قالت المخرجة اليمنية سارة إسحاق إن فيلمها الروائي الطويل «المحطة» يعكس تعقيدات النفس البشرية وتناقضاتها في زمن الحروب، حيث تتداخل مشاعر الاضطهاد والمقاومة والمثابرة لدى النساء في بيئة قاسية، مشيرة إلى أن قراءات الجمهور وتفسيراتهم لموازين القوة والسلطة داخل العمل صحيحة ومتنوعة، فالسينما في نظرها مساحة رحبة لطرح الأسئلة العميقة، وليس لتقديم إجابات جاهزة، مع تعمدها تقديم شخصيات متباينة تعيش ظروفاً خانقة، وتحاول النجاة كل منها بطريقتها الخاصة.
وأضافت سارة في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زوم» حيث تقيم في أمستردام منذ سنوات أنها لا تؤمن بالثنائيات المطلقة في السينما؛ لذا تجنبت تقسيم بطلات «المحطة» إلى ظالمات ومظلومات بشكل حاسم يخل بواقعية الشخصيات، موضحة أن «الواقع الإنساني يثبت أن الشخص المظلوم قد يمارس القهر على الآخرين في دوائر متكررة تتوارثها الأجيال بفعل الضغط المجتمعي».

ويدور الفيلم اليمني «المحطة» حول قصة «ليال» التي تدير محطة وقود مخصصة للنساء فقط في بلدة ممزقة بالصراعات والأهوال، وتكافح بكل قوتها لإنقاذ شقيقها الصغير «ليث» من قانون التجنيد الإجباري المجحف، وتتبدل العلاقات والموازين تماماً مع وصول أختهما. وشهد الفيلم عرضه العالمي الأول في مسابقة «أسبوع النقاد» بمهرجان «كانّ» السينمائي في نسخته الماضية مسجلاً حدثاً تاريخياً بارزاً كأول فيلم يمني يشارك في المهرجان.
وذكرت المخرجة اليمنية أن فضاء «المحطة» يحمل رمزية إنسانية عابرة للبلدان والحروب، وليس مجرد إسقاط على الأزمة اليمنية وحدها معتبرة أن متعة الفن تكمن في ترك الرموز والمساحات للجمهور ليفسرها بناءً على خلفياته الثقافية والفكرية.
وعن كواليس اختيار طاقم «المحطة» أكدت سارة إسحاق أن غياب صناعة سينمائية حقيقية باليمن وتشتت الجالية بالخارج بسبب ظروف الحرب جعل عملية البحث والاستكشاف تستغرق عاماً ونصف العام عبر وسائل غير تقليدية، موضحة أنها قامت بنشر استمارات وتواصلت مع المغتربين عبر منصات التواصل والزوم، وقابلت نحو 150 امرأة حول العالم، باحثة عن الموهبة الحقيقية والألفة التي تخدم النص المكتوب دون التقيد بالطرق التقليدية المتبعة في الأسواق السينمائية الكبرى.
وقالت إنها اختارت ممثلات غالبيتهن غير محترفات يمتلكن خلفيات متنوعة في الغناء والمسرح والإعلام، ثم أشركتهن في ورش عمل مكثفة وجلسات تدريبية بالقاهرة، مشيرة إلى أن همها الأكبر كان يكمن في تجسيد الأدوار بصدق عاطفي وعفوية مطلقة أمام الكاميرا، والابتعاد تماماً عن الأداء التمثيلي المصطنع، كي يشعر المشاهد برابط حقيقي يجمعه مع هؤلاء النساء وقصصهن الحميمية والمؤثرة وسط الخراب.

أما عن تصوير «المحطة» في الأردن، فأوضحت أن العقبات الأمنية وغياب التأمين وتعقيد استخراج تصاريح السفر والطواقم الفنية جعلت التصوير داخل اليمن خياراً مستحيلاً من اللحظة الأولى، مشيرة إلى أن تضاريس مواقع التصوير الأردنية جُرّدت من هويتها، وجاءت تشبه اليمن تماماً.
وعبرت عن سعادتها البالغة بردود الفعل، خصوصاً إعجاب الرجال بالفيلم وتأثرهم البالغ برسالته، مؤكدة أن غيابهم البصري عن الشاشة لم يكن تهميشاً لهم، فالعمل في جوهره يناقش الأثر المدمر للذكورية السامة والمجتمع الأبوي الذي يظلم الرجال والأولاد في زمن الحرب، ويفرض عليهم التخلي عن طفولتهم وإثبات رجولتهم بالسلاح، معتبرة الفيلم «صرخة تضامن إنسانية تسعى لجمع الكل، وفتح باب نقاش حقيقي»، على حد تعبيرها.
وأكدت المخرجة اليمنية أن السينما الروائية منحتها ملاذاً آمناً لصياغة الواقع المرير في قالب إبداعي متماسك يتجاوز قسوة التقارير الإخبارية الجافة التي اعتادها العالم، معربة عن أملها في أن يمهد «المحطة» الطريق لأصوات سينمائية يمنية جديدة وشابة تروي قصص البلاد المنسية من الداخل وبمنظور محلي خالص.
ولفتت إلى أن «السينما اليمنية رغم شح إنتاجها تاريخياً، تمتلك مخزوناً هائلاً من الحكايات الإنسانية الملهمة التي تستحق أن تُروى، وتُشاهد عالمياً»، معتبرة مشاركتها في مهرجان «كان» مجرد بداية متواضعة لكسر الصور النمطية السائدة وإعادة بناء الجسور الثقافية والإنسانية مع بقية المجتمعات.
ووجهت سارة إسحاق التحية لكل النساء اليمنيات اللواتي ألجأتهن الحرب إلى ابتكار وسائل مدهشة للبقاء وإدارة شؤون مجتمعاتهن الصغيرة في غياب الرجال، مؤكدة أن فيلم «المحطة» هو تحية إجلال وإكبار لصلابتهن وقدرتهن على الضحك والمرح حتى في أحلك اللحظات، معتبرة أن «الفن يظل السلاح الأقوى في مواجهة النسيان والخراب، والمحرك الأساسي لإحياء الأمل في نفوس أجيال تستحق حياة أفضل ومستقبلاً آمناً ومستقراً»، وفق تعبيرها.


