
العالم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يصل للمشاركة في لقاء وزراء خارجية دول مجموعة العشرين في أتلانتا (أ.ف.ب)

لافروف أجرى محادثات «مُرضية» مع روبيو

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الجمعة، إنه أجرى محادثات «مرضية» مع نظيره الأميركي ماركو روبيو على هامش اجتماع وزراء خارجية مجموعة العشرين.

«الشرق الأوسط» (أتلانتا)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرحباً برئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان في موسكو الجمعة (أ.ب)

بوتين يعرض مساعدة البرهان لإنهاء حرب السودان

أعلن الرئيس الروسي استعداده لمساعدة السودان لوقف الحرب، وسلم رئيس مجلس السيادة خريطة طريق للتعاون الثنائي، فيما دعا البرهان إلى علاقة استراتيجية مع موسكو.

أحمد يونس (كمبالا)

بريطانيا «منفتحة» على الاعتذار عن تجارة الرقيق لكن من دون تعويضات

رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام (رويترز)
TT

بريطانيا «منفتحة» على الاعتذار عن تجارة الرقيق لكن من دون تعويضات

رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام (رويترز)

أبدى رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام، السبت، «انفتاحاً» على فكرة تقديم المملكة اعتذاراً رسمياً عن دورها في تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، لكنه استبعد دفع تعويضات مالية.

في مقال له بصحيفة «ذي غارديان» قبل أيام من مشاركته في قمة قادة دول الكومنولث في منطقة الكاريبي، وبينما يجري الملك تشارلز الثالث جولة في المنطقة، أكد بيرنهام أنه «ينبغي لنا مواجهة الماضي».

وفي ظل الضغوط على لندن لتقديم اعتذار رسمي عن دورها المحوري في تجارة الرقيق وتعويض دول منطقة الكاريبي، تعهد بإجراء «حوارات صعبة من أجل الحفاظ على رابطة الكومنولث وضمان مستقبلها».

وقال بيرنهام إنه يرغب في «التعبير عن الأسف والندم إزاء الألم والمعاناة التي لحقت بملايين البشر، والاعتراف بالطريقة التي لا تزال تشكّل بها تلك الأحداث عالمنا اليوم»، لكنه شدد على أن التعويضات ليست «الحل الأمثل».

أضاف في مقاله: «لا أعتقد أنه يمكن تحميل الشعب البريطاني اليوم المسؤولية عن أخطاء تاريخية، مهما بلغت فداحتها، وقعت في حقبة زمنية مختلفة وفي ظل قوانين مغايرة، ولم يكن لهم فيها أي دور شخصي».

وتابع رئيس الوزراء البريطاني أن تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي كانت «انتهاكاً وحشياً وهمجياً» لحقوق الأشخاص المستعبدين، مقترحاً إجراء «حوار منظم مع المتضررين».

ورأى أن «الاستماع إلى المطالبات بتقديم اعتذار رسمي باسم الدولة البريطانية سيكون جزءاً مهماً من هذه العملية، وأنا منفتح على الأمر».

كما كشف بيرنهام اعتزامه إطلاق خطة جديدة لإعادة هيكلة ديون أفقر دول الكومنولث، يقودها رئيس الوزراء العمالي الأسبق غوردن براون.

وتعهّد بالعمل مع «شركاء عالميين» لمساعدة تلك الدول على سداد ديونها «على مدى مدة زمنية أطول وبأسعار فائدة أفضل».

يخيّم ملف تجارة الرقيق بظلاله الثقيلة على الزيارة التي يقوم بها الملك تشارلز، وتستغرق 9 أيام لثلاث دول في منطقة الكاريبي، وتتضمن إلقاء كلمة أمام قمة رؤساء حكومات دول الكومنولث التي تنعقد من الأحد إلى الأربعاء.

ومن المقرر أن يحضر أندي بيرنهام القمة في سانت جونز، عاصمة أنتيغوا وبربودا.

تتألف رابطة الكومنولث من 56 عضواً، ويترأسها تشارلز البالغ 77 عاماً، وغالبية أعضائها مستعمرات بريطانية سابقة، وكثيراً ما كان دور بريطانيا المحوري في العبودية ومعاملة رعاياها السابقين قضية مثيرة للجدل داخل هذه المنظمة.

