أبعد من براميل النفط... انفراجة «هرمز» تعيد رسم ملامح الاستقرار الاقتصادي الخليجي

محلل لـ «الشرق الأوسط»: انحسار علاوة المخاطر يعيد التدفقات الاستثمارية ويخفض تكاليف الشحن والتأمين

سفن راسية في مضيق هرمز من مسندم - عُمان (رويترز)
سفن راسية في مضيق هرمز من مسندم - عُمان (رويترز)
TT

أبعد من براميل النفط... انفراجة «هرمز» تعيد رسم ملامح الاستقرار الاقتصادي الخليجي

سفن راسية في مضيق هرمز من مسندم - عُمان (رويترز)
سفن راسية في مضيق هرمز من مسندم - عُمان (رويترز)

لا تمثل الانفراجة الأخيرة في أزمة مضيق هرمز مجرد حدث عابر لضمان تدفق شحنات الطاقة، بل تُعد تحولاً استراتيجياً يحمل أبعاداً اقتصادية واستثمارية عميقة ومباشرة على المنظومة المالية لدول مجلس التعاون الخليجي. ونظراً لأن هذا الممر الحيوي يمثل الشريان الرئيس لتجارة الطاقة العالمية، ويمر عبره الجزء الأكبر من صادرات النفط والغاز الخليجية إلى الأسواق الدولية، فإن عودة الملاحة إلى طبيعتها تفتح آفاقاً جديدة للاستقرار الإقليمي الكلي.

وكانت الولايات المتحدة وإيران أعلنتا عن اتفاق مبدئي لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، وإعادة فتح مضيق هرمز الحيوي، بعد أشهر من العنف الدامي، والاضطراب الاقتصادي العالمي. وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن مضيق هرمز الذي يُعدّ ممرّاً أساسياً لإمدادات النفط العالمية، وكانت إيران قد فرضت عليه قيوداً منذ بداية الحرب، سيُعاد فتحه. أضاف: «الاتفاق مع جمهورية إيران الإسلامية اكتمل الآن. سفن العالم، شغِّلوا محركاتكم. دعوا النفط يتدفق».

ومع تفاعل الأسواق العالمية فوراً مع نبأ الاتفاق المبدئي -حيث هبطت العقود الآجلة لخام برنت القياسي بنسبة تجاوزت 4.5 في المائة لتستقر دون مستوى 84 دولاراً للبرميل تزامناً مع ترقب توقيع المعاهدة الرسمية يوم الجمعة المقبل في سويسرا- فتحت عودة الملاحة إلى طبيعتها آفاقاً جديدة للاستقرار الإقليمي الكلي.

وفي هذا الصدد، أكد المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن انفراج الأزمة عبر هذا الاتفاق يتجاوز فكرة تجنب اضطراب إمدادات الخام ليصبح داعماً هيكلياً للاستقرار المالي، مشيراً إلى أن مكاسب الثقة المستدامة في المرحلة الحالية تفوق بكثير الطفرات السعرية المؤقتة للنفط الناتجة عن التوترات الجيوسياسية.

وكان البنك الدولي أشار الأسبوع الماضي إلى أن العودة التدريجية المتوقعة لتدفقات النفط والغاز عبر مضيق هرمز ستسهم في تنفيس الاختناقات المالية لدول المجلس، مبيناً أن استعادة نمو الصادرات النفطية ستقود تعافي الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة تدريجياً ليرتفع إلى 4.2 في المائة في عام 2027.

وتأتي هذه التوقعات المتفائلة بالتعافي لتضع حداً لمرحلة انكماشية قاسية؛ إذ أوضح البنك الدولي في تحليله الهيكلي أن حجم التضرر الاقتصادي إبان فترة الإغلاق لم يكن متماثلاً بين دول مجلس التعاون، بل ارتبط جغرافياً بمدى اعتماد كل دولة على المضيق كمنفذ وحيد لصادراتها. فقد صُنفت الكويت والعراق كأكثر المتضررين من الإغلاق؛ نظراً لغياب أي منافذ بحرية بديلة لديهما خارج الخليج العربي. وقد تسبب توقف التصدير في خلق فجوات تمويلية حادة وعجز ضخم في موازناتهما العامة جراء خسارة ملايين البراميل اليومية طوال أشهر الحصار. فيما واجهت قطر تحديات لوجستية معقدة في تأمين خطوط ملاحة بديلة لصادراتها من الغاز الطبيعي المسال المتجهة شرقاً، مما تسبب في إرجاء شحنات رئيسية وضغوط فنية على منشآت التسييل، إلى جانب الارتفاع القياسي في تكلفة تأمين الناقلات القطرية. كما تأثرت الموانئ الإقليمية الكبرى في المنطقة، لا سيما حركة إعادة التصدير والخدمات اللوجستية، وتكبد القطاع المالي والمصرفي في الإمارات والبحرين تكلفة مباشرة جراء ارتفاع «علاوة المخاطر» التي فرضتها الصناديق الدولية على الأصول الاستثمارية في البلدين.

