قال الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما إنه رغم «سعادته برؤية وقف إطلاق النار»، فإن الولايات المتحدة قد تكون «في وضع أسوأ قليلاً» مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الحرب مع إيران في فبراير (شباط).
ويحظى الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمهلة 60 يوماً لإجراء مفاوضات مع إيران بشأن برنامجها النووي وإسكات منتقدي استراتيجيته، لكن خبراء يرون أنه لم يعد في موقع قوة كما كان، في وقت أُرجئت فيه المحادثات التي كان من المقرر أن تبدأ الجمعة في سويسرا.
وقال أوباما، في مقابلة مع شبكة «إن بي سي نيوز» بُثت الجمعة: «كان هناك اتفاق قائم وافقت إيران بموجبه على عدم تطوير أسلحة نووية. هذه الإدارة، أو نسخة سابقة من هذه الإدارة، انسحبت منه، وهو ما دفع إيران لاحقاً إلى تطوير قدراتها النووية بشكل أكبر».
وأضاف: «لقد خضنا الآن حرباً، وأنفقنا مليارات ومليارات الدولارات، ووضعنا ضغوطاً هائلة على جيشنا. وقد قُتل كثيرون، ويبدو أننا عدنا إلى النقطة التي كنا عندها قبل بدء الحرب، وربما في وضع أسوأ قليلاً».
ومع إعلان وزارة الخارجية السويسرية تأجيل المحادثات المزمع عقدها بين الولايات المتحدة وإيران وقطر وباكستان، من دون تحديد موعد جديد لها، خيّم الغموض على إمكان بدء المفاوضات الرامية إلى التوصل إلى تسوية نهائية، بعدما أنهى الاتفاق الإطاري الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير (شباط).
كما سادت في البداية حالة من البلبلة بشأن توقيع مذكرة التفاهم، قبل أن يتم التوقيع في نهاية المطاف على مرحلتين؛ إلكترونياً أولاً، ثم خطياً عن بُعد الأربعاء، كل طرف من بلده، فيما كان ترمب في قصر فرساي بفرنسا.
وكان من المقرر أساساً توقيع المذكرة الجمعة في سويسرا، لكن لا أحد يعرف حالياً ما إذا كان سيحدث أي شيء في هذا البلد، بعدما أعلن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي كان يُفترض أن يطلق من هناك المفاوضات النووية مع إيران، مساء الخميس، تأجيل موعد توجهه إليها.
وتُعد المباحثات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني القضية الأكثر تعقيداً، باعتبارها أبرز نقاط الخلاف بين البلدين المتخاصمين منذ عقود.
ويبدو جلياً أن المفاوضات في هذا الملف الشائك تنطوي على قدر كبير من التعقيد، كما أنها تكتسب طابعاً تقنياً بالغ الحساسية. وقال فانس، في مؤتمر صحافي: «سنبدأ مهلة الستين يوماً، ونطلق العدّ التنازلي اليوم (الخميس)».
ونصّت مذكرة التفاهم مع طهران على إنهاء الحرب، لكنها تركت للمفاوضات المقبلة مهمة التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي الإيراني.
كما لحظت المذكرة إمكان تمديد مهلة الستين يوماً إذا اقتضت الحاجة، واتفق الطرفان على ذلك، فيما أوحى الرئيس الأميركي بأنه غير مستعجل للوصول إلى اتفاق نهائي.
غير أن المفاوضات التي أعقبت وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في 8 أبريل (نيسان)، واستمرت أكثر من شهرين ونصف شهر، لم تُفضِ إلا إلى مذكرة تفاهم تمهد لإعادة فتح مضيق هرمز، وإنهاء الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية، وفتح الباب أمام احتمال رفع العقوبات عن طهران.
وقالت ويندي شيرمان، نائبة وزير الخارجية الأميركي السابقة، هذا الأسبوع: «أستطيع أن أؤكد لكم أن الأطراف لن يكون لديها الوقت لتسوية كل شيء خلال 60 يوماً». وكانت شيرمان من أبرز المفاوضين الذين شاركوا في التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، بعد مفاوضات استمرت 18 شهراً.
لا شيء عن الصواريخ
وسعى ترمب وإدارته إلى الدفاع عن مزايا مذكرة التفاهم، إذ اتهم منتقديه بأنهم «غيارى أو أشخاص سيئون أو حمقى»، بينما اعتبر فانس أن الاتفاق يمثل مكسباً في جميع الأحوال.
لكن وكالة الصحافة الفرنسية نقلت عن خبراء أن المذكرة لم تحلّ أياً من المشكلات الأساسية، معتبرين أن إيران خرجت من الحرب في موقع أقوى، رغم الضربات المكثفة التي تعرضت لها من الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويعزز هذا الاستنتاج، بحسب هؤلاء، أن إيران كانت منخرطة أصلاً في مفاوضات غير مباشرة قبل الحرب، وأنها باتت اليوم تتمتع بنفوذ أكبر في ملف مضيق هرمز.
وأكّدت إيران في المذكرة «مجدداً» أنها «لن تسعى إلى حيازة أو تطوير أسلحة نووية»، وهي صياغة يعدها بعض المراقبين أضعف من تلك الواردة في اتفاق 2015، الذي نصّ على ألا تقوم طهران بذلك تحت أي ظرف.

كما أشارت المذكرة إلى أن «تسوية مسألة المواد المخصبة المخزنة» ستتم عبر آلية يتفق عليها الطرفان، على أن يكون الحد الأدنى منها خفض مستوى تخصيب اليورانيوم في موقعه تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وتؤكد واشنطن أن البرنامج النووي الإيراني «دُمّر بالكامل» جراء الضربات التي استهدفته في يونيو (حزيران) 2025، وأن الهدف الحالي يتمثل في ضمان عدم قدرة طهران على إعادة بنائه.
إلا أن المذكرة لم تتضمن أي إشارة إلى برنامج الصواريخ الإيراني، ولا إلى دعم طهران للجماعات المسلحة المتحالفة معها في المنطقة.
ويتوقع خبراء ألا تقدم إيران أي تنازلات في هذين الملفين خلال المفاوضات المقبلة.
وكتب ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، الخميس: «لا شك في أن إيران ستواصل نشاطها في هذا المجال، ولا سيما أن هذه الحرب وفّرت للنظام وسيلة ضغط. وستكون عمليات التفتيش بالغة الأهمية، لكنها في الوقت نفسه صعبة التنفيذ».
من جهته، استبعد آلان إيري، من معهد الشرق الأوسط، وأحد المشاركين في مفاوضات 2015، أن يفرض أي اتفاق مستقبلي على البرنامج الإيراني «القيود والضوابط اللازمة لإغلاق جميع المسارات المؤدية إلى السلاح النووي».
ورأى أن واشنطن، عبر مهاجمة إيران، استنفدت مسبقاً إحدى أهم أوراق الضغط التي كانت تملكها في المفاوضات، المتمثلة في التهديد باستخدام القوة العسكرية. وأضاف: «لقد استخدمنا هذا الخيار، وهم ما زالوا صامدين. فبماذا سنهددهم بعد ذلك؟».
أما إيران، في المقابل، «فقد حققت هدفها في هذه الحرب، وهو البقاء»، على حد تعبيره.