وأقرّ العاهل البريطاني في جزر البهاماس، الثلاثاء، بـ«معاناة الماضي الكبيرة».

ولم تعتذر بريطانيا رسمياً حتى الآن عن دورها في تجارة الرقيق التي استفادت منها لقرون، لكنها كثيراً ما نوهت بدورها في إنهاء العبودية عندما سنّ برلمانها قانوناً يحظرها في عام 1833.

من جهته، قال دينيس أوبراين مؤسس «حملة التعويضات» التي تدعو إلى تقديم تعويضات لدول منطقة الكاريبي عن حقبة العبودية، إن على الحكومة البريطانية «الكف عن المراوغة، وتقديم اعتذار كامل ورسمي على الفور».

وأضاف: «ستكون هذه خطوة أولى مهمة ورمزية نحو العدالة التعويضية».

لكن زعيمة حزب المحافظين البريطاني كيمي بادينوش قالت، السبت، إنه «ليست هناك حاجة» لإعادة طرح مسألة الاعتذار الرسمي، مؤكدة معارضتها الصارمة للتعويضات.

وحثت الكومنولث على «التطلع إلى الأمام».

أضافت عبر منصة «إكس»: «كانت العبودية شراً شارك فيه أشخاص من كل قارة ومنطقة».

وتابعت بادينوش: «يجب أن نكون صادقين بشأن التاريخ بأكمله، وليس اختيار الأجزاء الملائمة سياسياً اليوم».


توقيف عشرات المشاركين في تجمع داعم لحركة «فلسطين أكشن» في لندن

أعضاء من الحركة (موقع فلسطين أكشن)
أعضاء من الحركة (موقع فلسطين أكشن)
TT

توقيف عشرات المشاركين في تجمع داعم لحركة «فلسطين أكشن» في لندن

أعضاء من الحركة (موقع فلسطين أكشن)
أعضاء من الحركة (موقع فلسطين أكشن)

أوقفت الشرطة البريطانية عشرات المتظاهرين، السبت، في لندن، لمشاركتهم في تجمع لدعم حركة «فلسطين أكشن»، المصنفة «إرهابية»، قبل أيام من جلسة أمام المحكمة العليا للنظر في قرار الحظر.

وصنّفت الحكومة الحركة المؤيدة للفلسطينيين بـ«الإرهابية» في يوليو (تموز) 2025 بعد احتجاجات نظمها نشطاؤها، لا سيما في قاعدة للقوات الجوية الملكية وفي موقع لشركة الأسلحة الإسرائيلية «إلبيت سيستمز».

وأيد القضاء في الاستئناف قرار الحظر في يونيو (حزيران). غير أن هدى عموري، إحدى المؤسِسات المشاركات للحركة، طعنت في القرار أمام المحكمة العليا. ومن المقرر أن تُعقد جلسة النظر في القضية يومي الأربعاء والخميس.

في الأثناء، يعرّض أي تعبير عن دعم الحركة المحظورة صاحبه للملاحقة القضائية.

غير أن مئات الأشخاص شاركوا في تجمع جديد في لندن السبت أمام سفارة الولايات المتحدة التي صنّفت بدورها الحركة في أغسطس (آب) «منظمة إرهابية أجنبية».

ورفع معظم المتظاهرين لافتات كتب عليها «أنا أعارض الإبادة الجماعية، وأدعم (فلسطين أكشن)».

وأفادت شرطة لندن عبر منصة «إكس» بأنها أوقفت 48 شخصاً، مضيفة أن عناصرها «في الموقع ويواصلون عمليات التوقيف».

كذلك، نُظمت مظاهرة أخرى في إدنبرة في اسكوتلندا.

وأحصت منظمة «دافعوا عن هيئات المحلفين» التي تنظم المظاهرات الداعمة، أكثر من 3900 عملية توقيف منذ حظر المجموعة، من دون احتساب تلك التي جرت السبت.

وقال المتظاهر ستيف ماسترز، وهو عسكري سابق في سلاح الجو الملكي، لوكالة الصحافة الفرنسية: «لا يوجد أي أساس قانوني لهذا الحظر. فوصْفُهم بالإرهابيين ليس سوى إجراء سياسي بحت، وهو ما يفرغ مفهوم الإرهاب ذاته من قيمته».