وعلى النقيض من هذه الضغوط الهيكلية، برزت المرونة الهيكلية واللوجستية العالية للمملكة للسعودية، والتي نجحت خلال فترة النزاع في الاستفادة من بنيتها التحتية المتقدمة عبر تحويل وتمرير أكثر من 60 في المائة من صادراتها النفطية عبر البحر الأحمر من خلال خط أنابيب «شرق غرب». بينما منحت الموانئ العُمانية المطلة مباشرة على بحر العرب والمحيط الهندي (مثل صحار والدقم) مرونة جغرافية للاقتصاد العُماني بعيداً عن اختناقات المضيق.

شخص يجلس في المياه الضحلة بينما ترسو سفن الشحن والسفن التجارية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس (أ.ب)

سد الفجوات المالية

وتكشف التحليلات الفنية لأسواق الطاقة أن عودة الملاحة التدريجية في المضيق ستتيح للمنتجين الخليجيين استعادة وتيرة التصدير الطبيعية، وضخ الإمدادات اللازمة لسد الفجوات المالية، والميزانيات المقدرة بمليارات الدولارات، والتي تأثرت بفعل الحصار البحري.

ويأتي هذا الانفراج تزامناً مع طلب مكبوت وضخم من كبار مستوردي الطاقة في آسيا؛ إذ قيّدت الحكومات والمصافي الآسيوية استهلاكها بحدة طوال فترة الصراع، وقامت بالسحب من مخزوناتها، وهي الآن تبدي جاهزية عالية لإعادة بناء احتياطياتها الاستراتيجية، مما يضمن تدفقاً مستداماً للطلب على المديين المتوسط، والطويل.

ورغم هذه الآفاق الإيجابية، يتوقع خبراء الطاقة -وفق تقرير لافت لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية- مرور عدة أشهر قبل أن تتمكن شركات الطاقة من العودة إلى العمل بالطاقة اللازمة لتلبية الطلب العالمي؛ موضحين أن بطء عمليات شحن وتكرير النفط، والشكوك المتبقية حول أمن المرور عبر المضيق، يعنيان أن التأثير الإيجابي الكامل للاتفاق لن يظهر على الفور في الأسواق.

وفي سياق إدارة الأزمة، برزت المرونة الهيكلية واللوجستية العالية للسعودية، والتي نجحت خلال فترة النزاع في الاستفادة من بنيتها التحتية المتقدمة عبر تحويل وتمرير أكثر من 60 في المائة من صادراتها النفطية عبر البحر الأحمر من خلال خط أنابيب «شرق-غرب»، مما مكّنها من الحفاظ على تدفقات الإمداد، واقتناص فرص الأسواق، والتخفيف من حدة الصدمة التصديرية، وهو ما يثبت كفاءة وقدرة البنية التحتية اللوجستية البديلة للرياض حتى في أحلك الظروف الجيوسياسية.

انحسار «علاوة المخاطر»

وأوضح العطاس في تحليله لـ«الشرق الأوسط» أن الميزة الفورية لانفراج الأزمة تتمثل في تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية؛ فخلال فترات النزاع، وترقب الإغلاق، ترتفع هذه العلاوة تلقائياً على الأصول، والأسواق الخليجية، مما يفرز ضغوطاً متتالية على الأسواق المالية، ويرفع تكاليف التشغيل. ومع انفراج الأزمة، تنخفض هذه العلاوة بشكل حاد، الأمر الذي يسهم مباشرة في تعزيز ثقة المستثمرين الإقليميين، والدوليين، ويشجع على عودة قوية للتدفقات الاستثمارية الساخنة وطويلة الأجل إلى أسواق المنطقة.

ويرتبط هذا الانخفاض الفني مباشرة بانتعاش قطاع اللوجستيات البحري، وهبوط تكاليف النقل، والتأمين؛ إذ إن التوترات المستمرة في المضيق قفزت بأسعار الشحن البحري وأقساط التأمين ضد مخاطر الحروب إلى مستويات قياسية، مما ألقى بظلاله على حركة التجارة، وسلاسل الإمداد الخليجية، والعالمية. ومع عودة الهدوء والاستقرار ستشهد الأسواق انخفاضاً ملموساً في هذه التكاليف، ما يرفع من كفاءة حركة التجارة البينية، والمسارات الدولية للمنطقة.

سفن راسية في مضيق هرمز من مسندم - عُمان (رويترز)

قوة دفع للأسواق المالية

وعلى صعيد الأسواق المالية الخليجية (الأسهم، والسندات)، توقع العطاس أن تتفاعل المؤشرات إيجابياً مع تراجع حدة المخاطر الجيوسياسية، حيث يزداد إقبال المستثمرين على تجميع الأسهم القيادية، وتحديداً في قطاعات البنوك، والبتروكيميائيات، والنقل، والخدمات اللوجستية التي تعد محركات رئيسة للبورصات الإقليمية. ولن يقتصر الأثر على أسواق الأسهم؛ بل يمتد ليشمل سوق الدخل الثابت؛ إذ ستستفيد السندات والصكوك الخليجية من انخفاض منحنى العائد، وعلاوات المخاطر، مما يرفع من شهية الصناديق العالمية تجاه أدوات الدين السيادية، والشركاتية في المنطقة.

هذا الوضوح في المشهد يصب مباشرة في تعزيز جاذبية الاستثمار الأجنبي المباشر؛ فرأس المال العالمي يبحث دائماً وبشكل حثيث عن البيئات المستقرة، والآمنة. وعندما تتراجع المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة الدولية، وممرات الطاقة، تصبح دول الخليج وجهة مفضلة للاستثمارات الأجنبية، لا سيما في ظل الفرص الاستثمارية الفندقية والصناعية والتقنية الضخمة المرتبطة برؤى التنمية الوطنية، وتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.

وفيما يتعلق بأسواق النفط، أشار المستشار المالي والاقتصادي لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه رغم احتمالية تراجع أسعار النفط جزئياً مع اختفاء الرهانات على نقص الإمدادات، ومخاوف انقطاعها، فإنّ هذا الاستقرار السعري يعتبر إيجابياً، ومكسباً حقيقياً على المديين المتوسط، والطويل؛ فالدول الخليجية لا تبحث عن طفرات سعرية مؤقتة، بل تستفيد بشكل أعمق من استدامة الطلب العالمي، وضمان وصول صادراتها بانتظام وأمان إلى عملائها التقليديين والجدد دون تعطل.

وينعكس هذا الاستقرار إيجاباً على بيئة الأعمال المحلية، من خلال تسريع تنفيذ المشاريع الاقتصادية العملاقة؛ حيث تدفع فترات الاضطراب والترقب بعض الشركات والتكتلات الاستثمارية الكبرى إلى تأجيل قرارات التوسع، أو إبطاء وتيرة الإنفاق الرأسمالي، وضخ السيولة. أما الآن، ومع انحسار المخاطر، فإن الرؤية تتدفق بوضوح أمام متخذي القرار في القطاع الخاص لتفعيل خطط التخطيط الاستراتيجي، والتوسع الاستثماري، والتوظيف، بما يخدم الأهداف التنموية المستدامة للمنطقة.


مقالات ذات صلة

دولارات النفط الإيرانية تجف... والحصار الأميركي يدفع الاقتصاد إلى أزمة أعمق

الاقتصاد سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)

دولارات النفط الإيرانية تجف... والحصار الأميركي يدفع الاقتصاد إلى أزمة أعمق

تتقلص عائدات النفط الإيرانية بسرعة، في وقت تتراجع فيه كميات النفط الإيراني الموجودة بالفعل على متن الناقلات خارج نطاق الحصار، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (صفحة الجامعة على فيسبوك)

«الوزاري العربي» يدين الهجمات الإيرانية ويطالب طهران بإعادة فتح مضيق هرمز

أدان وزراء الخارجية العرب، الثلاثاء، استمرار الهجمات الإيرانية ضد دول مجلس التعاون الخليجي والأردن والعراق، مؤكدين أنها تمثل انتهاكاً لسيادة هذه الدول.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد حفارة تعمل بالقرب من احتياطي نفط خام في حقل بحوض بيرميان بالقرب من ميدلاند في ولاية تكساس (رويترز)

«فيتول» تتوقع انخفاض الطلب على النفط 1.5 مليون برميل يومياً في 2026

يتوقع راسل هاردي الرئيس التنفيذي لشركة فيتول أكبر شركة مستقلة لتجارة النفط في العالم من حيث الحجم، انخفاض الطلب العالمي على النفط بمقدار 1.5 مليون برميل يومياً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد حفارات تعمل في حقل نفطي بولاية كاليفورنيا (رويترز)

«غولدمان ساكس» يرفع توقعاته لأسعار النفط مع تصاعد وتيرة الحرب بالمنطقة

رفع «غولدمان ساكس» توقعاته لأسعار خامي برنت وغرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 5 دولارات للبرميل لشهر ديسمبر (كانون الأول) 2026 ولعام 2027.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد غروب الشمس فوق سفن تجارية راسية في مضيق هرمز تنتظر العبور الأحد 6 سبتمبر الحالي (أ.ب)

7 سفن فقط مرت من مضيق هرمز يوم الاثنين

تباطأت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز هذا الأسبوع بعد أن هددت إيران، الاثنين، بالرد على أي هجمات أميركية جديدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

العقود الآجلة الأميركية تتراجع مع ارتفاع النفط وتصاعد توترات الشرق الأوسط

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

العقود الآجلة الأميركية تتراجع مع ارتفاع النفط وتصاعد توترات الشرق الأوسط

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

تراجعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الثلاثاء، مع تصاعد حدة التوترات في الشرق الأوسط، ما دفع أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ أواخر يوليو (تموز)، وزاد من حالة التشاؤم في الأسواق قبيل صدور بيانات التضخم في وقت لاحق من هذا الأسبوع.

ويأتي هذا التراجع بعد فترة من التقلبات الحادة دفعت المستثمرين إلى إعادة النظر في توقعاتهم بشأن أسعار الفائدة، عقب تصريحات محافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والر، وصدور تقرير وظائف جاء أقوى من المتوقع.

وسيهيمن على الأسبوع القصير الذي يلي عطلة عيد العمال تقرير مؤشر أسعار المستهلك المقرر صدوره يوم الجمعة، وبيانات مؤشر أسعار المنتجين المقرر صدورها يوم الخميس.