بالنسبة لهذا الرجل البالغ 56 عاماً، الذي سبق أن أُوقف أربع مرات، فإنه «من المهم مواصلة الضغط على الحكومة والقضاء» من خلال التظاهر.

أما مارجي مانسفيلد، وهي مستشارة مالية سابقة تبلغ 70 عاماً، فقد أوقفت نحو عشر مرات. ومع ذلك، فهي لم «تشارك في أي مظاهرة» قط قبل أكتوبر (تشرين الأول) 2023 والحرب الإسرائيلية في غزة.

وتقول المرأة إن لديها أملاً ضئيلاً في ما يتعلق بجلسة الاستماع أمام المحكمة العليا، وأضافت: «بدأت ثقتي في النظام القضائي تنحسر»، مشددة على أنه «لا يوجد ما يشير إلى أن الحكومة على وشك التراجع عن موقفها».


فرنسا: التعبئة الطلابية متواصلة ودعوات لإقفال الثانويات والكليات يومي 3 و5 نوفمبر

للسبت الثالث على التوالي امتلات شوارع المدن الفرنسية الكبرى والمتوسطة بآلاف المتظاهرين(ا.ف.ب)
للسبت الثالث على التوالي امتلات شوارع المدن الفرنسية الكبرى والمتوسطة بآلاف المتظاهرين(ا.ف.ب)
TT

فرنسا: التعبئة الطلابية متواصلة ودعوات لإقفال الثانويات والكليات يومي 3 و5 نوفمبر

للسبت الثالث على التوالي امتلات شوارع المدن الفرنسية الكبرى والمتوسطة بآلاف المتظاهرين(ا.ف.ب)
للسبت الثالث على التوالي امتلات شوارع المدن الفرنسية الكبرى والمتوسطة بآلاف المتظاهرين(ا.ف.ب)

للسبت الثالث على التوالي، امتلأت شوارع المدن الفرنسية الكبرى والمتوسطة بآلاف المتظاهرين، وسط مخاوف رسمية من «المخاطر» المحدقة بها، وفق تعبير لوران نونيز، وزير الداخلية، الذي عبأ مجدداً ما لا يقل عن سبعين رجل أمن «من الشرطة والدرك والفرق المتخصصة» المزودة بآليات مصفحة، إضافة إلى قوة من الجيش العاملة في إطار العملية المسماة «سانتينيل» «بالعربية: قوة الحراسة».

ومع نهاية كل أسبوع يعود التساؤل إلى نقطة البداية: متى تنتهي هذه التعبئة؟ ولماذا لا تنجح السلطات في وضع حد لها خصوصاً أن موعد التعبئة اللاحق سيحل يوم الخميس المقبل عندما ستضاف إلى المظاهرات دعوات من النقابات في القطاعين العام والخاص إلى الإضراب الشامل الذي من شأنه أن يشل العجلة الاقتصادية في بلد يعاني من فقدان النمو ويرزح تحت عبء كم هائل من الديون «3600 مليار يورو»، فيما المطالب الاجتماعية تنصب عليه من كل حدب وصوب؟

لوران نونيز، وزير الداخلية نبه من "المخاطر" المترتبة على المظاهرة في باريس التي امرت مديرية الشرطة بأن تتم بعيدا عن وسط المدينة (أ.ف.ب)

3 عناصر تفتقدها السلطات

في افتتاحية لصحيفة «لو موند» المستقلة، جاء أن الدولة الفرنسية تفتقر لثلاثة عوامل يصعب من دونها الخروج من أزمة اجتماعية - اقتصادية كالتي تعاني منها فرنسا: الزمن والموارد والثقة. فالعامل الزمني مفقود؛ لأن ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون الثانية شارفت على الانتهاء وسيخرج من قصر الإليزيه بعد أقل من ستة أشهر، وبالتالي فإن كل الأنظار تتجه نحو الاستحقاق الانتخابي، ما يعني أن قوته السياسية تتراجع، و«المفاتيح» التي كان باستطاعته تشغيلها تفلت من بين يديه.