ويرى بعض المستثمرين أن بيانات التضخم ستكون أكثر أهمية في تحديد مسار أسعار الفائدة لدى الاحتياطي الفيدرالي، في ظل تركيز رئيسه كيفين وارش على خفض الأسعار.

ويتوقع المتداولون الآن احتمالاً بنسبة 58.4 في المائة لزيادة التضخم هذا الشهر، وفقاً لأداة «سي إم إي فيدووتش».

وقال صامويل تومبس، كبير الاقتصاديين الأميركيين في «بانثيون ماكرو إيكونوميكس»: «ما زلنا نعتقد أن بيانات التضخم للأشهر القليلة المقبلة ستكون معتدلة بما يكفي لكي يمتنع أغلبية الأعضاء عن تشديد السياسة النقدية».

وفي تمام الساعة 4:48 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، انخفضت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» بمقدار 476 نقطة، أي بنسبة 0.89 في المائة، وتراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 30 نقطة، أي بنسبة 0.39 في المائة، وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بمقدار 51.75 نقطة، أي بنسبة 0.18 في المائة.

مخاطر الحرب تتصدر المشهد

لا تزال الحرب الأميركية الإيرانية، التي دخلت شهرها السابع، تلقي بظلالها على أسواق الأسهم. وتصاعدت التوترات مجدداً في المنطقة، ما يزيد خطر اندلاع صراع أوسع.

وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 2.25 في المائة إلى 99.18 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى لها منذ 24 يوليو.

وقال كايل رودا، كبير محللي الأسواق المالية في «كابيتال دوت كوم»: «تزداد صورة التضخم غموضاً بسبب ارتفاع أسعار النفط. ويُبقي النشاط العسكري على علاوة مخاطر كبيرة في أسواق الطاقة، وسط تزايد احتمالية حدوث اضطرابات أعمق، وأطول أمداً في الإمدادات العالمية».

وشهدت أسهم شركات الطاقة ارتفاعاً في التداولات قبل افتتاح السوق، إذ صعد سهما «ماراثون بتروليوم» و«أوكسيدنتال بتروليوم» بنسبة 1.62 في المائة و2.03 في المائة على التوالي.

وتراجعت أسهم شركات العملات الرقمية مع انخفاض سعر «البتكوين» عن مستوى 80 ألف دولار. وانخفض سهم كوين بيس بنسبة 1.84 في المائة، بينما تراجع سهم «ستراتيجي» بنسبة 2.38 في المائة.

وصعدت أسهم شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية، مدعومة بالتفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي. وارتفع سهم «إنتل» بنسبة 2.47 في المائة، وسهم «إيه إم دي» بنسبة 1.30 في المائة، بينما ارتفع سهم «إنفيديا» بنسبة طفيفة بلغت 0.20 في المائة.

وكتب بن ماي، مدير أبحاث الاقتصاد الكلي العالمي في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»: «يُظهر التاريخ أن تزايد المضاربات والمخاوف بشأن الإفراط قد يستمر لفترة من الزمن دون حدوث تصحيح».


دولارات النفط الإيرانية تجف... والحصار الأميركي يدفع الاقتصاد إلى أزمة أعمق

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

دولارات النفط الإيرانية تجف... والحصار الأميركي يدفع الاقتصاد إلى أزمة أعمق

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)

تتقلّص عائدات النفط الإيرانية بسرعة، مع استمرار الحصار البحري الأميركي الذي يُعرقل شحنات الخام من الخليج، في وقت تتراجع فيه كميات النفط الإيراني الموجودة بالفعل على متن الناقلات خارج نطاق الحصار، مما يحرم طهران تدريجياً من أهم مصادر العملة الصعبة التي تحتاج إليها لدعم اقتصادها وتمويل وارداتها.

وحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، لم تعبر أي شحنات من الخام الإيراني خط الحصار منذ إعادة فرضه من جانب البحرية الأميركية في منتصف يوليو (تموز)، وفق بيانات شركة «كبلر» لتتبع السفن.

ولا تزال إيران تحمل كميات محدودة من النفط على الناقلات داخل الخليج، لكن هذه الشحنات تظل عالقة ولا تستطيع الوصول إلى المشترين خارج المنطقة.

وفي الوقت نفسه، انخفض حجم الخام الإيراني الموجود بالفعل على متن السفن خارج الحصار، الذي كان يمثّل شرياناً مالياً مهماً لطهران، إلى نحو 29 مليون برميل، مقارنة بنحو 90 مليون برميل في منتصف يوليو، وفق «كبلر».

وترى الصحيفة أن هذه الكميات قد تنفد بحلول الشهر المقبل، ما يعني أن قدرة إيران على الاعتماد على مخزون النفط الموجود في البحر لتوليد الإيرادات تقترب من نهايتها.

النفط... شريان العملة الصعبة

بعد ستة أشهر من الحرب، تتزايد الضغوط على الاقتصاد الإيراني مع تراجع المصدر الأساسي للعملة الأجنبية، بالتزامن مع انهيار قيمة الريال وارتفاع التضخم ودخول الاقتصاد مرحلة أكثر عمقاً من الأزمة.

ويشكّل النفط عادة نحو ثلث إيرادات الموازنة الإيرانية، كما تُسهم مبيعات الخام بصورة مباشرة في تمويل النظام وأجهزته العسكرية.

وتقول وزارة الخزانة الأميركية إن القوات المسلحة الإيرانية، بما فيها «الحرس الثوري»، تستخدم شركات مخصصة وشبكات من «أسطول الظل» لبيع النفط وتوفير موارد إضافية لموازناتها.

وفي أغسطس (آب)، لم تتجاوز كميات النفط الإيراني التي حُمّلت على ناقلات داخل الخليج 255 ألف برميل يومياً، بانخفاض قدره 85 في المائة عن متوسط الفترة بين فبراير (شباط) وأبريل (نيسان)، وفق بيانات «كبلر».

لكن هذه الكميات الجديدة لا تزال عالقة خلف خط الحصار، ولم تصل إلى المشترين.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

شريان سابق يوشك على النفاد

وكانت فترة التهدئة التي أعقبت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في منتصف يونيو (حزيران)، والتي تضمّنت توقفاً للحصار استمر عدة أسابيع، قد أتاحت لطهران نقل كميات كبيرة من النفط إلى الخارج لتسليمها في وقت لاحق.

وتعتمد إيران حالياً على العائدات المتأتية من بيع تلك الشحنات.

وقال وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد، الجمعة، إن عملية بيع النفط وتسليمه إلى العملاء «تمت على بُعد آلاف الكيلومترات من الخليج وبحر عُمان».

لكن هذا الشريان المالي بدأ الاختفاء.

وتُقدّر «كبلر» أن عمليات التسليم الحالية، البالغة نحو مليون برميل يومياً، التي تذهب غالبيتها إلى الصين، قد تستنزف مخزون النفط الإيراني الموجود على متن السفن بحلول منتصف أكتوبر (تشرين الأول).

كما قد تتوقف المدفوعات الخاصة بشحنات سبق تسليمها بحلول منتصف ديسمبر (كانون الأول).

ولا يقتصر الخطر على انخفاض الإيرادات الجديدة، إذ إن تحصيل المدفوعات نفسها قد يصبح أكثر صعوبة مع استهداف العقوبات الأميركية الجديدة البنوك والقنوات المالية التي تسهل المعاملات الإيرانية.

الصين تبحث عن بدائل

بدأ بعض المشترين الصينيين التوجه إلى خامات من السعودية والعراق والإمارات لتعويض النفط الإيراني، وفق مسؤولين في قطاع الطاقة الخليجي للصحيفة الأميركية.

ومع تراجع المعروض الإيراني، أصبحت بعض شحناته أغلى بالنسبة إلى المصافي من الخامات المنافسة، على الرغم من المخاطر المرتبطة بالتعامل معها.

وفي المقابل، عرض العراق خصومات تقترب من 30 دولاراً للبرميل على بعض درجات الخام، فيما كان خام برنت يُتداول حول 97 دولاراً للبرميل الاثنين.

ويشير تحول المشترين لخامات خليجية أخرى إلى أن الحصار لا يؤثر فقط في قدرة إيران على التصدير، وإنما يغير أيضاً خريطة تدفقات النفط إلى السوق الآسيوية التي تمثّل الصين أهم وجهاتها.

الحصار يضغط على الإنتاج

ولا يقتصر تأثير القيود على صادرات النفط، إذ بدأت تداعيات الحصار تضغط على مستويات الإنتاج الإيرانية نفسها.

وتشير بيانات المخزونات إلى أن مخزونات النفط داخل إيران لم ترتفع بصورة كبيرة، ما يرجح أن طهران خفّضت إنتاجها ليقترب من مستويات الاستهلاك المحلي، وفق هومایون فلاكشاهي، رئيس تحليل النفط الخام في «كبلر».

ويعني ذلك أن السيناريو الذي توقعه محللون خلال الحصار الأول في الربيع بدأ يتحقق: اضطرار إيران إلى خفض الإنتاج لتجنّب امتلاء منشآت التخزين بالنفط الذي لا تستطيع تصديره.

أما البدائل البرية فلا توفر سوى متنفس محدود.

وحسب فلاكشاهي، لا تستطيع إيران نقل أكثر من نحو 40 ألف برميل يومياً بواسطة الشاحنات، وهي كمية ضئيلة جداً مقارنة بصادراتها قبل الحرب التي كانت تقترب من مليوني برميل يومياً.

كما تفتقر إيران إلى عدد كافٍ من عربات السكك الحديدية المصممة لنقل النفط الخام والمنتجات المكررة.

تاجر عملات يحمل أوراقاً نقدية من فئة 100 دولار في طهران (رويترز)

أزمة تمتد إلى البتروكيميائيات

وامتد أثر الحصار إلى قطاع البتروكيميائيات، الذي يمثل ثاني أكبر مصدر لإيران للعملة الأجنبية بعد النفط.

ويعتمد القطاع بدرجة كبيرة على الصادرات البحرية، وقد انخفضت عمليات تحميل شحناته بنحو الثلثَين بحلول أغسطس مقارنة ببداية عام 2026، وفق تقديرات «كبلر».