أما ما خص الموارد فإنها الغائب الأكبر، حيث إن حكومة سيباستيان لوكورنو تجد صعوبة بالغة في تمرير ميزانية التقشف لعام 2027، ولذا فإنها عاجزة عن شراء «السلم الاجتماعي». وثالث العناصر «الثقة» فإنها مفقودة، والدليل على ذلك أن الاستجابة الحكومية «الجزئية» لمطالب طلاب التعليمين الثانوي والجامعي لم تلق الترحيب، وحجة الرافضين مزدوجة؛ إذ إنها، من جهة، مجتزأة وغير واضحة ولا كافية. ومن جهة ثانية، فإن الحكومة التي تقدم الوعود لن تكون في السلطة بعد أقل من 200 يوم.

محتج في باريس يحمل يافطة تدين الشرطة(ا.ف.ب)

ولأن صوت السلطات لم يعد مسموعاً، فإن تركيزها يقوم على منع تكرار ما حصل في «السبت الأسود» «17 أكتوبر (تشرين الأول)» عندما فقدت القوى الأمنية السيطرة على الوضع، وتركت أحياء وشوارع كاملة لسيطرة الغوغائيين والمشاغبين والسارقين، فيما تكاثرت الاشتباكات وعمليات الكر والفر بين مجموعات من اليسار المتطرف المسماة «بلاك بلوك» ورجال الأمن الذين ألقوا القبض على الآلاف من الأشخاص بحيث غصت بهم قاعات المحاكم... وما زاد الطين بلة وفاقم المخاوف، السبت الماضي، نزول مجموعات من اليمين الراديكالي بالغ التطرف إلى الشوارع، وبحجة «حماية» المحال التجارية، فإنهم انقضوا على المتظاهرين فيما لا يقل عن عشر مدن. وزادت المخاوف من أن تذهب الأمور إلى حد حصول «حرب شوارع» بين هؤلاء وبين مجموعات يسارية.

اشتباك بين محتج واحد رجال الشرطة في باريس(ا.ب)

الاحتفال بـ«هالوين» يضاعف المخاطر

هكذا، بدت الصورة قبيل انطلاق مظاهرات هذا السبت بدعوة من «السترات الصفراء» التي انضمت إليها العديد من نقابات التلامذة والطلاب القطاعات الاقتصادية، وكلها تحظى بدعم الأحزاب اليسارية، وعلى رأسها حزب «فرنسا الأبية» الذي يتزعمه المرشح الرئاسي جان لوك ميلونشون.

وجاءت الجريمة الإرهابية العنصرية التي ارتكبها، صبيحة 23 من الشهر المنتهي، كيفين تيسيه، والتي قُتل فيها شاب أسود اللون عمره 26 عاماً، وجرح سبعة أشخاص، بينهم صبية في الثانية عشرة من عمرها لتزيد الأجواء العامة اكفهراراً. واعترف الجاني بأنه «قصد» استهداف أشخاص من السود والمغاربيين في مدينتي «تراب» و«فيريير» الواقعتين على مدخل باريس الغربي.

تزامن حراك السبت الأخير مع الإحتفال ب"عيد "الهالوين" الرائج في الغرب والذي يحفل بارتداء الأقنعة الغريبة(رويترز)

في هذه الأجواء، انطلقت مظاهرات السبت، وقد أحصت الأجهزة الأمنية ما لا يقل عن 150 منها عبر البلاد. والثابت اليوم أن مطالب المتظاهرين، طلاباً ونقابات عمالية وسترات صفراء، تداخلت ببعضها، وهو الأمر الذي كانت الحكومة تسعى لتجنبه. وكانت أولى خطواتها سعيها إلى استمالة طلاب التعليمين الثانوي والجامعي. بيد أن محاولتها فشلت، وسار الطلاب في مقدمة المظاهرات. فاللجوء إلى القوى الأمنية لإخافة التلامذة والطلاب بعد انطلاق حراكهم لم تنفع.

وتجدر الإشارة إلى أنه خلال الفترة الممتدة ما بين 28 سبتمبر (أيلول) و5 أكتوبر، أُلقي القبض على أكثر من ستة آلاف شخص، احتُجز خمسة آلاف منهم، وكان القُصّر يمثلون نحو 85 في المائة من المحتجزين، وهي أرقام غير مسبوقة.