وفي المقابل، تمكّن منتجو النفط الخليجيون الآخرون من مواصلة تدفق كميات كبيرة من الخام رغم الحرب.

وهكذا، لا تواجه إيران المشكلة نفسها التي تواجهها الدول المنتجة الأخرى في الخليج؛ ففي حين تستمر هذه الدول في تصدير النفط عبر مسارات بديلة، تتقلص الخيارات المتاحة أمام طهران بصورة حادة.

الريال الإيراني يدفع ثمن تراجع النفط

وتزداد حدة الأزمة الاقتصادية الإيرانية مع تراجع صادرات النفط، إذ تحرم الإيرادات المنخفضة طهران من العملة الصعبة اللازمة لدعم الريال وتمويل الواردات، بما فيها المواد الخام التي تحتاج إليها المصانع.

ويؤدي ارتفاع تكلفة الواردات بدوره إلى زيادة التضخم، في حلقة تضخمية يصعب كسرها مع استمرار ضعف العملة.

وحسب الاقتصادي لدى «كابيتال إيكونوميكس»، هَمَد حسين، فقد الريال الإيراني نحو 15 في المائة من قيمته أمام الدولار منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب حملة الضغط الاقتصادي في أغسطس.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن التضخم في إيران تجاوز 80 في المائة على أساس سنوي، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4 في المائة خلال العام الحالي، وهو أسوأ أداء منذ ثمانينيات القرن الماضي.

تاجر عملات يحمل أوراقاً نقدية من فئة 100 دولار في طهران (رويترز)

التجارة لم تتوقف... لكنها أصبحت أكثر تكلفة

ولم تتوقف التجارة الإيرانية بالكامل، إذ صدّرت البلاد ما يقرب من 15 مليار دولار من السلع غير النفطية بين منتصف مارس (آذار) ومنتصف أغسطس، وفق وسائل إعلام إيرانية، رغم انخفاض القيمة مقارنة بالعام السابق.

لكن أحد أهم منافذ التجارة الإيرانية بدأ يضيق. فقد توقفت التجارة الرسمية عبر الإمارات إلى حد كبير، بعدما أعلنت أبوظبي الشهر الماضي تعليق المعاملات المالية والاقتصادية مع إيران، وفق مسؤولين مطلعين على الأمر، رغم استمرار جزء من النشاط عبر شركات وشبكات غير رسمية.

وتتحول بعض التجارة إلى مسارات عبر تركيا والعراق وعُمان وباكستان، إلا أن هذه البدائل تضيف وقتاً وتكاليف إلى عمليات التجارة.

هل يدفع الضغط الاقتصادي إيران إلى التراجع؟

يبقى السؤال الأهم: هل يؤدي خنق صادرات النفط إلى دفع طهران نحو تقديم تنازلات لإنهاء الحرب؟

تبدو الإجابة غير واضحة. فالولايات المتحدة تراهن على أن زيادة الضغط الاقتصادي ستجبر إيران على تقديم تنازلات، لكن محللين يحذرون من أن تضييق الخناق الاقتصادي قد يدفع النظام الإيراني إلى مزيد من التصعيد بدلاً من التراجع.

وقال حمد حسين إن الكثير سيتوقف على مقدار الألم الاقتصادي الذي يكون النظام الإيراني مستعداً لتحمله لتحقيق أهدافه العسكرية والجيوسياسية.

كما حذّرت مسؤولة شؤون إيران في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إيلي جيرنمايه، من أن الضغوط الاقتصادية، رغم تأثيرها الكبير في الأسر الإيرانية، قد لا تكون كافية لدفع النظام إلى الاستسلام على طاولة المفاوضات. وقالت إن الأدلة المتاحة تشير إلى أن النظام الإيراني «من المرجح أن يقاوم».

النفط بوصفه سلاحاً اقتصادياً

وتأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه إدارة ترمب تحويل عائدات النفط الإيرانية إلى نقطة ضغط رئيسية على طهران. فمع انخفاض كميات الخام المتاحة للتصدير، وتراجع العملة، وارتفاع التضخم، وانكماش الاقتصاد، تتقلّص قدرة إيران على الحصول على العملة الصعبة التي تحتاج إليها لتأمين احتياجاتها الأساسية وتمويل مؤسسات الدولة.

لكن المفارقة أن الضغط الاقتصادي نفسه قد يزيد دوافع طهران للرد العسكري، وهو ما يجعل معركة النفط جزءاً من مواجهة أوسع بكثير من مجرد صراع على صادرات الخام.

فإذا نفدت الكميات الموجودة حالياً على متن السفن خلال أسابيع، كما تتوقع «كبلر»، فإن طهران ستواجه اختباراً جديداً: كيف تحافظ على تدفق العملة الصعبة إلى اقتصادها في ظل إغلاق شريانها الرئيسي للتصدير؟


«بنك اليابان» يراهن على رفع محدود للفائدة لتجنب صدمة أكبر لاحقاً

إشارات المرور أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)
إشارات المرور أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)
TT

«بنك اليابان» يراهن على رفع محدود للفائدة لتجنب صدمة أكبر لاحقاً

إشارات المرور أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)
إشارات المرور أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)

قد يختار «بنك اليابان» رفع سعر الفائدة بمقدار محدود هذا الشهر، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين احتواء مخاطر التضخم وتجنب إحداث صدمة في الاقتصاد والأسواق، في وقت يراقب فيه المستثمرون ما إذا كان «البنك المركزي الياباني» سيقدِم على زيادة أكبر من المعتاد.

كانت آخر مرة رفع فيها «البنك المركزي الياباني» سعر الفائدة الرئيسي بمقدار نصف نقطة مئوية في عام 1989، عندما كانت أسعار الأصول في اليابان قد بلغت مستويات قياسية خلال ذروة الفقاعة العقارية التي انفجرت بعد ذلك بفترة قصيرة، لتدخل البلاد في مرحلة طويلة من الركود عُرفت باسم «العقد الضائع».

وبعد 37 عاماً، يتساءل المستثمرون عمّا إذا كان «بنك اليابان» قد يكرر زيادة بهذا الحجم في اجتماعه المقبل، المقرر يومي 17 و18 سبتمبر (أيلول) الحالي.

إلا إن التوقعات السائدة تشير إلى أن «البنك» سيختار زيادة تقليدية قدرها 25 نقطة أساس، ترفع سعر الفائدة إلى 1.25 في المائة، في ظل اختلاف الظروف الحالية جذرياً عن حقبة الثمانينات.

وتكمن المعضلة الأساسية أمام «بنك اليابان» في الحفاظ على ثقة الأسواق بأنه لا يتأخر عن منحنى التضخم، من دون أن يذهب في الاتجاه الآخر ويُحدث تشديداً نقدياً مفاجئاً قد يضر بالنشاط الاقتصادي.

زيادة ربع نقطة هي السيناريو الأرجح

ويشير أشخاص مطلعون على تفكير «البنك المركزي» إلى أن صانعي السياسة لا يميلون إلى رفع الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس هذا الشهر، في ظل احتواء ضغوط الأسعار على المدى القريب، فضلاً عن مخاطر إحداث صدمة لدى مجتمع اعتاد عقوداً من تكاليف الاقتراض القريبة من الصفر.

ووفق المصادر، فإذا قرر «بنك اليابان» رفع الفائدة، فمن المرجح أن يكتفي بالزيادة المعتادة البالغة 25 نقطة أساس، بما يسمح له بتجنب اضطراب الأسواق وإتاحة الوقت لتقييم تأثير ارتفاع تكاليف الاقتراض على نشاط الشركات والأسر.

لكن في المقابل، أدت عوامل عدة إلى زيادة الضغوط على «البنك» لتسريع وتيرة رفع الفائدة، من بينها الحرب في الشرق الأوسط، وضيق سوق العمل اليابانية، وارتفاع تكاليف الواردات نتيجة ضعف الين، وهي عوامل تزيد الضغوط التضخمية.

وتدرس السلطات النقدية، وفق المصادر، إمكانية رفع الفائدة بوتيرة تقارب مرة كل 3 أشهر، بدلاً من وتيرة الرفع التي اتبعها «البنك» منذ بدء دورة التشديد الحالية.

ويرى محللون أن هذا يمثل سبباً إضافياً لعدم اللجوء إلى زيادة كبيرة في سبتمبر الحالي، إذ إن رفع الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس دفعة واحدة قد يأتي بنتيجة عكسية، من خلال إثارة مخاوف الأسواق من أن «البنك» يشعر بأنه تأخر بالفعل في التعامل مع التضخم.

أشخاص يمرون أمام مقر «بنك اليابان» في طوكيو يوم 1 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

وقال نوبوياسو أتاغو، المسؤول السابق في «بنك اليابان» وكبير الاقتصاديين حالياً في معهد «راكوتن» للأبحاث الاقتصادية، إن رفع الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس قد يُنظر إليه على أنه علامة على «يأس» البنك المركزي، وقد يحول تركيز السوق إلى مخاطر تأخره عن منحنى التضخم.

وأضاف أن «(بنك اليابان) من المرجح أن يرفع الفائدة إلى 1.25 في المائة هذا الشهر، ثم يُجري زيادة أخرى بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر (كانون الأول) أو يناير (كانون الثاني) المقبلين»، في إجراء احترازي لمواجهة تصاعد مخاطر التضخم.

وتابع: «مع اضطراب سوق السندات بالفعل، لا جدوى من أن يفاجئ (بنك اليابان) الأسواق ويتسبب في مزيد من الاضطرابات».

الاحتفاظ ببعض الذخيرة النقدية

بدأ «بنك اليابان» دورة التشديد الحالية في عام 2024، ورفع سعر الفائدة في زيادات قدرها 25 نقطة أساس، بوتيرة تبلغ نحو مرتين سنوياً.

وكان مسؤولو «البنك» قد شددوا في السابق على ضرورة التحرك بحذر، لتجنب إضعاف المعنويات في اقتصاد عانى من الانكماش السعري لنحو 3 عقود.

لكن خلال الأشهر الأخيرة، أدت الضغوط السعرية الأكبر حدة، الناجمة عن الانخفاض الكبير في قيمة الين، إلى زيادة الإحساس بضرورة التحرك، سواء داخل اليابان وخارجها.