السلطات تفرض مسارات بعيدة عن وسط المدن

الحقيقة أن العنف غير المبرر في التعامل مع التلامذة والطلاب جاءت نتائجه معكوسة، بحيث دفع الأهل للنزول إلى الشوارع مع أبنائهم وبناتهم لـ«حمايتهم» من عنف الشرطة. وكان حراكهم نقطة الانطلاق لمطالب أوسع تتناول غلاء المعيشة المصحوب بالتضخم، وتراجع القدرة الشرائية، والمطالبة بزيادة الرواتب، خصوصاً رواتب الحد الأدنى وتعزيز الخدمات الحكومية والاجتماعية من مستشفيات ووسائل نقل ومدارس، والدفاع عن الحريات العامة، ومنها حرية التظاهر، فيما تطالب «السترات الصفراء» بخفض أسعار المشتقات النفطية والغاز والكهرباء. والاستجابة لهذه المطالب لا يمكن أن تتم من غير موارد إضافية تجهد الحكومة في توفيرها. ورغم عدالة المطالب، فإن ما يحصل يبرز أن التيارات السياسية المتطرفة في البلاد عازمة على استغلال موجة الاستياء هذه حتى تصل إلى قصر الإليزيه، مقر الرئاسة الفرنسية.

متظاهر يرتدي زيًّا يشارك في مظاهرة باريس السبت التي دعت إليها حركة «السترات الصفراء» وانضم إليها طلاب المدارس الثانوية والجامعات ونقابات عمالية (رويترز)

وتبين الدراسات أن طرفي الخريطة السياسية في فرنسا هما المستفيدان الأولان من الاضطرابات الاجتماعية، وهما اليمين المتطرف بقيادة المرشحة الرئاسية مارين لوبان، واليسار المتشدد بقيادة جان لوك ميلونشون. أما الأحزاب القائمة ما بينهما، فهي حائرة في كيفية التعاطي مع الأزمات المتداخلة. وفي أي حال، فإن أصواتها غير مسموعة.

وتزامن حراك السبت الأخير مع الاحتفال بـ«عيد «الهالوين» الرائج في الغرب، والذي يحفل بارتداء الأقنعة الغريبة. وسارع وزير الداخلية إلى التحذير من النزول إلى المظاهرات بهذه الأقنعة التي ترتب على مرتديها عقوبات وغرامات. كذلك سعت مديريات الشرطة والمحافظين إلى منع المظاهرات في وسط المدن الرئيسية.

ففي باريس، حصلت معركة قانونية بين نقابة «الكونفدرالية العامة للعمل» وتنسيقية «السترات الصفراء» من جهة، ومديرية الشرطة من ناحية أخرى، حول تحديد مسار المظاهرة الباريسية، وانتهت بأن المديرية المذكورة نجحت في فرض المسار الذي اختطته والواقع في شرق العاصمة، بين بوابة بانويليه وبوابة شارونتون بعيداً عن وسطها التجاري والمقرات الحكومية وأحيائها الراقية.

والأمر نفسه، تكرر في مدن كبرى مثل ليون ومرسيليا... وفيما دعا طلاب التعليم الثانوي والجامعي إلى إغلاق المدارس والكليات يومي 3و5 نوفمبر (تشرين الثاني)، أعربت السلطات عن خشيتها من نشوء «حالة تمردية» في باريس بسبب وجود ما بين 300 و600 ناشط من اليسار المتطرف، وفق تقرير اطلعت عليه إذاعة «فرانس إنفو» العامة. والتخوف أن ينضم إلى هؤلاء مئات آخرون قادمون من ضواحي باريس، ما يذكّر بما حصل ليل 17 أكتوبر.

وبحسب التقرير المشار إليه، فإن «مديرية النظام العام وحركة المرور»، التابعة لمديرية شرطة باريس، تتوجس أيضاً من وجود «مخربين ملثمين ومجهزين بالمعدات اللازمة»، كما تخشى أن يتدهور الوضع بحيث تنظم تحركات عشوائية ومتعددة خارج المسيرة الرسمية. وحتى نهاية عصر السبت، كانت الأمور تسير بسلاسة باستثناء مدنية ليون، حيث حصلت مناوشات بين أعداد من المشاغبين والقوى الأمنية.