كما عززت سلسلة من التصريحات المتشددة من مسؤولي «بنك اليابان»، إلى جانب الضغوط التي مارسها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، التوقعات بأن «البنك» سيرفع أسعار الفائدة هذا الشهر.

وكانت تصريحات عضو مجلس إدارة «بنك اليابان» المتشدد، هاجيمي تاكاتا، قد أثارت تكهنات بإمكانية إقدام «البنك» على زيادة أكبر من المعتاد.

لكن محافظ «بنك اليابان»، كازو أويدا، قال الأسبوع الماضي إن الظروف الاقتصادية والأسعار تتحرك إلى حد كبير بما يتماشى وتوقعات «البنك»، في إشارة إلى أن مخاطر التضخم لم ترتفع بالقدر الكافي لتبرير زيادة استثنائية في أسعار الفائدة.

وقال أويدا: «نأمل مواصلة رفع أسعار الفائدة في ظل بقاء الأوضاع المالية ميسرة»، لكنه أضاف أن البنك «رفع أسعار الفائدة 5 مرات حتى الآن، ولذلك نحتاج إلى تقييم التأثير التراكمي على الاقتصاد بعناية».

محافظ «بنك اليابان» كازو أويدا في طريقه إلى مؤتمر صحافي سابق بمقر «البنك» في العاصمة طوكيو (رويترز)

كما أدى ارتفاع الين إلى أعلى مستوى له في 7 أشهر عند نحو 153 يناً للدولار، مبتعداً بشكل كبير عن أدنى مستوى له في 40 عاماً قرب 164 يناً الذي سجله في يوليو (تموز) الماضي، إلى تخفيف بعض الضغوط عن «البنك» لاتخاذ خطوة كبيرة لدعم العملة.

وقال أحد المصادر إن «بنك اليابان» يستطيع على الأرجح إجراء زيادتين إضافيتين للفائدة هذا العام، «ولذلك لا توجد حاجة إلى زيادة قدرها 50 نقطة أساس دفعة واحدة».

وأشار مصدر آخر إلى أن البيانات الأخيرة تظهر أن التضخم لم يتسارع بالحدة التي تبرر رفع الفائدة بمقدار أكبر من المعتاد، وهو تقييم أيدته 3 مصادر أخرى مطلعة على تفكير «البنك».

الاقتصاد لا يحتاج إلى تشديد حاد

وتشير البيانات الأخيرة إلى أن الاقتصاد الياباني لا يحتاج في الوقت الراهن إلى تشديد نقدي حاد يستهدف كبح الطلب القوي بصورة مفرطة.

ورغم أن الارتفاع الأخير في أسعار المنتجين يُنظر إليه على أنه عامل قد يزيد الضغوط على أسعار المستهلك خلال الأشهر المقبلة، فإن المؤشرات لا تزال محدودة على دخول الاقتصاد دوامة مقلقة من ارتفاع الأسعار والأجور.

وشدد مسؤولو «بنك اليابان» على ضرورة مراقبة تأثير الزيادات السابقة في الفائدة على الإقراض المصرفي، خصوصاً في ظل عدم اليقين بشأن كيفية استجابة الأسر والشركات لارتفاع تكاليف الاقتراض بعد عقود من السياسة النقدية فائقة التيسير.

ولا تزال الأوضاع المالية ميسرة حتى الآن، مع ارتفاع الإقراض المصرفي بنسبة 5.4 في المائة على أساس سنوي في أغسطس (آب) الماضي.

الحمائم يدفعون نحو الحذر

وقد يرى أعضاء مجلس إدارة «بنك اليابان» الأميل إلى التيسير النقدي حاجة أكبر إلى التحرك بحذر، مع اقتراب سعر الفائدة من المستويات التي يُعتقد أنها محايدة للاقتصاد.

ويقدر موظفو «البنك» نطاق سعر الفائدة المحايد للاقتصاد الياباني بين 1.1 و2.5 في المائة.

وكان عضو مجلس الإدارة تويتشيرو أسادا، المعارض الوحيد قرار «البنك» في يونيو (حزيران) رفع الفائدة إلى واحد في المائة، قد قال لـ«رويترز» في يوليو الماضي إنه يريد رؤية تضخم مدفوع بالطلب قبل تأييد مزيد من زيادات أسعار الفائدة.

كما قالت أيانو ساتو، وهي عضو آخر تميل إلى التيسير وانضمت إلى مجلس الإدارة في 30 يونيو، إن على «البنك المركزي» ألا يركز فقط على مخاطر ارتفاع الأسعار، بل أن يأخذ أيضاً في الحسبان المخاطر السلبية التي تهدد النمو.

وقالت ماري إيواشيتا، كبيرة استراتيجيي أسعار الفائدة لدى «نومورا سيكيوريتيز»: «لن أفاجأ إذا رأى بعض أعضاء مجلس الإدارة حاجة إلى اتباع نهج أكبر حذراً في رفع أسعار الفائدة مقارنة بما تتوقعه الأسواق، التي بدأت تتقدم قليلاً على نفسها». وأضافت أن «(بنك اليابان) من المرجح أن يتمسك بزيادة قدرها 25 نقطة أساس في الوقت الراهن».